تحميل رواية «عشق على خط النار» PDF
بقلم بسنت محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ عشق على خط النار بقلم بسنت محمد.
رواية عشق على خط النار الفصل الأول 1 - بقلم بسنت محمد
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً عندما كانت “ليلى” تجلس في غرفتها المظلمة، يضيء وجهها فقط بريق شاشة حاسوبها المحمول. ليلى ليست فتاة عادية، هي عبقرية برمجيات ومحققة إلكترونية مستقلة، لسانها السليط وعفويتها يسبقان ذكاءها الحاد دائماً. كانت أصابعها تطير فوق لوحة المفاتيح وهي تحاول اختراق سيرفرات شركة شحن مشبوهة لمساعدة سيدة مسنة غلبانة من جيرانها تعرضت للنصب وضاع شقى عمرها كله في لحظة.
“تظنون أنكم أذكياء ومحترفون؟ لقد وقعتم في فخ ليلى المنشاوي يا معشر اللصوص!”، همست لنفسها بابتسامة نصر عريضة وهي تضغط على زر الإدخال لتنزيل الملفات السرية التي تثبت إدانتهم بالدليل القاطع.
لكن فرحتها لم تدم سوى لثوانٍ معدودة. فجأة، تحولت الشاشة بأكملها إلى اللون الأحمر القاني، وظهرت رسالة تحذيرية بخط عريض ومخيف: (تم رصد الاختراق بنجاح.. جاري تحديد الموقع الفعلي من قبل الإدارة العامة لمكافحة جرائم الإنترنت).
وقفت ليلى من صدمتها، وأوقعت كوب المقرمشات من يدها ليتناثر في كل ركن على الأرض. “يا مامي! أنا كنت بهزر، دا اختراق لايت والله وتجربة سريعة مش أكتر!”. لم تكد تكمل جملتها حتى سمعت صوت فرملة سيارات عنيفة وقوية أسفل بنايتها، تلاها فوراً صوت خطوات عسكرية ثقيلة ومتلاحقة تصعد السلم بسرعة ترعب القلوب وتوقف الأنفاس في الصدور.
قبل أن تستوعب ما يحدث، تحطم قفل باب شقتها بعنف واندفع عدد من رجال الشرطة يرتدون ملابس سوداء واقية وخوذات حماية. وفي مقدمتهم، سار رجل بملامح حادة كالسيف، وعينين صقريتين تنضحان ببرود قاتل وثقة مطلقة، وجسد رياضي مهيب يرتدي سترة مدون عليها بخط مذهب “المباحث”. كان هذا هو الرائد “مراد”، أصغر وأكفأ ضابط عمليات خاصة في الجهاز، والشخص الذي لا يعرف المزاح أو التهاون طريقاً لقلبه قط.
نظرت ليلى بذعر إلى الأسلحة الموجهة نحوها، ثم إلى الرائد مراد، ورفعت يديها ببطء شديد قائلة بنبرة كوميدية متوترة تحاول بها تلطيف الأجواء: “يا فندم والله دي النسخة الويندوز عندي مش أصلية وهي اللي عملت كدة لوحدها! وبعدين حضرتك وسيم وجاذب أوي لتكون ضابط حقيقي.. أنت أكيد جاي تصور إعلان هنا والبرنك ده هينزل فين عشان أعمل حسابي؟”.
رمقها مراد بنظرة تجميد قاسية كفيلة بإنهاء النقاش، وتقدم نحوها بخطوات ثابتة جعلت الأرض تزلزل تحت قدميها الحافيتين. نظر إلى شاشة الحاسوب ثم وجه نظراته النارية إليها وقال بصوت جهوري حازم وصارم: “أنتِ ليلى المنشاوي؟ متلبسة باختراق أجهزة أمنية وموقع مشفر تابع لقضية تهريب دولية كبرى تخص الأمن القومي للبلاد. خذوها فوراً!”.
“أمن قومي إيه وقضية إيه يا كابتن؟! أنا كنت بجيب وصل أمانة وضايع لطنط ميرفت جارتنا!”، صرخت ليلى وهي تشعر ببرودة الأصفاد الحديدية تلتف حول معصميها بقوة، بينما يسحبها الجنود لخارج الشقة وهي تكاد تتعثر وتفقد توازنها تماماً في خفها المنزلي الوردي ذو الفراء.
