الأسر الثالث 🫀 🫂
دعيني أُخبِرك شيئًا. إن روحي لا تُزهِر أبدًا سوي معكِ، عيناى لا تُضيء سوى بالنظر إليكِ. أضلعى لا تكتمل سوى بكِ. خلقت بى عشق من نار لا يُطفئها سوى قربك. ذلك الشق الناقص بروحى لم يرممه أحد سواكِ. لذا فإن كان طريق الوصول اليكِ مُستحيل فأخبري ذلك المستحيل أنني قادم ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مرت الأيام بجانبه حلوة كالعسل، فمنذ ذلك اليوم وهي تحيا معه أجمل لحظات حياتها فقد تغلبت على مخاوفها بعد أن اطمأنت بأنها متربعة على عرش قلبه أميرة. فقد كان يحاوطها بكل مكان يوصلها إلى دروسها وينتظر حتى يأخذها، وبعد ذلك تقضي وقتًا رائعًا برفقته يتناولان المثلجات، ويتنزهان بسيارته، وقد كان يمطرها عشقً، يحتوي بحنانه يُتمها، فهي لم تتذوق عناق والديها ولم تختبر حنانهما أبدًا، فقد توفيا وهي أصغر من أن تتذكر حتي ملامحهما، وربتها خالتها مع ابنتها ميرنا، ولم تبخل عليها يومًا بالحب وكل شيء، ولكن معه كان الأمر مختلفًا، فقد كان تعويض روح بعثرها الفقد ليُعيد ترميمها من جديد. فكان عشقه كزخات المطر الذي انساب على تربة قاحلة فرواها حتى ازدهرت وأصبحت مثمرة، وقد تجلى ذلك بتفوقها الدراسي الذي بات ملحوظًا، وأشاد به جميع مدرسيها، وقد جاءت مواعيد الاختبارات التي اجتازتها بسهولة وأتى يوم النتيجة الموعود.
ارتدت أجمل ثيابها التي كانت محدودة، ولكنها رقيقة تليق بها كثيرًا، والتقطت مفتاحها تنوي الذهاب فهو ينتظرها حتمًا على مفترق الطريق كما هي العادة، وما أن وصلت إلى باب المنزل، حتى أتاها صوتًا غاضبًا من خلفها:
_ إلي اين تظنين نفسك ذاهبة؟
التفتت «ريم» لتجد خالتها التي كانت ملامحها لا تفسر في تلك اللحظة فحاولت المرح قائلة:
_إنه اليوم الموعود يا سيدة راجية. اليوم يوم النتيجة، وأنا ذاهبة للمدرسة.
_لن تذهبي لأي مكان.
هكذا تحدثت «راجية» بنبرة قاطعة جعلت الخوف يزحف إلى قلبها فـ تراجعت خطوتين إلى الخلف، وهي تقول بخفوت:
_ ما بكِ خالتي؟
_ماذا بي؟ ألا تعرفين حقًا؟
تحدثت «راجية» بنبرة معاتبة، فاقتربت منها وهي تقول باستفهام:
_ لا.. لا أعرف.
_إذن ساخبرك، أشعر بخيبة عظيمة، تجاه طفلتي التي ربيتها لتصبح فتاة جميلة ترفع الرأس، فإذا بها تضع رأسي في التراب.
جفلت من حديث خالتها القاسي فقالت بلهجة متوترة:
_ ما الذي تقصدينه؟
_أنتِ تعلمين جيدًا. ما الذي بينك وبين السيد مالك الصياد. فجميع من في القصر يتغامزون عليكما، حتى أن السيدة صفاء بنفسها ألقت بالحديث علي، وأنا كالبلهاء لا أفهم شيئًا، إلى أن رأيتك بعيني وأنتِ تهبطين من سيارته.
اخفضت «ريم» رأسها بخجل وخزي، فهي انساقت خلف مشاعرها دون أن تحسب حساب لخالتها ولا لسمعتها بين الناس، فاقتربت منها «راجية» قائلة بعتب:
_لم يا ريم؟ الم تفكري بـ سمعتك وسمعة والديكِ الطيبة بين الناس؟ بدلًا من أن تكوني سبب لأن يترحم الناس عليهما، صاروا يلعنوهما بسببك.
ارتفع رأسها بلهفة، فقد كان وقع الكلمات مريع على قلبها فـ تخبطت سحبها وأمطرت ألمًا، كان أضعافه بقلبها، وخرج على هيئة حروف مبعثرة من بين شفتيها المرتجفتين:
_ لم أكن اقصد خالتي أقسم لك.
