تحميل رواية عزبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر pdf
بقلم حنان أحمد ماهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ عزبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر.
رواية عزبة النخيل الفصل الأول 1 - بقلم حنان أحمد ماهر
في أقصى جنوب الصعيد، وعلى ضفاف النيل، كانت تقع قرية صغيرة اسمها عذبة النخيل.
لم تكن قرية عادية…
كانت البيوت فيها مبنية بالطوب الأحمر والحجر القديم، تتوسطها شوارع ضيقة يعرف أهلها بعضهم بالاسم، وتحيط بها مساحات واسعة من القصب والقمح، بينما كانت أشجار النخيل تصطف كأنها حراس لا ينامون.
في عذبة النخيل…
الكلمة لها وزن.
والوعد دين.
والشرف لا يُساوَم عليه.
وكانت العداوات تورث كما تورث الأرض.
مع أول خيط من ضوء الفجر، انطلق أذان المسجد الكبير، فبدأت البيوت تستيقظ واحدًا تلو الآخر.
خرج الرجال إلى الحقول، وخرجت النساء يملأن الجرار بالماء، بينما كانت رائحة الخبز البلدي الساخن تنتشر في الأزقة.
في طرف القرية، كان يقف بيت كبير يملكه الحاج عبدالجواد الدمنهوري، أحد أكبر ملاك الأراضي، ورجلًا يعرفه الجميع بالشدة والحزم.
ولم يكن بعيدًا عنه اصطبل الخيل يسير فارس الدمنهوري الحفيد الأكبر لعبد الجواد الدمنهوري.
كان فارس في الثامنة والعشرين من عمره، طويل القامة، عريض الكتفين، هادئ الطباع، لكنه إذا غضب أصبح كالإعصار.
كان الاصطبل هو مملكته الخاصة بمجرد أن يقترب تبدأ الخيل في الحركة وكأنها تشعر بوجوده يرتب على اعناقها بحنان ويتفقدها بنفسه كل صباح ورث عن جده عشق الخيل الذى كان دائما يقول له.
(الرجل يعرف من هبته…والخيل تعرف باصلها)
وكان معروفًا عن فارس بين أهل البلد بأنه لا يترك حق مظلوم.
خرج من بيته بعد صلاة الفجر، وهو يعدل عقاله فوق رأسه، ثم اتجه نحو المندرة، حيث كان صديقه المقرب حمزة يجلس وحده يحتسي كوبًا من الشاي.
اقترب فارس وربت على كتفه.
مالك يا حمزة؟ بقالك كام يوم سرحان.
رفع حمزة رأسه، وابتسم ابتسامة باهتة.
مفيش… ياصاحبى .
جلس فارس بجواره، ثم أشعل سيجارة وقال:
طول عمرك لما تقول “مفيش” أعرف إن في حاجة كبيرة.
تنهد حمزة وهو ينظر إلى أشجار النخيل التي تتحرك مع نسيم الصباح.
فاكر بنت الحاج عبدالرحيم؟
ابتسم فارس وقال:
آيات؟
هز حمزة رأسه في هدوء.
أيوه… آيات.
سكت قليلًا، ثم أكمل بصوت خافت:
أول مرة شفتها كانت عندها ستاشر سنة… كانت راجعة من المدرسة شايلة شنطة الكتب، وكانت ماشية مع أختها الصغيرة.
ابتسم وهو يتذكر.
يومها عربية نقل كانت داخلة بسرعة على الطريق الزراعي، والبنات ماخدوش بالهم… جريت وسحبتها بعيد قبل ما العربية توصل.
ضحك فارس وهو يقول:
ومن يومها قلبك راح خدته معها بنت عبد الرحيم .
خفض حمزة رأسه، ولم ينكر.
يمكن… بس والله يا فارس عمري ما كلمتها كلمة تغضب ربنا. كنت كل اللي أتمناه إنها تكبر، وأدخل بيت أبوها من بابه.
نظر إليه فارس طويلًا، ثم قال وهو يرطب على كتفه :
وأنا شاهد على ده ياصاحبى انت مافيش حد فى اخلاقك.
كمل حمزه بضيق . كلمتنى آيات امبارح بالليل وقالت إن أبوها رنها علقه موت امبارح بسبب ابن عمك عباس راح
وقاله انى على علاقة بيها.
الغضب اتملك فارس وتكلم وهو بيجز على أنيابه . إبن الكلب لوله العيبه وأنه إبن عمى كنت طخيطه وخلصت منيه البكف ده
ولا يهمك ياصاحبى انت تروح تطلبها من أبوها وتفهمه
كل حاجه وأن شاء الله تكون من نصيبك
رفع حمزة عينيه إليه بتردد.
تفتكر هيقبل يسمعني؟
ابتسم فارس بثقة.
حتى لو رفض، لازم يعرف إنك راجل، وإنك دخلت البيت من بابه. والراجل المحترم عمره ما يعيبه إنه يطلب الحلال.
ظل حمزة صامتًا للحظات، ثم قال:
حاضر… هروح ربنا يقدم اللى فيه الخير
رتب فارس على ضهر . خير ياصاحبى إن شاء الله هيحصل كل خير
وفي مكانٍ آخر… بعيدًا عن هدوء الصعيد، وتحديدًا في الإسكندرية.
كانت المدينة قد استيقظت على صوت البحر، وزحام السيارات، وصفارات القطارات التي لا تتوقف.
وسط هذا الزحام…
كانت فتاة تركض بكل ما تملك من قوة.
تحمل حقيبة سوداء على ظهرها، وتضمها بيدها كأنها أغلى ما تملك، بينما تلتفت خلفها كل عدة خطوات، وعيناها تمتلئان بالخوف.
كان نفسها يتسارع، وقطرات العرق تنساب على جبينها رغم برودة الصباح.
همست وهي تلهث:
ـ يا رب… استرها معايا… يا رب.
وصلت إلى بوابة محطة القطار في اللحظة التي انطلق فيها جرس قيام أحد القطارات.
ازدحم الناس حولها، رجال ونساء وأطفال، وكل واحد منهم منشغل بنفسه.
اختلطت بينهم بسرعة، وهي تحاول أن تخفي ملامحها بطرف إيشاربها.
وقبل أن تصعد درجات الرصيف…
سمعت صوتًا غاضبًا يهتف من بعيد:
ـ هناك… البنت أهي!
تجمد الدم في عروقها للحظة.
التفتت سريعًا، فرأت ثلاثة رجال يشقون الزحام بعنف، ينظرون في وجوه الناس حتى وقعت أعينهم عليها.
صرخت داخلها:
ـ الحقوني يا رب…
ثم ركضت من جديد.
اصطدمت بأكثر من شخص وهي تعتذر دون أن تتوقف، حتى وصلت إلى باب أحد العربات قبل أن يغلق بثوانٍ.
قفزت إلى الداخل، وسقطت على الأرض من شدة التعب.
وفي اللحظة نفسها…
أغلق باب القطار، وانطلق ببطء مغادرًا المحطة.
وقف الرجال على الرصيف ينظرون إلى القطار وهو يبتعد، وقد ارتسم الغضب على وجوههم.
قبض أحدهم على هاتفه وقال بعصبية:
ـ هربت… بلغ الباشا، وقوله إنها مش هتعرف تستخبى مننا.
…
داخل القطار…
كانت الفتاة تلتقط أنفاسها بصعوبة، ويداها ترتجفان بقوة.
احتضنت حقيبتها إلى صدرها، وكأنها تخشى أن ينتزعها أحد منها.
جلست بجوار النافذة، وأخذت تنظر إلى المدينة وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها منعتها من السقوط.
همست بصوت مكسور:
ـ سامحيني يا أمي… ماكانش قدامي غير إني أهرب… لو فضلت هناك كانوا هيقتلوني.
ثم أخرجت من جيبها صورة صغيرة لامرأة في الخمسين من عمرها، قبلتها برفق، وأعادتها إلى مكانها.
وفي المقعد المقابل لها…
كانت سيدة مسنة تراقبها منذ أن صعدت.
اقتربت منها برفق وقالت:
ـ مالِك يا بنتي؟ شكلك خايفة.
ارتبكت الفتاة سريعًا، ومسحت دموعها.
ـ لا… مفيش يا حاجة… شوية تعب بس.
ابتسمت العجوز بحنان، لكنها أدركت أن خلف تلك الكلمات حكاية كبيرة.
قالت بهدوء:
ـ أوقات الهروب بيكون بداية نجاة… ربنا يكتب لك الخير يا بنتي.
اكتفت الفتاة بهز رأسها، بينما عاد القلق يملأ عينيها.
لم تكن تعلم…
أن القطار الذي يحملها الآن إلى الصعيد، سيقودها إلى قرية عذبة النخيل و……
رواية عزبة النخيل الفصل الثاني 2 - بقلم حنان أحمد ماهر
تحرك القطار يشق طريقه بين الحقول والمدن، بينما كانت الفتاة تجلس بجوار النافذة تحدق في الفراغ، كأن عقلها ما زال عالقًا في الإسكندرية.
