الفصل 61 | من 65 فصل

رواية عشق الفيروز « مكتملة » الفصل الحادي والستون 61 - بقلم Walaa Refat

المشاهدات
13
كلمة
10,600
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

حلقة خاصة من رواية عشق الفيروز

10 ريختر

بقلم ولاء رفعت علي

يدخل ويخرج من بوابة المخفر الكثير من الناس، فمنهم متهم في أحد الجرائم و منهم من يريد أن يشكو أحدهم و آخرون ينهوا بعض الإجراءات المتعلقة بالأحوال الشخصية، ولدي غرفة تقع في منتصف الرواق، مُعلق بجوار بابها الخشبي المطلي بالدهان الأبيض لوحة باللون الذهب محفورة باللون الأسود

«العقيد صقر يوسف الهواري»

و داخل الغرفة يصدح صوته الأجش بسؤال يوجهه إلي هذا المتهم الجالس أمامه ينظر ببرود يُحسد عليه

"يعني أنت برضه مُصر تنكر أن عباس السرجاوي ملهوش علاقة بالخمسة كيلو بودرة اللي قفشناهم في عربيتك إمبارح"

مازال الأخر هادئ إلي درجة تثير حنق صقر الذي ينفث دخان سيجاره بقوة، قسمات وجهه كما هي منذ ثماني سنوات، اختطف الزمن من عمره ثمانية وثلاثين عاماً مضت ومازال وسيماً برغم التعب والإرهاق كليهما يظهر علي ملامحه وذلك يرجع إلي قلة النوم وربما عدم النوم لمدة يومين متتالين بسبب عمله في مكافحة المخدرات والقبض علي تجار السموم وكل من يعمل معهم.

نظرات عينيه المترقبة تنذر بأن الوضع ليس في صالح هذا الرجل الغير مبالي لما سيحدث له لاسيما بعد أن أجاب علي السؤال بكل أريحية

"و ربنا يا باشا زي ما قولتلك الحاجة دي بتاعتي أنا و المعلم عباس ما يعرفش عنها حاجة"

أنهي صقر سيجاره واطفأ جذوتها المشتعلة في الوعاء الزجاجي المليء ببقايا السجائر الخامدة

"صادق يا روح خالتك من غير ما تحلف"

نهض بهدوء مبالغ من خلف مكتبه و علي حين غرة دون أن يأخذ الأخر حذره، قام صقر بالقبض علي تلابيب ذاك المتهم الأحمق، وصاح بصوت اهتزت له قراميد جدران المخفر بأكملها ويهز الأخر بعنف و ضراوة

"أنت هاتستعبط يالاه، و ربنا لو ما أعترفتش بكل حاجة لأخليهم في الحجز تحت يسهروا عليك و ما يخلوش عضمة سليمة فيك لحد ما تعترف علي معلمك"

كاد المتهم يشعر بالاختناق و أخذ يسعل بقوة حيث تحول لون وجهه إلي الحمرة القاتمة، تقدم سريعاً أحد مساعدين صقر منه يهمس بالقرب من أذنه مُنبهاً إياه

"باشا إهدي شوية الراجل هايموت في إيدك، سيبوهلنا وإحنا هنخليه يعترف بطريقتنا"

أطلق زفرة ومعها أطلق سراح تلابيب هذا المتهم الذي أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة حتي انتصب شعر رأسه عندما أصدر صقر أمراً إلي مساعده

"خد الـ.... ده علي الحجز وقبل المغرب يكون إعترافه متسجل في التحقيق"

أومأ له مساعده بإجلال

"اعتبره حصل يا صقر بيه"

و قبض علي ذراع المتهم يدفعه نحو الباب مُردفاً

" و أنت قدامي علي الحجز"

عاد صقر إلي مقعده خلف المكتب، يلقي جسده ويمسح وجهه بكفيه، انتبه فجأة وكأنه يتذكر شيئاً هاماً بل شديد الأهمية بالنسبة إليه، أمسك هاتفه وألقي نظرة علي الوقت فوجدها الثالثة عصراً

"معقولة ما شفتش إتصالي بيها أكتر من عشر مرات لحد دلوقتي؟"

فتح سجل المكالمات ولمس علامة الاتصال المجاورة لاسم «Fayroz»، ظل ينتظر الرد و لا إجابة مثل المرات العشر السابقة، زفر بغضب كعادته

"ماشي، حسابي معاكي لما أجيلك"

أجري اتصالا أخر علي «Mam»، وفي ذلك الوقت كانت السيدة شيرين تقوم بتطريز المفرش المثبت داخل أسطوانة خشبية، توقفت عن ما تفعله عندما صدح رنين هاتفها، أمسكت به ونظرت من خلف زجاج نظارتها الطبية فوجدت المتصل ابنها

"ألو يا حبيبي؟"

"هي فيروز عندك؟"

"هتكون فيه يا حبيبي، بالتأكيد في الشركة"

"بتصل عليها من الصبح و ما بتردش، و لا حتي كلمتني قبل ما تخرج وتقولي إنها رايحة الشركة زي كل يوم"

"قالتلي و إحنا بنفطر الصبح عندها إجتماع مهم مع شركة تجميل من فرنسا، يمكن عشان كدة مش عارفة ترد عليك"

تصاعدت أنفاسه كالماء الذي علي وشك الغليان

"إن شاء الله لو عندها زفت، تسيب كل حاجة وترد عليا"

"فيه إيه يا صقر؟، مالك متعصب كدة ليه؟!، ده شغل و أنت أكتر واحد المفروض تبقي فاهم و تقدر إنشغالها و بالتأكيد لما تخلص الإجتماع هاتكلمك، و لا لازم تديلك تقرير كل يوم هي رايحة فين و جاية منين و بتعمل إيه؟، ارحمها بقي شوية"

"والله أنا حر، و ده طبعي و هي عارفة كدة كويس"

"بس كدة أنت بتخنقها، أنا عارفة أنك بتحبها و بتغير عليها جداً، بس ضغطك عليها كل شوية هيخليها تنفجر في يوم من الأيام"

"ماما لو سمحت، دي حاجة ما بيني و ما بين مراتي إلا لو بقي الهانم اشتكتلك يبقي فيها كلام تاني"

"البنت ما نطقتش بكلمة، بس أنا بقالي أسبوع قاعدة معاكم وشايفة الوضع كويس، و مش عاجبني أسلوبك مع مراتك، أنا عندي بنت و اللي ما اقبلهوش علي أختك ما أقبلوش عليها"

زفر بضجر وسألها باقتضاب

"خلصتي كلامك؟، معلش أنا مضطر أقفل ورايا مشوار"

"عمرك ما هتتغير، سلام"

وأنهت المكالمة علي الفور، تنظر نحو الفراغ بسأم

"ربنا يهديك يا بني، سبت كل صفات باباك الله يرحمه وورثت منه أسوأ طباعه"

جاءت إليها إحدى الخادمات

"شيري هانم الغدا جاهز"

نظرت إليها الأخرى

"الأولاد رجعوا من المدرسة؟"

"اه يا هانم، وغيروا هدومهم و غسلوا إيديهم و قاعدين علي السفرة مستنين حضرتك"

نهضت وتخلع نظارتها تتركها علي المنضدة بجوار المفرش المُطرز

"روحي أنتي و أنا رايحة لهم"

و عندما رأي الصغار جدتهم نزلوا من أعلي الكراسي وركضوا نحوها ليعانق كل منهم جدته صارخاً بسعادة

"نناه"

احتضنت الصغار الثلاثة آدم و أدهم التوأم وشقيقتهما ملك التي تصغرهما بعامين

"حبايبي يا قلب نناه، يلا بقي عايزة كل واحد فيكم يخلص طبقه عشان أكملكم القصة اللي حكيتها لكم إمبارح"

هلل الصغار بسعادة و أعتلي كل منهم مقعده وبدأوا في تناول طعامهم مع جدتهم

※ـــــــــــــــــــــــ※

تخطف نظرة بعينيها الفيروزية إلي ساعة يدها اليمني، زفرت بضجر من هذا الانتظار حتي انتبهت إلي طرق علي باب غرفة المكتب الخاص بها و يليه دخول مساعدتها تخبرها

"مدام فيروز، الوفد الفرنسي وصل و منتظرين حضرتك في الـ Meeting Hall"

أومأت الأخرى ثم أشارت لها بيدها

"تمام، روحي أتأكدي كل حاجة جاهزة وأنا جاية دلوقت"

"تحت أمرك"

ذهبت الفتاة، نهضت فيروز والتوتر يغزو ملامحها، سيبدأ بعد قليل أهم اجتماع لديها بل أهم صفقة شراكة بين شركتها و شركة فرنسية شهيرة ذات ماركة أخذت شهرة عالمية في إنتاج المستحضرات التجميلية والعطور.