رق قلبها لرؤية حالتها تلك، ولكنها حاولت إخفاء ذلك وواصلت تعنيفها قائلة:
_وماذا كنتِ تظنين وأنتِ تقضين الوقت كله برفقته؟ هل سيقفون و يصفقون لكِ على إنجازاتك العاطفية؟
ازدادت عبراتها انهمارًا، فتابعت «راجية» جلدها بسوط كلماتها اللاذعة:
_أين صلاتك من ذلك؟ أنتِ لا يفوتك فرض من فروض الله. فكيف كنت تقفين بين يديه وأنتِ ترتكبين إثمًا عظيمًا كهذا؟
_لم ارتكب أي إثم أقسم، إنها علاقة حب بريئة.
أجابت مدافعة، فهبت «راجية» تقول بغضب:
_أي براءه هذه؟ ألم تستقلي معه سيارته بمفردك؟ الا تعرفين أنها تعتبر خلوة؟
كان إثمًا عظيمًا، لم يكن يتخيله عقلها الصغير، ولا قلبها العاشق، فأخذت تنتحب بصمت وعينيها ترسلان اعتذارات لم تتجاوز حدود شفتيها، فلم تعد تحتمل «راجية» أكثر واقتربت منها تحتويها بين ذراعيها فاندفعت «ريم» تعانقها وهي تشهق بعنف، وكانت كل شهقة تحرق روحها بنيران الذنب، فـ أردفت «راجية» بحنان:
_لم أقصد إيلامك، ولكنك ابنتي ولا احتمل أن أراكِ تضلين الطريق هكذا، أنا ربيتك على القيم والأخلاق. أرجوكِ لا تضلي الطريق يا بنيتي فتكون النهاية بؤس لن تتحمليه.
_اعتذر خالتي، اقسم لكِ لم أتخيل بأن الأمر فظيع إلى هذه الدرجة. فقد وقعت بعشقه وكذلك هو.
هكذا تحدثت «ريم» بتبرير فقاطعتها «راجية» باستنكار:
_عن أي عشق تتحدثين يا ريم؟ أفيقي من وهمك. إنه مالك الصياد، إن كان سيعشق إحداهن، فلن تكونِ أنتِ أبدًا. إنه ابن أكبر عائلة في المدينة. وهذا يعني أن تكون زوجته من عائلة تشبه عائلته.
_ولكنه أخبرني أنه يعشقني.
هكذا هبت معارضة، يتساقط الألم من قلبها على هيئة عبرات، فأشفقت عليها «راجية» كثيرًا، ولكنها لن تتركها تغرق في بحور الضياع أكثر من ذلك لذا شددت على كل كلمة تفوهت بها:
_العشق يعني الزواج، فأين هو من ذلك؟ هل سـ يستطيع أن يقف أمام والده ويخبره بأنه يريد الزواج بك؟
لم تستطع إجابتها وأخفضت رأسها فتحدثت «راجية» بحنان:
_لا أريدك أن تحزني، إن كان يحبك حقًا فسيأتي إليك، ويطلب يدكِ أمام العالم أجمع، وإن لم يأتي فهو لا يستحقك أبدًا.
انطفئت شهب عينيها الدافئة، وتوغل الألم إلى قلبها فبات كالنمل الذي أخذ يقرض خلاياها بنهم ووحشية وهي عاجزة حتى عن الصراخ. ومرت الأيام تشبه بعضها البعض وحالتها تسوء أكثر، حتى أن نجاحها بهذا التقدير الكبير لم يفلح في رسم شبح ابتسامة خافتة على شفتيها الللتان تشققتا من فرط البكاء. و جفت ينابيع عينيها من كثرة الدموع التي ذرفتها، ولكن ينابيع الشوق لا تنضب أبدًا.
تجمعت جيوش الألم والخذلان على قلبها، الذي لم يكن يتخيل أبدًا أن يتخلى عنها بتلك الطريقة، ولم يحاول حتى محادثتها، بينما هي تذوب مثل الشمعة كل يوم وتنطفئ شوقًا وألمًا وحسرة.
**************
وعلى الجانب الآخر كان يتشاجر مع خطواته، وهو يندفع إلى المطبخ الكبير الخاص بمنزلهم، و يقف أمام «راجية» التي كانت تقوم بإعداد الطعام، ولكنها ارتعبت حين سمعت صراخه:
_هيا إلى الخارج جميعًا، أريد الحديث مع السيدة راجية.
