تستوي "فريال" جالسة علي سريرها و هي تنظر لإبنها بقلق ..
بينما يقف "عثمان" و يسأل الخادمة بعدم تصديق :
-إسمه فادي متأكدة ؟!
الخادمة بتأكيد :
-أيوه حضرتك إسمه فادي حفظي بيقول إنه أخو سمر هانم !
رفع "عثمان" حاجباه بدهشة ، ثم نظر إلي أمه ليجد التوتر و الخوف يسطران قسمات وجهها ، و قرأ في عيناها ما لم تكن تستطيع أن تقوله بلسانها ..
إبتسم لها "عثمان" و أمسك بيدها و شد عليها مطمئـِا و هو يقول :
-أنا هنزل أقابله . ماتقلقيش يا ماما .. أنا في بيتي.
و فك أصابعها المطبقة علي كفه بلطف ، ثم نزل ليقابل "فادي" ..
وقف ينتظره عند مدخل البهو ... دقيقة و أتاه "فادي" بمظهره الغاضب ، حيث عمد أن يبين له أنه جاء إلي هنا مرة أخري و لكن علي مضض شديد
-أهلا يا فادي ! .. قالها "عثمان" بصوت ثابت النبرات ، و تابع :
-خطوة عزيزة.
إبتسم "فادي" بإستخفاف و قال بتهكم :
-الله يعز مقدارك يا باشا . متشكر . بس أنا مش جاي أضايف أنا جاي أخد أختي.
عثمان بنفس الثبات :
-أختك مين بالظبط ؟ سمر و لا ملك ؟؟
فادي بصرامة :
-أنا ماعنديش غير أخت واحدة دلوقتي يا عثمان بيه . ملك . أنا جاي أخد ملك.
عثمان بإبتسامة ساخرة :
-أهو دلوقتي يا فادي مابقاش عندك أخوات خالص . لا سمر و لا ملك.
فادي بحدة :
-يعني إيه ؟ إنت فاكر إنك تقدر تمنعني عن أختي الصغيرة ؟ أنا هاخدها غصب عنك إنت ماتقدرش تمنعني.
عثمان بهدوء مستفز :
-يا فادي إفهم . بقولك ماعادش في سمر و لا ملك . البيت قدامك أهو . لو لاقيت إللي بدور عليه خده.
صمت "فادي" قليلا يستوعب كلماته ... إستتتج في بادئ الأمر الإستهزاء و التحد الواضح بنبرة صوته ، فعاد و قال بحدة أكبر :
-أنا غيبت طول الفترة إللي فاتت و إشتغلت بإبدي و سناني منغير يوم واحد أجازة عشان أوفر بيت و مصاريف تكفي أختي مش همشي من هنا إلا بيها . أنا مش جاي أهزر المرة دي.
عثمان بجدية ممزوجة بالبرود :
-و لا أنا و الله بهزر . و زي ما بقولك سمر و ملك بقالهم فوق الـ6 شهور برا بيتي . ماعرفش عنهم حاجة.
ضم "فادي" حاجباه و قال بصدمة :
-بقالهم 6 شهور ! إخوآااتي !!! .. ثم إنقض علي "عثمان" و أمسك بتلابيبه صارخا بوحشية :
-وديتهم فيــــــــــــن ؟ يابن الـ××× . هقتلك . عملت فيهم إيـــــــــــــه ؟؟؟
ضحك "عثمان" بسخرية و هدئه قائلا :
-إهدا بس . إخواتك ؟ مش لسا قايل إن مابقاش عندك غير أخت واحدة ؟!
زمجر "فادي" بشراسة و هو يجتذبه من ثيابه بعنف :
-أقسم بالله لو ما نطقت و قولتلي هما فين هطلع روحك في إيدي.
تنهد "عثمان" و أزال يداه عنه بحزم و هو يقول بجدية تامة :
-فادي . سمر أخدت ملك و هربت مني . بقالها 6 شهور مختفية . صدقني أنا ماعرفش عنها حاجة و كل يوم بدور عليها . بس مالهاش آثر.
بـُهت "فادي" لسماع هذا ، و إبتلع ريقه بصعوبة ..
-يعني إيه ؟ .. تمتم بجزع ، و أكمل :
-الإتنين راحوا مني ؟ .. إخواتي ضاعوا . بقيت لوخدي خالص ؟؟؟!!!
وضع "عثمان" يده علي كتفه و طمئنه بثقة :
-إطمن يا فادي . سمر ماخرجتش من إسكندرية . لسا هنا
إوعدك هوصلها في أقرب وقت . و هترجعلك تاني هي و ملك.