وقعت فيروزيتيها علي الإطار الخشبي الذي يحتوي علي صورة لصغارها الثلاث و خلفهم زوجها و إطار أخر لها ولزوجها، نظرته في تلك الصورة تنضح بالعشق العارم ويديه اللتان يحيط بهما خصرها بقبضة محكمة كأنه يخبر كل من يراهما أنها زوجته وملكه هو فقط.

ابتسامة ظهرت علي ثغرها عندما توالت ذاكرتها عليها بالكثير من المشاهد الرومانسية التي جمعت بينهما وسرعان تحولت الابتسامة إلي عبوس حينما تذكرت انتهاء كل مشهد بشجار حاد تعود أسبابه إلي غيرته و الشك المتأصل في خصاله و كم عانت من طباعه السيئة و مهما حاولت تغييرها تنتهي محاولاتها بالفشل الذريع، لذا اتبعت في الآونة الأخيرة أسلوب التجاهل بدلاً من مجادلة عقيمة لن تجدي معه و لو بقيد أنملة نفعاً بل تزيده إصراراً وعناداً.

و قبل أن تغادر غرفتها ألقت نظرة علي مظهرها و وشاحها الحريري المرقط كجلد الفهد، تهندم من تلابيب السترة ذات لون وبر الجمل وأسفلها كنزة بلون حبات السكر.

خطوات قليلة تفصلها عن قاعة الاجتماعات ويشغلها النظر في ساعة يدها فاصطدمت بأحدهم والذي اعتذر بالفرنسية

"معذرة"

توقفت بل تسمرت لتتأكد من صاحب هذا الصوت، رفعت وجهها ليصبح الشك لديها يقين واضح للعيان، ابتلعت ريقها قبل أن تقول بصوت خافت

"مسيو فارس؟"

كان ليس بأقل حال منها، يعلم جيداً بهذا اللقاء فكان يخطط إليه منذ شهرين وذلك بعد أن تحرر من قيد الزواج وهذا عندما سأمت زوجته منه و من عشقه لفيروز الذي لم و لن يكُف عنه بتاتاً، يكفي حينما علمت اسم ابنتهما الصغيرة علي اسم مَنْ تأسر فؤاد ولُب زوجها وفشلت هي في أن تجعله يحبها نصف قدر هذا الحب!

"و أخيراً إلتقينا فيروز، أشتقتلك كتير"

اتسعت فيروزيتيها حين رأت تلك النظرة في عينيه والتي لم تتغير منذ عهد مضي، رفرفت أهدابها عدة مرات وحاولت أن تتظاهر بالجدية ووضع حدوداً تلزمه بها في التعامل معها، فيبدو أنه قد نسي مَنْ هو زوجها و ماذا سيحدث إذا رآه مرة أخري بالقرب من زوجته، و له في ما حدث معه في الماضي عبرة!

"أهلاً وسهلاً بحضرتك مسيو فارس، نورت الشركة، أ....

"ليش متوترة هالقد؟، ما تخافي أنا چيت هون مشان الشغل، و بعرف منيح الحدود اللي بينتنا"

ليست هي بحاجة إلي الخوض في نقاش، فقد أدركت من وجوده هنا أنه قادم مع الوفد و تدعو الله بأن مهمته تكون في حضور الصفقة فقط وليس أكثر من ذلك.

و قبل أن يغادر حرف شفتيها قاطعتها مساعدتها

"كل حاجة جاهزة مدام فيروز، و الكل منتظر حضرتك"

نظرت الأخرى إلي فارس وأشارت له نحو الباب الزجاجي

"أتفضل"

ترأست الطاولة وبدأ التعارف بين الحضور حتي أخبر المترجم موظفين الشركة و علي رأسهم ربة عملهم

"أحب أعرفكم بمسيو فارس، صاحب و مدير شركة لاروچ"

صدمة أخرى غير الأولي بعد مجيئه، فهو صاحب الشركة الذي من المُفترض أن يضع يده في يدها من أجل الشراكة وعليها أن تتقبل وجوده في حياتها العملية، يا لسخرية القدر في ذلك التوقيت و تلك الأيام توجد مشاحنات بينها و بين زوجها بسبب غيرته القاتلة و شكه الذي جعل حياتها كالجحيم وهي لا تفعل من الأساس ما يدعوه لذلك، فماذا سيفعل إذا علم بوجود هذا الفارس الشامي الذي كان و مازال يعشق زوجته؟!

※ـــــــــــــــــــــ※

الرابعة عصر يدق بها موقت التنبيه الخاص بهاتفه، استيقظ حينها وأخذ يفرك وجهه و يتثاءب، نهض من مضجعه يشم رائحة الطعام الشهية الذي أعدته زوجته منذ قليل، و صوت صغاره يدوي في الإرجاء، ابتسم عندما وجدهم منشغلين في اللهو بالألعاب، ألتفت نحو المطبخ رآها تقف أمام الموقد تحرك الملعقة الخشبية داخل الإناء، تحرك نحوها دون إصدار صوت، وضع يديه علي عضديها، انتفضت بفزع وذكرت اسم الله وتلتقط أنفاسها

"حرام عليك يا ديشا والله كان قلبي هيقف"

سألها وكأنه لم يسبب لها الفزع منذ ثوان

"بسبوس حبيبتي هتغدينا إيه النهاردة؟"

لكزته في كتفه

"والله ما عندك دم، يعني مش مشكلة تخضني و كان ممكن جرالي حاجة وأهم حاجة عندك الأكل؟!"

أخذ يضحك علي هيئتها التي تشبه الأطفال، تفرق خصلاتها علي جانبين، و كل جانب ترفعه علي شكل كعكة، كما ترتدي ثوب قصير قطني مليء بالرسومات الكرتونية، ضغط علي خديها كل وجنه علي حدة بإصبعيه

"ألف سلامة عليكي من الخضة يا بسبوستي"

و ظل يضغط علي خديها حتي تألمت فأزاحت أنامله

"أوعي سيب خدودي في حالها"

و رفعت في وجهه الملعقة الخشبية تحذره

، فرفع كفيه علي جانبيه وبنظرة ماكرة يخبرها

"خلاص مش هقرص خدودك تاني، بس ممكن أعمل حاجة تانية"

لم يمهلها التفكير و باغتها بعض خدها الأيمن في لحظة فتأوهت، ركض من أمامها قبل أن تلحق به وولج داخل الحمام ثم أوصد بابه مسرعاً

صرخت بحنق

"ماشي يا مصطفي والله ما هسيبك غير لما تقول حقي برقبتي"

انتبهت إلي ضحكات صغارها و يشيرون إليها بسبابتهم، ألتفت إليهم بغيظ وصاحت

"بتضحكوا علي إيه؟!، امشوا من وشي"

صدح من داخل غرفة النوم صوت رنين هاتف زوجها فذهبت دون أن تخبره بالأمر وتلك عادتها، تخشي أن تجمعه علاقة بأحادهن عبر عمله كمصور فوتوغرافي، الهواية التي تتمني أن يبتعد عنها بسبب تعامله مع الكثير من النساء خصوصاً الجميلات في مجال الموضة والأزياء.

أمسكت بالهاتف فقرأت اسم المتصل «Ruby»

كادت تجيب علي المكالمة، انتفضت حين وجدته جاء من خلفها واختطف من يدها هاتفه، ألتفت إليه بغضب تسأله

"و مين روبي دي كمان؟"

رفض المكالمة وترك الهاتف علي طاولة الزينة مولياً ظهره إليها وشرع في خلع قميصه القطني

"شغل"

وقفت أمامه عاقدة ساعديها أمام صدرها وترفع احد حاجبيها ساخرة وغير مصدقة

"شغل برضه؟ و لا حاجة تانية؟"

ألقي قميصه علي الفراش وفتح الخزانة ليأخذ ثياب معلقة من المشجب، أمسكت بساعده تجذبه ليلتفت إليها

"أنا مش بكلمك؟!"

