وقف كل من ساهر و ليل وجهًا لوجه على عتبة باب المنزل. كانت عين ساهر مذهولتين، بينما عين ليل ذبلت بالحزن والشوق، ودون سابق إنذار اقترب بخطوات ثابتة نحو ساهر وعانقه بقوة. وقف ساهر ثابتًا، لم يبادله العناق أو يظهر أي رد فعل. اشتدت قبضته عندما استمع إلى صوت ليل يهمس بالقرب من أذنيه، بينما كان نادر يهبط الدرج من خلفهم. مالك يا ساهر؟ أنت مش مبسوط برجعة أخوك الوحيد؟ تنهد ساهر بعمق ثم أبعده عنه بهدوء وهو يقول بغضب مكتوم:
أنت مش أخويا، وما فيش حاجة تربطني بيك غير إنك ابن مرات أبويا... قصدي اللي كان أبويا. الله يرحم أبويا مات من زمان.
أنهى حديثه وتخطاه وغادر، لم يبال لنادر الذي كان يقف خلفه يستمع إلى حديثه القاسي. انهالت دموعه وهو يجلس مكانه في حالة من الصدمة والحزن الشديد، وندمًا على ما فعله في الماضي. كان يظن أنه بما فعله يحمي أولاده، لكنه لم يعرف أنه خسرهم للأبد مقابل رضا زوجته، والعيش ليربي أبناء رجل آخر، وترك أبنائه ليربيهم الزمن بمعرفته. رآه ليل في هذا الحال، فهرول إليه ليسانده وهو يقول بقلق وخوف حقيقي: بابا... حبيبي. أنت كويس؟
انحنى وهو يمد يداه على كتفه ليساعده على النهوض. رفع نادر عينيه الغارقتين بالدموع، وهتف بحزن عميق قائلًا بصوت بالكاد يسمعه ليل: مستحيل اللي اتكسر يتصلح يا ليل... وأنا بغبائي كسرت عيالي بدل ما أكون أنا السند لهم. أنا رميتهم في الشارع... أنا... أنا... ما أستاهلش كلمة بابا يا ليل، ما أستاهلهاش في أب يرمي أولاده خمس وعشرين سنة وما يعرفش عنهم حاجة...
وبينما كان يتحدث تساقطت قطرات الدماء من أنفه، وكان ليل يبكي بألم وحزن على حال والده الذي رباه، وعندما رأى الدماء اتسعت عينيه بفزع، وهو يقول بهدوء مهادئ: اهدى علشان خاطري، كل حاجة هتتصلح، أنا بوعدك، بس اهدى علشان خاطري... تلاشت الرؤية من عين نادر وشعر بدوار شديد، وفجأة اختفى كل شيء من أمامه ليغرق في ظلام كحيل، ولم يشعر بشيء غير وجسده يرتدِمي بين ذراعي ليل. صاح ليل بفزع وهو يراه يفقد الوعي بين يديه، هز جسده
بقلق شديد وهو ينادي عليه: بابا... بابا.. بابا رد عليا بابا... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في قصر الجوكر.. دخلت شوق إلى المطبخ، انبهرت بحجمه وتصميمه الفاخر. رأت أكثر من شيف وخادم يحضرون وجبة الغداء للعائلة، ابتلعت ريقها بتوتر، وملامحها باد عليها الخوف والقلق. ضغطت بقوة على زجاجة صغيرة تخبئها أسفل طرف كُم فستانها. لاحظها أحد الخدم، ترك ما كان يفعله وهرول نحوها وهو يقول باحترام شديد، وهو يحني رأسه:
أمرك آنسة شوق، حضرتك محتاجة حاجة أجيبها لك؟ رفعت شوق يديها المرتجفتين لتمسح قطرات العرق عن وجهها، وازداد توترها عندما رأت الجميع يترك ما في يداه ويقف احترامًا لها. نظرات الاستغراب والتعجب تلتف حولها، لأول مرة منذ زمن يدخل أحد من أفراد العائلة إلى المطبخ. حاولت أن تقول شيئًا، وبعد عدة محاولات خرج صوتها متقطعًا وهي تتجول بعينيها في ملامح الموجودين أمامها: ب.. ببب، بصراحة ك.. كنت زهقانة شوية...