رمقه "فادي" بنظرة منفرة ، و نفض يده التي كانت علي كتفه و قال بحقد شديد :
-إنت السبب . إنت إللي عملت فينا كل ده . كنا عايشين كويس و ببساطة . دمرت حياتنا .. ثم غدت نبرته خشنة مستعرة الآن :
-أنا دلوقتي ماعنديش حاجة أخسرها . لو إخواتي مارجعوش مش هاسيبك تتهني بحياتك ثانية واحدة . و لو كنت وسط ألف راجل بيحميك . هقتــلك !
ثم إستدار مغادرا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مكان أخر ... تحديدا داخل بيت متواضع بحي "العجمي" الشهير
تنهتي "نجلاء" من إعداد وجبة طعام هذه الطفلة الواقفة عند قدميها ، تتمك ببنطالها المنزلي بكلتا قبضتيها الصغيرتان
تهدل الصغيرة بصوت لذيذ للغاية :
-نلأ ( نجلاء ) مـم ( أكل ) !
تضحك "نجلاء" بمرح شديد و ترد عليها :
-عيون نجلاء يا قلبي . خلاص المم خلص يا روحي
تعالي نروح ناكله عند أختك بقي.
و إنحنت و حملتها ، ثم توجهت للخارج حيث تجلس ضيفتها بالصالة أمام التلفاز و لكن كعادتها شاردة في عالم أخر ..
-سـمـر ! .. هتفت "نجلاء" بوساطة و هي تجلس في كرسي محاذي لـ"سمر" ثم تأخذ "ملك" في حجرها
بينما أفاقت "سمر" من شرودها ..
-في حاجة يا نجلاء ؟ .. قالتها بتساؤل
تنهدت "نجلاء" و قالت بحزن :
-يابنتي إنتي كل شوية تسرحي كده ؟ الهموم إللي إنتي شايلاها دي مش كويسة عليكي و لا علي ده ! .. و أومأت بذقنها نحو بطنها الممتلئ
سمر بإبتسامة مريرة و هي تضع يده علي بطنها ذات التسعة أشهر :
-طيب قولي الهموم مش كويسة عليا أنا . لكن ده من الأول خالص و هو قافش في الدنيا . أكتر من مرة إتعرض للموت و فضل سليم . زي ما يكون بيعاند . عايز يعيش .. عايز يعيش عشان يكمل عذابي بعد أبوه.
رمقتها "نجلاء" بتأثر و قالت :
-يا سمر هو في الأول و الأخر إبنك . حتي لو كان أبوه مين . مش مصدقة إنه ممكن يهون عليكي !
صمت قصير .. و إعترفت "سمر" بآسي :
-ما هو للآسف ماهانش عليا . رغم إن كانت قدامي فرصة أخلص منه بعد ما هربت من أبوه علطول . بس في حاجة قوية جوايا . زي صوت عالي منعني و قالي لأ .. ثم أكملت بتردد :
-مقدرتش . كنت خايفة عليه زي خوفي علي ملك .. فضلت أفكر أعمل إيه و أروح فين ؟ قلت مستحيل أرجعله . و بعد ما أخويا رماني مابقاش ليا مكان أروحله . مش عارفة إزاي خطرتي علي بالي يا نجلاء ! و فعلا محدش ممكن يفكر إني هنا عندك.
نجلاء بإبتسامة :
-طيب إنتي عارفة إن دي أحسن حاجة عملتيها في كل ده يا سمر ؟ إنتي و لوكا جيتوا مليتوا عليا البيت بعد ما كان فاضي عليا.
سمر بحرج :
-ملينا عليكي البيت إيه بس ؟ أنا حاسة إننا تقلنا عليكي و الله 6 شهور كتير أووي.
تلاشت إبتسامة "نجلاء" و عاتبتها :
-أخس عليكي . و الله لو قولتي كده تاني هزعل منك
ده أنا نفسي تقعدي معايا إنتي لوكا علطول.
سمر بضحك :
-علطول ! لأ يا حبيبتي إطمني مش هنطول عليكي أوي
البيه الصغير يشرف بس و هاخده هو و الأبلة دي و نشوفلنا مكان نقعد فيه و بالمرة أدور علي شغل.
نجلاء بإستنكار :
-إيه يابنتي إللي بتقوليه ده ؟ إنتي فاكراني ممكن أسمحلك بكده ؟ مش هتمشي يا سمر طول ما أنا عارفة إن مالكيش مكان تروحيله.
سمر بإبتسامة :
-ماتقلقيش عليا يا نجلاء . أنا هعرف أتصرف.