لم يجروء أحد على التفوه بحرف واحد، وخرجوا مهرولين إلى الخارج، بينما هو اندفع تجاهها وقال دون مقدمات:
_ أين ريم؟
حاولت التحلي بفضيلة الهدوء وهي تجيبه:
في المنزل، لم تسأل عنها؟
كان بالكاد يحاول التحكم في غضبه، فهي سيدة كبيرة وأيضًا تكون خالتها لذا أجابها من بين أسنانه:
_ تعلمين جيدًا لم اسأل عنها، لا أريد مزيدًا من الادعاءات فأنا قد علمت بأنكِ تحتجزينها عنوة في المنزل حتى تمنعيني من رؤيتها.
لا زالت على هدوئها حين أجابته:
_ولم تريد رؤيتها؟
_ليس من شأنك.
هكذا أجابها حانقًا، فتابعت بقوة:
_لا إنه شاني فهي ابنتي، أنا من ربيتها، وأنا المسئولة عنها وعن حمايتها.
انكمشت ملامحه بسخرية تجلت في نبرته حين قال:
_حمايتها!!، و من من تحاولين حمايتها؟
_من الذئاب المفترسة، الذين لا تعرف الرحمة قلوبهم.
هكذا أجابته بشجاعة، فتدلى فكه من فرط الصدمة التي سرعان ما انمحت، وحل محلها الاستنكار حين قال بخشونة:
_هل تقصديني بهذا الوصف الدنيء؟
وقفت أمامه تناظره بكبرياء، تجلى في نبرتها حين قالت:
_سيد مالك، أنت رب عملي، وعائلتك هي من تطعمنا ولها فضل كبير علينا، وكل هذا على رأسي، ولكننا فقراء لا نملك شيء سوى الشرف والسمعة الطيبة، لذلك فأنا على استعداد لأضحي بكل شيء حتى لقمة عيشي لأجلهم، أتمنى أن تكون فهمت ما أقصد.
دار حول نفسه بغضب تجلى في نبرته حين قال:
_لا، فأنا حقًا لم أفهم. من هذا الذي تجرأ على شرفك وسمعتك؟
_أنت.
هكذا أجابته بقوة فأعاد كلمتها باستنكار:
_ أنا؟؟
_نعم، أنت. ماذا تسمي تلك العلاقة التي بينك وبين هذه المراهقه الصغيرة؟ أن تأتي وتذهب معها بكل مكان دون حساب لسمعتها، سمعة عائلتها، ودون اعتبار لا لدين ولا لأخلاق؟ أخبرني؟
لأول مرة يقف صامتًا أمام أحدهم بهذه الطريقة، ولكن صمته لم يدم طويلًا إذ قال بنبرة لا تقبل الجدال:
_أنا أحبها، ولا يهمني أي شيء في العالم سواها، ولم أفعل أي شئ مسيء أو محرم.
_وهل وجودها معك بالسيارة أمام جميع الناس أمرًا صائبًا؟ أو حلالًا؟
هكذا استفهمت بهدوء، فتجاهل الرد، لتتابع هي:
_الأمر انتهى، وريم ستذهب إلى الجامعة، و ترى مستقبلها وحتمًا ستقابل من يقدرها ويحترم أهلها وذويها.
أما أنت فلا خوف عليك فحتمًا ستجد العروس الملائمة لعائلتكم، لهذا فلننهي هذا الحديث الآن سيد مالك ولتدعني أعود إلى عملي.
وكأنها مرت بشاحنة ضخمة فوق قلبه حين ذكرت أنها من الممكن أن تنتمي لغيره، وحينها انفلت زمام أعصابه، وخرج صوته كالزئير الذي جمدها بمكانها:
_أنتِ ما هذا الهراء الذي تتفوهين به؟ لن يقترب أحد منها فريم لي وحدي. وإن رأيت طيف أحدهم يحوم حولها فسأرديه صريعًا في الحال.
تراجعت خطوتين إلى الخلف من هذا الوحش، الذي كانت عروقه نافرة بشكل مريب، وكذلك حدقتاه التي لونتهما دماء الغضب الهائل، الذي اجتاحه كطوفان، مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة وهي تقول بارتباك:
_سأتحدث مع السيد مهران عن ما تفعله. وهو من سيوقفك عند حدك.
تفاجئت حين تحرك من أمامها فاردًا يداه في حركة مسرحية، وهو يقول ساخرًا:
_إذن هيا لنذهب إليه سويًا.
اغتاظت من فعلته وبالفعل توجهت إلى الخارج قاصدة مكتب مهران الصياد، والذي سمح لها بالدخول ما أن سمع طرقًا على الباب، فدخلت وهو خلفها، وبدأت بالحديث فورًا قائلة بارتباك:
_ سيد.. سيد مهران.. أرجوك ساعدني..