قو.. لت أجي أعمل معاكم حاجة. نظر الشخص الذي يقف أمامها إلى الجميع من خلفه بينما تبدلت نظرات الاستغراب. ابتسمت امرأة في الخمسينيات من عمرها، ذات ملامح طيبة، واقتربت منها، وضعت يديها على كتف شوق بحنان، وقالت: فعلًا اللي خلف ما متش.. نظرت إلى ملامح شوق بحزن وحب، ورفعت يديها إلى وجه شوق لتزيح خصلاتها، لترى ملامحها بوضوح، ثم قالت بهدوء مفعم بالحزن:
سبحان الله، كأنك هي والله، نفس العيون الجميلة، والنظرة الحنينة، نفس الملامح، ونفس الدم، حتى صوتك قريب جدًا منها. عقدت شوق حاجبيها باستفهام، وقالت: مش فاهمة، هي مين؟ ابتسمت لها المرأة بحب، وقالت بفخر: مامتك، مامتك يا شوق، كلها أنتي، وكلك هي. أنتي نسخة طبق الأصل منها. خفضت شوق رأسها بحزن وهي تتذكر نور، ثم قالت بنبرة حزينة: أنا ماما، الله يرحمها، ماتت. قاطعتها المرأة بشهقة، وقالت بلهفة:
فال الله ولا فالك، تفي من بوقك يا بنتي، ربنا يشفيها وتقوم لك بالسلامة. نظرت شوق إليها بصمت مريب، ولم تفهم ما تقصده، بينما جذبتها المرأة إلى داخل المطبخ، وهي تقول بابتسامة دافئة: تعالي بقى، قولي لي عاوزة تعملي إيه معنا. عارفة، من يوم ما اشتغلت في البيت ده من 30 سنة من عمر عشق بيه تقريبًا، وما شفتش حد دخل المطبخ ده غير مامتك وأنتي.
عندما نطقت المرأة اسم عشق، تغيرت ملامح شوق لغضب وكره شديد. ضغطت بقوة على الزجاجة التي في يديها، وعزمت على إنهاء ما أتت من أجله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور عدد ساعات، والساعة الآن الواحدة ظهرًا، وهذا موعد العائلة لتناول وجبة الغداء. تجمع الجميع على المائدة، يتبادلون النظرات والابتسامات المتكلفة بينهم.
هبطت نيلي الدرج، تقدمت وجلست بصمت على المقعد بجانب ياري بعد ما دعاها عشق لتناول الغداء معهم. لم تبال بنظرات نيل أو أحد من الموجودين التي لفتت انتباههم بجمالها الظاهر وشخصيتها القوية. انتبه الجميع إلى مشرفة الخدم تتقدم بصحبة شوق، وخلفها العديد من الخدم يحملون أطباق الطعام على أيديهم. وقفت المشرفة بالقرب من جلال، وهي تهتف بسعادة، وعينيها على شوق التي أظهرت توترها ولم تستطع التحكم في حركات يديها التي تفركهما معًا:
مش هتصدق يا جلال بيه، مين اللي حضر الغداء النهارده بإيده؟ نظر الجميع لها باهتمام واستغراب، بينما عقد جلال حاجبيه قائلًا باستغراب: هو أنتم جبتوا طباخ جديد ولا إيه؟ ابتسمت ابتسامة عريضة، وهي تسحب شوق من معصمها بحنان لتوقفها قرب جلال، وقالت: شوق، حبيبة قلبك، هي اللي حضرتلك الغداء. نظر جلال إلى شوق بسعادة، وقال بدهشة: وااااو! إيه المفاجأة الحلوة دي يا شوق، يا حبيبتي، تعالي لحضن جدو!