نجلاء بإصرار :
-مش هتمشي يا سمر . إلا إذا كنتي عايزة ترجعي لبيت جوزك مش هعارضك !
و هنا تحولت "سمر" تماما و صاحت بحدة :
-أرجعله ؟ مستحيل أرجعله . أنا لو بموت مش هرجعله.
نجلاء بحيرة :
-ليه بس يابنتي ؟ إنتي مش بتحبيه ؟ طيب بلاش الحب . حتي عشان إبنك إللي مالوش ذنب في حاجة ده.
سمر بصرامة :
-مش هرجعله يا نجلاء . كفاية ذل كفاية مهانة بقي . أنا كده مرتاحة .. طول ما انا بعيدة عنه مرتاحة !
تآففت "نجلاء" بسأم و قالت :
-مرتاحة إيه بس يا شيخة إنتي هتعمليهم عليا ؟ ما أنا بسمعك كل يوم و إنتي بتحلمي بيه.
جحظت عينا "سمر" بصدمة ، و أحمـّرت وجنتاها بشدة و تسألها بعدم تصديق :
-أنا بتكلم و أنا و نايمة ؟؟؟
نجلاء بإبتسامة خبيثة :
-أيوه ياختي . طول الليل مابسمعش غير نغمة واحدة بس
عثمان عثمان عثمان.
عضت "سمر" علي شفتها السفلي بقوة ، و قالت بغضب :
-لأ . لأ أكيد دي بتبقي كوابيس !
نجلاء بمكر :
-كوابيس إيه دي إللي بتنادي عليه فيها بالحرارة دي يا سمر ؟ إعترفي إنه وحشك و إنك بتحبيه.
سمر بغيظ شديد :
-لأ لأ لأ . مش بحبه
أنا بكرهه سامعة !
ثم تحاملت علي نفسها و قامت بصعوبة لتذهب إلي الغرفة و تنال قسطا من الراحة
بينما نظرت "نجلاء" إلي "ملك" و سألتها و هي تطعهما أخر ملعقة بالصحن :
-هنعمل إيه دلوقتي بقي يا ست لوكا ؟ هه ؟ قوليلي !
غمغمت "ملك" بكلمات غير مفهومة ، لتوافقها "نجلاء" قائلة :
-تصدقي صح . هو مافيش غير كده . قشطة علي أفكارك يا لووووكآاا.
و راحت تدغدغها و تشاركها المرح و الضحك ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح اليوم التالي ... يقرر "عثمان" المرور اليوم علي مؤسسته الخاصة المنفصلة عن بقية مجموعات عائلته
يصل إلي مقر ( البحيري للتسويق و التجارة ) في تمام التاسعة ، يلقي تحية الصباح بفتور علي سكرتيرته ، ثم يلج إلي مكتبه
يتنهد بثقل و هو يفكر .. مر يوم أخر دون أن يسمع عنها خبر ، إلي متي ؟ لقد أوشك موعد الولادة
هل ممكن ألا يري طفله ؟؟؟
-روحتي فين بس يا سمر ؟! .. تمتم "عثمان" لنفسه بيأس ، ثم مضي بإستسلام لمباشرة عمله
يدق باب مكتبه بعد قليل ، لتقف السكرتيرة مكانها بتردد ..
يتطلع إليها "عثمان" و يقول بإستغراب :
-نجلاء ! في حاجة و لا إيه ؟
نجلاء بشئ من التوتر :
-حـ حضرتك فاضي دقيقتين ؟!
-دقيقتين ؟ فاضي يا نجلاء . تعالي.
دخلت "نجلاء" و هي تحمحم بتوتر أشد .. وقفت أمامه ، فرفع حاجبه في إنتظار ما ستقوله ..
نجلاء بإرتباك :
-مبدئيا كده حضرتك لازم تعرف إني عملت كل ده بقصد الخير مش الشر.
عثمان بعدم فهم :
-بتقولي إيه يا نجلاء ؟ وضحي كلامك من فضلك أنا مش فاهم حاجة !
قطبت "نجلاء" حاجباها و قالت برجاء :
-هقولك يافندم . بس بليز لازم توعدني إنك مش هترفدني.
عثمان بدهشة :
-أرفدك ليه يا نجلاء ؟ إنتي عملتي إيه بالظبط ؟ في مصيبة حصلت في الشغل ؟؟؟
نجلاء بإسراع :
-لأ حضرتك الشغل كله تمام.
عثمان بنفاذ صبر :
-أومال في إيه إنطقي بقي . أنا مش فاضيلك.