كانت تقبض على الحقيبة بقوة، حتى ابيضت أصابعها.
لاحظت السيدة المسنة ذلك، فقالت بحنان:
ـ فكّي إيدك يا بنتي… كأنك شايلة الدنيا كلها فوق كتفك.
ابتسمت الفتاة ابتسامة شاحبة.
ـ يمكن… هي فعلًا الدنيا كلها.
لم تسألها العجوز عن شيء آخر، فقد فهمت أن بعض الجراح لا تُفتح بالكلام.
بعد دقائق، أخرجت من حقيبتها زجاجة ماء وقدمتها إليها.
ـ اشربي… وشك لونه أصفر.
ـ ربنا يخليكِ يا حجة.
اخذت منها السيدة المسنه واللى إسمها الحاجة خديجه الازازه وهى ترسم على شفتيها ابتسامة يشوبها حنان .
وانتى يابنتى منين من الصعيد
ردت عليها الفتاه ووجها يكسوها الحزن. انا معرفش حد فى
الصعيد ياحجه
بصت الحاجة خديجه باستغراب وحست أن وراها اسرار .
قوليلي يابنتى انتى هربانه من حد ورايه تدالى فى الصعيد
نزلت الفتاه رأسها بانكسار علامه تأكيد
سكتت الحاجة خديجة وهى بتبصلها بتماعن وحست أن الزمن جه عليها . انتى أسمك إيه يابتى
بصتلها الفتاه وردت بتردد . همس أسمى همس يالحجة
اتكلمت الحجة خديجة بابتسامة. أسمك جميل يابتى بقولك متشيلى الطرحة من وشك ده خلينى أشوف ملمحك عدل
بعدت همس الطرحة من على وجهها وظهرت ملامحها البريئه ووجهها شديد البياض ومتغطى بحمره خدودها
وعيونها الزرقوتان مثل مياه البحر
بصتلها الحاجة خديجة بإعجاب والقت عليها بعض الكلمات
لتبعد عنها الحسد . بسم الله مشاء الله يابتى ربنا يصونك ويحفظك من الناس وعيونهم أشربى يابتى سبيها على الله
شربت قليلًا، ثم أغمضت عينيها، لكن النوم رفض أن يزورها.
كلما أغمضت عينيها، تذكرت ذلك الصوت…
“امسكوها… متخلوهاش تهرب هتروحى منى فين .”
فتحت عينيها مذعورة، وأخذت تنظر حولها.
لم يكن أحد يطاردها.
لكن الخوف كان يجلس بجوارها.
وفي قرية عذبة النخيل…
كان حمزة يقف أمام بيت الحاج عبد الرحيم.
تنفس بعمق، ثم طرق الباب.
فتح له رجل في الخمسين من عمره، بملامح صارمة.
ـ خير؟
قال حمزة بثبات:
ـ السلام عليكم يا حاج عبد الرحيم… انا حمزه ابن الشيخ
طه
تغيرت ملامح الرجل في لحظة.نظر إليه طويلًا، ثم قال بحدة:
ـ إنت؟
ـ أيوه يا حاج. كنت حابب اشرب معاك الشاى واتكلم معاك فى موضوع كده
وسع الحاج عبد الرحيم الباب وأذن له بالدخول وبعد ما قدم ليه الضيافة. خير يابنى ايه الموضوع اللي عايزة فيه
بدأ حمزه يتكلم والحروف خرجه بتوتر . والله ياحاج عبد الرحيم أنا كنت جاى اطلب ايد كريمتكم على سنه الله ورسوله
بصله الحاج عبد الرحيم بتمعن . وانت تعرف بتى منين يا ولدى وياريت تكلم بصدق
تنحنح حمزة وهو يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن توتره كان واضحًا في نبرة صوته.
ـ وبدأ يحكى له ازى عرفها وختم كلامه. والله ياحج أنا كنت بخاف زى اختى وحفظ عليها ورعيت ربنا فيها وعمرى
ما تجوزت حدودى معاها وربنا اعلم
ظل الحاج عبد الرحيم يحدق فيه دون أن يرمش.
ـبس اللى سمعته عنك غير أكده بعد ؟!
قال حمزة بسرعة:
ـ والله العظيم كله كذب… وعمري ما غلطت في بنتك ولا حتى كلمتها كلمة حرام.
وقف الحاج عبد الرحيم وتكلم بحده وسبات . شرب شايك
ياولدى
هز حمزه رأسه بقلق
اتكلم الحاج عبد الرحمن بحزم . يبقى تاخد بعضك من اهنه
معنديش بنات للجواز
بعد أن أنهى الحاج عبد الرحيم كلماته، ساد صمت ثقيل داخل المجلس.
ظل حمزة ممسكًا بكوب الشاي، لكنه لم يرفع عينيه عن الأرض.
ثم قال بهدوء امتزج بالألم:
ـ يعنى… ده آخر كلامك يا حاج؟
رد الرجل بلهجة لا تقبل النقاش:
ـ آخر كلامى… وبابى اتفتحلك احترامًا لأبوك الشيخ طه الله يرحمه، غير إكده مكنتش هسمع منك أصلًا.
رفع حمزة رأسه، وقد بدت في عينيه خيبة كبيرة.
ـ طب قولى… رفضك ليا عشان اللى الناس بتقوله؟
زفر الحاج عبد الرحيم وهو يشبك يديه خلف ظهره.
ـ يا ولدى… إحنا فى بلد صغيرة، والسمعة فيها رأس مال البنى آدم. الناس كلها كانت بتتكلم… وأنا معرفش الحقيقة فين. وبنتى مهينفعش اجازف بسمعتها والله اعلم إذا كنت صادق ولا كداب انى مش عايز أكد الكلام اللى وصالى.
قال حمزة بألم:
ـ يعنى حكمت عليا بكلام الناس؟
نظر إليه الحاج عبد الرحيم نظرة طويلة، ثم قال:
ـ يمكن ظلمتك… ويمكن لأ. لكن الأب بيختار الأمان لبته.
وقف حمزة ببطء.
ارتجفت أنفاسه، لكنه حاول أن يحافظ على كرامته.
ـ والله يا حاج… هييجى يوم تعرف فيه إنك ظلمتنى.
لم يرد الرجل.
فاكتفى حمزة بأن قال:
ـ السلام عليكم.
ـ وعليكم السلام.
خرج من البيت بخطوات ثقيلة.
كان يشعر وكأن الجدران تضيق عليه.
رفع رأسه إلى السماء وهمس:
ـ حسبى الله ونعم الوكيل… يا رب أنت أعلم باللى فى قلبى.
وفي تلك اللحظة…
كان القطار يقترب من محطة قنا.
بدأ الركاب يجمعون حقائبهم، بينما نظرت همس من النافذة إلى الأراضي الممتدة وأشجار النخيل التي بدأت تزداد كثافة.
همست لنفسها:
ـ يارب انا مليش غيرك
ربتت الحاجة خديجة على يدها بحنان.
ـ متخافيش يا بتى… الصعيد فيه ناس قلوبها أطيب من اللبن.
ابتسمت همس ابتسامة باهتة.
ـ يارب يكون كلامك صح.
ثم سألتها الحاجة خديجة فجأة:
ـ بعد ما ننزل… رايحة فين؟
ساد الصمت.
لم تجد همس إجابة.
فهي بالفعل…
لا تعرف إلى أين ستذهب.
تنهدت الحاجة خديجة، وكأنها اتخذت قرارًا في تلك اللحظة.
ـ خلاص… هتيجى معايا عذبة النخيل.
رفعت همس رأسها بسرعة.
ـ لا يا حجة… مينفعش أتعبك.
ابتسمت الحاجة خديجة.
ـ تعب إيه يا بتى؟ أنا ست كبيرة، وبيتى كبير، والرزق اللى ربنا كاتبه ليا لازم يشارك فيه غيرى أنا شغاله عند بيت الحاج عبد المجيد هخدك تشتغلى معايا ورزقى ورزقك على الله .
ترددت همس.
ـ بس… لو حد سأل عنى؟
أجابت الحاجة خديجة بثقة:
ـ محدش ليه عندى سؤال. واللى هيسأل هقوله دى بنت من قرايبى جاية تقعد معايا .
امتلأت عينا همس بالدموع.
ولأول مرة منذ أيام…
شعرت أن هناك يدًا تمتد إليها دون مقابل.
أمسكت يد الحاجة خديجة وهمست بصوت مبحوح:
ـ ربنا يجازيكى خير يا حجة.
ابتسمت الحجة خديجة وربتت على كفها.
ـ متعيطيش… اللى ليه رب كريم، عمره ما يضيع.
وفي الخارج…
أطلق القطار صفارته الأخيرة، معلنًا وصوله إلى محطة قنا.