زفر بضجر وأخبرها

"بصراحة سؤالك مستفز زي كل مرة، مش قادرة تقتنعي أن أي واحدة بتعامل معاها بيكون في إطار الشغل مش أكتر"

"و هو أنا لما بغير عليك أبقي غلطانة؟!"

ترك ثيابه جانباً وأمسك يديها، يحدقها بعتاب وحب

"و أنا والله عارف أنك بتحبيني و بتغيري عليا، بس عايزك تقدري شغلي و مش كل شوية مين دي يا ديشا و عايزة منك إيه، مش كدة يا حبيبتي، ده اسمه عدم ثقة و بالتالي بتضايق و بتخنق"

نظرت إلي أسفل بندم ثم رفعت عينيها ترمقه باعتذار قائلة

"واثقة فيك طبعاً، الموضوع و ما فيه أن ببقي مقلقة من الستات أو البنات اللي بتتعامل معاهم، و بصراحة أنا شايفة أنك مش محتاج تكمل في شغل الفوتوجرافر ده، أنت ماشاء الله شريك مع أخوك و والدك في شركات الأسيوطي جروب، إيه لازمتها بقي التصوير؟!"

"هعيدهالك للمرة الألف، أنا بحب التصوير، و واخده هواية أكتر من أنه شغل، و حاطط حدود ما بيني و بين أي واحدة بتعامل معاها، عايزك تطمني علي الآخر لأن مفيش ست تملي عيني و قلبي وعقلي غيرك"

وضعت كفها علي صدره العاري و تنظر إلي عينيه

"و أنا واثقة فيك و بحبك أكتر من حبك ليا، أوعي يا ديشا تخذلني في يوم من الأيام، لأن لو عرفت بتعمل حاجة من ورايا ما تعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه"

رفعت كفها إلي نحره وقبضت علي عنقه تكمل حديثها من بين أسنانها مازحة

"أنا وقتها ممكن أعمل من لحمك بوفتيك"

أمسك برسغها ليبعد قبضتها عن عنقه ضاحكاً

"هو أنا أقدر يا مجنونة أعرف و لا أبص لواحدة غيرك!، ده أنا من يوم ما شوفتك مع رنيم صاحبتك وأنا توبت عن كل صنف الحريم"

تلاقي حاجبيها وتحدقه بترقب

"قصدك إيه بالكلام ده؟"

تحولت ضحكاته إلي ابتسامة هادئة وأحاط خصرها معانقاً إياه

"قصدي أن عيوني مش شايفة حد غيرك"

ابتسمت بسعادة وأحاطت عنقه بيديها

"يعني هتفضل تحبني علي طول مش هتزهق مني أبداً؟"

"و لحد آخر يوم في عمري هفضل أحبك"

و دنا بشفتيه يُقبل جبهتها ثم هبط إلي عينيها، يليها وجنتها و كاد يلمس شفتيها بخاصته فقاطعه دخول الصغار يصيحون

"مامي إحنا جعانين"

ابتعدت من بين ذراعيه وتخفي ضحكتها فقال بصوت خافت

"اه منكم يا هادمين الملذات"

بينما هي ابتسمت إليهم وأخبرتهم

"روحوا أغسلوا إيديكم و أنا هغرف الأكل"

هلل الصغار بفرح وغادروا الغرفة فنظرت إلي زوجها قبل أن تلحق بهم

"و أنت كمان غير هدومك و حصّلنا"

"طيب والبوسة اللي ما لحقتش أخدها؟!"

وقفت لدي باب الغرفة وأعطته قُبلة في الهواء ثم تابعت بقولها

"لما ترجع بالليل"

غمزت بعينها و انطلقت كالفراشة نحو المطبخ، ألتفت يميناً ويساراً لتطمئن أن لا يراها أحد، فتحت احد الإدراج و أخرجت اللوح الإلكتروني، قامت بفتح الشاشة وأخذت تنقر عدة مرات حتي فتحت تطبيق التجسس و من خلاله تراقب رسائل الدردشة علي هاتف زوجها!

بينما هو كان قد تأكد من إغلاق الباب جيداً، وفتح الخزانة قام بمد يده داخل الجيب الداخلي لسترته المعلقة فوق المشجب يخرج منه هاتف آخر، قام بالضغط علي زر الفتح مبتسماً، نقر علي برنامج الدردشة المرتبط برقم لا تعلم زوجته عنه شيئاً، ضغط بإبهامه علي علامة تسجيل رسالة صوتية

"ساعة زمن يا حب و هاكون عندك مش هتأخر عليكي، و ماتنسيش تحضري قعدة حلوة زي الليلة اللي فاتت"

تم إرسال الرسالة الصوتية وانتظر إجابة فكانت رسالة كتابية

«و أنا مستنياك يا حبيبي

بحبك 😘»

أغلق الهاتف و أعاده إلي مخبئه مرة أخري، و كما قالوا في أمثالنا الشعبية المصرية الأصيلة

-ديل الكلب عمره ما هيتعدل-

مع تحيات مصطفي الأسيوطي "ديشا"

※ـــــــــــــــــــــــــ※

"روح هاته مستخبي ورا الصندوق، ألحق في واحد وراك أضرب عليه نار، أضرب يالاه، يا غبي"

كلمات يتفوه بها مع أحد اللاعبين الذي يشاركه في تلك اللعبة الشهيرة، يلهو في وقت فراغه حتي لو كان جالساً في مقر عمله خلف مكتبه، انتبه إلي طرق الباب، أخبر الطارق دون أن تبرح عيناه شاشة الهاتف

"أدخل"

فتح الطارق الباب وكان أحد المرشدين الذي يعمل معه

"سلام عليكم يا إياس باشا"

أغلق شاشة هاتفه و تركه أمامه علي سطح المكتب

"و عليكم السلام يا حمزاوي، وصلت لحاجة؟"

"زي ما حضرتك ما توقعت طلعت شقة من إياهم و مدوراها واحدة اسمها سماسم العايقة و جوزها شرف القرني"

تمعن الأخر التفكير و ردد بصوت خافت

"شرف و قرني؟!، صفتين ما يركبوش في جملة واحدة"

"بتقول حاجة يا باشا؟"

"لاء، كمل"

"بعد ما اطقست جيبتلك قرارهم و قرار البنات اللي مشغلاهم، منهم بت كانت لسه واخدة إفراج من شهرين"

عقب إياس ساخراً

"اه طبعاً لازم ترجع، اللي فيه داء و... عمره ما يبطله، اسمها إيه البت دي؟"

"البت سنية و شهرتها ساسو"

"يا بنت الـ..."

نظر إلي مساعده وأردف مخبراً إياه

"أنت خليك مراقب الشقة أنت والرجالة لحد ما أجيب الأمر من النيابة، وأنا هاكون جاهز و معايا القوة"

"تمام يا باشا، هو بصحيح يا إياس بيه حضرتك بايت من إمبارح في القسم"

"اه، فيه حاجة؟"

لمح ضحكة يكبتها حمزاوي الذي سمعه بالأمس و هو يتحدث مع صقر عن سبب عدم ذهابه إلي منزله

"روح شوف شغلك يا حمزاوي بدل ما أوريك الوش التاني"

"أمرك يا باشا"

غادر علي الفور لينفذ الأمر الذي تلقاه، بينما الأخر نهض من خلف مكتبه وبيده الهاتف يجري اتصالا، و في ذاك التوقيت كانت زوجته تمسك صغيرها ريان من ثيابه وتحقق معه

"مين فيكم أنت وأختك اللي أكل علبة التشوكيلت بتاعتي اللي كانت في التلاجة؟"

حدق إليها ابنها ببراءة مضحكة

"والله ما أنا يا مامي، أنا معرفش أنك مخبية التشوكيلت في التلاجة"

ضربته بخفه علي كتفه

"أنت هاتستعبط؟"

"يا مامي أنا مش بضحك عليكي حتي أسألي شيري أختي وهتقولك"

نظرت إلي صغيرتها التي تتلاشي النظر إلي والدتها

"تعالي هنا يا رويتر، شكلك أنتي اللي كلتيها، ما أنتي طالعة زي باباكي طفسين زي بعض"

