الأسر الأول 🫀
والنبض إذا هوى..
والقلب إذا ارتوى..
وعشقك حين زارني ضل فؤادي وغوى..
وهِنت إرادتي وضنت حيلتي أمام قدرٍ على شقائي قد انتوى..
فكيف لبُرعمٍ رهيفٍ على غِراري الثبات أمام عواصف الهوى؟
جذبتني ألسنة الشُهب كالفراشات فـ انسقت مفتونة خلف عشقٍ يائسٍ، أهلك الروح وعلى وجداني جوى..
فيا مالكِ حلفتك بالذي أنزل عشقك على فؤادي حتى اكتوى..
أرفق بقلب الريم، وأسلِك معي دروب الهوى.
ولك مني عهد في الروح انطوى..
فاليوم ترجيت وصالك، وابتهلت،
وغدًا ستشهد السماء أن عشقي بين ضلوعك قد دوى...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دقت ساعة الذروة في هذا المنزل الكبير الذي يعج بالكثير من البشر من جنسيات متعددة، وطبقات متفرقة، من عمال وخدم وحرس، وصولًا لأسياد المنزل وهم عائلة «الصياد»
تلك العائلة العريقة المعروفة في المنطقة والمناطق المجاورة بأموالها ونفوذها وقوة بنيانها وترابط أفرادها. وخاصةً بأن كبير هذه العائلة كان رجلًا حكيمًا عادلًا يقصده أصحاب النزاعات والخلافات مرتضين بأحكامه.
"أين كنتِ يا ريم؟ مضت ساعة كاملة على مغادرتك، والسيدة صفاء لاحظت اختفائك."
هكذا تحدثت «راجية» إحدى خادمات القصر موجهة حديثها إلي «ريم»، التي تسارعت أنفاسها وأجابتها برقة، بينما ارتبكت الحروف على شفتيها:
" اعتذر، لم.. أكن اقصد.. فقد.. كنت آتى بأحد المذكرات، فكما تعلمين اقترب موعد الاختبارات"
شعرت «راجية» بأن تلعثمها يخفي كذبة بيضاء، ولكنها لم تعلق اكتفت بتوجيهها إلي عملها، فأطاعتها «ريم» على الفور وتوجهت إلى عملها في ترتيب الغرف، ولكنها تركت روحها وقلبها مع ذلك الفارس الوسيم الذي خطف أنفاسها منذ أن رأته أول مرة، حين بدأت ترتاد ذلك البيت لمساعدة خالتها في الأعمال، فمنذ ذلك اليوم لا تبارح صورته مخيلتها، حتى أنها داومت على العمل هنا فقط حتى تراه، وكم كان هذا شاقًا نظرًا لأنها تحاول الموازنة بين العمل ودراستها، ولكن كان كل شي يهون حين تراه أمامها.
لم تحظى بفرصة لقائه وجهًا لوجه، فقد كانت تراه دومًا من النوافذ تطالعه بـ أعين التمتعت بها نجوم الحب، الذي فاض به قلبها الصغير، فبات يتلهف بشغف لتلك الدقائق القليلة التي تختطفها من الزمن، وهي تراقب خروجه من القصر للعمل وتنتظر بشوق لحظة رجوعه، ومن بعدها تذهب إلى بيتها على أمل رؤيته في اليوم المقبل.
أخذت تنهي ما في يدها سريعًا، حتى تستطيع التسلل إلى الحديقة الخارجية لمشاهدة مالك الصياد بطل أحلامها، فقد اقترب موعد رجوعه إلى القصر وهي لا تريد تضييع الفرصة، فيكفيها ساعات الليل التي تحرم بها من رؤيته.
بالفعل ما هي إلا دقائق وأنهت ما بيدها، وتسللت على أطراف أصابعها إلى الحديقة الخلفية حيث تراه من بعيد دون أن يكتشف أمرها أحد.