فتح ذراعيه لها ليحضنها بكل حب وحنان، ترددت شوق قبل أن تنحني على مضض لتعانقه. رفع الجميع أيديهم ليصفقوا، منهم من صفق بحرارة، وآخر على مضض، وآخر بغيظ، بينما كانت نيلي تعقد حاجبيها باستغراب، وتنظر إلى شوق بتعجب وصمت مريب يلتف بها، بينما عقلها كان يسترجع موقفًا ظريفًا بينهم في الماضي. (ذكريات نيلي)
كانت نيلي في غرفتها، تجلس على كرسي، تحمل في يديها كتابًا وتضع نظارة على عينيها، وكانت تقرأ بتركيز حتى قطع تركيزها دخول تلك المشاغبة شوق إلى الغرفة دون استئذان. تقدمت وجلست على طرف الفراش، ورفعت قدمًا فوق الأخرى، وحملت في يديها تفاحة طازجة تأكل منها، وهي تقول بجدية مصطنعة: بصي يا نيلي، أنا هقولك على أكتر حاجتين بكرههم في الدنيا. نظرت لها نيلي، وزفرت بضيق، ومثلت أنها لا تبالي بها وتركز في كتابها، لكن
أكملت شوق ولم تبال لشيء: أول حاجة يا ستي، أنتي عارفاها طبعًا، أنا قد إيه بكره المطبخ، لأني بقرف من ريحة البصل زي ما أنتي عارفة. تاني حاجة يا ستي، أني أطلب حاجة من حد ويرفض. أغلقت نيلي الكتاب بغضب، وقالت بحدة: شوق، قولي عاوزة إيه وأخلصي، مش فاضية لك. في لمح البصر جلست شوق عند قدميها، ورفعت يديها لتفعل لها مساج، وهي تقول بنبرة توسل بشكل كوميدي:
أبوس إيدك يا نيلي، عاوزة الفستان الأسود بتاعك اللي أنتي شارياه الأسبوع اللي فات، أحضر بيه عيد ميلاد هانم صحبتي... الحاضر. كانت نيلي تبتسم لذكرياتهم الحنونة معًا، حتى لفت انتباهها صوت رنين هاتف بالقرب. نظرت حولها لترى عشق يسحب هاتفه من جيب بنطاله. ولم تمر ثوانٍ بعد ما أجاب حتى انتفض بفزع، وهو يصيح بصوت أفزع الجميع فنهضوا معه: أنت بتقول إيه وإمتى ده حصل؟ طيب طيب، أنت فين؟ أنا جيالك حالًا. أغلق عشق الهاتف،
فقال قاسم بلهفة: خير يا عشق، حصل إيه يا ابني؟ أجاب عشق على عجلة: ليل وعمو نادر رجعوا، بس عمو نادر تعب فجأة ونقلوه على المستشفى. نظر إلى جلال، وهو يكمل بهدوء: بعد إذنك يا جدو، أنا لازم أكون مع ليل علشان ما يفضلش لوحده. أجاب جلال بهدوء: طبعًا، روح وابقى طمني حصل إيه. أضاف قاسم: استنى يا عشق، أنا جاي معاك. أضاف حازم: وأنا كمان هاجي معاكوا أطمن على نادر. أضاف نيل: وأنا كمان جاي معاك. ثم نظر إلى جلال
بخوف وتردد قبل أن يقول: ده طبعًا من بعد إذنك يا جدو. جلال بضيق: ما اللي عاوز يروح يروح، أنا مش ماسك حد. توجه عشق بصحبة كل من قاسم وحازم ونيل ليغادروا بخطوات سريعة متلهفة وملامحهم ظهر عليها القلق والخوف أن يصيب نادر مكروه، بينما وقفت أسيل مترددة، وهي تفكر بصوت عالٍ: الفرصة جات لحد عندي، ده الوقت المناسب اللي أقرب فيه من كوثر. ثم نظرت إلى جلال بخوف، وقالت بنبرة مترددة:
أكيد كوثر هانم هتكون لوحدها ومحتاجاني جنبها، وأنا مش هسيبها في الوقت الصعب ده، فبعد إذنك يا جلال بيه هروح معاهم علشان المدام كوثر ما تكونش لوحدها. نظر لها جلال بتعجب، وقال ببرود: ومن إمتى الحنان والحب ده؟ توترت أسيل وأخذت تفرك يديها ولم تعرف كيف تجيب، فأكمل جلال بعدم مبالاة: أنا زي ما قولت، اللي عاوز يروح في حتة يروح، أنا مش ماسك حد. ثم نظر إلى شوق بابتسامة عريضة وسعادة، وقال:
إنما أنا لو اتهدت الدنيا مش منقول من مكاني قبل ما أذوق طبخ حبيبة قلبي شوق. حاولت شوق أن تبتسم بالرغم من خوفها وتوترها الظاهر عليها، بينما نظرت ياري لها بحقد وغيظ شديد، كانت تحمل في يديها ملعقة، فوضعتها على المائدة بحركة عنيفة، فأصدرت صوتًا مفزعًا لفت انتباه الموجودين، بينما هي نهضت بهدوء وهي تقول ببرود: عن إذنكم، ماليش نفس.
توجهت ياري لتصعد إلى جناحها، وكذلك أسيل توجهت بخطوات سريعة شبه بالركض لتلحق بعشق والباقي، بينما بقي جلال وشوق ونيلي، التي كانت لا تبالي لشيء يحدث حولها غير خوف وقلق شوق، التي أثبتت لها أنها تنوي فعل شيء أو فعلته بالفعل. تضيقت جفونها بشك عندما لاحظت نظرات شوق المقلقة إلى الطبق أمام جلال الذي أكل منه بالفعل وهو يتمتم مستمتعًا: واووو واو واو، حقيقي، تسلم إيدك يا شوق، ده أحلى طبق...