هزت الصغيرة رأسها برفض و بطريقة كوميدية، رفعت سبابتها بدفاع

"مش أنا يا مامي اللي كلتها، بابي أول إمبارح لما رجع من الشغل و أنتي نايمة لاقيته دخل المطبخ و طلع و هو مخبي حاجة ورا ضهره و دخل الأوضة وقفل الباب علي نفسه"

ضيقت عينيها و تفكر في حديث صغيرتها حتي قاطع تفكيرها رنين هاتفها، نظرت إلي هوية المتصل

"جيت لقضاك يا سي إياس"

جاء رده لها

"اعتبر ردك بدل أزيك يا حبيبي، عامل إيه يا حياتي، البيت من غيرك وحش يا روحي"

"ده أنا اللي هطلع روحك لما تيجي"

تذكر الأمر الذي اقترفه بالأمس، ابتلع ريقه وتظاهر بعدم المعرفة

"مالك يا حب، إيه اللي مضايقك بس؟"

"فين علبة التشوكيلت بتاعتي يا مفجوع؟"

"تشوكيلت إيه يا حبيبتي اللي بتسألي عليها؟، أسألي ريان أو شيري هما مدمنين تشوكيلت زيك"

ولجت داخل الغرفة التي اختبأ بها منذ يوم كما أخبرتها ابنتها وألقت نظرة علي سلة القمامة الصغيرة فوجدت أوراق الشيكولاتة الذهبية ملقاه مع بقايا لفائف التبغ المحترقة

"تمام، مش بتقولوا برضه عندكم في القانون المتهم برئ حتي تُثبت إدانته، لما ترجعلي بالسلامة هوريك الدليل القاطع يا طفس يا مفجوع، و خليك بايت عندك في القسم عشان لو رجعت هعمل من دراعاتك أسياخ شاورما، و من غير سلام"

أنهت المكالمة في وسط ذهول منه، أخذ ينظر بصدمة إلي شاشة الهاتف

"يا مجنونة، أقسم بالله متجوز طفلة، يارب بس متكونش دخلت الليڤينج و شافت ورق التشوكيلت في الباسكيت، دي كانت موصية صاحبتها عليها بقالها شهر من سويسرا كأنها بتوصيها علي مجوهرات"

※ــــــــــــــــــــــــــ※

بالعودة لدي شركة الفيروز لمستحضرات التجميل، تجلس في غرفة المكتب الخاص بها تنظر في شاشة الهاتف والقلق ينهش قلبها لاسيما بعد أن رأت العديد من المكالمات الفائتة من زوجها في حين أنهت تستضيف فارس الذي يرتشف القهوة حتي أنهاها فترك القدح فوق المنضدة الزجاجية، ينظر حوله إلي الجدران و أثاث المكتب والزينة، عقب بلباقة وذوق رفيع دائماً يتميز به

"حلو كتير الديكور، متل صاحبته"

حمحمت بخجل وتوتر، فعقب

"عم بقصد ذوقك كتير شيك"

"شكراً فارس بيه"

وضعت لقب عن قصد حتي ينتبه إلي الحدود التي بينهما، و إذا يبطن داخله أمر ما فعليه أن يتراجع

"نرجع لموضوع الصفقة، بصراحة عرض حضرتك رائع و يكفي اسم الشركة والبراند و...

رفع يده لتكف عن الحديث

"فيروز، بليز ممكن نأجل الحكي تبع العمل شوي؟"

أومأت بحرج و بطيف ابتسامة

"تمام اللي حضرتك عايزه"

"بصراحة بدي أحكي معك عن حالي شوي، مو أنتي لساتك بتعتبرينا متل الأصدقاء؟"

"مسيو فارس، أنا فعلاً بعتبرك صديق، و صديق عزيز يكفي وقفتك معايا وقت شدتي لما اتسجنت ظلم و هربتني وسافرت علي فرنسا ورجعت لما ظهرت برائتي، و فضلت معايا لحد ما وقفت علي رجليا من تاني، أنا ما بنساش أي معروف أبداً"

ابتسم وهو يتذكر أحداث الماضي التي مر بها معها و كيف كانت من أجمل اللحظات حتي لو كانت مجرد ذكريات صداقة و حب من طرف واحد!

"مو نسيت هالأيام بنوب، كيف ما بتحكوا بالمصري لسه عايش علي الذكريات"

تنهد و كأنه يخرج هواء من عبق الماضي من فرح و ألم

أرادت تغير دفة الحديث حتي لا تصل معه إلي نقطة آتية من محيط الذكريات أو ربما تتمني أن تنتهي اللحظات الحالية ويغادر الشركة فقلبها يخبرها بأن هناك ما لا يحمد عقباه وعليها أن تختصر ذلك اللقاء في أسرع وقت.

"بالتأكيد حياتك أتغيرت وأتجوزت و خلفت أو دخلت في قصة حب غيرتلك حياتك للأحسن"

كان الصمت سيد الموقف ونظراته أبلغ من الحديث قبل أن تفترق شفتيه ويخبرها بوضعه الحالي

"أنا كِنت متچوز و هلاء انفصلت عن زوچتي"

تصفيق حار مصدره هذا الذي يقف لدي مدخل الباب دون أن يدري كليهما بوجوده، يعقب علي ما قد قيل للتو باستهزاء

"قصة مؤثرة جداً لدرجة عايز أعيط"

حالة فيروز أدق وصف لها خوف بل رعب و نبضات قلبها تسبق عقرب الثواني في مضمار السباق، وقفت ويعجز لسانها عن التحدث، أخيراً علمت سبب القلق الذي كان مسيطراً عليها، بينما فارس كان قد نهض من الكرسي وأبتلع سخرية ما يراه غريمه

"فاكر الشركة الفرنسية اللي قولتلك عليها يا صقر؟، طلع مسيو فارس يبقي صاحبها، شوفت الصدفة؟!"

من الحماقة التفوه في تلك اللحظة العصيبة فهو مثل البركان الذي أوشكت حممه النارية علي الانفجار، عليها أن تفر من أمامه أو تحدث معجزة و تختفي، يكفيها نظرة نابعة من الجحيم تنضح من عينيه رداً علي ما تفوهت به شفتيها جعلته، دب الرعب في أوصالها ويصل إلي سمعها رجيف قلبها و هذا بعد أن لاحظت نظرة التحدي التي يحدق بها فارس زوجها.

اقترب صقر من كليهما في عرض مسرحي، يفتح ذراعيه بابتسامة و نبرة ساخرة

"أهلا وسهلا فارس بيك، مش بيقولوا كدة عندكم في سوريا؟"

وقف بجوار زوجته وأحاط ظهرها بذراعه، يُذكر هذا الفارس بملكيته لها إذا قد نسي ذلك،

فكان الأخر يتابع عرضه الهزلي في صمت بالغ، لذا تابع صقر

"ينفع كدة يا حبيبتي، ضيفك جاي من فرنسا مخصوص يقلب في الدفاتر، و أنتي ما تضيفهوش؟!"

حدقه فارس بنظرة تضمر الكثير فوجه عينيه نحو فيروز متجاهلاً زوجها

"بعتذر مدام فيروز، و كيف ما اتفقنا المشروع هيصير كيف ما بدك، كل الأوراق معك والعقود أقرأيها منيح و بعد ماتنتهي من الإمضاء تبعك بلغيني"

أخرج من جيب الداخلي لسترته بطاقة ورقية ومد يده بها إليها

"و هاد الكارت مدون عليه كل الأرقام ووسائل التواصل معي"

كادت تمد يدها فسبقتها يد زوجها تزامناً مع ضغطة قوية من يده الأخرى علي عضدها تسببت لها الألم.

عقب فارس بالفرنسية قبل أن يحتدم الموقف أكثر من ذلك فالأصلح أن يغادر علي الفور حتي لا يتسبب لمن يهواها قلبه الأذى

"إلي اللقاء"

ظلت تقف في مكانها حتي بعد مغادرة فارس و ذهاب زوجها ليغلق الباب خلفه ويعود إليها مجدداً، تخشي أن تلتفت إليه لكن في لمح البصر شعرت بجسدها يهتز بعنف بين يديه و حمم بركانية تُقذف من عينيه لتحرقها حية

"بيعمل إيه الـ...... ده هنا معاكي في المكتب؟، أتاريكي ما بترديش عليا عشان ما أزعجش سيادتك و أنتي قاعدة مع البيه و يخلي لكم الجو"

صاحت في وجهه بغضب نابع من حرب الأعصاب التي مرت بها

"إيه اللي أنت بتقوله ده، مش هتبطل اتهاماتك و ظلمك ليا؟!"

