تحميل رواية «عوض الله لا يضيع» PDF
بقلم وفاء الدرع
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ عوض الله لا يضيع بقلم وفاء الدرع.
رواية عوض الله لا يضيع الفصل الأول 1 - بقلم وفاء الدرع
ماذا لو استيقظت يومًا لتجد نفسك وحيدًا في هذا العالم، بعدما أغلق الجميع أبوابهم في وجهك؟
ماذا لو كان الشخص الذي يفترض أن يكون سندك وحمايتك هو أول من تخلّى عنك؟
هذه ليست مجرد قصة طفل طُرد من بيت أبيه، بل حكاية وجعٍ عاشه قلب صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وحكاية رحمةٍ أرسلها الله في الوقت الذي ظن فيه أن الدنيا كلها تخلّت عنه.
بين قسوة أبٍ اختار إرضاء زوجته، وحنان غرباء فتحوا قلوبهم قبل أبوابهم، تبدأ رحلة “وحيد” من الشارع والبرد والجوع، إلى بيت امتلأ بالحب والأمان.
لكن هل ينتهي الألم عندما نجد السعادة؟ أم أن القدر ما زال يُخفي مفاجآت أخرى؟
🌸 الجزء الأول
كان هناك شجار كبير بين والدي وزوجته، وكانت تخيّره بيني وبينها، وتقول له:
“لو عايز ابنك يقعد هنا معانا، يبقى ده آخر يوم ليا عندك هنا… إنت فاهم ولا لأ؟”
خاف والدي على زوجته وأولاده منها، الذين هم إخوتي، وقال لها:
“طبعًا إنتِ أهم.”
ثم أخذني وألقى بي في الشارع حتى يرضيها.
يومان كاملان وأنا في الشارع، بلا طعام ولا شراب، والدموع لا تجف من على خدي.
كنت أمشي بلا هدف، تائهًا لا أعرف إلى أين أذهب، وأنا لم أتجاوز الثانية عشرة من عمري.
طفل لا يعرف ماذا يفعل، ولا من أين يأتي أو إلى أين يذهب.
كنت أبحث عن أي عمل، وأتوسل لأي صاحب محل أن يشغلني عنده، لكن الجميع كانوا يرفضون.
“ارجع يا ابني… إنت لسه طفل ومش هتقدر على الشغل.”
وفي اليوم التالي، بينما كنت جالسًا في الشارع لا أعرف ماذا أفعل، رأيت سيارة ضخمة متوقفة.
وفجأة…
شاهدت رجلًا كبيرًا داخل السيارة، يبدو عليه الألم، وغير قادر على الكلام.
اقتربت منه وقلت:
– حضرتك محتاج مساعدة يا أستاذ؟
أشار إليّ بيده أن أفتح باب السيارة.
دخلت، فأعطاني روشتة وبعض المال، وأشار أن أذهب لإحضار الدواء من أقرب صيدلية.
جريت بسرعة إلى الصيدلية، وأحضرت الدواء، ثم عدت إليه.
بعد قليل بدأ يشعر بالراحة، واستعاد صوته، وقال وهو ينظر إليّ:
– شكرًا يا ابني… ربنا بعتك ليا في الوقت المناسب. لو كنت اتأخرت شوية، كان زماني مت.
قلت له:
– الحمد لله إن حضرتك بقيت بخير، بس لازم العلاج ده يكون دايمًا معاك، الصيدلي قال إنه مهم جدًا.
ابتسم وقال:
– عندك حق يا ابني. على فكرة، اسمك إيه؟ وإيه اللي موقفك في الشارع في نص الليل، وفي عز البرد ده؟ هو إنت مالكش بيت؟
قلت له:
– أنا اسمي وحيد إبراهيم البنا، وأنا فعلًا وحيد… ما فيش ليا حد.
نظر إليّ والدموع في عينيه وقال:
– ليه عينيك مليانة دموع يا وحيد؟
قلت وأنا أحاول إخفاء دموعي:
– لا… مافيش حاجة يا عمو.