-حاضر . حاضر يافندم .. ثم صمتت للحظات لتستجمع شجاعتها ، و صاحت فجأة :
-سمر عندي يا Boss !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في منزل "نجلاء" ...
تستيقظ "سمر" من نومها العميق ، عندما شعرت بهذا الآلم الحاد يكاد يمزق أسفل معدتها .. تآوهت بصوت مخنوق و هي تمسك ببطنها
لحسن الحظ كانت "ملك" نائمة ، فالألم يزداد و هي لن تستطع أبدا الإهتمام بها الآن ..
نهضت "سمر" بعد عناء شديد من السرير ، توجهت نحو الهاتف و رفعت السماعة
ضربت رقم "زينب" بأصابع مرتعشة و هي تحارب دوار و صراخ قوي حبسته في صدرها ، ثوان و جاء صوت الطرف الآخر ..
-السلام عليكم !
سمر بصوت متقطع بالكاد مسموع :
-مـ . مـ ـا مـ ـا ز يـ ـ ـنـ ـب.
زينب بذعر :
-سمر ! إيه يا حبيبتي مالك ؟ الطلق جه و لا إيه ؟؟؟
سمر بتأوه خافت :
-آااه شـ ـكله كده !
زينب بحنان :
-طيب يا حبيبتي أنا جايالك أهو علطول.
سمر باكية من شدة الآلم :
-لأ . ممـ ـكن تكـ ـوني متـ ـرقبة.
زينب بعصبية :
-إحنا في إيه و لا في إيه دلوقتي ؟ قلت جايالك مسافة السكة أهو.
سمر بوهن :
-يا ما مـ ـا زيـ نـب . بـ ـلآاش .. و بترت عبارتها فجأة لتصرخ بأعلي صوتها و قد إنهار صمودها تماما :
-آااااااااااااااااااااااااااااااه !
إنتفضت "ملك" في هذه اللحظة و إستيقظت فزعة ، بينما تهاوت "سمر" علي أقرب مقعد مواصلة صراخها مع توالي الركلات التي راح طفلها يسددها أسفل معدتها بلا رحمة ..... !!!!!!!
...........................................................................
صعقته الصدمة عندما إعترفت "نجلاء" له بذلك ...
هب من مكانه بعنف ، و توجه نحوها بسرعة
سألها "عثمان" بصوت يدوي كالرعد القاصف و عيناه تومضان كالبرق الخاطف :
-بقي إنتي إللي مخبياها مني طول الفترة دي ؟ مخبياها فين يا نجلاء ؟ نهارك إسووود.
تنكمش "نجلاء" علي نفسها و هي تقول بخوف :
-يا Boss سمر لجأتلي و وثقت فيا . كنت هعمل إيه يعني ؟
لازم كنت أساعدها . و بعدين ما أنا جيت أقولك أهو لما شوفت معاد ولادتها قرب و هي لسا علي عنادها قلت لازم أقولك بقي !
حدق فيها غاضبا و رد مزمجرا :
-ماشي يا نجلاء . حسابك معايا بعدين
و دلوقتي قوليلي مكان المقر السري للخيانة.
نظرت له بإستغراب ، فصاح بها :
-قوليلي زفت عنوانك إيــــــــه ؟؟؟
نجلاء بتلعثم :
-حـ حاضر يافندم . العنوان 9 شارع ******* الدور الرابع شقة 8 !
لم يفوت "عثمان" ثانية أخري ، بالكاد أخذ هاتفهه و سلسلة مفاتيحه و غادر شركته بسرعة رهيبة ...
كان يصعد المنحدر بالسيارة عندما أصبح الطريق أكثر إكتظاظا في وسط المدينة
بدا نافذ الصبر و هو يقود عاجزا عن إختراق الطريق بجنون كي يصل إليها بسرعة ، إذ كان مضطربا متوترا ، قلبه يرف في صدره كالطائر الطنان
يتحرق شوقا للقائها ، بعد كل هذه المدة .. يعثر عليها أخيرا ، حبيبته ، تلك التي نبض قلبه و لأول مرة معها و لأجلها ، و رغم ذلك أذاقها مرارة العذاب و الذل و القهر ..
تري كيف هي الآن ؟ .. كيف صار شكلها و بعد تسعة أشهر من الحمل ؟؟؟
سيعرف بعد لحظات .. فقد وصل أخيرا عند البناية التي تقطن بها "نجلاء" و هو ينطلق راكضا في هذه اللحظة للداخل صوب المصعد ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عند "سمر" ...
وصلت "زينب" قبل دقائق قليلة ، لتجد هذه المسكينة تعاني آلم المخاض وحدها ، حتي أنها لم تقدر أن تقوم لتفتح لها باب الشقة
فإضطر البواب أن يكسره ليدخلها ..