كان حمزة قاعد تحت شجرة الجميز الكبيرة، في طرف الغيط، مستند بضهره على جذعها العتيق.
كان ماسك عودًا صغيرًا من الخشب، يرسم به خطوطًا عشوائية في التراب، كأنه بيحاول يدفن وجعه مع كل خط.
ملامحه كانت ساكنة…
لكن عينيه كانت مليانة انكسار بعد كلام الحاج عبد الرحيم.
وفى وسط سرحانه رن تليفونه برقم “آيات”
تنهد، ثم رد وهو يحاول يخفي حزنه.
ـ السلام عليكم يا آيات يانبض القلب.
وعليكم السلام يا حمزة…
سكت لحظة، ولما حس إنها مش قادرة تتكلم، قال بقلق:
ـ مالِك يا آيات؟ صوتك بيقطع القلب.
انفجرت آيات في البكاء وهي بتحاول تسيطر على نفسها.
ـ أنا… أنا سمعت كل حاجة يا حمزة… كنت واقفة ورا باب الأوضة… وسمعت كلامك مع أبويا.
حمزه اوى تبعد عن أنا مقدرش
قبل أن تنهي آيات كلامها، قال حمزة بصوت ثابت رغم الألم الذي يعتصر قلبه:
ـ ابعد عنك؟… مستحيل يا آيات. طول ما فيا نفس، عمري ما هبعد عنك بإرادتي.
شهقت آيات وهي تمسح دموعها.
ـ بجد يا حمزة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بحنان:
ـ والله بجد. إنتِ أغلى حد في حياتي، وأنا ما طلبتش إيدك إلا وأنا ناوي أصونك وأكرمك العمر كله. لكن برضه مستحيل أخلي حبنا يكون سبب في زعل أبوكي أو إنك تعملي حاجة تغضب ربنا.
سكتت آيات لحظة، ثم قالت بصوت مبحوح:
ـ أمال هنعمل إيه دلوقتي هتصرف ازاي مع ابوى؟
أخذ حمزة نفسًا عميقًا وقال بعزيمة:
ـ هحاول مرة تانية… ومش هرفع الراية البيضا. هروح لأبوكي تاني، ولو لزم الأمر هجيب معايا حد كبير من البلد يشهد بأخلاقي ويقنعه إن كل اللي اتقال عني كان ظلم وافتراء.
شعرت آيات بشيء من الأمل يتسلل إلى قلبها . انى بحبك
اوى يا حمزه
ـ وانا كمان يانبض قلب حمزه متقلقيش يا آيات إن شاء الله . هعمل كل اللي أقدر عليه على شان تكونى حلالى ، وهفضل أدعي ربنا لحد ما يكتب لنا الخير.
ابتسمت آيات وسط دموعها لأول مرة منذ بدأت المكالمة.
ـ ربنا يجبر بخاطرك يا حمزة… أنا واثقة إن ربنا مش هيبعدنا عن بعض
ابتسم حمزة ابتسامة هادئة وقال:
ـ اصبري، وإن شاء الله ربنا يكتب لنا النصيب .
– طيب ياحمزه هسيبك دلوكيت على شان شكل أبويا رجع
وفي الإسكندرية…
كانت تجلس امرأه في منتصف الأربعينيات من عمرها، ودموعها تنساب على خديها في صمت، بينما تحتضن صوره همس بنتها بين يديها، تمرر أصابعها المرتعشة فوق ملامحها .
همست وهي تبكي:
ـ يا رب… احفظها وردها ليا سالمة.
وفجأة…
دخل الرجل بخطوات غاضبة، وأغلق الباب خلفه بقوة حتى اهتزت جدران الغرفة.
رفع عينيه إليها وقال بحدة:
ـ لسه ماسكة صورتها؟!
انتفضت المرأة من مكانها، وهي تخفي الصورة خلفها بغريزة الأم.
اقترب منها بسرعة، ثم أمسك معصمها بقوة حتى تأوهت من الألم.
حاولت أن تفلت من قبضته وهي تقول بصوت مرتجف:
ـ سيب إيدي… بالله عليك سبنى وبعد عنى بقى أنا بكرهك.
ارتسمت على وجهه ابتسامة قاسية، وقال بنبرة تحمل تهديدًا:
ـ بتكرهيني؟ فاكرة إنك هتعرفي تخبيها عني؟ هعرف أوصل لها مهما استخبت… وساعتها هتندمي إنك وقفتي في وشي.
دفعها بقسوة، فسقطت على السرير، لكن يدها لم تترك صورة همس، بل ضمتها إلى صدرها وكأنها تحمي ابنتها من بعيد.
رفعت عينيها إليه، وقد امتزجت الدموع بالغضب، وقالت بصوت مخنوق:
ـ منك لله يا عز… ربنا ينتقم منك. ظلمتني وضيعت عمري، لكن أقسم بالله مش هسيبك …. ربنا هو هيجيبلي حقي وحق بنتي.و…..
الفصل الثالث
رواية عزبة النخيل الجزء الثالث 3 بقلم حنان أحمد ماهر
عزبة النخيلرواية عزبة النخيل الحلقة الثالثة
أمسكت همس بحقيبتها الصغيرة، ونظرت من النافذة إلى المحطة التي لم ترها في حياتها من قبل.
كل شيء كان غريبًا…
الوجوه، واللهجة، وحتى رائحة الهواء التي امتزجت برائحة التراب والشمس. وقفت مترددة والقلق يتملك منها .
فربتت الحاجة خديجة على كتفها قائلة بابتسامة مطمئنة:
ـ يلا يا بتى… انزلى، متخافيش.
نزلت همس خلفها بخطوات بطيئة، وكانت تنظر حولها بحذر، وكأنها تتوقع أن يخرج أحد من بين الزحام وينادي باسمها.
كلما اقترب منها رجل، ارتجف قلبها.
وكلما سمعت صوتًا مرتفعًا، التفتت بسرعة.
لاحظت الحاجة خديجة ذلك، فأمسكت يدها برفق.
ـ متبصيش وراكى كتير… اللى ربنا كاتبه هيكون.
هزت همس رأسها وهي تحاول أن تتمالك نفسها.
خرجتا من المحطة، وكانت عربات الأجرة تقف في صف طويل.
لوحت الحجة خديجة لأحد السائقين.
ـ يا ولد… عذبة النخيل.
ابتسم السائق باحترام.
ـ اتفضلى يا حاجة.
ركبت الحاجة خديجة أولًا، ثم جلست همس بجوار النافذة، وما إن تحركت السيارة حتى بدأت تنظر إلى الطريق.
كانت الأرض تمتد على الجانبين خضراء، تتخللها ترع صغيرة، وأشجار النخيل تصطف في هدوء، بينما كانت الطيور تحلق فوق الحقول.
ولأول مرة منذ هروبها…
شعرت أن قلبها يهدأ قليلًا.
سألتها الحاجة خديجة وهي تنظر إليها بطرف عينها:
ـ أول مرة تيجى الصعيد؟
ابتسمت همس ابتسامة خفيفة.
ـ أيوه… عمرى ما خرجت من إسكندرية.
ـ هتحبيه يا بتى… الناس هنا بسيطة، والقلوب لسه فيها خير.
أخفضت همس رأسها وقالت بصوت خافت:
ـ يارب… خير ياحجة
سكتت لحظة، ثم سألتها الحاجة خديجة برفق:
ـ هو اللى كنتى هربانة منه… قريبك؟
ارتجف جسد همس كله. وصمتت.
فأدركت الحاجة خديجة أنها لم تكن مستعدة للكلام.
فابتسمت بحنان وقالت:
ـ خلاص… يابتى متجاوبيش. لما تحبى تتكلمى هسمعك.
نظرت إليها همس بعينين دامعتين.
مر الوقت…
حتى بدأت معالم قرية عذبة النخيل تظهر من بعيد.
بيوت متواضعة من الطوب الأحمر.
أشجار نخيل شاهقة.
وأطفال يركضون في الطرقات الترابية وهم يضحكون.
دخلت السيارة القرية ببطء.
كان الجميع يعرف الحاجة خديجة.
فكلما مرت بأحد، ألقى عليها السلام.
ـ حمد لله على السلامة يا حاجة.
ـ الله يسلمك يا ولدى.
ثم كانت العيون تتجه نحو همس.
فتخفض همس رأسها تلقائيًا، وتسحب طرف طرحتها قليلًا فوق وجهها.
ابتسمت الحاجة خديجة وهي تلاحظ ارتباكها.
ـ متخافيش يابيتى… الناس هنا فضولها أكتر من شرها تعالى ياله.
بعد دقائق…
توقفت السيارة أمام بيت كبير تحيط به أشجار النخيل من كل جانب.
كان البيت قديمًا، لكنه نظيف، وتفوح منه رائحة الخبز البلدي.
قالت الحاجة خديجة وهي تنزل:
ـ اهو… وصلنا تعالى يابتى أهلا وسهلا بيتك ومترحك.
