-هتفضلوا باصين للأكل طول النهار ولا إيه، ما تاكلوا يلا.
قالها يعقوب بهدوء مراعاةً للجو المشحون بالحزن، الكل ابتدى يسمي ويأكل في صمت مميت، وعيون كل واحد بتحكي شعورًا مختلفًا بدموع، قامت رقية من على الطربيزة وهي بتقول:
– الحمد لله.
دخلت المطبخ، وجلست على أحد الكراسي وهي تبكي. لحق بها مروان، وتوقف عند الباب، وقال محاولًا أن يخفف عنها بمرح:
– بقى مش عيب واحدة كبيرة زيك تعيط وتقوم من على الأكل؟
وقفت أمام الحوض، وشرعت في غسل الأطباق المتسخة، محاولةً أن تشغل عقلها عن فراق ابنها، وقالت بإنكار:
– أنا مش بعيط، روح كمل أكلك يلا وسيبني أنا ورايا مية حاجة.
– رقية تعالي كملي أكل… تعالي بس وهسميكي رقية القماصة.
رمقته بضيق ثم قالت بصوت عالٍ تنادي على زوجها:
– يا يعقوب تعال لابنك ده.
شحب وجهه لأنه يعرف جيدًا ماذا سيفعل به أبوه:
– صحيح الغدر ميجيش إلا من أمك.
جاء يعقوب، وقف بجانبه وشد ودنه وقال:
– هو مفيش غيرك مطلع صوتها، عملت إيه المرادي؟
اتألم مروان وقال بضجر:
– آه ما براحة يا حج، ودني بقت زي طبق الدش، وبعدين معملتش حاجة.
نظر له بشك وقال:
– يا واد يا بريء.
– غير إني قولتلها تبطل قمص وزعل، ما إنت عارف مقدرش أشوفها زعلانة.
اتنهد يعقوب بهدوء وهو بيشيل إيده من عليه وقال:
– بتقدر تحرق في دمها بس، اختفي من وشي وحسابك معايا بعدين.
فرك مروان ودنه الحمرا وقال وهو بيخرج:
– أنا كمان همشي، بس اصبروا عليا.
زاد بكاء رقية إثر كلامه، ودخل يعقوب، قفل المية، وقف قصادها وقال بهدوء وهو بيمسح دموعها بأطراف أنامله:
– لا، اجمدي كده.
تركت كوباية على رخامة الحوض وقالت بحزن:
– مش قادرة، ده أنا لسه مش واخدة إنه بقى له شقة لوحده، يقوم يسافر.
مسك إيديها بلطف وقال بمواساة:
– أنا عارف قد إيه إنتِ متعلقة بيه، بس هي دي الدنيا، سيبيه يشوفها ويجرب، يلا نطلع نقعد معاه قبل ما يمشي.
دلفوا إلى الصالة، عمار بيلم الأكل، وجنة بتساعده، ومروان واقف يعدل عليهم كالعادة، أما أحمد وعلياء قاعدين يبصوا لبعض وبس، قاطع الصمت صوت يعقوب:
– جهزت شنطتك؟
ابتسم وهو ينظر إلى زوجته التي ترمقه بنظرات حزينة:
– علياء عملتهم، أنا يدوب ألبس وأمشي علشان ألحق الطيارة.
وقبل أن ينهض، احتضنته رقية وقالت بحزن:
– خلي بالك من نفسك.
خرج من حضنها وقبل إيديها وقال:
– حاضر.
– وتاكل كويس، ومتنساش نفسك.
أومأ لها برأسه، محاولًا أن يخفف عنها، ثم قال بابتسامة:
– حاضر… بس كفاية عياط يا حبيبتي، خسارة عينيكي الحلوين دول يزعلوا.
ابتسمت رغم دموعها، وعادت تحتضنه مرةً أخرى، وهي تشعر بغصةٍ ثقيلة في قلبها:
– هيوحشني بكشك عليا.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
– كلك هتوحشيني، بس الظروف بقى، متنسنيش في دعواتك المؤنسة.
– عيوني.