-آاااااه . مش قآادرة يا ماما زينب همووووت ! .. هكذا كانت "سمر" تصرخ بقوة و هي تتلوي بإستمرار فوق الكرسي و جسدها كله ينضح عرقا
زينب و هي تمسح علي شعرها بحنان :
-معلش يا حبيبتي إمسكي نفسك شوية الإسعاف في الطريق.
سمر ببكاء :
-مش قادرة . أنا هموت يا ماما
مش هقدر أكمل همووت.
زينب بجزع :
-بعد الشر عليك يابنتي ماتقوليش كده إن شاء الله هتقومي بالسلامة .. ثم نظرت إلي البواب و قالت بإنفعال :
-إطلب الإسعاف تاني يابو حسين إستعجلهم البت علي أخرها.
البواب بلهجة إسكندرانية :
-و أني هنعمل إيه بس يا إست زينب ؟ طلبتهم 3 مرات لحد دلوقت . ربنا يسلمها بعون الله.
و هنا ظهر "عثمان" علي عتبة الباب ..
تجمد بمكانه لوهلة ، لقد كانت هي هذه المرة .. إستطاع أن يراها حقا ، لم تكن أوهام و لا هلاوس ، لم يكن يتخيلها كما في الليالي السابقة
أنها أمامه علي بعد خطوات ... يالجمال هذه اللحظة ، كم هي لذيذة لحظة اللقاء بعد طول غياب
و لكن سرعان ما تحولت اللذة إلي الألم عندما لاحظ حدة عنائها و سمع صوت آهاتها .. إندفع "عثمان" صوب زوجته متجاهلا وجود أحدا غيره و غيرها بالمكان
كوب وجهها بكفيه و هو يقول بلطف شديد :
-سمر . حبيبتي
مالك ؟؟؟
و بينما كانت "زينب" مصدومة من إنضمامه المفاجئ ، فتحت "سمر" عيناها الذابلتين و نظرت إليه غير مصدقة ..
--إنت ! .. قالتها "سمر" بصوت هامس ذاهل
عثمان و هو يجفف العرق عن وجهها بكفه :
-إطمني يا سمر . هتبقي كويسة
أنا جمبك مش هاسيبك.
تفقد "سمر" و عيها بعد ذلك مباشرةً ، لتصيح "زينب" بذعر :
-يا لهوي ! البت هتروح مني . جرالها إيه ؟
مابتنطقش ليــــه ؟؟؟ و الإسعاف ولاد الـ××× إتأخروا.
أخيرا يلاحظ "عثمان" وجود "زينب" و ينتبه لكلامها ..
-أنا شوفت مستشفي قريبة من هنا و أنا جاي .. قالها "عثمان" بتوتر و هو ينحني ليحمل "سمر" بحذر
-هاوديها حالا !
ثم إتجه بها للخارج مسرعا ، و لحقت "زينب" به أيضا و هي تحمل "ملك" بدورها ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت الولادة متعثرة للغاية ... لولا أنه جلبها إلي هذه المشفي التخصصي ، لكان وضعها أكثر صعوبة
يخرج الطبيب من غرفة العمليات بعد قضاء ثلاث ساعات كاملة ، لينطلق "عثمان" صوبه و يسأله بتلهف :
-دكتور . طمني من فضلك
سمر عاملة إيه ؟؟؟
الطبيب مبتسما بإنهاك :
-الحقيقة مدام حضرتك من أصعب الحالات إللي مرت عليا
البيبي كان في خطر هو و هي لإنه كان هينزل برجليه . طبعا إحنا عملنا محاولات كتير عشان تولد طبيعي بس للآسف حالتها ماسمحتش خالص فإضطرينا للجراحة.
عثمان بقلق :
-يعني إيه ؟ هي كويسة و لا لأ ؟؟؟!!!
الطبيب بصوته الهادئ :
-إطمن يافندم هي دلوقتي بخير و إبنك كمان كويس أوي.
عثمان براحة غامرة :
-الحمدلله.
-ممكن نشوفها يا دكتور ؟ .. هكذا جاء صوت "زينب" متسائلا من خلف "عثمان"
الطبيب بلباقة :
-حاليا هيكون صعب شوية يا هانم لإنها لسا تحت تأثير المخدر . كمان شوية هتفوق و هنكون نقلناها في أوضة وقتها تقدري تشوفيها.
يمد "عثمان" يده إلي الطبيب و يصافحه و هو يقول بإمتنان :
-أنا متشكر أووي يا دكتور
بجد شكرا علي تعبك.