بعد نصف ساعة كاملة، وجدت ليلى نفسها تجلس في غرفة التحقيق المظلمة والباردة بمقر المباحث العام. الإضاءة القوية مسلطة على وجهها مباشرة لتزيد من توترها، وأمامها على الجانب الآخر من الطاولة يجلس الرائد مراد، واضعاً يديه فوق مكتبه وعيناه الحادتان لا تفارقان ملامح وجهها، محاولاً بدقة شديدة قراءة أي تعبير عن الخوف أو التخطيط الإجرامي المحترف.
أما ليلى، فرغم دقات قلبها المتسارعة التي تكاد تسمعها، لم يستطع لسانها الصمت أو الاستسلام للهيبة. نظرت إلى كوب الشاي الدافئ الموضوع أمام مراد وقالت بعفوية: “يا سيادة الرائد، ممكن بق شاي طيب؟ ريقي نشف من ساعة ما شرفتونا ونورتوا البيت، وحضرتك وشك خشب وجاد أوي صراحة، اضحك فكها كدة دي الدنيا فانية ومش مستاهلة كشرة وعصبية”.
ضرب مراد بيده على المكتب الحديدي بقوة هائلة جعلت ليلى تقفز من فوق مقعدها برعب. “التزمي الصمت التام! أنتِ لستِ في رحلة ترفيهية هنا لتتحدثي بهذا الشكل المستفز. من الذي دفع لكِ المال لتخريب عمليتنا السرية الليلة؟ ستة أشهر كاملة ونحن نراقب هذه العصابة الدولية ونرتب للقبض عليهم، لتأتي فتاة مستهترة ومجنونة مثلك وتفسد كل شيء بضغطة زر واحدة!”.
عدلت ليلى جلستها ونفضت الخوف عنها، وقالت بجدية مفاجئة لمعت في عينيها الواسعتين: “مستهترة؟ أنا لست مستهترة يا سيادة الرائد. أنا اخترقتهم لأنهم لصوص سرقوا الغلابة، وبما أنك تراقبهم منذ ستة أشهر كاملة ولم تفعل شيئاً ولم تقبض عليهم، فهذا يعني ببساطة أن جهازي المحمول الصغير هذا أسرع وأذكى من كل خططك العسكرية المعقدة والبطيئة”.
تصلبت ملامح مراد تماماً واشتعلت عيناه بشرار الغضب. الغضب شل تفكيره لأنها الفتاة الأولى التي تتجرأ على السخرية من كفاءته المهنية المشهود لها في الوزارة كلها، لكن في نفس الوقت، تعجب بشدة من شجاعتها وقدرتها العالية على اختراق نظام عجز عنه كبار مهندسي الاتصالات.
وقبل أن يجيبها برده الصارم المعتاد، انفتح باب الغرفة الحديدي فجأة ودخل ضابط آخر ملامحه يكسوها الذعر الشديد والخوف، وهمس في أذن مراد بكلمات سريعة جعلت وجه الأخير يتحول إلى كتلة من الجمر المشتعل.
التفت مراد ببطء نحو ليلى، وقال بنبرة هادئة للغاية لكنها تحمل وعيداً مرعباً يثير القشعريرة: “يبدو أن غباءكِ وتطفلكِ تسببا في كارثة أكبر مما تخيلت. رجال العصابة الكبار علموا باختراقكِ لسيرفراتهم وتتبعوا الإشارة خلفنا، والآن هم يحاصرون المبنى في طريقهم إلى هنا لحرق المقر بالكامل وتصفية الحسابات.. والمستهدف الأول والأساسي في هذه المجزرة هو أنتِ”.
اتسعت عينا ليلى برعب حقيقي هذه المرة، وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مرتعش: “تصفية؟ أنا ماليش في التصفيات والمشاكل انا بمشى جنب الحيط والله! طب فكني وأنا هجري أستخبى في أي دولاب أو تحت المكتب عندك!”.