نزلت همس وهي تنظر إلى المكان بإعجاب ممزوج بالخوف.
همست لنفسها:
ـ ربنا يستر.
وفي تلك اللحظة…
فتح باب البيت، وخرجت امرأة خمسينية تحمل صينية خبز ساخن.
ابتسمت للحاجة خديجة قائلة:
ـ نورتى يا خديجة… اتأخرتى ليه؟
ابتسمت الحاجة خديجة، البيت منور بيكى ياخيتى ثم أشارت إلى همس.
ـ دى بنت قريبتى… هتقعد معايا كام يوم، ولحد ما ربنا يفرجها عليها هتشتغل معايا فى بيت الحاج عبد المجيد.
ابتسمت المرأة بحسن نية.
ـ أهلًا وسهلًا بيها… البيت بيتها ياحاجه.
ابتسمت همس بامتنان .أهلا بحضرتك ياحاجة
كملت الحاجة خديجه. وده تبقى اختى الحاجة زينب
ابتسمت الحاجة زينب في وجه همس، ثم مدت يدها وربتت على كتفها بحنان أمومي.
ـ أهلاً بيكى يا بنتى… اعتبرى نفسك وسط أهلك، بيتك ومطرحك يضنايا.
ارتعشت شفتا همس وهي تومئ برأسها.
ـ ربنا يخليكى يا حاجة شكر لحضرتك.
دخلت الحاجة خديجة أولًا، وتبعتها همس بخطوات مترددة.
ما إن عبرت عتبة البيت حتى شعرت بدفء غريب يحيط بها.
كان البيت واسعًا على الطراز الريفي القديم، تتوسطه ساحة مكشوفة تتسلل إليها أشعة الشمس، وفي أحد الأركان تناثرت أواني الفخار، بينما كانت رائحة الخبز البلدي تمتزج برائحة السمن البلدي، فتملأ المكان دفئًا وطمأنينة.
قالت الحاجة زينب وهي تضع صينية الخبز على منضدة خشبية:
ـ أكيد تعبانين من السفر… تعالى اغسلى وشك، وأنا هحضرلكم الفطار.
اعترضت همس بخجل:
ـ والله يا حاجة متتعبيش نفسك.
ابتسمت زينب.
ـ تعب إيه بس يا بنتى؟ ده البيت بيتك.
تبادلت الحاجة خديجة النظرات مع أختها، ثم قالت وهي تخلع عباءتها:
ـ البنت ملهاش حد غير ربنا… وربنا ساقها لحد عندنا.
نظرت زينب إلى همس بعطف، لكنها لم تسألها عن شيء، وكأنها فهمت من نظرة أختها أن للصمت حرمة.
جلست همس على طرف المقعد الخشبي، وعيناها تتجولان في أرجاء البيت.
كان كل شيء بسيطًا…
لكن تلك البساطة منحتها شعورًا بالأمان لم تعرفه منذ زمن.
بعد دقائق، وضعت زينب على المائدة أرغفة الخبز الساخنة، وجبنًا قديمًا، وعسلًا أسود، وطبقًا من الفول.
قالت بابتسامة:
ـ يلا… سموا بالله.
ترددت همس قليلًا، ثم بدأت تأكل.
كانت جائعة، لكنها كانت تحاول ألا تظهر ذلك.
لاحظت الحاجة خديجة، فابتسمت في سرها.
همست لزينب:
ـ سيبيها براحتها… شكلها من امبارح ماداقتش الذاد ياحبيت عينى.
لم ترفع همس رأسها، لكن عينيها امتلأتا بالدموع.
منذ زمن لم يعاملها أحد كإنسانه
انتهى الإفطار، فأخذت زينب الأطباق إلى المطبخ، بينما وقفت الحاجة خديجة وقالت:
ـ تعالى يا همس… أوريكى أوضتك.
صعدتا درجات سلم قديم يؤدي إلى الطابق العلوي.
فتحت خديجة باب غرفة صغيرة، تطل نافذتها على صفوف طويلة من النخيل.
كان بها سرير خشبي، وخزانة بسيطة، وستارة بيضاء تتحرك مع نسمات الهواء.
ابتسمت الحاجة خديجة.
ـ دى أوضتك… يمكن بسيطة، بس إن شاء الله ترتاحى فيها.
دخلت همس ببطء، واتجهت نحو النافذة.
نظرت إلى أشجار النخيل التي كانت تتمايل بهدوء
سمعت صوت الحاجة خديجة خلفها:
ـ ارتاحى النهارده يا بنتى… وبكرة الصبح هنروح سوا بيت الحاج عبد المجيد.
التفتت همس إليها باستغراب.
ـ هو… الشغل هيكون صعب؟
ابتسمت خديجة مطمئنة.
ـ لا يا بتى… شغل البيت عادى، وأهل الحاج عبد المجيد ناس محترمين، وأنا معاكى طول الوقت، ومحدش هيقدر يضايقك.
تنهدت همس براحة، ثم قالت:
ـ حاضر يالحاجة …
لكنها لم تكن تعلم…
وفي الجهة الأخرى من القرية…
كان حمزة يجلس أسفل شجرة الجميز العتيقة، شاردًا كعادته.
اقترب منه صديقه محمود وهو يبتسم ابتسامة ماكرة، ثم قال:
ـ يا واد يا حمزة… سمعت الخبر؟
رفع حمزة رأسه باستغراب.
ـ خبر إيه؟
جلس محمود بجواره وهو يضحك.
ـ بيقولوا الحاجة خديجة رجعت من السفر… وجابت معاها بنت زى فلجه القمر.
لم يهتم حمزة كثيرًا، وعاد ينظر إلى الأرض.
ـ وربنا يرزقها الستر يامحمود.
ابتسم محمود وهو ينهض.
ـ شكلك مش فارق معاك.
أجابه حمزة بهدوء:
ـ اللى ملوش دعوة بالناس… الناس بتحترمه روح شوف حالك.
قام محمود بضيق طيب يا خويا متنساش تودى شكاره الدقيق للحاجه خديجة ياله سلام عليكم
غادر محمود وهو يهز رأسه،
نهض حمزه من مكانه، واتجه إلى مخزن الغلال، وحمل شوال الدقيق فوق كتفه القوي، ثم سار بخطوات هادئة في طرقات عذبة النخيل متجهًا إلى بيت الحاجة خديجة.
وما إن وصل، حتى وقف أمام الباب ونادى باحترام:
ـ السلام عليكم يا حاجة خديجة.
خرجت الحاجة خديجة من الداخل وهي تبتسم.
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… أهلاً يا ولدى.
ابتسم حمزة وهو ينزل شوال الدقيق عن كتفه.
ـ ده شوال الدقيق اللى كنتِ طلبتيه.
ـ ربنا يبارك فيك يا ولدى، تعبتك معايا.
هز رأسه في هدوء.
ـ تعب إيه بس يا حاجة… ده واجب.
خرجت همس من غرفتها بعدما سمعت صوتًا يأتي من ساحة البيت، ونزلت السلم بخطوات هادئة وهي تنظر باستغراب.
وفي تلك اللحظة، لمحت الحاجة خديجة همس وهي تقف عند آخر درجات السلم، فابتسمت لها وأشارت بيدها.
ـ تعالى يا بتى.
اقتربت همس في هدوء، وعيناها تتحركان بين الحاجة خديجة والشاب الواقف أمامها.
قالت الحاجة خديجة بابتسامة:
ـ يا حمزة… دى همس، بنت قريبتى، هتقعد معايا كام يوم لحد ما ربنا يفرجها عليها، وهتشتغل معايا فى بيت الحاج عبد المجيد.
ثم التفتت إلى همس وقالت:
ـ وده حمزة… ابن الشيخ طه، زى ابنى بالظبط، من أحسن شباب البلد وأخلاقه يشهدلها القاصى والدانى.
رفع حمزة عينيه للحظة قصيرة، وألقى السلام باحترام:
ـ السلام عليكم.
ابتسمت همس بخجل، وردت بصوت منخفض:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله.
وما إن انتهى من السلام، حتى أنزل حمزة بصره في هدوء، ولم ينظر إليها مرة أخرى، ثم حمل الشوال إلى داخل المخزن كما طلبت منه الحاجة خديجة.
وفى الليل وقوف همس خلف نافذة غرفتها، وأسندت جبينها إلى إطارها الخشبي، بينما كانت نسمات الليل الباردة تعبث بخصلات شعرها التي أفلتت من تحت طرحتها.
كان الليل في عذبة النخيل مختلفًا…
هادئًا بصورة لم تعهدها من قبل.
لا صوت سيارات، ولا صخب شوارع، فقط صوت صراصير الليل، وحفيف سعف النخيل، ونباح كلب بعيد بين الحقول.
وفجأة…
شق سكون الليل صوت حوافر حصان تضرب الأرض بقوة.
اتسعت عينا همس، ونظرت في اتجاه الصوت.