الطبيب بإبتسامة :
-لا شكر علي واجب يافندم . ده شغلي و بعدين أنا ماعملتش حاجة أنا كنت مجرد آداة في إيد رينا . أشكره هو.
عثمان بسعادة :
-الشكر لله طبعا.
و إستأذن الطبيب ليذهب و يتابع جدول عمله ، بينما مضي "عثمان" إلي الرواق الفارغ و أخرج هاتفهه ليجري بعض المكالمات ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت نائمة علي السرير الأبيض ، في رداء طبي مشبع برائحة البينج ..
عندما بدأت في إستعادة وعيها ، سمعت صوت طنين جهاز رسم القلب قرب أذنها .. أملت أن يكون هذا يعني أنها حية ، و لكن إحتمال موتها أصبح بعيدا الآن
فهي تشعر بالألم و الإنهاك ، لا يمكن أن يكون الموت مؤلما هكذا ..
شعرت "سمر" بضغط علي يدها اليسري ، فحاولت رفعها لكنها عجزت ... لتسمع في هذه اللحظة صوته الذي لا يخطئه السمع أبدا :
-سمر . حبيبتي إنتي فوقتي ؟!
جاهدت "سمر" لتزيح أجفانها عن عينيها و تري لو كان هذا حقيقة أم خيال ..
نجحت بالفعل و رفرفت عيناها يمنة و يسرة حتي إستقرت عليه .. حملقت فيه بصدمة ، كان وجهه علي مقربة شديدة من وجهها ، مستندا بذقنه علي حافة وسادتها
إذن فهو كان أخر من رأته قبل أن تفقد الوعي ، لم يكن حلما
إرتعدت "سمر" في هذه اللحظة عندما تذكرت طفلها ، أمسكت ببطنها الفارغة الآن و صرخت بصوت مختنق :
-إبنـــــي . فيــــن إبنـي ؟ خته مني
وديته فيــــن ؟؟؟
أمسك "عثمان" بكفيها و رفعهما حذو رأسها حتي لا توذي منطقة الخياطة ، و قال يهدئها :
-إهدي يا سمر . الولد كويس و أنا ماختوش في حتة
هو في الحضانة و جارتك إللي إسمها زينب دي راحت تطمن عليه.
تهدأ حركة "سمر" الآن ، و تشيح بوجهها عنه و عيناها تذرفان الدموع ..
-حمدلله علي سلامتك ! .. تمتم "عثمان" بصوت خافت ، و تابع :
-كنت هموت من الخوف عليكي . كده يا سمر تبعدي كل المدة دي ؟ عملتي كده ليه ؟ أنا كنت وحش معاكي في الفترة الأخيرة ؟!
سمر بصوت متحشرج ضعيف :
-إنت جاي تمثل عليا تاني ؟ أنا المرة دي ماعنديش حاجة أديهالك . ماعنديش حاجة غير إبني و ده بتاعي أنا إنت أصلا ماكنتش عاوزه و إدتني حبوب منع الحمل عشان تضمن إنه مش هيجي . بس أهو جه و أنا عايزاه.
عثمان بحنان :
-و أنا كمان عايزه . و عايزك بردو
عايزكوا إنتوا الإتنين يا سمر.
سمر بدموع :
-و أنا مش عايزاك . إنت خسرتني كل حاجة
نفسي و كرامتي و حياتي .. و أخرهم أخويا . إنت أسوأ حاجة حصلتلي !
و هنا إنفتح باب الغرفة ، ليدخل "فادي" بشئ من التردد
لم تصدق "سمر" عيناها في بادئ الأمر ، و رفعت رأسها عن الوسادة و هي ترمقه بفم مفتوح ...
إبتسم "عثمان" بإنتصار ، بينما مضي "فادي" نحو أخته قاطبا حاجبيه بتحفظ
لم تستطع "سمر" التأكد من أنه ماثلا أمامها حقا ، إلا عندما تحدث ..
فادي بإقتضاب و هو يتهرب من النظر في عينيها :
-حمدلله علي سلامتك !
تفيض دموعها أنهارا عند نطقه بها ، و كأنه كان مغتربا عنها لزمن طوييييل و عاد لتوه ..
رق قلب "فادي" حين رآها هكذا ، و جلس في وضع الركوع أمام سريرها .. مسح علي شعرها الحريري بكفه ، و قبل جبينها و هو يقول بصوت مختلج :
-حمدلله علي سلامتك يا حبيبتي . بس بقي ماتعيطيش
أنا بكره العياط.
و مسح دمعة كادت تفر من جانب عينه ..