مر الوقت و كأنه على ظهر سلحفاة وهي تنتظر، ولكن لم يأتي فخربش القلق جدران قلبها، ولون العبوس ملامحها الجميلة، وهي تراقب البوابة الكبيرة بأعين تتوسل للقدر أن يرسله إليها الآن، فلم يعد يتبقى سوى دقائق قليلة وتعود إلى بيتها مع خالتها، ولكن لم يستجب القدر إلى توسلها، وأزف الوقت فأجبرت نفسها على العودة إلى المطبخ الكبير بأقدام مُثقلة بالخيبة وأكتاف مُتهدلة، مما جعل «راجية» تقترب منها قائله بقلق:
ما بكِ ؟ ما الذي حدث؟
أجابتها بهدوء:
_ لم يحدُث شيء فقط متعبة.
«راجية» باستنكار:
_ لم يكن العمل شاق اليوم، لم التعب إذن؟
أطلقت الهواء المكبوت بصدرها دفعة واحدة، قبل أن تقول بخفوت:
_لا أعلم خالتي. داهمني التعب فجأة.
_إنه تعب القلب يا أمي، وليس الجسد.
هكذا صدح صوت مازح من خلفهما، والذي كان لـ«ميرنا» ابنة خالتها، فانتفضت «ريم »في مكانها تناظرها بغضب، لم يفت على «راجية» التي قالت بنبرة ذات مغزى:
_ أي قلب هذا الذي يتعب في مثل هذا العمر؟ أنتن ما زلتن أطفال يا حبيباتي.
جعدت ملامحها بطريقة طفولية وقالت باستنكار:
_ أي أطفال يا خالتي ؟ تبقى ايام قليلة و اتم الثامنة عشر .
شاطرتها «ميرنا» الرأي:
_ أجل يا أمي، لقد أصبحنا مراهقات جميلات في الثامنة عشر من عمرهن.
«راجية» بابتسامة حانية تنافي لهجتها القوية:
_ وفي هذا العمر تحديدًا يكون القلب كالطفل الصغير، الذي يجب علينا تهذيبه وعدم الانصياع لرغباته. هيا إلى المنزل.
تذمرت الفتاتين في بادئ الأمر ومن ثم تابعن سيرهن حتى الحافلة، التي أقلتهم إلى المنزل وبعد عدة ساعات توجه الجميع للنوم، بينما هي مازالت تفكر ما الذي أخره عن العودة؟ ترى هل حدث معه مكروه؟
هنا ضربت رعشة قوية قلبها الصغير الذي كان يشبه برعم أخضر ينمو على استحياء، إن اشتدت نسمات الهواء قليلًا قد تجرحه.
في اليوم التالي جاءت من المدرسة متلهفة للذهاب إلى العمل حتى تراه، فقد اضناها الشوق ورافقها السُهاد في الليلة الماضية قلقًا عليه، وها هي تسابق الريح حتى تصل قبل موعد خروجه حتى تراه . وما أن خطت إلى داخل المنزل، حتى جذبتها «ميرنا »من يدها وهي تقول بلهفة:
_ريم، ريم، تعالي، أحمل لكِ أخبارًا تساوي حفنة من الجنيهات.
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ على مهلك يا فتاة. أي أخبار تلك التي تجعلك تطيرين بي هكذا؟
«ميرنا» بـ تخابث:
_عن فارسك الوسيم.
حزمة من المشاعر القوية ضربت قلبها، مرورًا إلى سائر جسدها حين سمعت حديث ميرنا، وبشفاه مرتعشة حادثتها
_ما الذي تعرفيه؟ هيا أخبريني.
تفتت «ميرنا» حولها جيدًا، قبل أن تقول بخفوت:
_ لقد سافر إلى العاصمة البارحة لإنهاء صفقة ما وقد أتمها، ولهذا سـ يقيمون حفلًا كبيرًا آخر الاسبوع حين يعود.
اختلطت المشاعر بداخل قلبها الذي ابتهج كثيرًا حين علمت بنجاحه، ولكن خيم الحزن على سماء عينيها حين علمت بأنها لن تراه ليومين آخرين، فقد نالت منها الساعات الفائتة، ولدغتها عقارب الشوق بكل دقيقه مرت دون رؤيته
_وهل سيظل غائبًا إلى آخر الاسبوع؟
لون الامتعاض ملامح «ميرنا» التي قالت ساخرة:
_ وماذا في ذلك يا سيدة القصر؟ لا تقولين إنكِ لن تقدري على فراقه هذان اليومان؟
أجابت بنبرة حزينة:
_ نعم، لن استطيع الانتظار كل هذا الوقت حتى أراه.