أخذ هاتفها من فوق المنضدة و فتح سجل المكالمات ووضع الشاشة نصب عينيها

"أقري يا هانم كام مرة أتصلت بيكي، و لما أجي دلوقتي ألاقيكي قاعدة مع واحد جواه ليكي مشاعر و جاي من فرنسا يقولك إنه طلق، عايزة يبقي رد فعلي إيه بالظبط؟!"

حاولت التملص من قبضتيه والتحلي بالقوة أمام هذا الوحش

"ما أنت لو أديتني فرصة بس أشرحلك و أصححلك ظنونك السيئة، أولاً عدم ردي عليك لأني كنت بحضر للإجتماع من وقت ما وصلت هنا و طول ما أنا في الإجتماع مش هينفع أرد و أنت فاهم و عارف ده كويس، ثانياً بقي زي ما قولتلك سبب وجود فارس الشامي هو أنه طلع صاحب شركة لاروچ الفرنسية واللي هيبقي بينا مشروع مشترك لو نجح هتبقي شركتي من أنجح و أعلي شركات مستحضرات التجميل في الشرق الأوسط"

حاول أن يهدأ قليلاً من أوج غضبه لكن هذا ليس الهدوء المتعارف عليه، بل ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة

"بصي أنتي بقي و إسمعيني كويس أوي، عشان اللي هقوله أقسم بالله ما هيحصل غيره، رقم واحد لا مشروع و لا شراكة هتحصل ما بين شركتك و ما بين شركة الـ...... ده، رقم 2 لو حصل و أتقابلته مع بعض تاني حتي لو صدفة مش هقولك أنا ممكن أعمل فيه إيه و يحمد ربنا أن سمحتله يمشي علي رجليه من هنا ده غير حسابك العسير معايا، رقم 3 لو بتموتي و أنا بتصل عليكي تردي لأن لو أتكرر اللي حصل النهاردة ده تاني مش هتخرجي من باب الفيلا و لا هيبقي فيه شركة و لا غيره"

كانت تستمع وعقلها لم يكن قادر علي استيعاب أوامره، فهي ليست أول مرة يلقي عليها فرمانات لا تقبل العصيان لكن داخلها ثورة عارمة غير قابلة لهذا الاستبداد الأعمى.

سألته بهدوء مماثل تأبى الخضوع

"و لو قولتلك مش موافقة علي أي حاجة قولتها؟!"

ابتسامة مرعبة تغلغلت قسمات وجهه، وضع يديه علي كتفيها يشعر برجفة جسدها و نبضات فؤادها التي اخترقت سمعه، اقترب بشفتيه بالقرب من أذنها يخبرها

"هاعتبر إن ماسمعتش حاجة، و إلا كان هيبقي رد فعلي مش هيعجبك أبداً، فياريت تروحي تاخدي شنطتك و تروحي معايا و قبلها تسيبي خبر مع السكرتيرة أنك في إجازة لأخر الأسبوع"

ابتعدت خطوة إلي الوراء و مازالت آثار الصدمة علي ملامحها، بعد ثواني شعرت وهو يمسك بيدها يعطيها حقيبتها و يدها الأخرى تُجر منها كالشاه خلفه، لم يكتف بذلك حيث أخبر مساعدتها بدلاً منها بما كان يريده أن تخبرها به، تابع طريقه نحو الخارج ممسكاً بيدها حتي وجدت نفسها داخل سيارته وهو يجلس خلف المقود، قام بتشغيل المحرك وقبل أن ينطلق أوقفه صوتها الذي خرج أخيراً من مكمن شفتيها دون أن تنظر إليه

"أنا عايزة أتطلق"

※ــــــــــــــــــــــ※

تمسك بالإبرة الطبية وتفرغ من أنبوبها الهواء ثم تضعها برفق لهذا الجرو المسكين

"كدة تمام، بالشفا يا روي، كدة فاضله جرعة كمان و هيبقي زي الفل"

ابتسمت السيدة بسعادة وحملت جروها بين ذراعيها

"تسلم إيديك يا دكتور ليلي"

دخلت مساعدتها في عيادتها البيطرية تخبرها

"دكتور ليلي، طلبية التطعيمات وصلت مع المندوب برة"

جلست علي الكرسي بأريحية والتعب نال من جسدها، فأرادت الاكتفاء من العمل اليوم

"خديها منه وحطيها في التلاجة و قفلي برة عشان هنمشي دلوقتي"

"تمام يا دكتور"

نهضت الأخرى وخلعت المأزر الطبي وخلعت القفازات المطاطية ثم قامت بغسل يديها بالمطهر أولاً ثم بالصابون السائل والمعطر، عادت إلي مكتبها لتلملم معلقاتها داخل الحقيبة فوقعت عينيها علي صورة لها مع زوجها في بداية زواجهما، أمسكت هاتفها لتتصل به فسبقتها مكالمة واردة من «مها»

"ألو يا مها؟"

"أيوه يا دكتور ليلي أزي حضرتك؟"

"بخير، فيه حاجة؟"

"أنا بكلمك أديكي التقرير و أقولك الست غريبة الأطوار دي جت النهاردة تاني لدكتور خالد و بقالهم ساعتين جوه و مانع أي حد يدخل أو يخبط"

قالت الأخرى في نفسها

"بقي كدة يا خالد، يبقي أنت اللي جبته لنفسك يا دكتور المجانين"

ثم أخبرت بصوت مسموع إلي الأخرى

"خليكي مراقباهم زي ما أنتي و أنا جاية"

أجابت مها بتردد

"ما هو لو حضرتك جيتي، دكتور خالد هيفهم أن قولتلك وهيطردني، أخر مره كان محذرني بطريقة غير مباشرة "

"ما تقلقيش أنا هقوله خلصت عيادة بدري و عديت عليه عشان نتغدي بره"

"ماشي يا دكتور، ربنا معاكي"

"مش هوصيكي، سلام"

أنهت المكالمة وضبطت من هندامها فغادرت مقر عملها علي الفور.

※ـــــــــــــــــــــــ※

"و لما أنتي واجهتيه بخيانته ليكي، كان إيه ردة فعله؟"

يلقي سؤاله علي مريضته وهو جالساً علي كرسيه الجلدي الأسود، عاقداً ذراعيه أمام صدره، بينما هذه السيدة التي تتمدد علي الشيزلونج، تنظر نحو الفراغ في عالم آخر موازي، تجيب كالتائهة في البادية

"قالي دي تهيؤات و هلاوس بسبب الأدوية اللي أنتي بتاخديها، و كمان قالي مكنش فيه حد في الشقة غيري أنا و هو، و البنت اللي شوفتها في حضنه دي كانت من خيالي"

نهضت جالسة ونظرت إلي الطبيب بحزن ينضح من عينيها فاستطردت شفتيها الحديث

"يا دكتور خالد، أنا شوفتهم بعينيا، فاكرة كل التفاصيل، و قبل ما أفتح عليهم باب الأوضة سمعتها بتسأله إمتي هتطلقها وتخلص منها، رد عليها وقالها أول ما هاتعملي توكيل عام هبيعها كل اللي وراها وقدامها و هاخد الفلوس و نسافر أنا و أنتي علي كندا"

تبدلت ملامحها من الحزن إلي ابتسامة انتصار لم يفاجئ بها الأخر، فعمله جعله يرى العجائب من البشر

"بس أنا وهمته بأني مصدقاه، و عملتله التوكيل وتاني لاغيته، كلمته بعدها وقولتله فيه أوراق لسه محتاجة إمضتك، طبعاً طمعه وجشعه هيخليه يجي زي الكلب"

لحظات صمت و شعور بالشك والريبة دخل في قلبه، يشعر بأنه علي وشك معرفة كارثة

"و بعد ما جالك عملتي معاه إيه؟"

ابتسمت كالبلهاء لكن بسمة دبت الخوف في قلبه و ليس السرور، ابتلع ريقه وفك ذراعيه، يحدق إليها باهتمام وتواصل بصري لتكمل له كالآتي