-طيب أسيبكوا مع بعض شوية .. قالها "عثمان" و هو يقوم من مكانه
-عن إذنكوا !
و خرج ... لتدقق "سمر" النظر في وجه أخيها من خلال الدموع المتراقصة بعيناها
نطقت بنبرة ممزقة :
-فادي ! .. إنتي هنا بجد ؟؟؟
فادي بدموع :
-أيوه يا سمر . أنا هنا.
سمر بصوت كالأنين :
-يعني سامحتني ؟!
أومأ "فادي" و أجابها بإبتسامة حزينة :
-إحنا مالناش غير بعض . و أنا مستحيل أتخلي عنك
إنتي أختي.
أجهشت "سمر" بالبكاء و دفنت وجهها في صدره ، ليربت علي كتفها هامسا بلطف :
-بس يا حبيبتي . كله هيبقي تمام
بإذن الله !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الخارج ...
يقف "عثمان" أمام الغرفة مسندا رأسه إلي الجدار .. تصل "صفية" مع "صالح" في هذا الوقت ، و نادت عليه عندما لمحته :
-عثمان !
إعتدل "عثمان" في وقفته ، و إستدار نحوهما و هو لا يزال واقفا بمكانه ..
-جبتي الهدوم ؟ .. قالها "عثمان" بتساؤل حين وصلا عنده
صفية و هي تشير للحقائب التي بيديها و بيدي "صالح" :
-جبت كل حاجة يا عثمان . غيار و طقم و بطنية صغيرة و Powder و lotion ( كريم للجلد ) كل حاجة موجودة ماتقلقش .. ثم قالت بحماسة شديدة :
-بس هو فين حبيب قلب عمتو ؟ همووت و أشوفه !
عثمان بإبتسامة :
-في الحضـَّانة . روحي لبسيه الحاجات دي و جهزيه كده عشان هنمشي كمان شوية.
صفية بإبتسامة عريضة :
-أووك .. و إلتفتت لتذهب حيث أرشدها ، لكنها إلتفتت إليه فجأة و صاحت بإستذكار :
-أه عثمان . مامي جاية دلوقتي مع أنكل رفعت.
عثمان بإستنكار :
-جاية إزاي يعني و هي تعبانة ؟!
هزت "صفية" كتفاها و قالت :
-هي إللي أصرت لما قولتلها . ماقدرتش تصبر عشان البيبي . صحيح إنتي قررت تسميه إيه ؟؟
عثمان بثقة :
-يحيى طبعا.
صالح مهنئا :
-مبروك يابو يحيى !
عثمان بإبتسامة :
-الله يبارك فيك يا صالح . عقبالك.
صالح و هو ينظر إلي "صفية" :
-أمين يسمع من بؤك ربنا.
عضت "صفية" علي شفتها بخجل و قالت بإرتباك :
-طيب أنا هروح أشوف يحيى بقي و أجهزه زي ما قال عثمان . تيجي معايا يا صالح ؟!
تنهد "صالح" و قال :
-يلا بينا.
و ذهبا ... ليخرج "فادي" بعد لحظات و يهم بالمغادرة ، فإستوقفه "عثمان" :
-فادي !
إستدار "فادي" إليه بوجه خال من التعابير ، بينما إقترب منه "عثمان" و قال بتهذيب :
-شكرا إنك جيت.
فادي بصوت جاف :
-أنا جيت عشان أختي.
-أنا عارف . بردو شكرا.
رمقه "فادي" من علو و قال :
-أنا عارف سمر كويس . و عارف إنها أطهر مخلوقة علي وجه الأرض لولا بس تصرفها خانها في لحظة يأس عمرها ما كانت سلمتلك.
عثمان بجدية :
-فادي سمر دلوقتي بقت مراتي و أم إبني
مش ممكن أجرحها أو أسمح لحد يقول عليها نص كلمة . الماضي كله إدفن و مش هيصحي تاني . أوعدك.
أومأ "فادي" بوجوم ، ثم قال :
-خلي بالك من إخواتي !
عثمان بإبتسامة :
-إطمن . و وقت ما تحب تشوفهم أهلا بيك دايما.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في سيارة "رفعت البحيري" ... جلست "فريال" بجانبه و آثرت الصمت من بداية الطريق
بينما لم يستطع "رفعت" مقاومة نفسه أكثر من ذلك ، كما أن هذه فرصة لا تعوض و هي معه الآن وحدها ، لا يمكن لأحد أن يقاطع حديثه معها ..