قال وهو يمسك يدي:
– أنا اسمي حمودة السيد السلحدار. عندي شركة استيراد وتصدير كبيرة، وعايش أنا وزوجتي في فيلا، وربنا ما رزقناش بأطفال.
ثم أكمل:
– بس أنا حاسس إن ربنا بعتك ليا مش صدفة. أنا حبيتك من أول ما شفتك يا ابني.
لم أستطع منع نفسي من البكاء، وقلت:
– وأنا كمان حبيتك يا عمو. يمكن ربنا فعلًا بعتك ليا بعد ما الكل سابني. ويمكن إحنا عوض لبعض… أنا مرمي في الشارع، وحضرتك مش معاك أولاد.
وأثناء كلامي شعرت بدوار شديد من الجوع، وفقدت الوعي داخل السيارة.
عندما استيقظت، وجدت نفسي في فيلا جميلة، ورجلًا وامرأة ينظران إليّ بحنان.
كانت وفاء، زوجة حمودة، تضع أمامي العصير والكيك وهي تقول:
– اشرب يا وحيد، وكل براحتك يا حبيبي، شكلك جعان من زمان.
أكلت وأنا أبكي، وقلت:
– ربنا يخليكم ليا… أنا فعلًا كنت جعان، وبقالي يومين ما دقتش لقمة.
ابتسمت وقالت:
– من النهارده إحنا أهلك. وكل الأيام الصعبة اللي شفتها هنعوضهالك يا ابني.
رفع حمودة رأسه وقال بصوت دافئ:
– اعتبر نفسك ابني يا وحيد. من هنا هتبدأ حياة جديدة، وربنا هيراضيك.
وبعد ساعتين أحضرت ماما وفاء طعامًا كثيرًا.
وقالت لي:
– كل يا وحيد، أنا جبت لك كيك وعصير الأول علشان لو أكلت بلهفة ممكن تتعب. لازم معدتك ترتاح الأول بأكل خفيف.
ثم وضعت أمامي أصنافًا كثيرة من الطعام.
أكلت حتى شبعت، وحمدت الله على هذه النعمة الكبيرة.
وبذلك…
بدأ القدر يغيّر طريق وحيد من الضياع… إلى الحب والحنان.
ثم قالت لي ماما وفاء:
– أنا ما رضيتش أسألك امبارح يا وحيد عن اللي حصلك، لكن احكيلي يا ابني حكايتك… هو إنت بجد مالكش أهل؟
❓يا ترى ما السر الذي أخفاه وحيد طوال هذه السنوات؟ وكيف كانت حياته قبل أن يلتقي بحمودة ووفاء؟
رواية عوض الله لا يضيع الفصل الثاني 2 - بقلم وفاء الدرع
تنهد وحيد قليلًا، ثم قال:
– لا يا ماما وفاء، ليا أهل، وبابا موجود… لكني يتيم الأم، وهحكيلك حكايتي من يوم ما اتولدت.
بعد ولادتي مباشرة توفيت أمي، وأخذتني “تيتا” والدة أمي في حضنها. كانت هي كل دنياي، وكانت بالنسبة لي الأم والحنان والأمان.
كبرت وأنا لا أعرف غيرها، وكل شيء فيها كان يشعرني بالدفء والحب.
أما أبي، فبعد وفاة أمي بأربعة أشهر فقط تزوج من امرأة أخرى، وكان يرى أن الحياة يجب أن تستمر، لكنه نسي أن له طفلًا صغيرًا يحتاج إليه.
وفي يوم من الأيام طلب من تيتا أن يأخذني لأعيش معه، لكنها رفضت رفضًا قاطعًا.
وكانت تقول دائمًا:
“ابنك مش ناقص وجع تاني بعد اللي شافه، هو عندي زي عيني ومش هسيبه أبدًا.”