دوى في تلك اللحظة بالذات صوت إنذار الخطر عالي النبرة في أرجاء المبنى، وتبعه فوراً صوت انفجار هائل ومروع في الفناء الخارجي هز أركان الغرفة بعنف وتناثر بسببه الغبار وشظايا النوافذ.
سحب مراد مسدسه من غمده بسرعة البرق، وتحرك بحركات تكتيكية مدروسة لحمايتها، ثم التفت إلى ليلى وحرر يديها من الأصفاد الحديدية بضغطة مفتاح واحدة سريعة.
أمسك بملابسها من الخلف ليجذبها خلف ظهره العريض لحمايتها، ونظر في عمق عينيها قائلاً بصرامة قاتلة لا تقبل أي نقاش: “المعركة بدأت بالفعل.. إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة، لا تفارقي ظلي أبداً ولا تفتحي فمكِ بكلمة واحدة!”.
نظرت ليلى إلى المسدسات بذهول وإلى آثار الانفجارات بالخارج، وقالت وهي تحاول الركض لملاحقة خطواته الواسعة والسريعة وسط الدخان: “حاضر يا فندم هسكت خالص، بس لو متنا هنا.. افتكر إني قولتلك إنك وسيم جداً والكاريزما بتاعتك مفيش منها اتنين!”.
رواية عشق على خط النار الفصل الثاني 2 - بقلم بسنت محمد
لم تكن نبضات قلب ليلى هي الشيء الوحيد الذي يتسارع في تلك اللحظة؛ بل كان العالم كله من حولها يتحول إلى ساحة معركة حقيقية. الغبار الذي ملأ الغرفة عقب الانفجار الأول جعل الرؤية شبه مستحيلة، ورائحة البارود بدأت تتسلل إلى الأنفاس لتعلن أن المزاح قد انتهى تماماً، وأنها الآن تقف على خط النار الفعلي.
أمسك الرائد مراد بمعصمها بقوة ثبتت أقدامها المرتعشة، وسحبها خلف ظهره العريض الذي بدا في تلك اللحظة كجدار خرساني عازل بينها وبين الموت. تحرك بركبتين منثنيتين قليلاً، يوجه مسدسه نحو الباب الخشبي المائل لغرفة التحقيق، وعيناه الصقريتان تتحركان يميناً ويساراً ليرصد أي حركة خلف الدخان الكثيف.
“اسمعيني جيداً يا ليلى”، همس مراد بصوت منخفض لكنه حاد كالشفرة، واخترق نبرته هدوء غريب لا يتناسب مع حجم الكارثة بالخارج: “العصابة لا تهدف لإحداث فوضى فقط، هم يريدون تدمير السيرفرات البديلة والتخلص منكِ لأنكِ تحملين الشفرة المفتاحية لملفاتهم. تحركي خلفي خطوة بخطوة، وإذا صرختِ أو فكرتِ في الجري بمفردك، سأترككِ لهم.. هل هذا مفهوم؟”.
أومأت ليلى برأسها بسرعة مبالغ فيها، وعيناها متسعتان من الصدمة، وقالت بصوت خافت ومتقطع: “مفهوم.. مفهوم جداً يا سيادة الرائد! أنا أصلاً من أنصار السلام الروحي والهدوء النفسي، ومش هتنفس خالص لو تحب. بس والنبي بلاش نبرة التهديد دي في الأوقات الرومانسية دي!”.
لم يمنحها مراد وقتاً للحديث؛ إذ دوى صوت إطلاق رصاص كثيف ومتتالي من أسلحة آلية في الممر الخارجي. تحطمت النوافذ الزجاجية المتبقية في الغرفة وتناثرت الشظايا كالمطر. بلمح البصر، ألقى مراد بجسده فوق ليلى ليدفعها أسفل المكتب الحديدي الثقيل، محيطاً إياها بذراعيه لحمايتها من الزجاج المتطاير.
في تلك اللحظة القريبة جداً، التقت عيناهما لأول مرة بدون حواجز. رأت ليلى في عينيه لمعة من القلق الحقيقي المخفي وراء قناع الصرامة، بينما تفرس هو في ملامحها البريئة التي غطاها رماد الانفجار، وشعر بنبضات قلبها التي تقرع كطبل حرب. رغم الموقف العصيب، شعرت ليلى بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، وتمنت لو أن الزمان يتوقف لتتأمل كاريزما هذا الضابط الذي يحميها بروحه.