-فريال ! .. قالها "رفعت" بصوت مهزوز ، لتنقبض "فريال" و تتوتر خاشية ما يريد قوله
رفعت بنبرة معذبة :
-أرجوكي كفاية تعامليني المعاملة دي . أنا غلط في حقك قبل كده و غلط في حق أخويا كتير و كنت أعمي لما إستمريت في حبـ .. لما إستمريت في تفكيري الغلط
بس أنا ندمان . و إنتي لازم تعرفي إن مهما بلغ حجم الخلاف بيني و بين أخويا إستحالة آذيه . ده أخويا يا فريال . أنا كنت بغير منه و يمكن بحقد عليه كمان . لكن عمري ما فكرت آذيه و لا عمري أتمنيتله الشر . كان نفسي أبقي زيه بس . كان نفسي يبقي عندي زي إللي عنده
لكن عمري و الله ما كرهته و لا أتمنيت يحصله حاجة وحشة . أنا ماكنش ليا غيره و بعده بقيت منغير ضهر . شيلت مسؤولية بيته و بيتي بعد ما راح . أنا بحب أخويا يا فريال . لازم تفهمي ده كويس.
كانت دموعها تسيل أثناء حديثه ، لتضغط علي شفتاها عندما فرغ ، و تجفف خديها بمنديل
ثم تدير وجهها إليه و تبتسم بخفة و هي تومئ يرأسها بلطف ..
أطلق "رفعت" زفرة راحة ، و بادلها الإبتسامة و هو يقول :
-أنا من الصبح حاسس إنه معانا يا فريال . حاسس إنه رجع !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "سمر" ...
الجميع يلتف حولها في سعادة واضحة .. "عثمان" و "زينب" و "صالح" و "صفية" الطفل آسرهم جميعا و حولهم إلي أشخاص مختلفون
فقد تصرف "عثمان" برقة و وداعة بالغة و هو يضع الصغير بين ذراعي أمه. . حتي "سمر" لم تقو علي إخفاء فرحتها بإبنها
فضمته إلي صدرها بحب ، و قلبت رأسه بحنان ..
صحيح آنه طفل حديث الولادة ، لكنه جميل .. ملامحه تشي بجماله الآخاذ ، بشرة بيضاء ملساء ، وجنتان متوردتان ، و شعر غزير حالك اللون و ناعم كالحرير
حتي عيناه عندما فتحها قليلا ، إستطاعت أن تتبين لونهما .. بحر رمادي غامق كبحر الأسكندرية في نهار شتوي ماطر
إنه جميل للغاية ، بل فائق الجمال ..
-أيوه يا أنكل ! .. كان هذا صوت "صفية" و هي تتحدث عبر الهاتف إلي عمها
-طلعت الدور السابع ؟ الأوضة إللي في الوش بقي . أيوه رقم 410 . أوك . باي .. ثم نظرت إلي أخيها و قالت بسعادة :
-مامي وصلت.
دقيقة و كان الباب ينفتح من جديد ... لتدخل "فريال" مستتدة إلي ذراع "رفعت"
كانت تبحث عن شئ معين ، و كأنها لا تري غيره بالمكان .. و إستقر بصرها عليه
أسرع "عثمان" و أخذ الطفل من "سمر" بعد أن حصل علي الإذن منها ، ذهب به إلي أمه التي تهاوت علي كرسي قام "صالح" بإحضاره لها عندما لاحظ إرتجاف ساقاها ..
إحتوت "فريال" حفيدها بين ذراعيها .. تطلعت في وجهه مشدوهة ، بينما أجاب "عثمان" عن سؤالها الصامت :
-يحيى يا ماما !
قالها "عثمان" فلم تشعر "فريال" بطوفان الدموع الذي أخذ يتدفق من مآقيها
كما لم تشعر بتحرك لسانها الثقيل الهامد منذ مدة طويلة ، منذ رحيله ، و كأنه أخذ صوتها معه و أعاده لها عندما عاد هو الآن ..
-يـ .. يـ ...يـحـ .. ـيـ .. يـ..حـ.. ـيـ..ـي !
تبادل الجميع نظرات الذهول و الفرح ، و جثت "صفية" أمام والدتها و هي تقول بإبتسامة ممزوجة بدموعها :
-مامي إنتي بتتكلمي ؟؟؟ .. و إلتفتت إلي "عثمان" صارخة بفرحة :
-عثمآاااان . مامي بتتكلم !
إبتسم "عثمان" بشدة ، و إنحني ليقبل رأس أمه
بينما رددت "فريال" ثانيةً و هي لا تكف عن النظر و التفرس في ملامحه :
-يـ..ـ..حـ.ـيـ.ـى !
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!