وعرفت بعد ذلك أن أبي أنجب ثلاثة أبناء من زوجته الثانية، لكن تيتا كانت تجعلني أشعر دائمًا أن لدي عائلة كبيرة، وأنها هي أمي وأبي وكل دنياي.
كنت أحبها حبًا لا يوصف، كما كان خالي وزوجته وأولاده يحبونني جدًا، خاصة زوجة خالي التي كانت تهتم بي وتذاكر لي دروسي.
وكنت أحيانًا أناديها:
– ماما.
فتبتسم وتقول:
– وإنت فعلًا ابني يا وحيد، ربنا يحفظك يا حبيبي.
كنت أعيش بينهم في سعادة واطمئنان، ولم أشعر يومًا أنني غريب عنهم.
وعندما بلغت الثامنة من عمري، أصر أبي أن أقضي يومًا في بيته.
كانت تيتا رافضة للفكرة، لكنها وافقت في النهاية.
ذهبت معه، لكن زوجته جعلتني أشعر أنني غريب داخل بيت أبي نفسه.
وعندما عدت، قلت لتيتا:
– لو بابا حاول ياخدني تاني، أنا مش هروح.
مرت السنوات، وسافر خالي وأسرته إلى الخارج بسبب العمل.
وأصبحت أنا وتيتا وحدنا.
كانت تنظر إليّ كل يوم بخوف وتقول:
– أنا خايفة أموت وأسيبك لوحدك يا وحيد. أبوك نسي إن له ابن محتاج له.
كنت أحاول أن أطمئنها، لكن قلبي كان يرتجف من الخوف.
وفي يوم كانت تحكي لي عن أمي، وقالت وهي تبكي:
– أمك كانت بتحلم تشوفك دكتور قلب. كانت عارفة إن الحمل خطر عليها بسبب مرض قلبها، لكن حبها للأطفال خلاها تضحي بحياتها.
ثم أكملت:
– كانت دايمًا تقول: هسميه وحيد، وهشوفه دكتور قد الدنيا.
كانت كلماتها تمزق قلبي، لكني كنت أبتسم حتى لا أزيد حزنها.
كبرت قليلًا، وكنت متفوقًا في دراستي، وأنهيت المرحلة الابتدائية من الأوائل.
لكن في إحدى الإجازات مرضت تيتا مرضًا شديدًا.
وبقيت أخدمها ليلًا ونهارًا.
كنت أخشى أن تتركني وحدي في هذا العالم.
لكن قضاء الله كان نافذًا…
وبعد شهر من المرض، توفيت تيتا بين يدي.
في ذلك اليوم شعرت أن الدنيا كلها أغلقت أبوابها في وجهي.
حاول الجيران مواساتي، لكن لا شيء كان يعوضني عن حضنها.
وعندما علم أبي بوفاتها لم يأتِ، ولم يسأل عني حتى.
بقيت وحدي في الشقة، وكانت بالإيجار.
ثم أخبرني صاحب المنزل أن عليّ المغادرة.
كنت طفلًا تائهًا، لا أعرف إلى أين أذهب.
وفي يوم قال لي صاحب الشقة:
– تعال يا ابني، هوديك لأبوك. هو أولى بيك من أي حد.
ذهبنا معًا، ووقفنا أمام بيت أبي.
فتحَت زوجته الباب، ونظرت إليّ باستغراب.
فقال لها الرجل:
– ده ابن جوزك… وحيد.
أدخلتني وجلست في الصالون أنتظر.
وعندما عاد أبي من عمله، نظر إليّ وكأنه يراني لأول مرة.
وقال:
– مين ده يا سمية؟
فأجابته:
– ابنك يا حبيبي.
تغير وجهه قليلًا، ثم قال ببرود شديد:
– البيت مش ناقص حد.
ثم أمسك بذراعي وفتح الباب وقال:
– اطلع بره… أنا عندي بيت وأولاد ومش ناقص مشاكل.
وقفت أبكي وأقول:
– يا بابا… أنا ابنك.
لكنه لم يلتفت إليّ حتى.
وأغلق الباب في وجهي.