لكزتها «ميرنا» بكتفها قبل أن تقول بتقريع:
_ ما بكِ يا فتاة؟ هيا اعتدلي في وقفتك، ستسقطين عشقًا يا هذه.
هبت «ريم» باندفاع:
_أنتِ حقا متبلدة المشاعر، ولا تعلمين ماذا يعني العشق.
«ميرنا» بسخرية:
_أي عشق يا هذه؟ هذا الرجل من الأساس لا يعرف بوجودك على الكوكب.
اغتاظت «ريم» وزمت شفتيها بانفعال فتابعت «ميرنا» بتهكم:
_إضافة إلى ذلك فأنتِ لا تريه في اليوم سوى لثلاث دقائق، واحدة في الصباح وهو ذاهب للعمل، والثانية وهو عائد، والثالثة حين يمتطي حصانه ويطير إلى الغابة، من أين أتيتِ بـ قصة العشق هذه؟
تعاظم الغضب بداخلها وتبلورت عينيها مطلقه سهام حادة، شابهت لهجتها حين قالت:
_ أتعلمين لا اريد رؤية وجهك طوال اليوم، وإلا سأفسده لكِ.
حاولت قمع ضحكه غادرة تجاهد للظهور على شفتيها واومأت برأسها دون حديث فانطلقت «ريم »إلى عملها، وهي ترغي وتزبد وتتشاجر مع ذرات الهواء المحيطة بها.
بعد مرور يومان كان «مهران الصياد» يجلس في القاعة الكبيرة، يتوسط أفراد أسرته، وكان على يمينه ولده «مالك» العائد لتوه من السفر، وعلى يساره زوجته «آمنة» وبجانبها ابنتهما «حسناء».
_أخبرني يا مالك متى سأرى أحفادي؟
كان «مالك» يتناول قهوته حين سمع صوت والده الخشن وحديثه الذي جعل الابتسامة ترتسم على شفتيه، فوالده على وشك بدأ إحدى محاضراته المعتادة
_حين يأذن الله يا أبى.
«مهران» بحنق:
_ طبعًا كل شيء بإذن الله، ولكن ألا تتفق معي في أنه حان الوقت في التفكير بأن تجد حسناء تشاركك حياتك البائسة هذه؟
زوى ما بين حاجبيه، قبل أن يقول بخشونة:
_ ومن قال إن حياتي بائسة؟
_أنا أقول.. ما دمت تقضي يومك بأكمله بين الأجساد الضخمة والملامح الخشنة والأنوف الكبيرة، فـ البؤس هو الوصف المثالي لهذه الحياة.
تدخلت «آمنة» في الحديث تساند زوجها:
_أباك يقول الصواب يا مالك. لقد تعبنا من رفضك لفكرة الزواج. ما الذي تنتظره لتأخذ تلك الخطوة؟
_ هيا اجب على والدتك يا ولد، ما الذي تنتظره؟ ألا تريد أن تستيقظ كل يوم في الصباح على رؤية وجهًا حسنًا كالذي يتصبح به والدك كل يوم؟
كان يتحدث وهو ينظر إلى زوجته بحب كبير قابلته هي بخجل عفوي لم تفلح سنوات عمرها الخمسة والأربعون في طمسه. فهي تزوجت زوجها عن قصة حب كبيرة للآن مازالت مشتعلة بينهما، وكانت ثمارها ولديهما «مالك» و«حسناء» التي أردفت بمزاح:
_يا ويلي حوصرت يا مالك.
التفت «مالك» إلى والدته قائلًا بغزل وعينين يتوجهما المكر:
_لا أوافقك الرأي يا أبي، وهل توجد من هي مثل أمي؟ فأمى سيدة النساء، ولا توجد لها شبيهةً أبدًا.
ناظرته «آمنة» بحب كبير وقالت بحنان:
_ أدامك الله لى يا حبيب أمك.