لكن الواقع كان أسرع. نهض مراد بخفة مذهلة بمجرد توقف الزجاج عن التساقط، وسحبها من يدها قائلاً: “هيا.. الباب الخلفي للممر هو مخرجنا الوحيد الآن قبل أن يطوقوا المبنى بالكامل”.
خرجا إلى الممر الذي تحول إلى ركام، وكانت إضاءة الطوارئ الحمراء تومض بشكل متقطع، مما أضفى على المكان أجواء مرعبة. سارت ليلى خلفه وهي تحاول جاهدة ألا تتعثر في خفها الوردي، متمسكة بطرف سترته العسكرية كأنه طوق نجاتها الوحيد في هذا العالم.
وفجأة، ظهر من نهاية الممر رجلان ملثمان يحملان أسلحة رشاشة. صرخت ليلى تلقائياً: “حاسب يا مراد!”.
في أجزاء من الثانية، تصرف مراد بمهارة فائقة اكتسبها من سنوات التدريب الصارم في العمليات الخاصة. أطلق رصاصتين دقيقتين أصابتا أيدي المسلحين ليسقطا أسلحتهما أرضاً، ثم اندفع نحو الأول بضربة خطافية بيمناه أطاحت به أرضاً غائباً عن الوعي، واستدار للثاني ليوجه له ركلة دائرية عنيفة في صدره قذفت به نحو الجدار.
وقفت ليلى في مكانها، تصفق بيدها بذهول وإعجاب شديد، وقالت بنبرة ملؤها الفخر الكوميدي: “الله عليك يا وحش المباحث! إيه الحلاوة دي؟ دا أنت تروح تعمل أفلام أكشن في هوليوود وتكسب ملايين بدل البهدلة دي والله!”.
التفت إليها مراد وعلامات الغضب والتعجب تكسو وجهه، وجذبها بعنف ليكمل طريقهما قائلاً: “هل أنتِ مجنونة؟ نحن في وسط معركة حقيقية وأنتِ تقيمين أدائي القتالي؟ تحركي أمامي فوراً!”.
وصلا إلى نهاية الممر حيث يوجد سلم الطوارئ المؤدي إلى القبو السفلي للمبنى. كان هذا القبو يحتوي على المولدات الكهربائية وخطوط الاتصال البديلة، وكان وسيلتهم الوحيدة للخروج نحو فناء خلفي سري لا يعلمه أحد سوى القيادات الأمنية.
بينما كانا ينزلان الدرج بسرعة، انقطعت الكهرباء تماماً وساد ظلام دامس. توقفت ليلى في مكانها بخوف حقيقي، وشعرت برعب يطبق على أنفاسها، فهي تخاف الظلام منذ طفولتها. “مراد.. أنا مش شايفه حاجة.. أنا بخاف من الضلمة أوي”، قالتها بصوت يرتجف وكأنها على وشك البكاء.
شعر مراد بارتعاش يدها التي تمسك به. في تلك اللحظة، رق قلبه الصارم قليلاً، فتخلى عن نبرته الجافة، وأمسك بيدها بكلتا يديه ليحتضنها بدفء قائلًا بصوت هادئ ومطمئن: “لا تخافي يا ليلى، أنا معكِ ولن أسمح لأي شيء بأن يمسكِ بسوء. ثقي بي فقط”.
كلماته البسيطة نزلت على قلبها كالبلسم، وأعطتها طاقة غريبة لمواجهة الموقف. أخرج مراد هاتفاً صغيراً مخصصاً للطوارئ واستخدم إضاءته الخفيفة لينير الطريق أمامهما. وصلا إلى باب القبو الحديدي، لكن الصدمة كانت في انتظارهما؛ الباب كان مغلقاً بنظام تشفير رقمي معقد، والأسلاك الكهربائية المغذية له قد تضررت جراء الانفجارات بالخارج.
حاول مراد فتح الباب بالقوة مستخدماً كتفه، لكن دون جدوى. ضرب الجدار بقبضته قائلاً بقلة حيلة: “تباً! النظام مغلق تماماً، وإذا لم نفتح هذا الباب خلال دقيقتين، سيصل إلينا المسلحون ونصبح في مصيدة”.