ومن يومها بدأت رحلة العذاب…
رحلة انتهت بلقائي ببابا حمودة وماما وفاء، الذين أعادوا لي معنى الأسرة من جديد.
❓ فهل كان لقاء وحيد بحمودة ووفاء مجرد صدفة؟ أم أن الله كان يدبر له تعويضًا يفوق كل ما فقده؟
رواية عوض الله لا يضيع الفصل الثالث 3 - بقلم وفاء الدرع
بعد أن انتهى وحيد من حكاية حياته، عمّ الصمت المكان لعدة لحظات.
كانت الدموع تملأ عيني حمودة ووفاء، وكأنهما عاشا معه كل لحظة ألم مرّ بها.
تنهد حمودة وقال بحزن:
– ياااه يا وحيد… هو في أب يعمل كده في ابنه؟! إزاي يرميك في الشارع وإنت لحمه ودمه؟! ده حتى الغريب ما يعملهاش.
ثم ربت على كتفه بحنان وقال:
– بص يا ابني، في ناس نفسها في طفل واحد وربنا ما رزقهاش، وفي ناس ربنا أنعم عليها بالأولاد لكن ما عرفتش قيمة النعمة إلا بعد فوات الأوان.
سكت قليلًا ثم أكمل:
– لكن متخافش يا وحيد، ربنا عادل، وما بينساش حد. يمكن أبوك ظلمك، لكن ربنا أرحم وأكرم من كل البشر.
مد يده وربت على كتف وحيد قائلًا:
– من النهارده اعتبرني أبوك، ووفاء أمك، والبيت ده بيتك.
ابتسمت وفاء رغم دموعها وقالت:
– والله يا وحيد، أنا حبيتك من أول لحظة شفتك فيها. حاسة إن ربنا بعتك لينا عشان تعوضنا عن سنين الحرمان.
قال وحيد بصوت متأثر:
– ربنا يخليكوا ليا… أنا أول مرة أحس إن في حد بيحبني بجد.
ابتسم حمودة وقال:
– ومن النهارده مفيش حاجة اسمها وحيد… لأنك مش وحيد تاني.
مرت الأيام، وتحولت الفيلا إلى بيت مليء بالدفء والسعادة.
كانت وفاء تهتم بوحيد في أكله وشربه ودراسته، بينما كان حمودة يتابعه في المدرسة ويشجعه دائمًا.
وكان وحيد مجتهدًا ومتفوقًا بشكل لافت.
مرت السنوات سريعًا، وأنهى المرحلة الإعدادية بتفوق كبير، وحصل على مجموع مميز.
وفي يوم إعلان النتيجة، كانت الفرحة تملأ البيت.
احتضنته وفاء وهي تبكي من السعادة وقالت:
– رفعت راسنا يا وحيد… ربنا يحفظك يا ابني.
وضحك حمودة قائلًا:
– ده وش السعد علينا يا وفاء، من يوم ما دخل حياتنا والبركة مالية البيت.
لكن فجأة…
شعرت وفاء بدوار شديد وسقطت مغشيًا عليها!
قفز حمودة من مكانه وهو يصرخ:
– وفاء! مالك يا حبيبتي؟!
واتصل فورًا بصديقه الطبيب وجيه.
وصل الطبيب بسرعة، وأجرى الفحص اللازم، ثم ابتسم ابتسامة واسعة وقال:
– ألف مبروك يا حمودة… مدام وفاء حامل.
تجمد حمودة في مكانه من شدة المفاجأة.
وقال غير مصدق:
– بجد يا دكتور؟!
ضحك الطبيب وقال:
– أيوه بجد… وربنا أخيرًا أكرمكم.
انفجرت وفاء بالبكاء من شدة الفرح، بينما وقف حمودة يردد:
– الحمد لله… الحمد لله يا رب.
أما وحيد فكان أسعدهم جميعًا.
وقال وهو يحتضنهما:
– ألف مبروك يا ماما وفاء… ألف مبروك يا بابا حمودة.