نجح في جذب انتباه والدته، فتابع اللعب على أوتار قلبها الحاني إذ قال بحزن مفتعل:
_حفظك الله من كل شر يا أمي فلولاكِ لـ أكلتني الذئاب.
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر إلى والده بمكر، فصاح «مهران» بغضب:
_من تقصد يا ولد؟
نصب عوده الفارع، وهو يرتشف آخر رشفة من كوب القهوة الخاص به، ويضعه على الطاولة وهو يقول بعبث:
_أقصد الصيادين الأشرار يا أبي، استأذن فلدي موعد هام.
تدخلت «آمنة» مدافعة عن ولدها:
_لا تقسو عليه يا مهران.
شيع والده بابتسامة انتصار، قبل أن يخطو إلى الخارج، ولكن استوقفته كلمات «مهران »المحذرة حين قال:
_ لم تنتهي المعركة بعد. وليكن بعلمك ستختار عروسك غدًا في الحفل أو سأزوجك وأنت مكبل بالسلاسل.
**************
تعلقت عيناها بالنجوم المتلألئة في السماء، وودت لو ترسل مع كل نجمة ألف سلام لعينين اشتاقت أن تلمح طيفهما ولو من بعيد.. تعلم جيدًا بأن المسافة بين قلبيهما كالأرض والسماء، ولكن ما حيلتها أمام قلب لا تشعر بدقاته إلا حين رؤيته. تنتفض جميع خلاياها وتثور الدماء بـ أوردتها حارة، وهي تتخيل نفسها تقف أمامه وجهًا لوجه. مجرد التخيل يجعلها تعيش بعالم آخر بعيد كل البعد عن واقع أليم فرصة لقائهما به معدومة.
أخرجت الهواء الكامن بجوفها فى زفرة قوية اتبعتها بدمعة يتيمة كحالها تمامًا، وهي تغلق نافذتها تنوي النوم باكرًا، فأميرها لابد وأنه يتجهز للقاء سندريلا اليوم. ولـ مفارقات القدر فاليوم هو يوم ميلادها وأسوء أيامها على الأطلاق، فمن المحتمل أنه قد يختار عروسه في تلك الحفلة كما يقولون، غافلًا عن قلب كان هو شريانه النابض.
توجهت إلى مخدعها تزامنًا مع دخول «ميرنا» العاصف إلى الغرفة، فلم تعيرها «ريم» أي انتباه، فقط أمرتها بنبرة تخلو من الحياة:
" أغلقي الباب وأذهبي فأنا سـ اخلد للنوم."
جعدت «ميرنا» ملامحها بطريقة طفولية وقالت بتذمر:
" أي نوم في هذه الساعة؟ هل أنتِ دجاجة أم ماذا؟"
تحدثت «ريم» وهي مغمضة العينين:
_ إما البُكاء أو النوم. لهذا فالنوم أفضل خيار.
اقتربت منها «ميرنا» تنزع الغطاء من فوق وجهها، وهي تناظرها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
_ فتاتي البائسة استيقظي.
_أرجوكِ ابتعدي عني.
هكذا توسلت «ريم»، فلم تتركها «ميرنا»، بل أصرت على موقفها وهي تقول بأمر:
_قلت استيقظي فاليوم هو يوم ميلادك ولن تقضيه
كـ العانس في الفراش تندبين حظك العاثر.
على مضض أطاعتها واعتدلت جالسة، وهي تقول بنبرة خافتة:
_ بالله عليكِ اتركيني. أنا حقًا مُتعبة، ولا طاقة لي للثرثرة الآن.
«ميرنا» بعبث:
_ ومن قال أني أتيتك لـ نثرثر. سيأتي وقت الثرثرة، ولكن بعد الانتهاء من الحفل.
هبت رياح الألم بقلبها فصاحت بغضب:
_ لا تذكريني بهذا الحفل الملعون.
كانت «ميرنا» تعبث بأحد الأدراج وهي تصيح بأمر:
_ لا تلعني يا فتاة وكوني مؤدبة، ثم هيا انهضي كفاكِ نواحًا، سنتأخر.