ولم يستطع إكمال حديثه عندما شعر بألم شديد في معدته، رفع يديه إلى معدته، وملامحه شاحبة بالألم. ضيقت شوق عينيها باستغراب وهي تنظر له، بينما نهضت نيلي سريعًا وهرولت إلى جلال، وهي تقول بفزع حقيقي، خوفًا أن يكون ما تفكر به صحيح وأن تكون تلك الحمقاء شوق هي وراء ما حدث لجلال الآن: جلال بيه، حضرتك كويس؟
لم تمر ثوانٍ حتى تقيأ جلال الدماء وسقط على المائدة بلا حركة. اتسعت عين شوق ونيلي في ذهول، رفعت نيلي عينيها في عين شوق التي كانت مستغربة ولا تفهم ما يحدث، هرولت لترفع جسد جلال، وهي تقول بفزع وخوف حقيقي ودموعها تنهمر بغزارة: جدو.. جدو.. رد عليا جدو! رفعت رأسها تنظر إلى نيلي بخوف وهي تبكي وتقول: هو ماله يا نيلي، حصل له إيه؟ أنا والله ما عملتش حاجة.
أتت مشرفة الخدم مهرولة على صياح الفتاتين، وخلفها طاقم العمل، وعندما رأت جلال بهذا الحال صاحت بفزع وهي تركض نحوه: يا لهوي جلال بيه! في المستشفى، حيث يقف ليل أمام زجاج غرفة العناية المركزية، تنهال دموعه على خده وهو يرى نادر، ذلك الرجل الذي رباه بكل حب وحنان، الذي تخلى عن أبنائه لكي يعوضه نقص والده الحقيقي، مستلقيًا على فراش الموت، والأجهزة حوله من كل جانب.
كان داخل الغرفة ساهر مع بعض الأطباء الآخرين، وكان وجوده مجرد أداء واجب كأي طبيب، لم يتأثر بحالة والده أو هو من يحاول أن يرتدي قناع اللامبالاة. أتت عشق مهرولةً إلى ليل، وخلفه كل من نيل وقاسم وحازم وزوجته، ورأى ليل أنهارًا في البكاء وهو يعانق عشق بقوة وهو يقول: –بابا يا عشق، أنا مش قادر أتخيل إني ممكن أخسره. ربت عشق على ظهره برفق، وهو يقول: –بإذن الله مش هيحصل له حاجة. بس أنتم وصلتوا إمتى وإيه اللي حصل؟
وقبل أن يجيب ليل على سؤال عشق، فتح ساهر باب الغرفة وخرج بهدوء مريب كأن الذي في الداخل لا يقربه بشيء. نظر له الجميع باستغراب، وهتف نيل بدهشة: –ساهر؟ نظر لهم ساهر ببرود، وكان سيتخطاهم ويغادر، لكن أوقفه صوت عشق قائلًا باللهفة والقلق: –استنى يا ساهر، طمّنا عمو نادر عامل إيه دلوقتي؟ تبادلت النظرات بصمت بين ساهر، الذي كان يظهر عكس ما في داخله، وبين ليل، الذي احمرت عيناه من كثر البكاء. وبعد صمت طال للحظات، أجاب ساهر ببرود:
–الدكتور جوه، لما يطلع اسألوه عن إذنكم. أنهى حديثه وتركهم وغادر، وهو لا يبالي لمن أمامه، حتى لو كانوا عائلة الجوكر، فهو لا يكره أحدًا أكثر منهم ويعتبرهم السبب في كل ما مر به منذ صغره. هتفت أسيل بحنق، قائلة: –حقيقي إنسان قليل ذوق. نظرت حولها تبحث عن كوثر، وقالت بهدوء: –بس هي فين المدام كوثر؟ مش شايفاها. هي ما عرفتش اللي حصل ولا إيه؟
بينما في القصر.. أتت سيارة الإسعاف بعدما طلبتها مشرفة الخدم، وحملوا جلال إلى الإسعاف، وهرولت كل من نيلي المذعورة وياري التي تبكي خوفًا على جدها الذي تحبه مهما حاولت أن تكره، وجلست الاثنتان بجانب جلال داخل سيارة الإسعاف التي تحركت لتغادر إلى المستشفى، وكان صوت صفارة الإنذار يعلو في المكان. كانت شوق تركض وهي تبكي بحرقة وخوف لتغادر المنزل لتلحق بهم، لكن أوقفها صوت كوثر تصفق بحرارة وهي تهبط الدرج بخطوات ثابتة وتهتف بفخر:
–برافو برافو يا شوق يا حبيبتي، رغم إنك غيرتي اللي متفقين عليه بس عجبني أوي اللي أنتِ عملتيه ده. هرولت شوق نحوها وهي تقول ببكاء مرير وصوتها يتقطع بخوف: –لا... أنا ما عملتش حاجة... صدقيني مش... مش عارفة اللي حصل ده... حصل إزاي. أخذت شوق تحكي لها ما حدث معها وهي في المطبخ وهي تبكي بحرقة، وكلما مسحت دموعها غمرت خديها غيرهم، وعقلها يسترجع ما حدث. (ذكريات شوق... منذ ساعات)
في المطبخ، وقفت شوق مع مشرفة الخدم تحضر الطعام بمساعدتها، وهي تستمع إلى حكاياتها مع العائلة والحب الذي كانت تراه في أعين وأفعال جلال من أجل شوق طول السنوات السابقة. –عارفة يا شوق، أنا لو فضلت أحكيلك عن حب جدك جلال ليكي، مش هخلص طول عمري. أضافت شوق بتعجب قائلة: –هو حقيقي كانوا بيعملوا لها حفلة عيد ميلاد باسم الأميرة المفقودة؟ ابتسمت بحنان وهي تقول:
–أيوه والله يا بنتي، من يوم ما اكتشفوا إنك لسه عايشة، وهم كل سنة يعملوا حفلة، ودي مش حفلة عادية، دي حفلة ألف ليلة وليلة، ما اتعملتش حتى لعشق بيه. تمتمت شوق بشرود: –أنا ما بقتش فاهمة حاجة؟ هم إزاي يمثلوا إني بنتهم المفقودة ويعملوا لها حفلة كل سنة؟ في حاجة غلط مش قادرة أفهمها. ثم نظرت إلى الزجاجة التي تخبئها أسفل كم فستانها، وهي تقول بنبرة مترددة لم تسمع أحد غيرها: –أنا حاسة إني بعمل حاجة غلط...
دايمًا بابا كان بيقول اسمعي لصوت قلبك، العيون ممكن تكذب، والودان ممكن تكذب، حتى العقل بيكذب كتير، بس اللي مستحيل يكذب عليكي هو قلبك. علشان كده امشي واتبعي صوت قلبك، هو الصح... تنظر شوق إلى سلة القمامة القريبة منها، ثم تنظر إلى الجميع لترى كل منهم مشغول بما يفعله، حتى الخادمة التي كانت تتحدث معها انشغلت في عملها. انحنت بهدوء، ثم فتحت سلة القمامة وهي تقول بنبرة مترددة: –أنا مستحيل أعمل حاجة قلبي مش موافق عليها.
ثم أخرجت الزجاجة وألقتها في القمامة دون أن تلفت انتباه أحد الموجودين. الحاضر: شوق ببكاء: –والله العظيم يا طنط، ده كل اللي حصل، أنا كنت ناوية أعمل كده فعلًا بس ما قدرتش. ابتسمت كوثر وهي تدور حولها، كأنها حية تستعد لافتراس فريستها، وهي تهتف، ومع كل كلمة كانت تتسع عين شوق في دهشة وذهول، ودموعها التي كانت تنهمر دون توقف توقفت من شدة صدمتها.
–عارفة يا روحي، إنك مستحيل كنتِ تقدري تعملي كده إذا دلوقتي أو بعدين، بس اسمعي اللي هقولك عليه، وثقي إنك شطورة وهتنفذي المرة دي صح. انحنت كوثر من خلفها وهمست بالقرب من أذنيها بنبرة طفولية ساخرة: –بس أنا لوحدي اللي أعرف إنك مش أنتِ اللي سممتي بابا حبيبي، علشان أنا اللي عملت كده. بس أنتِ زي الشطورة هتقولي إنك أنتِ اللي سممتي بطلب من عشق بيه.
التفتت شوق لها واتسعت عينيها في دهشة وذهول أكبر، وشعرت أن قدماها لا تستطيع حملها. فابتسمت كوثر بسخرية، قائلة بهدوء وهي تمد شفتيها للأمام كالطفلة تمثل البراءة: –آه يا روحي، أنتِ شطورة وهتقولي اللي هقولك عليه. كمان شوية لما ينقبض عليكي تقولي زي ما هقولك كده بالضبط. أنا اللي حطيت السم في الأكل بأمر من عشق بيه... عشق بيه طلب مني أمثل إني الأميرة المفقودة، ولما الكل يثق فيا أحط لهم السم في الأكل مقابل عشرة مليون دولار.
تصمت لثوانٍ، ورفعت يديها لتمسح دموع شوق بأطراف أناملها وهي تقول ببرود قاتل: –يلا قولي كده ورايا علشان أتأكد إنك شطورة وبتحفظي بسرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!