"هو كان مدمن قهوة و مكنش بيحبها غير من إيديا، حطيتله فيها سم سريع المفعول، هو شرب الفنجان من هنا و مفعول السم اشتغل، كان بيترجاني أنقذه لحد ما أترمي تحت رجلي، و قبل أخر نفس ليه وطيت و عيني في عينه وقولتله، أنا موتك مرة ورحمتك من العذاب، لكن أنت موتني مرتين و أنا عايشة يوم ما خونتني و مرة تانية لما كنت عايز تسرق تعبي وشقايا و تروحوا تتهني بيه أنت و هي"

"والكلام ده كان إمتي بالظبط؟"

سؤاله أنطلق تلقائياً فهو أمام جريمة قتل برغم وقع الظلم علي مريضته، لكن كان هناك طرق أخري لأخذ الحق دون القتل و إزهاق الروح بغير حق

"من شهر بالظبط، و مش هو بس اللي دفع التمن، هي كمان برضه دفعت"

"قتلتيها؟"

"الموت للي زيها رحمة، أنا كنت مخططة لكل حاجة، بعتلها من موبايله رسالة بموقع الشقة اللي اتقابلنا فيها و كتبتلها علي أساس أن أنا هو عايز أقابلك ضروري، طبعاً بلعت الطعم و أول ما دخلت غفلتها من ورا الباب و ضربتها علي راسها فأغمي عليها، كنت محضرة مسدس كاتم للصوت ضربت بيه جوزي، رصاصة في دماغه و التانية في قلبه، مسحت بصماتي كويس من عليه و حطيته في إيد الحشرة اللي لبست جريمة القتل، و لما مشيت بلغت أن فيه جريمة قتل من رقم مجهول وعقبال ما فاءت لقت الكلابشات في إيديها"

ابتلع ريقه بخوف، فهو أمام قاتلة و تتميز بالذكاء

"طيب ما كدة الطب الشرعي هيثبت أنه مات بالسم مش بالرصاص"

ابتسمت مرة أخرى وأخبرته بأحد أعمالها البطولية بالنسبة إليها

"ده لو شرحوا جثته حتت عمرهم ما هيعرفوا، ميزة السم ده بيختفي أي أثر ليه من الجسم في خلال أول ساعة بعد مفعوله"

نهض من المقعد وأتجه نحو مكتبه مولياً إياها ظهره يخرج هاتفه من جيب بنطاله دون أن تراه يتأكد من تسجيل تلك الجلسة و يحاورها لكي لا تنتبه إليه

"طالما أنتي أنتقمتي منهم أشر إنتقام جاية هنا ليه؟، يعني مش خايفة أبلغ عنك البوليس وأقولهم أن اللي قتل جوزك هو أنتي مش عشيقته، مهما كانت درجة الخطأ اللي عملتها بس ده ما يديكيش الحق أنك تظلميها و...

"مش أنا كنت متفقة معاك يا دكتور ممنوع التسجيل و لا إيه؟"

تسمر في مكانه ليس من السؤال بل من فوهة السلاح الموضوعة خلف رأسه

"ما ينفعش...

صاحت بتهديد ضاري

"هات موبايلك وأرفع إيديك أحسنلك، أنا جيتلك هنا عشان تسمعني، لأنه محدش يعرف سري غيرك و اللي اعرفه أن من أمانة الطبيب النفسي يكون كاتم أسرار المرضي حتي لو كان سر خطير، وبما أنك كنت بتسجل يعني في نيتك الغدر، ما تفرقش حاجة عن جوزي، كلكم صنف غدار"

وفي الخارج قد وصلت للتو فكان للقدر رأي آخر، رأتها مها مساعدة زوجها

"أهلاً وسهلاً يا دكتور ليلي"

أخبرتها الأخرى علي عجلة من أمرها

"روحي أنتي دلوقتي يا مها و أنا هقوله أنا اللي خليتك تروحي ما تقلقيش"

"ربنا يباركلك يا دكتور، و يهدي سركم"

اقتربت ليلي بتؤدة من باب غرفة مكتب زوجها وقبل أن تفتح الباب سمعت صوت زوجها ويرجو تلك التي قد عزمت علي التخلص منه دون أن يرف لها هدب من أهدابها

"يا مدام نيڤين، أنا لازم كنت أسجل اللي دار بينا عشان برجع اسمع التسجيل و أفهم إيه اللي بتعاني منه ونبدأ في مرحلة العلاج"

صاحت به

"كداب، فاكر نفسك هتخدعني زي المغفل جوزي، كلكم عجينة واحدة، نفس الكذب والمكر والغدر في دمكم"

"طيب لو قتلتيني هاتدخلي السجن، المكان مليان كاميرات و فيه السكرتيرة و ناس برة و سكان البرج"

كانت ليلي تستمع إلي هذا الحوار بعينين متسعتين، نظرت من فتحة المفتاح و رأت زوجها يرفع يديه و تحت تهديد السلاح، لطمت خدها و بصوت خافت

"يا مصيبتي، هاتموته"

ابتعدت لتجري اتصالا بالشرطة و ذهبت سريعاً تخبر حراس أمن المبني السكني، لبوا النداء علي الفور، اقتحموا غرفة المكتب فصرخت السيدة المجنونة في وجوههم

"لو حد فيكم قرب مني هفجر لكم راسه"

ظهرت ليلي من خلف الحراس

"جري إيه يا وليه يا مجنونة أنتي، أنتي فاكرة الدنيا سايبة، أبعدي البتاع اللي ف إيدك ده عن جوزي بدل أجيلك أنا وأفتحلك دماغك في الحيطة اللي وراكي"

حدق خالد زوجته البلهاء

"أنتي إيه اللي جابك دلوقتي؟!، أتنيلي أسكتي"

"الحمدلله أن أنا جيت عشان أنقذك يا حبيبي من السايكو دي"

عقبت الأخرى بتهديد

"خلي البت دي تتلم بدل ما أقتلهالك"

"بت ما تبتك، أنا الدكتورة ليلي مرات الدكتور خالد يا سايكو"

لطم خالد علي خده

"أبوس إيدك أسكتي خالص"

عقبت نيڤين بجدية مخيفة

"و علي إيه أخرصهالك أنا"

وقامت بتوجيه السلاح نحو ليلي، باغتها خالد بدفعة قوية أسقطت من يدها السلاح فركض أحد رجال الحراسة وقام بخطفه قبل أن تصل يدها إليه بالتزامن مع صوت رجال الشرطة اللذين جاءوا للتو و تم القبض علي نيفين التي ظنت أنها ارتكبت الجريمة الكاملة و لن يكشفها أحد فذهبت إلي العدالة بقدميها.

"دكتور خالد، عايزينك تشرفنا في القسم عشان التحقيق و تحكيلنا كل حاجة عن الست دي"

نطق بها الضابط فأومأ الأخر وأخبره

"حاضر ساعدتك أنا هجيب المدام و هنحصلكم بعربيتي"

ذهب الجميع و لم يتبق سوي هو وهي، ارتمت علي صدره و كادت تبكي

"كنت هاموت من خوفي عليك لما شوفتك في الوضع ده"

ربت علي ظهرها ليطمئنها

"بعد الشر عليكي، الحمدلله أنا بخير، و لولا وجودك كان الله أعلم حصل إيه"

رفعت رأسها ونظرت إليه بلهفة وقلق، تتفحص ملامح وجهه

"لو قولتلك الحقيقة هتزعل مني؟"

"أنا مش فاهم حاجة، بس قولي اللي أنتي عايزاه عمري ما هزعل منك"

نظرت إلي أسفل بخجل وإحراج

"بصراحة كنت جاية أقفشك"

"تقفشيني!"

تعجب لصراحتها فأكملت

"اه، كنت فاكرة أن فيه حاجة ما بينك و ما بين الست دي أو بتكون عاملة نفسها حالة جاية تتعالج وهي عينيها منك أصلاً زي التلاتة اللي فاتوا"

وضع كفيه علي وجهه يزفر قائلاً

"ألهمني الصبر يارب، أدي جزاء الزوج السالك اللي ما بيخبيش حاجة علي مراته"

"و أنت مضايق عشان غيرانة عليك؟"

ابتسم فأخبرها

"لاء بالعكس، بس مش عايز تفكيرك يوصل لكدة، يعني أنك تيجي هنا عشان فاكرة فيه واحدة بتشاغلني أو عينيها مني، و بعدين أنتي ناسية أن جوزك دكتور لمعالجة الأمراض النفسية، يعني شغلنتي أفهم اللي قدامي كويس و من لغة جسده و من كلامه أعرف أن كان كذاب أو مخادع أو صادق؟!"