قالتها وجلست بجانب علياء، أما هو طلع البلكونة ونظر للحارة المليئة بأصوات الأطفال الذين يلعبون الكرة، وبعض منهم يتسابقون بالدراجات، ومحلات وورشة أبيه التي كان يذهب إليها وهو صغير من أجل أن يتعلم منه حرفة النجارة، ولكنه كان يفشل في كل مرة، قاطع شروده صوت يعقوب:
– هتمشي إنت وهتسبني للدوشة دي لوحدي.
ابتسم أحمد وقال:
– قدها وقدود يا بابا، طول عمرك شايلنا كلنا.
ابتسم يعقوب وربت على كتفه، ثم قال:
– وإنت طول عمرك شايل معايا يا أحمد، من أول ما عودك شد.
خفض أحمد رأسه وقال:
– أنا عمري ما عرفت أساعدك في الشغل زي عمار ومروان.
هز يعقوب رأسه نافيًا وقال:
– مش لازم تساعدني في الشغل. ربنا كتب لك طريق تاني، وخلاك في مهنة التمريض تخفف آلام الناس. وكفاية اهتمامك بالبيت، وبأختك، ودراستك.
ثم تغيرت نبرة صوته وهو يوصيه:
– حافظ على نفسك، وعلى دينك، ده أهم حاجة. المغريات هناك كتير، وإنت عارف.
ابتسم أحمد بثقة وقال:
– عارف… بس برضه ثق في تربيتك لينا.
ابتسم يعقوب بحنان، وقال:
– واثق يا حبيبي. ربنا يحفظك من كل شرور الدنيا.
– آمين يا رب. هروح أسلم على إخواتي، وعلى ما أخلص أبقى أطلع ألبس وأمشي.
– وأنا هنزل أطلع العربية من الجراج.
استدار وغادر الشرفة، متجهًا للبحث عن عمار، ووجده يجلس في غرفة الضيوف:
– شيخ عمار.
تأفف عمار وقال:
– أنا مش شيخ والله.
– طيب يا شيخ أنا همشي.
– على خير، ربنا ييسرلك أمورك يا أخي، صدقًا أنا هفتقد وجودك.
– وأنا كذلك يا أخ عمار.
– إنت بتتريق عليا ؟
كتم ضحكته، فهو يعلم مدى حب أخيه منذ الصغر للتحدث باللغة العربية الفصحى:
– أبدًا، هروح أسلم على أختك.
كانت تقف على باب غرفتها، أول ما شافته قفلت الباب وبدأت في البكاء، فتلك الصغيرة تتجرع لأول مرة ألم الفراق:
– جنة افتحي الباب هقولك على حاجة.
طيب كده يعني همشي من غير ما أسلم عليكي.
فتحت الباب وهي بتبكي بحرقة، ابتسم بحزن وضمها لحضنه وهو يرتب عليها بحنان، فهي ليست أخته الصغيرة بل هي ابنته الأولى، الطفلة التي اعتاد على تدليلها:
– اهدي طيب، أنا مش مهاجر والله، هنزل أجازات.
– يا أبيه ما تشتغل هنا وتبقى معانا؟
قاطع كلامها وإيده بتحضن وجهها وقال:
– خلاص مبقاش ينفع، أنا عايزك تكوني شاطرة وأسمع عنك كل خير زي ما اتعودت ها.
ابتسمت ابتسامة حزينة وهي بتمسح دموعها وقالت:
– حاضر، وإنت خلي بالك من نفسك.
– ماشي.
– وكلمني كل يوم.
– وهكلمك كل يوم إن شاء الله، مشوفتيش مروان راح فين؟
– هتلاقيه مستخبي في أوضته.
طبع قبلة على رأسها وخرج متجهًا إلى غرفة المشاغب الصغير، طرق الباب عدة مرات ثم دلف وهو ينظر له بعين مودع وقال:
– أنا ماشي.
– مع السلامة.
– برضه مش عايز تيجي توصلني المطار؟
– عندي مذاكرة كتير.
– وإنت مقطع نفسك مذاكرة يعني.
أغلق الكتاب وهو ينهض من على الكرسي وقال بثقة:
– هندسة مسألة وقت بقولك.
– يارب.
– أحمد.
تردد لثوانٍ، فقد كانت الكلمات العالقة في صدره تحمل الكثير من المشاعر، لكنه لم يعرف كيف يبدأ:
– هفتقد وجودك في البيت.
ابتسم بحب وقال:
– وأنا كمان هتوحشني دوشتك، خلي بالك من أختك.