هنا، لمعت عينا ليلى بذكائها المعهود، ونفضت عن نفسها ثوب الخوف تماماً. تقدمت نحو لوحة التحكم الإلكترونية للباب وقالت بثقة واعتزاز: “تراجع خطوتين للخلف يا سيادة الرائد، واترك الأمر للمحترفين. هذا هو ملعبي الخاص!”.
فتحت الغطاء البلاستيكي للوحة التحكم بأظافرها، وبدأت تعيد توصيل الأسلاك المقطوعة بمهارة فائقة وسرعة أبهرت مراد الذي كان يراقبها بذهول. أخرجت من جيبها دبوس شعر صغير واستخدمته كأداة لتوصيل التيار يدوياً، وهي تهمس ببعض المصطلحات البرمجية المعقدة.
“ثوانٍ معدودة.. جاري تخطي نظام الحماية الأمني.. وأخيراً.. سمسم افتح!”، قالتها ليلى بابتسامة انتصار وهي تضغط على سلكين معاً، لتصدر اللوحة صوتاً إلكترونياً قصيراً، وينفتح الباب الحديدي الثقيل ببطء معلناً عن نجاتهما.
نظر إليها مراد بنظرة تقدير حقيقية لم يستطع إخفاءها، وقال بنبرة هادئة: “اعتذر.. يبدو أنني أخطأت عندما وصفتكِ بالمستهترة. أنتِ بالفعل هاكر عبقرية”.
احمرت وجنتا ليلى خجلاً من مديحه غير المتوقع، وقالت بدلال كوميدي: “أقل ما عندي يا فندم! بس ياريت تسجل الشهادة دي في ملفي عشان لما نطلع من هنا تدلعني في التحقيق”.
ابتسم مراد ابتسامة خفيفة للغاية، كادت ألا تلمح في الظلام، لكن ليلى رصدتها بدقة وشعرت بنصر أكبر من فتح الباب. خرجا معاً إلى الفناء الخلفي المظلم، حيث كانت سيارته المدرعة الخاصة تقف في الزاوية، ليقتربا من النجاة، لكنهما لم يعلما أن خط النار الحقيقي قد بدأ للتو، وأن المشاعر التي ولدت في هذا الظلام ستغير حياتهما للأبد.
رواية عشق على خط النار الفصل الثالث 3 - بقلم بسنت محمد
اندفعت السيارة المدرعة الخاصة بالرائد مراد كالسهم من الفناء الخلفي لمقر المباحث، مخلفة وراءها سحابة كثيفة من الغبار والدخان. كان مراد يقود بيد واحدة بثبات ويقظة تامة، بينما يمسك باليد الأخرى جهاز اللاسلكي ليصدر أوامر حاسمة وفورية للقوات المنتشرة في المحيط لإغلاق المداخل والمخارج ومحاصرة المهاجمين.
أما ليلى، فقد ارتمت في المقعد المجاور له وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وتضع يدها على قلبها الذي كان يدق بسرعة جنونية. نظرت من النافذة الخلفية لتتأكد أنهم ابتعدوا عن ساحة الانفجار، ثم التفتت إلى مراد وقالت وهي تحاول استعادة نبرتها الكوميدية المعتادة: “يا فندم، أنا بقترح إننا نغير خط السير ونطلع على أقرب محل كشري. الرعب ده بيجوع جداً صراحة، وأنا ضحيت بكوباية المقرمشات بتاعتي في الشقة ومحتاجة تعويض نفسي ومعنوي فوراً!”.
رمقها مراد بنظرة سريعة وحادة وهو يضغط على دواسة الوقود ليزيد من سرعة السيارة الجنونية على الطريق الدولي السريع. “كشري؟ نحن نجونا من الموت منذ دقيقتين فقط وأنتِ تفكرين في الطعام؟ يبدو أن جهازكِ العصبي يحتاج إلى إعادة ضبط مصنع يا ليلى”، قالها بنبرته الصارمة الجادة التي لا تتغير مهما كانت الظروف.