رأت فارسًا يمتطي حصانًا عربيًا أسود، ينطلق به بين الطريق الترابي الممتد وسط الحقول بسرعة كبيرة، حتى كانت عباءته السوداء ترفرف خلفه مع الهواء.
لم تستطع تمييز ملامحه من شدة الظلام…
ظل الحصان يعدو حتى اقترب من شجرة الجميز الكبيرة عند مدخل القرية، فأبطأ الفارس من سرعته، وربت على عنق حصانه بحنان وهو يهمس له:
ـ خلاص يا “الأدهم”… هدى.
توقف الحصان مطيعًا، ونزل فارس عنه بخفة، وربط لجامه في أحد جذوع الأشجار.
في تلك اللحظة…
خرج رجل مسن من أحد الحقول وهو يحمل فانوسًا صغيرًا.
ابتسم عندما رآه.
ـ لسه راجع من الغيط يا فارس ياولدى؟
ابتسم فارس بهدوء.
ـ أيوه يا عم رجب… كنت بطمن على الزرع بعد الرى.
هز الرجل رأسه بإعجاب.
ـ ربنا يباركلك يا ولدى… زى أبوك الله يرحمه، عمره ما نام قبل ما يلف على أرضه.
خفض فارس رأسه احترامًا.
ـ ربنا يرحمه ويغفرله.
ودع الرجل، ثم أمسك بلجام حصانه من جديد، وسار به في هدوء نحو بيته.
أما همس…
فكانت لا تزال تتابع المشهد من بعيد.
ابتسمت دون أن تشعر.
كانت تلك أول مرة، منذ أيام طويلة، تنشغل بشيء غير خوفها.
لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها، وعادت الذكريات تطاردها.
أغلقت النافذة برفق، وجلست على طرف السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها.
همست بصوت اختنق بالدموع:
ـ يا رب… انا مليش غيرك .
ثم تمددت فوق السرير، بينما كان ضوء القمر يتسلل إلى الغرفة من بين شقوق النافذة.
وبعد دقائق…
غلبها النعاس، لتنام للمرة الأولى منذ فترة طويلة نومًا هادئًا، لا يقطعه صراخ، ولا كوابيس… وكأن عذبة النخيل بدأت تضمّد شيئًا انكسر داخل قلبها. و…..
…..
الفصل الرابع
رواية عزبة النخيل الجزء الرابع 4 بقلم حنان أحمد ماهر
عزبة النخيلرواية عزبة النخيل الحلقة الرابعة
أشرقت شمس الصباح على عذبة النخيل، وتسللت أشعتها الذهبية بين سعف النخيل لتوقظ القرية على أصوات الديكة، وحركة الفلاحين المتجهين إلى أراضيهم.
استيقظت همس على صوت الحاجة خديجة وهي تنادي برفق من خلف الباب.
ـ صباح الخير يا بتى… اصحى ياله، النهار طلع.
فتحت همس عينيها ببطء، وجلست على السرير وهي تنظر حولها للحظات، قبل أن تتذكر أين أصبحت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ أيام، ثم ردت:
ـ صباح الخير يا حاجة… حاضر، نازلة حالًا.
اغتسلت سريعًا، وارتدت جلبابًا بسيطًا كانت الحاجة خديجة قد أحضرتها لها، ثم لفت طرحتها بإحكام، ونزلت إلى ساحة البيت.
كانت الحاجة زينب قد أعدت فطورًا خفيفًا.
ابتسمت وهي تقول:
ـ تعالى يا بنتى… كلى لقمة قبل ما تمشوا.
جلست همس إلى جوارهما، وأكلت في هدوء، بينما كانت الحاجة خديجة تراقبها بعينين مليئتين بالحنان.
وما إن انتهوا، حتى أمسكت خديجة بطرف عباءتها وقالت:
ـ يلا يا همس… هنروح بيت الحاج عبد الجواد الدمنهوري قبل ما الست الكبيرة تبدأ شغلها.
أومأت همس في طاعة.
خرجتا من البيت، وسارتا بين طرقات القرية الضيقة.
كان أهل القرية يلقون السلام على الحاجة خديجة، وهي ترد عليهم بابتسامتها الهادئة، بينما كانت همس تسير إلى جوارها في صمت، تخفض بصرها كلما مر أحد بجوارهما.
بعد دقائق، ظهرت أمامهما بوابة حديدية كبيرة، تعلوها زخارف قديمة، وخلفها بيت واسع تحيط به حديقة مليئة بأشجار الليمون والياسمين والنخيل.
وقفت الحاجة خديجة وقالت بابتسامة:
ـ اهو يا بنتى… ده بيت الحاج عبد الجواد الدمنهوري.
رفعت همس رأسها تتأمل المكان بإعجاب.
كان البيت أشبه بقصر ريفي عريق، بُني بالحجر والطوب الأحمر، وتحيط به شرفات خشبية قديمة تدل على أصالة أصحابه.
طرقت الحاجة خديجة الباب، فلم تمض لحظات حتى فتحته سيدة في أواخر الخمسينيات، تبدو على وجهها ملامح الوقار.
ابتسمت فور أن رأت خديجة.
ـ أهلًا بالحاجة خديجة… اتفضلى.
ابتسمت خديجة وردت السلام، ثم أشارت إلى همس.
ـ دى همس يا ست أمينة… بنت قريبتى، قلت أجيبها تساعدنى فى الشغل لحد ما ربنا يفرجها.
نظرت أمينة إلى همس بنظرة اعجاب هادئة من جمالها، ثم ابتسمت ابتسامة طيبة. بسم الله ماشاء الله
ـ أهلًا بيكى يا بنتى… الشغل هنا له أصول، لكن محدش هيظلمك بإذن الله.
تنهدت همس براحة، وقالت بأدب:
ـ ربنا يكرم حضرتك.
دخلت الفتاتان إلى فناء البيت، وكانت رائحة الزهور تملأ المكان، بينما كانت الخادمات ينتهين من تنظيف الساحة، وصوت الطيور يملأ الأجواء.
همست الحاجة خديجة لهمس وهي تسير بجوارها:
ـ متقلقيش… اشتغلى بهدوء، وأنا جنبك، ولو احتجتى أى حاجة قوليهالى.
أومأت همس برأسها، بطاعة
واصلت همس السير خلف الحاجة خديجة حتى دخلتا إلى المطبخ الكبير.
كان المطبخ واسعًا، تتوسطه منضدة خشبية طويلة، وعلى الجانبين أفران بلدية مشتعلة، وقدور نحاسية كبيرة، بينما تنشغل النسوة كلٌّ في عملها؛ واحدة تعجن، وأخرى تُقطّع الخضار، وثالثة تُخرج أرغفة الخبز الساخنة من الفرن.
ابتسمت الحاجة خديجة وهي تربت على كتف همس برفق.
ـ تعالى يا بتى… ابدأى معايا. أمسكى الخضار ده واغسليه الأول.
أومأت همس في هدوء، وشمّرت عن ساعديها، ثم بدأت تعمل كما طلبت منها، تحاول أن تتعلم كل شيء بسرعة، حتى لا يشعر أحد بأنها غريبة عن هذا المكان.
كانت تنصت لتعليمات الحاجة خديجة باهتمام، تنفذها بحذر، وكلما أخطأت في شيء كانت خديجة تصححه لها بابتسامة حنونة، دون أن ترفع صوتها.
لكن مع مرور الوقت…
بدأت حرارة المطبخ تشتد.
لهيب الأفران البلدية كان يملأ المكان، والبخار المتصاعد من القدور يجعل الهواء خانقًا.
شعرت همس بقطرات العرق تنساب على جبينها، وبدأ وجهها يشحب شيئًا فشيئًا.
حاولت أن تتمالك نفسها.
مسحت عرقها بطرف طرحتها، وأكملت العمل دون أن تشتكي.
لكن أنفاسها أصبحت أثقل، ورؤيتها بدأت تضطرب قليلًا من شدة الحر.
كانت الحاجة خديجة تراقبها من بعيد.
وبحكم خبرتها، أدركت فورًا أن الفتاة ليست معتادة على مثل هذا العمل، ولا على الوقوف ساعات أمام الأفران.
اقتربت منها بهدوء، ثم قالت بصوت منخفض حتى لا يحرجها أحد:
ـ مالِك يا همس؟ وشِّك اصفر كده ليه؟
ابتسمت همس ابتسامة باهتة وهي تحاول إخفاء تعبها.
ـ مفيش يا حاجة… أنا كويسة متقلقيش.
نظرت إليها خديجة نظرة أم حنون، ثم هزت رأسها وهي تبتسم.
ـ لا… أنتِ شكلك تعبان . إنتِ أول مرة تقفى فى مطبخ بالشكل ده أصلًا.
خفضت همس رأسها في خجل، ثم اعترفت بصوت خافت:
ـ أيوه… عمرى ما دخلت مطبخ .
ربتت الحاجة خديجة على يدها بحنان.