_عن ماذا سنتأخر؟ أنا لا أفهمك ولا طاقة لي لحل ألغازك.
توقفت عما تفعله واقتربت منها تتربع بجانبها على مخدعها وهي تقول بحماس:
_ أصبتي في هذا. انظري إلي سأخبركِ أمرًا. اليوم هو يوم ميلادك وأنا نويت أن أهاديكِ على طريقتي. لهذا فكرت وقررت ونفذت.
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ وما هو دوري إذن إن كنتِ قد قمتِ بكل ذلك؟
قهقهت «ميرنا» قبل أن تقول بعبث:
_ ستتفاجئين، ومن ثم سـ تخطفين أنظار كل الرجال في هذا الحفل وتجعلي جميع النساء تتلوين من الحسرة أمام جمالك الآخاذ.
زفرت بحنق تجلى في نبرتها حين قالت:
_ ما هذا الهراء الذي تتفوهين به؟ من سيحضر الحفلة؟
_ أنتِ .
هكذا أجابتها« ميرنا »ببساطة، فصاحت «ريم» بتهكم:
_وهل وصلتني دعوة وأنا لا أدري؟
_ اوووف. لا تصرعي رأسي يا هذه، وانهضي لنجرب رائعة من روائعي.
كانت «ميرنا» تهوى التصميم والحياكة، وكانت بارعة بهما، فقامت بفتح غلاف كبير وإخراج فستان كان فعلًا عبارة عن رائعة من الروائع بقماشه الستان المطرز من الأعلى بفصوص من الماس المزيف، ولكنه كان رقيقًا يتلألأ بإغراء، وأكمامه التي كانت عبارة عن قطعه قماش من الشيفون تتدلي من أعلى الكتف بانسيابية ساحرة، بينما كان القماش ينسدل برقة إلى أن يصل إلى الخصر الذي يحيطه طبقات من الشيفون المطرز الرائع على هيئة دوامات تتماوج ألوانها ما بين الأزرق والسماوي، الذي جعل عينيها تبرقان من شدة إعجابها به، فهبت صارخة:
_ ما هذا الجمال؟ من أين أتيتِ بهذه التحفة البديعه يا فتاة؟ هل سرقتها؟ اعترفي حالًا.
نهرتها «ميرنا» قائلة بتقريع:
_على رسلك يا بنت، من السارقة أيتها الناكرة للجميل. هذا الفستان من صنعي.
_كيف؟؟ ما الذي تقولينه؟ لا أفهم شيئًا.
هكذا تحدثت «ريم» بعدم فهم، فاقتربت منها «ميرنا» بنفاذ صبر:
_سأخبركِ وأنتِ تجربينه فلا نملك وقتًا لنضيعه.
وبالفعل ساعدتها في ارتداء الفستان وهي تواصل حديثها:
_إنه فستان عرس والدتي وأنا قمت بإجراء بعض التعديلات عليه ليصبح هكذا، ولأنها دائمًا ما تلعن اليوم الذي تزوجت به والدي فهي حتمًا لن تفتقد الفستان أو حتى تلاحظ اختفاءه.
أنهت جملتها تزامنًا مع انتهاءها من إغلاق سحاب الفستان، وقامت بتوجيهها إلى المرآة التي عكست صورة لامرأة فائقة الجمال، بعينيها التي شابهت عيون الريم في فتنتها، وأضفت لآلئ الفستان بريقًا خاطفًا على قرص الشمس الذائب في مُقلتيها فتوهج بلمعة رائعه، لائمت بشرتها الخمرية التي امتزج بياضها مع حمرة قانية على خديها المنتفخين بإغراء يتوسطهما أنف دقيق يعلو ثغر توتي الشكل واللون، مع ذقن رقيق يتوسطه تجويف بسيط، يعلو رقبة طويلة نحولها شهي بنهايتها قوس فاتن على هيئة عظمتي الترقوة.
_يا الله كم أنتِ جميلة يا فتاة ؟
هكذا تحدثت «ميرنا» بانبهار من جمال الفستان الذي امتزج مع جمال «ريم» فشكلا مظهرًا خارقًا لامرأة صارخة الجمال.