“إعادة ضبط مصنع إيه بس يا سيادة الرائد! دا أنا لسه منقذة حياتك ومفتحة لك الباب المشفر بدبوس شعر! يعني المفروض دلوقتي نكون بنحتفل، وحضرتك تعزمني على حاجة تشربها كنوع من رد الجميل”، ردت ليلى وهي تعدل من وضعية جلستها وتنظر إليه بطرف عينها معجبة بملامحه الحادة والتركيز الشديد البادي على وجهه أثناء القيادة.
لم يكد مراد يجيبها حتى أطلق جهاز اللاسلكي صوتاً مشوشاً، وجاء صوت الضابط المساعد متقطعاً ومرعوباً: “يا فندم.. احذر! هناك سيارتان دافعتان رباعيتا الدفع سوداوان تلاحقانكم على الطريق الدولي. يبدو أنهم استطاعوا تتبع سيارتك عبر أجهزة الرصد اللاسلكي البديلة للعصابة.. إنهم يقتربون منكم بسرعة!”.
تصلبت ملامح مراد تماماً، ونظر في المرآة العاكسة ليرى بالفعل أضواء سيارتين ضخمتين تقتربان من الخلف بسرعة رهيبة. التفت إلى ليلى وقال بنبرة قاطعة: “اربطي حزام الأمان فوراً وانخفضي برأسكِ لأسفل المقعد! العرض الحقيقي سيبدأ الآن”.
“يا مامي! عرض إيه تاني؟ أنا ماليش في المسارح والله!”، صرخت ليلى وهي تسحب حزام الأمان بسرعة وتكاد تختبئ أسفل لوحة القيادة من شدة الخوف، بينما انحرف مراد بالسيارة فجأة وبقوة لتفادي زخة من الرصاص الكثيف الذي أطلقته السيارة الملاحقة لهما، ليخترق زجاج السيارة الخلفي والمقاوم للرصاص جزئياً.
بدأت مطاردة مرعبة على الطريق الدولي المظلم. كان مراد يتحكم في عجلة القيادة باحترافية مذهلة، يناور بين السيارات والشاحنات الكبيرة كأنه في سباق للموت، بينما كانت رصاصات العصابة تطير حولهما وتحدث أصواتاً مرعبة عند ارتطامها بجسم السيارة المدرع.
رغم ذعرها، لم تستطع ليلى كبت فضولها، فرفعت رأسها قليلاً وقالت بنبرة مرتعشة: “مراد.. هما بيجروا ورانا كدة ليه؟ هو أنا سرقت الورث بتاع باباهم؟ كل ده عشان دخلت على السيرفر بتاعهم؟ دول قليلين الذوق أوي صراحة!”.
“أنتِ لم تخترقي سيرفر عادياً يا ذكية”، قال مراد وهو يدور بعجلة القيادة بعنف ليتفادى سيارة العصابة التي حاولت صدمهم من الجانب: “الملفات التي قمتِ بتحميلها تحتوي على أسماء شبكة التهريب الدولية بالكامل، ومواعيد الشحنات القادمة. أنتِ الآن تصبحين الصندوق الأسود الذي يهدد بانهيار إمبراطوريتهم، ولن يهدأ لهم بال حتى يمحوكِ من الوجود”.
ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة وقالت: “يمحوني؟ طب ما كنت تقول لي كدة من الأول يا سيادة الرائد! أنا ممكن أعملهم دليت وفورمات للملفات دي من عندي ونرجع حبايب وأقعد في بيتنا معززة مكرمة!”.
“الأمر ليس بهذه السهولة.. لقد دخلتِ خط النار بالفعل، وحمايتكِ الآن أصبحت مسؤوليتي وواجبي”، قال مراد وعيناه تلمعان بتحدٍ وإصرار غريبين. في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن نبرته تحمل شيئاً أكثر من مجرد الواجب المهني؛ كان هناك حرص حقيقي على حياتها جعل قلبها ينبض بطريقة مختلفة تماماً عن نبضات الخوف.