ـ ولا يهمك يا بتى… متقلقيش هتتعلمى الشغل واحدة واحدة، ومحدش اتولد يعرف كل حاجة.
ثم التفتت إلى إحدى السيدات العاملات وقالت:
ـ يا أم حسن، خدى بالك من الأكل دقيقتين.
التفتت بعدها إلى همس.
ـ تعالى معايا… اخرجى بره شمى شوية هوا، بدل ما تقعِى من طولِك.
حاولت همس الاعتراض.
ـ بس الشغل… الحاجة أمينه لو ملقتنيش هتزعل وممكن تمشينى
قاطعتها خديجة بابتسامة حازمة. متقلقيش الحاجة أمينه ست طيبه
ـ ياله تعالى الشغل يستنى، لكن صحتك لأ. يلا يا بتى.
خرجت همس معها إلى الفناء الواسع.
وما إن لامستها نسمات الهواء القادمة من بين أشجار الليمون والنخيل، حتى أغمضت عينيها براحة، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تستعيد أنفاسها لأول مرة منذ ساعات.
ناولتها الحاجة خديجة كوبًا من الماء البارد.
ـ اشربى… وهترجعى أحسن إن شاء الله.
أخذت همس الكوب، وشربت منه على مهل، ثم نظرت إلى الحاجة خديجة بعينين امتلأتا بالامتنان.
ـ ربنا يخليكى ليا يا حاجة… والله لو ما كنتيش جنبى، معرفش كنت هعمل إيه.
ابتسمت الحاجة خديجة وربتت على خدها بحنان.
ـ متقوليش كده يا بتى… من يوم ما دخلتى بيتى وإنتِ بقيتى زى بنتى بالظبط. وأنا عمرى ما أسيب بنتى تتعب واسكت خليكى هنا شويه ولما تحسى انك بقيتى أحسن
تعالى أنا هدخل اكمل اللى ورايه.
ابتسمت همس لأول مرة ابتسامة صادقة، وشعرت بدفء لم تشعر به منذ زمن، بينما كانت نسمات الصباح تداعب وجهها،
شق السكون صوت صهيل حصان قوي، تردد في أرجاء البيت.
رفعت همس رأسها بسرعة، واتسعت عيناها بدهشة.
ثم تبعه صوت حوافر تضرب الأرض في انتظام، كأن الحصان يتحرك داخل مكان قريب.
التفتت يمينًا ويسارًا تبحث بعينيها عن مصدر الصوت، فوقعت نظراتها على مبنى حجري يقع في طرف الحديقة، وبابه الخشبي نصف مفتوح.
خرج منه الصهيل مرة أخرى.
همست لنفسها باهتمام:
ـ أكيد ده الإسطبل…
كانت همس تعشق الخيل منذ صغرها، وكلما رأت حصانًا وقفت تتأمله بإعجاب، لكن لم تتح لها الفرصة يومًا للاقتراب من أحدها.
ترددت للحظات…
ثم نهضت ببطء، وسارت في هدوء حتى لا تزعج أحدًا.
كلما اقتربت، كان صوت الحصان يزداد وضوحًا.
وقفت عند باب الإسطبل، ومدت رأسها بحذر إلى الداخل.
كان المكان نظيفًا وواسعًا، تصطف فيه عدة خيول عربية أصيلة، تتلألأ جلودها تحت أشعة الشمس المتسللة من النوافذ الخشبية.
لكن أكثر ما لفت انتباهها كان حصانًا أسود
شامخًا، يقف في آخر الإسطبل، يهز رأسه بعنف ويطلق صهيلًا قويًا، وكأنه يشكو من شيء أو ينتظر شخصًا يعرفه.
تعلقت عينا همس به في انبهار، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تخطو خطوة صغيرة إلى الداخل، وعيناها لا تفارقان ذلك الحصان الجميل.
تقدمت همس بخطوات مترددة نحو الحصان الأسود.
كان شامخًا، قوي البنية، يضرب الأرض بحافره بين الحين والآخر، لكن ما إن اقتربت منه حتى هدأ فجأة، وانخفض صهيله شيئًا فشيئًا.
وقفت أمامه وهي تنظر إليه بإعجاب، ثم رفعت يدها ببطء شديد، وكأنها تستأذنه.
لامست أصابعها الناعمة عنقه برفق…
ولدهشتها، لم يبتعد الحصان، ولم يبدِ أي نفور، بل حرك رأسه قليلًا، وأخذ يشم كفها في هدوء، ثم مال برأسه نحوها كأنه ألف وجودها منذ زمن.
ابتسمت همس لأول مرة بعفوية، وراحت تربت على عنقه وهي تقول بصوت خافت:
ـ إنت جميل أوي… ما شاء الله عليك.
أغمض الحصان عينيه للحظات، وكأنه يستمتع بلمساتها الحانية.
ضحكت همس بخفة، وبدأت تداعب مقدمة رأسه، بينما كان هو يبادلها الهدوء بطريقة أدهشتها.
وفجأة…
قطع ذلك الهدوء صوت رجولي عميق خرج من خلفها:
ـ إنتِ مين… وبتعملي إيه مع حصاني؟
انتفض جسد همس بقوة، وتجمدت يدها في مكانها.
تسارعت أنفاسها، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها.
استدارت ببطء شديد…
وما إن وقعت عيناها على صاحب الصوت، حتى شحب وجهها تمامًا.
كان يقف عند باب الإسطبل، طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي جلبابًا صعيديًا بسيطًا، وقد عقد ذراعيه أمام صدره وهو ينظر إليها باستغراب.
أما همس…
فلم تسمع شيئًا بعد ذلك.
تلاشت الأصوات من حولها، وبدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها.
حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها ترنحت خطوة إلى الخلف.
ثم أغمضت عينيها، وسقط جسدها الصغير فاقدًا للوعي.
اتسعت عينا فارس بصدمة، واندفع نحوها بسرعة قبل أن ترتطم بالأرض، فالتقطها بين ذراعيه في اللحظة الأخيرة
،قبل أن يلامس جسدها الأرض، كانت ذراعاه قد احتضنتاها بحركة غريزية سريعة.
استقرت بين ذراعيه كريشةٍ خفيفة، بينما انعقد حاجباه بقلق لم يعرف سببه.
نظر إليها للحظات طويلة…
كانت ملامحها ساكنة كأنها لوحة مرسومة بعناية، وخصلات شعرها البنية انسلت من تحت طرحتها لتلامس وجنتها الوردية، أما أنفاسها فكانت هادئة، لكنها متقطعة من شدة الإرهاق.
لم يكن يدري لماذا عجز عن أن يشيح بنظره عنها.
توقفت عيناه عند وجهها، وكأنه يحاول أن يحفظ كل تفصيلة فيه…
عيناها المغمضتان تحيط بهما رموش طويلة، وشفاهها الوردية ترتجف ارتجافة خفيفة، بينما ارتسم على ملامحها براءة جعلتها تبدو كطفلة أرهقها الطريق.
همس دون أن يشعر:
ـ سبحان اللى خلق…
ظل يحملها بين ذراعيه لحظة أخرى، وقد شعر بخفة وزنها على نحو أقلقه.
هز رأسه بضيق وهو يتمتم:
ـ معقول تكون تعبت للدرجة دى؟
اقترب الحصان الأسود منهما، وأخذ يشم يد همس الملقاة في هدوء، ثم أطلق صهيلًا خافتًا، وكأنه يطمئن عليها.
نظر فارس إلى حصانه بدهشة، وقال وهو يربت على عنقه:
ـ حتى إنت… ارتحت لها؟
كان ذلك الحصان لا يسمح لأحد بالاقتراب منه، حتى بعض رجال البيت كانوا يخشون الاقتراب منه حين يثور، لكنه وقف أمام تلك الفتاة مستسلمًا، وكأنه عرفها منذ سنوات.
أعاد فارس بصره إليها مرة أخرى…
شعر بشيء غريب يجتاح قلبه، إحساس لم يختبره من قبل، فهز رأسه سريعًا وكأنه يطرد تلك الأفكار.
وقال بلهجة حازمة يخفي بها اضطرابه:
ـ فوق يا فارس… دى بنت غلبانة أغمى عليها من التعب، مش وقت السرحان.
لكن عينيه خانتاه…
فعاد يتأملها مرة أخرى، وكأن الزمن توقف للحظات، ولم يعد يسمع سوى دقات قلبه، وهي تتسارع على غير عادتها.
همس لنفسه….
-يابوي على الحلوه إيه البت البسكوته دى دى تتاكل
دى البت فتنه ومشيه على الأرض و……..
…..
الفصل السادس
رواية عزبة النخيل الجزء السادس 6 بقلم حنان أحمد ماهر
عزبة النخيلرواية عزبة النخيل الحلقة السادسة
في الإسكندرية…داخل فيلا عز…
كان الصمت يخيم على المكان، لا يقطعه سوى صوت بكاءٍ خافت يخرج من إحدى الغرف.