ابتسمت وفاء وقالت:
– إنت وش الخير علينا يا وحيد، وربنا جبر بخاطرنا بيك.
مرت شهور الحمل وسط فرحة كبيرة.
وكان وحيد يهتم بوفاء وكأنها أمه الحقيقية.
وفي يوم الولادة…
استقبل البيت خبرًا أسعد الجميع.
أنجبت وفاء توأمًا…
ولدًا وبنتًا.
سجد حمودة شكرًا لله، بينما كانت دموع السعادة تنهمر من عيني وفاء.
أما وحيد فشعر أن الله عوضه عن كل ما فقده.
فلم يعد لديه أب وأم فقط…
بل أصبح لديه أسرة كاملة يحبها وتبادله الحب.
وفي الجهة الأخرى…
كان والده إبراهيم يعيش أسوأ أيام حياته.
فقد عمله، وأصيب بجلطة في المخ، وتدهورت حالته النفسية.
أما زوجته سمية، فقد تركته في محنته ولم تسأل عنه.
ولم يمر وقت طويل حتى تزوجت رجلًا آخر طمعًا في حياة أفضل.
أقنعها أن تكتب له البيت باسمها.
وبعد أن حصل على ما يريد، انقلب عليها.
وتزوج امرأة أخرى، ثم طردها هي وأولادها من المنزل.
وأصبحوا بلا مأوى.
وكان الناس يرددون:
– كما تدين تُدان.
أما وحيد فواصل طريق النجاح.
وحصل في الثانوية العامة على مجموع 99%.
ودخل كلية الطب، محققًا حلم والدته الراحلة.
بل وأصبح الثالث على مستوى الجمهورية.
كانت وفاء تبكي من الفخر، بينما قال حمودة أمام الجميع:
– ده ابني… وأنا فخور بيه أكتر من أي حاجة في الدنيا.
ابتسم وحيد وقال:
– عمري ما هنسى فضلكم عليّ… وهفضل طول عمري سند ليكم.
لكن رغم كل السعادة التي يعيشها…
كان هناك شيء ينقصه.
حنين قديم…
وشوق غريب لمعرفة مصير أبيه الحقيقي.
لم يكن يحمل له كراهية.
بل كان يريد فقط أن يطمئن عليه.
وفي أحد الأيام…
قرر أن يذهب لزيارته.
لكن ما رآه هناك…
جعله يقف مصدومًا، وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه!
❓ ماذا رأى وحيد عندما ذهب لزيارة والده؟ وهل ما زال إبراهيم يتذكر ابنه الذي طرده يومًا إلى الشارع؟
رواية عوض الله لا يضيع الفصل الرابع 4 - بقلم وفاء الدرع
ذهب وحيد إلى مستشفى العباسية للأمراض النفسية حتى يطمئن على والده.
كان قلبه يخفق بقوة وهو يعبر الممرات الطويلة.
وعندما وصل إلى الغرفة، فتح الباب ببطء…
ثم تجمد مكانه.
رأى رجلًا مختلفًا تمامًا عن والده الذي كان يعرفه.
كان جالسًا في هدوء تام، ينظر إلى الفراغ، وكأنه يعيش في عالم آخر.
أما العبارة الوحيدة التي كانت تتكرر على لسانه فهي:
“يا ترى يا ابني عملت إيه في عز البرد في الشارع؟ سامحني يا ابني…”
اقترب وحيد والدموع تملأ عينيه وقال:
– يا بابا… أنا وحيد. ابنك يا بابا. سامحتك من قلبي.
لكن الرجل لم ينظر إليه.
ولم يعرفه.
واستمر يردد نفس الكلمات:
– سامحني يا ابني… سامحني.
شعر وحيد وكأن قلبه يتمزق.
خرج من الغرفة وسأل الطبيب عن حالته.
فقال الطبيب:
– للأسف، أصيب بجلطة قوية في المخ، وبعدها فقد جزءًا كبيرًا من وعيه وذاكرته.