– في عيني.. يلا بقى امشي ولا هترجع في كلامك.
– لا مش هرجع، سلام
.
خرج من غرفته وهو يقول لأخيه الآخر:
– عمار تعال معلش نزل الشنط العربية.
– يلا.
نظرت رقية إلى زوجة ابنها وقالت بهدوء:
– إيه يا لولو هتطلعي ورا جوزك؟
ردت عليها بجمود ومحاولة منها لاخفاء حزنها:
– أنا جهزتله كل حاجته، يدوب هيغير هدومه.
– اركني زعلك واطلعي يا حبيبتي، مينفعش يسافر من غير ما تودعيه ويودعك.
– طيب.
– ربنا يهديكم ويهدي سركم ويجمع شملكم من تاني.
كان أحمد يقلب الغرفة بعينيه وهو يفتش بين أغراضه، ثم قال بضيق خفيف:
– بتدور على إيه بس؟
زفر وهو يحك مؤخرة رأسه بحيره:
– مش لاقي فردة الشراب، كانت في إيدي من ثانية، مش عارف اختفت فين؟
انحنت قليلًا، ثم التقطتها من فوق السرير ومدتها إليه:
– أهي.
أخذها منها وهو يبتسم:
– مش عارف مين هناك هيلاقيلي الحاجات الضايعة.
هزت كتفيها وقالت:
– اعتمد على نفسك بقى.
اقترب منها خطوة وهو يتأمل وجهها العابس:
– طيب فكي التكشيرة دي طيب.
– لا.
ابتسم وهو يناديها برقة:
– يا لولو.
لم تستطع حبس دموعها أكثر، وقالت بصوت مرتجف:
– خلي بالك على نفسك، وكلمني كل ما تبقى فاضي.
– هكلمك على طول، هتوحشيني.
– وإنت كمان أوي.
– إنتِ بقالك شهرين بتعيطي، كفاية.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصدق امتزج بالألم:
– لو مش هعيط على بعادك حبيبي عني اللي عمره ما غاب عن عيني لحظة، أعيط على مين؟
حاول أن يكسر حالة الحزن المسيطرة عليها منذ ليالٍ طويلة وقال بمشاكسة:
– ده إنتِ كنتِ واقعة من زمان بقى.
ردت عليه بثقة، فهي تعلم جيدًا مدى حبه لها منذ أن كانوا أطفالًا:
– زيك بالظبط ولا أنا غلطانة؟
ضحك وهو يضمها داخل صدره بحنان:
– وإنتِ بتغلطي أبدًا.
قاطع تلك اللحظة صوت عمار وهو يدق الباب عدة مرات:
– يلا يا أحمد.
ابتسم وهو يرتب على شعرها المجعد الطويل الأسود اللون وهو يودعها:
– خلي بالك من نفسك، متقعديش لوحدك كتير، خليكي مع أمي، هي بتحبك وبتعتبرك بنتها.
– أنا كمان بحبها، متقلقش عليا، يلا امشي في حفظ الله ورعايته.
– يارب، أشوف وشك بالخير.
في مطار القاهرة الدولي، الذي يعجُّ بالمسافرين، جميع الوجوه هنا تحمل حكاياتٍ مختلفة. فهذا يودِّع صديقه بدموعٍ يحاول إخفاءها، وأولئك يلوِّحون بأيديهم لوالدهم، بينما يقف آخرون بوجوهٍ تفيض فرحًا لاستقبال عائدٍ طال انتظاره، هنا تتجاور لحظات الوداع مع لحظات اللقاء، حتى بدا المطار وكأنه مدينةٌ صغيرة تحتضن آلاف الحكايات في آنٍ واحد.
– لا إله إلا الله.
– محمد رسول الله، سلام.
همس يعقوب بحزن:
– سلام.
دلف أحمد إلى داخل المطار، يجر حقيبةً بيده ويحمل الأخرى على كتفه. وظل يعقوب وعمار يتابعانه بأعينهما حتى اختفى طيفه بين المسافرين. عندها استدارا في صمت، واتجها نحو السيارة استعدادًا للعودة إلى المنزل.
في بيت آل المصري، الطابق الثاني تحديدًا، علا صوت الفتاة وهي تصرخ بفزع:
– الحقيني يا ماما… حد يلحقنا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!