"مش ناسية، بس النفس آمارة بالسوء و الشيطان مالوش دعوة بتخصصك و لا شغلك، يعني ممكن يحلي أي واحدة في عينيك و يحصل اللي يحصل"

رفع احد حاجبيه يسألها معاتباً

"أظن من كلامك، أنك ما بتثقيش فيا"

هزت رأسها بنفي

"لاء والله أنا بثق فيك أكتر من أنا واثقة في نفسي، بس من كتر ما أنا بعشقك وبغير عليك أوي، ما بستحملش واحدة تبصلك ما بالك لما يتقفل عليها باب وأنت معاها وتقعد بالساعات تشكيلك همها علي الشيرلونج"

"عايزك تطمني قلبك و تقوليله و لا أجمل نساء الدنيا تقدر تحرك مني شعرة و أنا معايا ليلتي عشقي وروحي اللي عايش بيها وليها"

ابتعدت قليلاً وجلست علي المقعد الطويل وتمددت

"لاء بقي، بعد الكلام اللي دوخني ده أنا هاقعد و أمدد هنا وأفضفض للدكتور حبيبي عن كل اللي جوايا"

اقترب منها ودنا منها بجذعه مستنداً علي يديه بجوارها علي جانبيها، يلقي عليها كلمات من نهر الحب الخالد

"و الدكتور تحت أمرك و بيقولك فضفضي وهو هيعالجك بكل جوارحه وقلبه و بـ...

أخذ يُقبل كل إنش في وجهها حتي وصل إلي موطن كلماتها ليلتقطها بخاصته و يستمتع بمذاق العسل، بادلته التذوق وكانت كالنحلة ترتشف الرحيق من نبع شفتيه فيعود إليه عسلاً.

"في أي خدمات تانية يا دكتور...

بتر المشهد الذي رآه حارس الأمن الكلمات من علي شفاه، سرعان ابتعد خالد عن زوجته التي نهضت و اعتدلت بإحراج

"لا مؤاخذة يادكتور أنا آسف"

قالها الحارس معتذراً فعقب خالد

"و لا يهمك، و تسلموا علي وقفتكم معانا"

في الأسفل داخل السيارة قبل أن يبدأ القيادة، أمسك يدها وعيناه صوب عينيها بنظرة عشق و وله لم يقل أبداً منذ سنوات عندما رآها لأول مرة في فناء المنزل الذي تقطن فيه عائلتها، كم من ذكريات ما بين سرور و حزن مرت عليهما وكان رباط العشق بينهما يشتد قوة أكثر فأكثر

، أحبها بعقله و قلبه معاً.

"تعرفي أنا قبل ما نتقابل أول مرة شوفتك فيها، كنت بدعي ربنا يرزقني بخير متاع الدنيا، و فعلاً ربنا استجاب دعائي ورزقني بيكي يا مراتي يا حبيبتي يا أم عيالي"

و كأنها تذكرت أمراً هاماً و لم تعقب علي كلماته التي تخطف الفؤاد قبل السمع

"فكرتني بالولاد، بالله عليك تعالي نخلص مشوار القسم ده بسرعة و نعدي علي ماما ناخدهم، زمانهم مطلعين عينيها و مجنناها، خصوصاً الواد إياد ابنك اللي معجون بميه عفاريت"

ترك يدها و نظر بامتعاض

"يعني عمال أقولك أنتي حبيبتي و خير متاع الدنيا، تفصلي اللحظة و تقوليلي الولاد و أمي و ابنك العفريت، تصدقي أنا غلطان و هاعمل زي كل الرجالة بس ما تجيش تشتكي و تقوليلي أنت اتغيرت ليه يا حبيبي"

ضحكت رغماً عنها

"طيب و الرجالة بيعملوا إيه و أنت هاتعمل زيهم؟"

أثار سؤالها الساخر حنقه، عض علي شفته السفلي بغيظ

"بتتريقي؟!، تمام لما نروح البيت هتعرفي"

"خلاص، خلاص كنت بهزر يا خلودي، ما تبقاش قفوش بقي، و عاملي فيها دكتور نفساني و محدش قدك و أنا بحركات عبيطة بجننك"

رفع حاجبه وأخبرها بوعيد مازحاً

"خليكي فاكرة كلامك، بس لما نروح البيت"

أخذت تضحك فأنطلق بالسيارة بسرعة جعلتها تكف عن الضحك فأخذت تتوسل إليه مثل الطفلة الصغيرة

"براحة أنا بخاف بالله عليك، كنت بهزر معاك"

"أنا هوريكي الجنان بقي"

و ابتسم بوعيد فأمسكت بساعده

"خلاص حقك عليا يا دكتور خالد"

صاح بمزاح

"مش سامع الإعتذار"

"آسفة يا خالد"

"عايز اسمعها كويس"

"آسفة يا دكتور"

ابتسم بانتصار فأحاط ظهرها بذراعه وهدأ من سرعة السيارة، لكزته في صدره

"أنت شرير"

أخذ يضحك فدفعها نحو صدره وقبل أعلي رأسها و عينيه نحو الطريق، قلبه عامر بعشقها و لن يسلك سوي دربها هي فقط.

※ـــــــــــــــــــــ※

توقف في مكان نائي بعيد عن ازدحام الشوارع المكتظة بالمارة والمواصلات، صدره يعلو و يهبط يحاول أن يهدأ روعه و ألا يفتعل فعل أحمق يندم عليه لاحقاً، عليه التحلي بالحكمة في حل تلك الأمور دون تهور.

كانت فيروز تتلفت من حولها فسألته

"أنت وقفت هنا ليه؟"

"ممكن تنزلي نتمشي شوية نتكلم؟"

تعجبت من أسلوبه المهذب في طلبه بدلاً من إلقاء الأمر بفظاظة كما المعتاد منه، ترجلت من سيارته و تبعها هو أيضاً، تقدم نحوها ووقف أمامها وكأنه ليس هذا الوحش الغاضب الذي كان يلقي أوامره بحدة منذ قليل.

"هو اللي قولتيه في العربية ده كان بجد؟"

رمقته بتجهم ثم أخبرته

"هو أنت فاكر لما قولتلك عايزة أتطلق ده بسبب كلامك ليا النهاردة؟!، مجاش في بالك أن طلبي للإنفصال يبقي سبب تراكمات كتير من ضمنها تحكماتك اللي بسبب و من غير سبب، غيرتك الزايدة عن حدها و كل مدي بتخنقني أكتر، ما بتخلنيش أتحرك خطوة غير لما لازم أتصل عليك و أديلك التقرير كأني طفلة صغيرة مش زوجة وأم ناضجة ومسئولة، و غير عصبيتك كل ما نتكلم وفرض رأيك حتي لو كان غلط المهم لازم أنفذ وإلا ألاقي معاملة زي الزفت منك؟!، كل اللي ذكرته كوم و الشك أسوأ صفاتك اللي للأسف مقدرتش أغيرها، الفون ما تعملهوش باس وورد يا فيروز وأكتشف إنك بتاخده وأنا نايمة وتقعد تقلب في الأرقام و رسايل الشات ما بيني و ما بين أصحابي و أهلي و حتي ما بيني و ما بين مامتك و أختك، لاء و كمان تدخل علي الأكونت بتاعي و تشوف بعلق لمين و لا مين بيعلقلي و أي راجل حتي لو في مجال شغلي تقوم عمله بلوك من غير سبب"

عقد ما بين حاجبيه بضيق وعقب علي حديثها

"من حقي أعمل كدة وأكتر، مراتي بغير عليها و ما بستحملش أي واحد غريب يقرب منها حتي لو علي الفيس"

"و بالنسبة لقرايتك للشات ما بيني و بين اللي عندي، غيران كمان عليا من ماما و مامتك و أختك و صحباتي؟!"

"و أنتي إيه اللي مضايقك؟!، بحب أطمن عليكي و أشوف بيقولوا لك إيه"

"و لا عشان خيالك المريض مهيألك إنهم بيخربوا ما بينا و بيسلطوني عليك!"