وأضاف:
– لا أحد يزوره تقريبًا، وأنت أول شخص يأتي ليسأل عنه.
انهمرت دموع وحيد وقال:
– رغم كل اللي حصل… ده أبويا.
ابتسم الطبيب بإعجاب وقال:
– ربنا يجازيك خير يا ابني. مش أي حد يقدر يسامح بالشكل ده.
خرج وحيد من المستشفى حزينًا، لكنه كان يشعر بالرضا لأنه رأى والده واطمأن عليه.
لكن الأحداث لم تتوقف عند هذا الحد.
فبعد أيام قليلة، تلقى خبرًا صادمًا…
أخوه مازن توفي بسبب جرعة مخدرات زائدة.
شعر وحيد بصدمة كبيرة.
ورغم كل ما حدث في الماضي، ذهب بنفسه، وأخذ جثمان أخيه، وأشرف على دفنه.
وفي العزاء وقف أمام الجميع وقال:
– من النهارده أنا مسؤول عن إخواتي بعد ربنا.
نظر إليه أخوه إسلام بعينين مليئتين بالدموع وقال:
– ربنا يخليك لينا يا وحيد.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة وحيد…
مرحلة تحمل المسؤولية، ورعاية إخوته، والوقوف بجانب أسرته رغم كل ما حدث.
بعد ما خرجت زوجة أبي من عندي وهي تبكي، فضلت واقف أبص لها وهي ماشية بخطوات بطيئة.
أول مرة أشوفها بالشكل ده…
الست اللي كانت سبب في ضياعي وتشردي، واقفة قدامي مكسورة وبتطلب السماح.
رجعت البيت وأنا بفكر في حال الدنيا…
إزاي الأيام بتتغير؟
إزاي الإنسان ممكن يبقى في قمة القوة، وبعد فترة يلاقي نفسه محتاج كلمة رحمة من نفس الشخص اللي ظلمه؟
دخلت الفيلا، لقيت ماما وفاء قاعدة مع التوأم.
أول ما شافوني جريوا عليّ.
سيف مسك إيدي وقال: – وحشتني يا أبيه.
وسارة رمت نفسها في حضني وقالت: – هتقعد معانا النهارده؟
ضحكت رغم الحزن اللي جوايا وقلت: – طبعًا يا حبيبتي.
بابا حموده كان متابعني بعينه.
ولما الأطفال خرجوا يلعبوا، قرب مني وقال: – أنت تعبان يا وحيد.
قلت: – شوية يا بابا.
قال: – لسه بتفكر في أبوك؟
هززت رأسي.
قال بحكمة: – يا ابني، ربنا رزقك قلب كبير، بس أوعى تشيل فوق طاقتك.
سكت شوية وبعدين كمل: – ساعد اللي تقدر عليه، لكن متنساش نفسك ومستقبلك.
كلامه ريحني جدًا.
في اليوم التالي رحت المستشفى كالعادة.
دخلت على والدي.
لقيته قاعد في نفس المكان.
لكن المرة دي حصل شيء غريب…
أول ما شافني، رفع عينه ناحيتي للحظة.
لحظة واحدة بس…
لكنها كانت كافية تخلي قلبي يدق بقوة.
قربت منه بسرعة وقلت: – بابا… أنت عرفتني؟
فضل ساكت.
لكن دمعة نزلت من عينه ببطء.
وقتها حسيت إن في حاجة بدأت تتغير.
يا ترى… هل بدأت ذاكرة إبراهيم ترجع من جديد؟
وهل هيعرف إن الشاب اللي واقف قدامه دلوقتي هو نفس الطفل اللي طرده يومًا إلى الشارع؟
❓ ما هو الاختبار الجديد الذي ينتظر وحيد؟ وهل سيتمكن من حماية إخوته وإنقاذ ما تبقى من عائلته؟
لكن القدر كان يخبئ له اختبارًا جديدًا…
اختبارًا سيغير حياته كلها.