فجأة، تقدمت إحدى سيارات العصابة وأصبحت موازية لسيارة مراد، وفتح أحد الملثمين النافذة ووجه سلاحه مباشرة نحو زجاج ليلى. بلمح البصر وبدون تفكير، ترك مراد المقود لثانية واحدة، وسحب ليلى بعنف نحو أحضانه ليحميها بجسده، بينما أطلق بيد واحدة عدة رصاصات سريعة من مسدسه نحو إطارات سيارة المهاجمين.
انفجر إطار السيارة السوداء واختلت عجلة القيادة في يد سائقها، لتنحرف بقوة وتصطدم بالحاجز الخرساني للطريق وتشتعل فيها النيران، بينما استعاد مراد السيطرة على سيارته في اللحظة الأخيرة وسط صراخ ليلى المكتوم وهي متمسكة بقميصه بشدة.
أخذ مراد نفساً عميقاً، ونظر إلى ليلى التي كانت ما زالت متشبثة به وعيناها مغلقتان من الرعب. قال بصوت هادئ ومنخفض للغاية: “ليلى.. يمكنكِ الارتخاء الآن، السيارة الأولى انته أمرها”.
فتحت ليلى عينيها ببطء، لتجد نفسها قريبة جداً من وجهه، وتستنشق عطر رجولته القوي والممزوج برائحة البارود. ابتعدت قليلاً وهي تشعر بوجنتيها تشتعلان خجلاً، وقالت بصوت خافت وعفوي: “شكراً.. حضرتك بتطلع في الوقت المناسب دايماً زي أبطال الروايات بالظبط. بس على فكرة، حركتك دي كانت خطيرة وممكن نموت فيها!”.
ابتسم مراد ابتسامة خفيفة وصادقة ظهرت لأول مرة على شفتيه، مما أضفى على ملامحه الصارمة وسامة سحرت ليلى تماماً. “التدريب الجيد يجعل المستحيل ممكناً”، قالها وهو يعود للتركيز على الطريق، حيث كانت السيارة الثانية للعصابة ما زالت تلاحقهم لكن من مسافة أبعد قليلاً.
لمح مراد في نهاية الطريق مخرجاً فرعياً يؤدي إلى منطقة جبلية وعرة وغير مأهولة بالسكان، وكان يعلم أن الاستمرار على الطريق الدولي السريع سيجعلهم هدفاً سهلاً للإمدادات القادمة للعصابة. انحرف بالسيارة فجأة نحو المنعطف المظلم، لتدخل السيارة في وسط الجبال والدروب الضيقة.
“إحنا رايحين فين يا مراد؟ المكان هنا ضلمة ويخوف أوي”، سألت ليلى وهي تنظر حولها بقلق وتضم ذراعيها لجسدها.
“سنختبئ في موقع أمني سري قديم وسط هذه الجبال حتى الصباح”، أجاب مراد وهو يطفئ مصابيح السيارة تماماً ويعتمد على رؤيته الليلية وخبرته بالطرق الصحراوية ليضلل السيارة الملاحقة لهم: “هناك سنكون في أمان، وسأتمكن من وضع خطة لحمايتكِ وتأمين الملفات”.
توقفت السيارة أخيراً أمام مغارة جبلية مموهة ومجهزة قديماً كملجأ للطوارئ. ترجلا من السيارة بحذر وسط هدوء الليل القاتل وصوت الرياح التي تصطدم بالصخور. نظر مراد إلى ليلى التي كانت تبدو منهكة تماماً ومصابة بالبرد، فنزع سترته العسكرية الثقيلة ووضعها على كتفيها برفق ولين غير معهودين فيه.
نظرت إليه ليلى بامتنان كبير وابتسمت قائلة: “شكراً يا سيادة الرائد الصارم.. طلع عندك قلب أهو وبتعرف تحس بالناس”.
رد مراد وهو يسير أماماها ليفتح باب الملجأ: “لا تعتادي على هذا اللطف يا ليلى، فأنا ما زلت الضابط الذي سيحقق معكِ بمجرد انتهاء هذه الأزمة”.
ضحكت ليلى بخفة وتبعت خطواته إلى داخل الملجأ المظلم، وهي توقن في داخلها أن هذه الرحلة على خط النار لن تنتهي بمجرد تحقيق شرطي، بل هي بداية لقصة أكبر بكثير مما تتخيل.