كان يقف يشاهد ما يحدث وهو يضع يديه في جيبي بنطاله براحة، وكأن الحديث لا يعنيه، فتفرقت نظرات «مهران» بينه وبين «راجية»، وقال بفظاظة:
_ ماذا حدث؟
_السيد مالك يتجبر علينا لأننا فقراء.
هكذا تحدثت، فارتفع أحد حاجبيه، ونظر إلى ولده الذي لا زال مسترخيًا في وقفته مما جعل «مهران» يعاود استجوابها:
_هاتي ما عندك.
لا تعلم كيف تبدأ، ولكنها قامت بسرد كل ما حدث أمامه، وقد كان هو يستمع لها مذهولًا و نظراته تتفرق بينها وبين ولده الذي ما أن انتهت من سرد ما حدث حتى قال بجمود:
_ها قد أحرقت السيدة راجية مفاجئتي لك.
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
_أي مفاجأة ؟
اعتدل في وقفته وشبك يديه خلف ظهره، وهو يقول بنبرة قاطعة:
_ اخترت عروسي، و هي ريم بنت أخت السيدة راجية، وأرجو أن تحدد لي معها موعدًا حتى اذهب لخطبتها.
ألقى قنبلته المُسيلة للصدمات، التي لونت ملامحهما حتى أن «مهران» تدلى فكه للأسفل من فرط الصدمة بينما ناظرته «راجية» و كأنه نبت له قرنان، ولكنه لم يعير صدمتهما أي انتباه، بل ظل صامتًا، إلى أن تجاوز «مهران» صدمته وقال بخشونة:
_هلا تركتني مع ابني قليلًا؟
أطاعته «راجية» دون أي حديث، فما أن أغلقت الباب حتى صاح به:
_أخبرني حالًا انك تمزح وإلا قتلتك.
_لا أمزح، وإن أردت سلاحك حتى تقتلني فستجده في الدرج الثاني، ومحشو بالكامل في حين أردت إصابتي في أماكن متفرقة.
هكذا أجابه «مالك» بهدوء مستفز يشبه استفزاز كلماته، التي جعلت «مهران» يهب من مكانه وهو يقول بانفعال:
_أجننت يا ولد؟ ما هذا الهراء الذي تتفوه به؟
اقترب منه «مالك» يقول بنبرة تقطر عشقًا:
_لا، لم أجن يا والدي ولكنِ عشقت، نعم أحب ريم كثيرًا بل إني أعشقها، ولن أتزوج سواها.
زوى ما بين حاجبيه يحاول استيعاب كلمات ولده، التي بدت جادة للغاية، فهو قد رأى عشقه يتساقط من نظراته وحروفه فقال باندهاش:
_إنها ابنة الخادمة.
_لا يهمني، عشقتها لشخصها لا يعنيني أي شيء آخر. لم أكن أؤمن بوجود شي يسمى الحب إلى أن قابلتها.
صمت لثوان قبل أن يضيف بصوت متأثر:
_ ما أحمله من شعور بقلبي تجاهها لا يمكنني وصفه. فقط تخطى حدود الكلمات.
جلس «مهران» بمقعده وهو يناظر «مالك» بصمت، لم يكسره سوى دخول «آمنة» التي قالت باندهاش:
_هل ما سمعته حقيقي؟
_وما الذي سمعتيه؟
هكذا سألها «مهران»، فقالت بغضب:
_مالك يريد الزواج من ريم الفتاة التي تنظف الحظائر؟
اغتاظ من تعمدها أن تصفها بهذا الوصف فأجاب باسترخاء:
_إن كنتِ تقصدين تلك الفتاة الرائعة الجمال بعيون تشبه عيون الريم، وشعر بلون الشيكولاتة، فنعم هي.
صاحت «آمنة» بانفعال:
_ أجُننت؟
_ لا بل عشقت .
هكذا أجابها بهدوء زاد من جنونها، فالتفتت إلى زوجها تقول بصدمة:
_مهران، ما الذي يحدث هنا؟ هل سمعت حديث ولدك؟
«مهران» بجمود:
_ سمعت.
_وما رأيك إذن؟
ناظره «مالك» لأول مرة بحياته بعينين يُغلفهما التوسل بألا يكسر قلبه الذي لم يعرف العشق سوى معها، وبالمقابل كانت «آمنة» تناظره بتحذير أن يوافق على هذا الجنون، فأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بنبرة قاطعة:
_ ربيت رجلًا يعرف جيدًا ما يريد، و إن كان اختار تلك الفتاة زوجة فعليه أن يتحمل نتيجه اختياره لا أملك القدرة على إجباره على شيء.