جلست فاطمة على طرف فراشها، تضم إطارًا خشبيًا بين يديها، تمرر أصابعها المرتجفة فوق صورة همس، وكأنها تحاول أن تلمس وجه ابنتها من خلال الزجاج.
خرج صوتها متهدجًا وهي تبكي:
ـ يا رب… احفظها يا رب… وردها لحضني سالمة… وحشتيني أوي يا بنتي.
وفجأة…
انفتح باب الغرفة بعنف، حتى ارتطم بالحائط، فانتفضت فاطمة في مكانها.
دخل عز كالإعصار، وملامحه يكسوها الغضب، وعيناه تقدحان شررًا.
اقترب منها بخطوات سريعة، ثم انتزع الصورة من بين يديها بعنف حتى كادت تسقط من فوق الفراش.
صرخ بصوتٍ هز أرجاء الغرفة:
ـ فين همس؟!
شهقت فاطمة وهي تنظر إليه بصدمة.
ـ والله… والله ما أعرف يا عز.
قبض على ذراعها بقوة، حتى تألمت.
ـ متكدبيش عليا… أكيد كلمتك… أكيد بعتتلك خبر.
نظر إليها عز بعينين تشتعلان غضبًا، ثم اقترب منها خطوة وهو يقول بحدة:
ـ آخر مرة هسألك… همس فين؟
رفعت فاطمة رأسها إليه، ورغم ارتجاف جسدها، كان في عينيها إصرار لم يره منها من قبل.
قالت بصوت متحشرج:
ـ مش هقولك… ولو أعرف مكانها، مستحيل أدلك عليها.
اشتدت ملامحه قسوة، وقال بغضب:
ـ يعني بتتحديني؟
هزت رأسها وهي تمسح دموعها بعنف.
ـ أيوه… لأول مرة في حياتي أتحداك خلاص يا عز باشا
فاطمة بتاعه زمان مابقتش تخاف منك زى الاول.
اتسعت عيناه من بغضب.
أما هي، فأكملت والسنوات الطويلة من الألم تخرج مع كلماتها:
ـ كفاية ظلم بقى… كفاية قهر. البنت أخيرًا خلصت من جبروتك، ومش هسمحلك ترجع تكسرها تاني.
قبض عز على يديه بقوة حتى برزت عروقها.
لكن فاطمة لم تتراجع.
قالت والدموع تنساب على وجنتيها:
ـ تعرف هي عاشت إيه؟… من وهي عندها عشر سنين وهي عايشة كأنها سجينة بين أربع حيطان. اتحرمت من طفولتها، ومن أصحابها، ومن أي إحساس بالأمان. عمرها ما عرفت يعني إيه تعيش بحرية شافت كل أنواع القهر والظلم سرقت طفولتها وحقها وشركتها.
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه نظرة امتزج فيها الوجع بالغضب.
ـ كل يوم كانت بتدعي ربنا يخلصها من العذاب اللي عاشته… وكل يوم كانت بتخاف منك أكتر.
ارتجف فك عز، لكنه لم ينطق.
أكملت فاطمة بحزم:
ـ همس مش هترجع… وحقها هيرجع سامع ياعز وكملت بصراخ سامع هيرجع ياعز … هيرجع .
ساد صمت ثقيل.
اقترب عز منها ببطء، وعيناه تشتعلان بشرر الغضب، حتى بدا وكأنه على وشك الانفجار.
انحنى قليلًا نحوها، ثم خرج صوته خشنًا، كفحيح أفعى تستعد للانقضاض:
ـ هترجع يا فاطمة… وحياتك عندى لترجع… ولو اضطريت أقلب الدنيا كلها عليها واظن انك عرفه كويس مين عز ويقدر يعمل ايه.
رفعت فاطمة رأسها إليه، ودموعها لا تتوقف، لكنها قالت بثبات:
ـ مستحيل… ربنا موجود وهينجيها منك، ومش هيسلمها ليك تاني.
اشتعلت ملامحه أكثر، وصاح بغضب:
ـ اسمعينى كويس… اليوم اللي هتقع فيه تحت إيدي… ساعتها هتعرف يعني إيه تعاند عز وتهرب منه.
وأشار إليها بإصبعه وهو يزأر:
ـ اللي شافته مني قبل كده… هيبقى نقطة في بحر اللي هتشوفه بعد كده.
شهقت فاطمة وهي تهز رأسها بعنف.
ـ حرام عليك… كفاية بقى انت أيه شيطان منك لله…. منك لله … ربنا ينتقم منك .
لكن عز لم يستمع إليها، بل دفعها بقوة فسقطت فوق السرير، ثم قال ببرود مخيف:
ـ ادعي إنها تفضل مستخبية… لأن اليوم اللي هرجعها فيه… محدش هيقدر ينقذها مني.
ثم استدار بعنف، وخرج من الغرفة، وصفق الباب خلفه بقوة دوى صداها في أنحاء الفيلا.
ما إن اختفى، حتى انهارت فاطمة تمامًا.
سقطت على ركبتيها بجوار السرير، والتقطت صورة همس بسرعة، وضمتها إلى صدرها وكأنها تحتضن ابنتها نفسها.
انفجرت بالبكاء، وهي تقبل الصورة مرة تلو الأخرى.
ـ يا ضنايا… يا نور عيني… متخافيش يا بنتي… ربنا أكبر من أي ظالم .
رفعت وجهها إلى السماء، والدموع تغرق ملامحها، وهتفت من أعماق قلبها:
ـ يا رب… أنت وحدك عالم بكل اللي عاشته بنتي… أنت شُفت دموعها، وشُفت خوفها، وشُفت سنين عمرها اللي ضاعت وهي محرومة من أبسط حقوقها.
شهقت وهي تضم الصورة بقوة أكبر.
ـ يا رب… عوضها عن كل وجع شافته… واحميهالى يارب .
وفى عزبة النخيل …..
توقفت سيارة الحاج عبد المجيد أمام بيت الحاج عبد الرحيم.
كان البيت متواضعًا، تحيط به أشجار الليمون، بينما جلس الحاج عبد الرحيم في المندرة يحتسي الشاي.
ما إن لمح السيارة حتى نهض سريعًا.
ـ يا ألف مرحب بالحاج عبد المجيد… نورت الدار.
صافحه الحاج عبد المجيد بحرارة. ـ الدار منورة بأهلها يا عبد الرحيم.
ثم دخل الجميع وجلسوا.
أمر عبد الرحيم بإحضار القهوة، ثم نظر إليهم مستغربًا.
ـ خير إن شاء الله؟
ابتسم الحاج عبد المجيد وقال بهدوء: ـ خير بإذن الله… إحنا جايين النهارده في طلب.
ابتسم عبد الرحيم. ـ تؤمر يا حاج.
أشار الحاج عبد المجيد إلى حمزة الجالس في صمت.
ـ جايين نطلب إيد بنتك آيات لابننا حمزة.
ساد الصمت…
وانخفضت نظرات عبد الرحيم للحظات، ثم تنهد وقال بحرج: ـ يا حاج… أنا كنت رديت قبل كده.
أومأ الحاج عبد المجيد. ـ عارف… وعارف سبب الرفض كمان.
نظر إليه عبد الرحيم باستغراب.
فقال الحاج عبد المجيد بحزم: ـ اللى وصلك عن الولد كله كذب… وأنا جيت بنفسي أشهد قدام ربنا إن حمزة راجل يتشال فوق الراس.
وأضاف وهو ينظر مباشرة في عينيه: ـ أعرفه من يوم ما اتولد… عمره ما مد عينه على بنت، ولا غلط في حق حد. ولو كان فيه ذرة شك، ما كنتش جيت أطلبه بنفسى.
ظل عبد الرحيم صامتًا.
فتدخل فارس وقال بنبرة يغلب عليها الغضب: ـ واللى قال الكلام ده… عباس، ابن عمى. وهو معروف في البلد إنه بيثير الفتن. واظن انك عارفه ياحاج.
ساد الصمت داخل المندرة، ولم يتحدث الحاج عبد الرحيم لعدة لحظات، وكأنه يصارع شيئًا بداخله.
تنهد تنهيدة طويلة، ثم قال بصوتٍ متردد: ـ يا حاج عبد المجيد… والله أنا ما عنديش كلام يتقال بعد شهادتك ، ولا أقدر أشكك في أخلاق حمزة، وأنا عارف مقامك وقدرك.
نظر إلى حمزة، ثم أشاح ببصره قليلًا وهو يكمل: ـ لكن… اللي اتقال ساب أثر في قلبي، والناس في البلد كلامها صعب، وانا ماليش غير سمعتى وسمعة بيتى.
أجابه الحاج عبد المجيد بهدوء: ـ وسمعتك وسمعة بنتك من سمعتنا يا عبد الرحيم، وأنا ضامن لك حمزة برقابتي.