"ما هو لما ألاقيكي كل شوية تمسحي الشات ما بينك و ما بينهم شئ طبيعي أشك أن فيه كلام بيدور من ورايا و مش عايزاني أعرفه"

زفرت بضجر من ذو العقلية المغلقة

"أيوه بمسح عشان بيبقوا بيحكوا لي حاجات تخصهم و ما ينفعش حد يحكيلي سر و مأمني عليه وأنت تعرفه سواء مني أو من الشات، و لا خايف بكون أنا اللي بحكيلهم علي عمايلك معايا وخناقتنا اللي ما بتخلصش! "

جز علي شفته السفلي بأسنانه ثم أجاب

"بالظبط كدة، لأن متفق معاكي ممنوع أي حرف يتقال ما بينا يخرج لحد حتي لو كانت ماما و رنيم و لو حصل عكس كدة هيبقي فيها رد فعل مش هايعجبك"

صاحت بقهر و تشعر بالضيق الذي يطبق علي صدرها

"ما كفاية بقي تهديدات، أنت إيه يا أخي، عايز تمشي الدنيا علي كيفك أنت وبس، طب و أنا؟، فين أنا من كل ده، من وقت ما بقيت علي ذمتك وأنا مابقاش ليا رأي و لا شخصية و كمان علي طول في وضع إتهام و شكوك مالهاش أول من آخر، أنا تعبت، بجد تعبت و ما بقتش أستحمل، كل واحد فينا عنده طاقة تحمل لو وصلت لأخر limit فيها بيحصل إنفجار، و أنت و بكل جدارة وصلتني لمرحلة الإنفجار و نهاية عمري ما اتمنيتها"

"و أنا لو انطبقت السما علي الأرض يا فيروز مش هطلق، و اللي بيحب حد بيحبه بعيوبه و مميزاته و أنتي عارفة كويس عيوبي من قبل ما نتجوز، يعني ما ضحكتش عليكي و لا خدعتك، بنستحمل بعض و الدنيا بتمشي، و أنا لو وحش زي ما أنتي شايفاني كدة مكنتش سيبتك تبقي سيدة أعمال و صاحبة شركة و تمارسي حياتك بحرية، شئ طبيعي كراجل بيحب وبيغير علي مراته أتابعك و أراقب اللي حواليكي، ده مش شك فيكي ده خوف عليكي، الدنيا مالهاش أمان ولازم أعمل حساب لأي مفاجآت و أي ظرف يحصل، شغلي كمقدم في مكافحة المخدرات علمني كدة"

الشعور بالاختناق هو الوصف الدقيق للحالة التي عليها، تجمعت عبراتها في فيروزتيها، تنظر يميناً ويساراً حتي استقرت نظراتها صوب عينيه تسأله بغصة مريرة

"يعني أنت من كل اللي قولته ده مش شايف نفسك غلطان؟"

أجاب ببرود

"لاء"

كان جوابه كالزر الأحمر الذي ضغط عليه فانفجرت وأجهشت في البكاء، تبكي من أعماق دواخلها التي تحترق، اهتز قلبه القاسي لرؤيتها في تلك الحالة، مد ذراعيه ليجذبها بينهما، يربت علي ظهرها و يهمس بجوار أذنها

"خلاص ما تعيطيش، هعملك اللي أنتي عايزاه، بس بلاش تعملي في نفس كدة"

أزداد بكائها أكثر فتركها تبكي حتي هدأت ورفعت وجهها من صدره حيث بللت دموعها قميصه الرمادي، أصبحت عينيها مثل الكوكب الفيروزي و محاط بالدماء، فكانت جفونها الملتهبة أثر البكاء.

وضع جبهته علي جبهتها يسألها

"بقيتي أحسن؟"

أبعدت رأسها وأومأت له بالنفي

"مخنوقة و حاسة أني هاموت"

عانقها بقوة

"بعد الشر عليكي، حقك عليا أنا السبب"

نظرت إليه و لم تصدق سمعها علي اعتذاره، فتابع

"أيوة أنا غلطان، و عندك حق فكل اللي قولتيه، أنا عارف إن راجل صعب الطباع و مفيش واحدة تقدر تستحمل طبعي و ظروف شغلي، و أنتي من يوم ما عرفتيني ومستحملة الوحش مني قبل الحلو، عانيتي معايا و مني كتير و برغم كدة لسه بتحبيني، ضغطي عليكي و خنقتي ليكي مش شك فيكي طبعاً، أنا بثق فيكي زي ما أنا واثق في نفسي، الموضوع و ما فيه بخاف تتخلي عني وتسيبيني، بخاف تستغلي حبي وضعفي قدامك و....

صمت لا يعلم ماذا يخبرها فأخبرته هي

" و أستقوي عليك صح؟، يبقي أنت لسه معرفتنيش لحد دلوقتي يا صقر، بدليل استحملتك كل السنين اللي فاتت و سامحتك علي اللي عملته معايا يوم ما حكمت عليا ظلم زي اللي اتهموني في شرفي وسمعتي و اتحبست و أنت عارف أني بريئة، و بدل ما تدور علي دليل برائتي و تقف جمبي كملت عليا بكل قسوة و جبروت، و لما هربت و وقفت علي رجليا من جديد لاقيت الكل معايا و بيدعمني ألا أنت، و مع ذلك لما جيت لحد عندي و ركعت طالب السماح فسامحتك، كنت أسمعهم بيقولوا الحب مذلة، أنا أكتر واحدة عاشت المثل ده بكل معانيه"

انتقلت الغصة إلي حلقه حينما تذكر كل شيء من الماضي، و انتابه نفس الشعور ذاته عندما جاء إليها نادماً علي كل فعل اقترفه في حقها، و ها هو مرة أخري يكرر الأمر بصورة مختلفة، انهارت حصونه واحد تلو الآخر، عليه أن يرفع راية استسلام كبريائه الظالم أمام عبراتها وضعفها وقلة حيلتها.

أمسك كفها المرتجف وقام بتقبيل ظهر يدها ثم نظر إليها بكل معاني الاعتذار

"و أنا قدامك للمرة التانية و بقولك آسف، آسف علي كل حاجة ضايقتك مني، و أوعدك هحاول أغير من نفسي، عارف أن وعدتك نفس الوعد قبل كدة و ما أتنفذش للأسف، بس المرة دي غير أي مرة، أنا مقدرش أتخيل يجي يوم و تبعدي عني، أنا بتنفس وعايش عشان أنتي معايا ما بالك لو بعدتي عني ممكن يجرالي إيه!"

"و لو الوضع فضل زي ما هو؟"

ابتلع غصته وأخبرها بكل جدية وصدق

"هيبقي ليكي حرية الإختيار"

"و أنا هفض أي شراكة أو صفقة كانت هتم ما بين شركتي و شركة فارس الشامي، و قراري مش عشان دي رغبتك، أنا بقفل باب ممكن يهدم حياة بنيناها أنا وأنت بعد معاناه محدش يستحملها"

مد يده إليها منتظراً إياها، و بعد ثوان وضعت يدها علي كفه فجذبها بين ذراعيه في عناق حميم، ربما بداية لتغير صادق نابع من عشق مر بالكثير من المصاعب التي لا يستوعبها العقل حتي انتهي بالاستقرار.

تمت.

إيه رأيكم في المفاجأة دي؟؟ 😍
يا تري عاجبتكم أحداث الحلقة الخاصة؟
و هل عايزين جزء تاني من عشق الفيروز و لا نكتفي بجزء واحد و خلاص؟
هنتظر تعليقاتكم و مشاركة آرائكم حبايبي
و ما تنسوش الفوووت لطفاً😊

بالنسبة لمتابعين غابة الذئاب الفصل الجديد بكرة بإذن الله♥
و انتظروا رواية شغفها عشقاً هتنزل بداية من 2 ديسمبر
و هاتكون مواعيد نشرها السبت و الأثنين و الإربعاء هنا علي الواتباد و علي بيدج رواياتي «الكاتبة ولاء رفعت علي»
هاحطلكم اللينك علي منصة الرسائل

مع حبي و سلامي و دعواتي و دعواتكم لأخواتنا في غزة ربنا يحفظهم و ينصرهم علي اعدائنا اللهم آمين 🤲🏻🤲🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...