هنا اندفع «مالك» نحو أبيه بفرحة، وكأنه طفل صغير تلقى أول هدية بحياته فقام بعناق والده بقوة وهو يقول بسعادة غامرة:
_أحبك يا أبي، وأعدك بأنك ستقع بعشق ريم فور أن تراها، وستتأكد من أنني أصبت في اختياري.
تسللت فرحته الغامرة إلى قلب «مهران» الذي لأول مرة يرى ابنه سعيد هكذا، وجاءهم صوت «آمنة» المذهولة:
_ألهذه الدرجه تحبها يا مالك؟
صحح حديثها بصوت خرج من أعماق وجدانه:
_بل أعشقها يا أمي.
رق قلبها لحديث ولدها بتلك الطريقة، ولكنها أبت الاستسلام وقالت بجمود:
_ لقد انتابني الفضول لرؤية تلك الفتاة التي سحرتك لهذه الدرجة. و الحديث معها .
«مالك» بثقة:
_ ستعذريني ما أن تريها يا أمي.
تهدل كتفيها باستسلام أمام رغبة ولدها القوية، وبالفعل تم تحديد موعد لزيارة «راجية» التي لم تدخر جهدًا ولا مالًا في تعديل المنزل، وجلب كل ما تحتاجه «ريم» التي كانت كالمنومة مغناطيسيًا، لا تصدق ما يحدث وأنه بالفعل قادم لخطبتها، فتركت نفسها ل«ميرنا» التي أبدعت في تزيينها، وإلباسها ذلك الفستان الرائع بلون الكريمة الذي جلبت قماشه بالأموال التي أعطتها إياها والدتها وحاكته بيديها الماهرتين اللتان صنعتا تحفة فنية رائعة، خاصةً حين التف قماشه يعانق جسدها الرشيق، وصففت شعرها تاركة إياه ينسدل بدلال خلف ظهرها، وقامت بوضع بعض رشات من عطرها الرقيق برائحه التوت، وحين انتهت نادت ل«راجية» التي ما أن وقعت عيناها على «ريم» حتى شهقت بانبهار من مظهرها الرائع، وجمالها الرقيق، فقد كانت فاتنة بالرغم من أنها لم تضع الكثير من مساحيق التجميل، إلا أنها كانت جميلة بطريقة خاطفة، فقد امتزج جمالها مع برائتها فشكلا فتنة من نوع خاص:
_ما شاء الله. ما هذا الجمال يا ريم؟
«ريم» بخجل:
_أشكرك يا خالتي.
اقتربت «راجية» تحتضنها بقوة، بينما دق جرس الباب فهرولت لتفتح تاركة «ريم» التي كانت كل خلية بها تنتفض من فرط الحماس والترقب والشوق.
رحبت «راجية» بهم وتعامل الجميع معها بود، فلم يكن هناك أي تكلف في المعاملة، وذلك بناء على رغبة «مالك» فقد أخذ يشدد عليهم بضرورة التعامل بلباقة، ولأن فرحته كانت تسع الكون بأكمله وقد كان هذا أكثر من كافٍ لجعل الجميع يتعامل بلُطف حتى لا يحزنوه.
كانوا يتجاذبون أطراف الحديث حين أطلت عليهم «ريم» التي كانت تحمل صينية دائرية بها أكواب العصير التي كانت تهتز بفعل رجفة يديها، فتنبهت جميع حواسه حين رآها وود لو يختطفها في تلك اللحظة حتى يعاقبها على ذلك الغياب القاسي، الذي كاد أن يدمي فؤاده من فرط الألم، وأيضًا ليرمم شقوق قلبه التي خلقها شوقه الضاري لها، ولكنه امتنع بصعوبة من فعل ذلك، وقام بالتوجه إليها وحمل الصينية من يدها متعمدًا احتواء كفيها اللتان تمسكان بالصينية، فرفعت نظراتها المشتاقة الهي فإذا به يهمس بلوعة:
_ اشتقت إليكِ.
لم تستطع إجابته فقد كانت كل العيون عليهم، وقد فعل همسه الأعاجيب بقلبها الذي أخذ يضخ الدماء الحارة لوجنتيها التي نبت بها محصول التفاح الشهي ليضفي جمالًا آخر على ملامحها فقام بوضع الصينية وجذبها وهو يعرفها على والده الذي أعجب بها كثيرًا، وبالرغم من أن «آمنة» لم تكن راضية بالنسب إلا إنها لم تجد بها شائبة، فاستسلمت للأمر الواقع واكتفت برؤية ولدها سعيد ورحبت بهذه الزيجة.
يتبع ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!