ظل عبد الرحيم صامتًا للحظات، ثم أطرق برأسه وقال على مضض: ـ خلاص… طالما إنت بنفسك جيت تطلبها، وأنا مقدرش أردلك طلب… فأنا موافق.
لم يكن في صوته فرحة، بل استسلام ممزوج بالحذر.
ثم رفع إصبعه محذرًا وهو ينظر إلى حمزة: ـ بس اسمعني يا ولدي… أنا وافقت احترامًا للحاج عبد المجيد وثقةً في كلامه، مش علشان أنسى اللي اتقال بسهولة.
ورجع وجه كلامه للحاج عبد المجيد
ـ خلاص يا حاج… إكرامًا ليك، ولشهادتك في حمزة، أنا موافق.
تهللت ملامح حمزة، لكن عبد الرحيم رفع يده، فأدرك الجميع أن حديثه لم ينتهِ بعد.
قال بلهجة حازمة لا تقبل النقاش:
ـ بس عندي شرط.
عقد فارس حاجبيه، بينما انتظر حمزة في توتر.
أكمل عبد الرحيم:
ـ النهارده هنقرا الفاتحة… لكن قدامك شهرين بالتمام والكمال تجهز نفسك فيهم، وتكون جاهز للجواز.
ثم إليه نظرة قوية وقال:
ـ ولو الشهرين عدوا، وإنت لسه ما جهزتش نفسك… اعتبر الفاتحة ملغية، وكل واحد يروح لحاله، وساعتها متجيش تلومنى ومش هيكون ليك عندى بنات للجواز غير .
ابتلع حمزة ريقه، ثم قال بثبات:
ـ بإذن الله يا حاج… قبل ما الشهرين يخلصوا هكون جاهز، ووعد مني إني أكون قد كلمتي.
هز عبد الرحيم رأسه وقال:
ـ ربنا يوفقك، وأنا هحاسبك على وعدك ده.
ابتسم الحاج عبد المجيد وهو يربت على كتف حمزة قائلاً:
ـ شد حيلك يا ولدي… شهرين بيعدوا في غمضة عين، وأنا وولدى فارس هنكون في ضهرك لحد ما نفرح بيكم.
نظر حمزة إلى الجميع وعيناه تلمعان بالأمل، وقال بامتنان:
ـ ربنا يجازيكم عني كل خير… وإن شاء الله هكون عند حسن ظنكم.
مع اقتراب غروب الشمس…
كانت همس تسير بجوار الحاجة خديجة في الطريق الترابي المؤدي إلى بيتها، بعد يومٍ طويل من العمل في دار الحاج عبد المجيد.
ابتسمت للحاجة خديجة وهي تقول: ـ عارفه ياحاجة الناس
هنا طيبين اوى النهارده حسيت إني وسط أهلي.
ابتسمت الحاجة خديجة بحنان، وربتت على كتفها. ـ وربنا يا بتي كتبلك المحبة من أول ما دخلتي البلد.
لكن…
وقبل أن تكمل حديثها، دوّى صهيل حصانٍ قوي، تبعه صوت حوافر تضرب الأرض بعنف.
انتفضت همس من الخوف، وما إن رفعت رأسها حتى وجدت حصانًا يقف أمامهما مباشرة، يقطع عليهما الطريق.
شهقت همس، وتراجعت عدة خطوات إلى الخلف، حتى كادت تتعثر، فأسرعت الحاجة خديجة تحتضنها وتضمها إلى صدرها وهي تقول: ـ بسم الله ….متخافيش يا بتي… وأنا معاكي.
كان ينظر إليهما بابتسامة مستفزة، وعيناه تمتلئان بالخبث
لكن عباس لم يعبأ بخوفها، بل أطلق ضحكة ساخرة، ثم قال بنبرة مليئة بالشماتة:
ـ ياااه… ده صحيح الكلام اللي سمعناه في البلد.
ثم نظر إلى الحاجة خديجة باستهزاء وأضاف: ـ طلع عندك حلويات مستخبية يا حاجة خديجة، ومش تقولى على شان
نرحب بالضيفه.
ازدادت همس التصاقًا بالحاجة خديجة، وقد ارتجف جسدها من الخوف، بينما اشتعل الغضب في عيني الحاجة العجوز.
رفعت رأسها إليه وقالت بحدة: ـ عايز إيه يا عباس؟ ابعد من طريقنا، وسيبنا في حالنا.
ابتسم عباس ابتسامة خبيثة، ثم مرر عينيه على همس بطريقة جعلتها ترتجف أكثر.
ـ إيه بس ياحاجة هو انا غلطان انى برحب بقريبتك؟
صرخت الحاجة خديجة فيه بغضب: ـ غض بصرك يا ولد… واتقي ربنا، دي ضيفة في بيتي وكيف بيتى مايصحش اللى بتعمله ده.
قهقه عباس باستهزاء،وهو بيقرب نظره اكتر من همس ثم قال: ـ بيتك ؟! يبقى شكلنا هنطلب القرب منك ياحاجة.
وقبل أن يرد أحد…
دوّى صوت غاضب من خلفه، جعل الابتسامة تتجمد على وجهه:
ـ عباس!
التفت الجميع نحو مصدر الصوت…
وكان فارس يقف على بعد خطوات، وإلى جواره حمزة، وقد بدت ملامح الغضب واضحة على وجهيهما، بينما كانت قبضة فارس تنقبض بقوة وهو يحدق في ابن عمه بنظرات لا تبشر بخير.
استدار عباس ببطء، وما إن وقع بصره على فارس حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
قال باستخفاف: ـ خير يا فارس؟! يابن عمي
تقدم فارس عدة خطوات، وكانت نظراته مثبتة على عباس، لكن عينيه خانتاه للحظة، فاتجهتا نحو همس.
كانت تقف خلف الحاجة خديجة، شاحبة الوجه، وعيناها تمتلئان بالخوف.
شعر بشيء يعتصر صدره…
مجرد رؤيته لعباس ينظر إليها بتلك الطريقة أشعل داخله نارًا لم يعرفها من قبل.
اقترب أكثر حتى وقف أمام همس مباشرة، وكأنه يحجبها عن نظرات عباس، ثم قال دون أن يلتفت إليها:
ـ انتى كويسة؟
هزت همس رأسها بخفة، لكنها لم تستطع الكلام.
تنفس فارس بارتياح خفيف، ثم استدار ببطء نحو عباس، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
قال بصوتٍ منخفض، لكنه كان يحمل من الغضب ما يكفي لإرهاب أي شخص:
ـ من هنا ورايح… عينيك متترفعش عليها.
رفع عباس حاجبه ساخرًا.
ـ عليها؟! هى تخصك….. من إمتى يا ولد عمي؟
أما فارس، فشعر بأن السؤال أصابه في مقتل.
لم يجد إجابة…
لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا فقط.
أنه لم يحتمل أن يراها خائفة بسببه، ولم يحتمل أكثر أن يرى رجلًا آخر يحدق بها.
اقترب خطوة أخرى حتى أصبح وجهًا لوجه مع عباس.
وقال من بين أسنانه: ـ تخصنى ولا ما تخصنيش… دى حاجة متخصكش. اللى يخصك إنك تبعد عنها، وإلا قسماً بالله هتنسى إن اسمك عباس.
ابتسم عباس بسخرية وهو ينظر إلى همس متعمدًا، وقال: ـ يعنى البنية عجبتك للدرجة دى؟ دى لسه جاية البلد من يومين!
اشتدت قبضة فارس حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وبرزت عروق رقبته.
كان يشعر بغيرة حادة لأول مرة في حياته…
غيرة لم يستطع إخفاءها مهما حاول.
وقبل أن يندفع نحوه، أمسك حمزة بذراعه هامسًا: ـ اهدى يا فارس… الناس في الشارع.
لكن فارس لم يرفع عينيه عن عباس.
قال بلهجة حاسمة: ـ لو راجل… ابعد بحصانك وامشِ من هنا.
نظر عباس إلى همس مرة أخيرة، ثم ابتسم ابتسامة مستفزة وقال: ـ حاضر… همشي.
ثم أشار إلى فارس بإصبعه وأضاف بخبث: ـ بس خلي بالك… تبقى ليك ويخدها غيرك .
غادر عباس وهو يضحك بصوت عالي، بينما ظل فارس يتابعه بنظرات مشتعلة.
ساد الصمت…
ثم التفت ببطء نحو همس.
كانت ما تزال ترتجف.
فقال بصوتٍ هادئ، اختلف تمامًا عن نبرته قبل لحظات: ـ متخافيش… انتى كويسة …طول ما أنا موجود، محدش هيقدر يضايقك.
رفعت همس عينيها إليه، ولأول مرة رأت في نظراته اهتمامًا لم يكن يحتاج إلى كلمات.
أما حمزة…
فاكتفى بالنظر إلى صديقه، ثم ابتسم بخفة وهو يتمتم لنفسه: ـ خلاص… فارس الدمنهوري وقع ولا حد سمى عليه .و…….
…..