_ من هذه؟
هكذا تحدثت «ريم» بانبهار حين وقعت عينيها على شكلها في المرآة.
_هيا لنكمل المهمة .
هكذا تحدثت «ميرنا»، فقالت «ريم» بصدمة:
_ أنتِ ما الذي تفكرين به؟ كيف سأذهب؟ لا أملك دعوة وأيضًا كيف سنقنع والدتك؟
جذبتها «ميرنا» من يدها وأجلستها على المقعد، وهي تقوم بفرد أدوات الزينة البسيطة الخاصة بها، ثم شرعت في العمل وهي تتحدث:
_ لا تنسي بأننا نعمل في المنزل، فقد أخذت دعوة من السيدة صفاء على سبيل الذكرى، أيضًا لن نخبر أمي بأي شيء، فاليوم هي تناولت دواء الصداع الخاص بها وستنام لعدة ساعات، أي لن تستيقظ قبل منتصف الليل لـ تقوم بدورية الليل المعتادة وحتمًا ستكونين قد عدتي. لقد خططت لكل شيء، لا تقلقي فقط استمتعي.
بعد مرور نصف ساعة كانت قد انتهت من تزيين وجهها وتصفيف شعرها، الذي تركته منسدلًا فقط هذبت بعض خصلاته المتمردة، فقد كان يتميز بتمويجة طبيعية جميلة ما بين اللونين البني والأسود أضفت عليه جمالًا من نوع آخر.
أخذت نفسًا قويًِا قبل أن تفتح عينيها، وتلقي نظرة مطولة على مظهرها البديع في المرآة، فصارت دقات قلبها تقرع كالطبول من فرط تأثرها، حتى أن هناك طبقة كريستالية من الدموع غلفت عينيها، فنهرتها «ميرنا» قائلة بأمر:
_ إياكِ أن تفعلي هذا وإلا قتلتك.
جفلت من لهجتها وقالت بخوف:
_ لن أفعل أقسم.. اه نسينا أمرًا هامًا، ماذا سنفعل بأمر الحذاء؟
ابتسمت «ميرنا» بتخابُث قبل أن تتقدم إلى الخزانة، وتقوم بجلب إحدى الحقائب، وإخراج علبة فاخرة فتحتها لتلتقط يدها حذاء فاخر يلائم لون الفستان، وبه بعض الفصوص اللامعة عند الكعب، الذي كان نحيلًا يساوي ثمان سنتيمترات.
_يا الهي ما هذا الجمال؟
«ميرنا» بحب:
_هذا هدية عيد مولدك. لقد كلفني مصروفي لأربعة أشهر، ولكنك تستحقين يا فتاة.
لم تتمالك «ريم» نفسها فقد اندفعت إلى أحضان ساحرتها الجميلة، التي حولت حزنها وبؤسها إلى فرح وسعادة لم تحلم بها قط. بادلتها «ميرنا» العناق بأقوى منه، ثم قامت بانتزاع نفسها حين سمعت زمور سيارة في الخارج، فصرخت بها:
_هيا، لقد وصل لؤي ليقلك إلى هناك.
«ريم» بصدمة:
_ماذا؟ هل تقصدين لؤي أخاكِ من زوجة والدك الأخرى؟
«ميرنا» بتسلية:
_ إنه هو ومن غيره، لا تبدأي بالسؤال لقد أمسكت به وهو يدخن السجائر، وقد قمت بابتزازه إن لم يفعل ما أريد سأخبر والدي، ولهذا طلبت منه اليوم جلب سيارته ليقلك وسيظل في انتظارك حتى الساعة الحادية عشر والنصف فموعد المرور الدوري لوالدتي سيبدأ عند الساعة الثانية عشر، رجاءً لا تتأخري حتى لا تقدم رقبتي طعامًا لدجاجاتها.
_أنتِ اروع شريرة رأيتها بحياتي.
هكذا قالت «ريم» قبل أن ترتدي الحذاء وتتوجه إلى الخارج بخطى سُلحفية وهي تنظر حولها و«ميرنا» تمهد لها الطريق حتى غادرت في طريقها إلى حفل أحلامها..
يتبع ....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!