منزل عز
كاميليا
كنت واقفة قدام صورهم المدمجة، وعنيا بتغوص في تفاصيلهم. الشبه بينهم يخوف، يخلي أي حد يعرفنا وييجي يشوف الصورة يشك، ويمكن يفهم الحقيقة كلها.
قلبي كان متقلق، حاسة إننا بنلعب بالنار، وإن الصورة دي أول خطوة في اللعنة اللي هتحل علي، تهد كل اللي بنيته، وتخلي حياتي تدمر.
بس زي كل مرة... ضعفي قدام عز هو اللي بيكسب. مش قادرة أمنعه، ولا أقنعه يخاف على ابنه، ولا حتى أخوفه من اللي ممكن يحصل لو السر ده اتفضح.
غرقت في الأفكار، لحد ما لمحت كاس بيتقدمه لي وصحاني من افكاري.
هزيت راسي بالرفض، ف قرب من الصورة، بص لحمزة شوية وبعدين قال :
– شكله مميز، أنا كمان بفضل أبصله كده، وأتخيل لو عرف إني أبوه وهو ابني ...
تخيّلي يا كاميليا لو ده حصل بجد؟ لو اتجمعنا كلنا وبقينا عيلة؟
تنهدت بضيق، وقفت بينه وبين الصورة أقطع عنه الخيال وقلت:
– تخيلت يا عزوزي، وشوفت القيامة بتقوم والسما بتطربق علي دماغي ودماغك ودماغه...
انت بجد بقيت ممل ملل بنت بتزن على حبيبها النطع ياخد خطوة جد في علاقتهم.
تنهد وقال ببرود:
– آه فاكر.
– نعم؟ ايةفاكر دي؟
ضحك ضحكة خفيفة وقال :
– فاكر أيام ما كنتي بتحبيني، ومش بتبطلي تقوليلي، خد خطوة، اتقدم لأهلي، اتجوزني...
وأنا أقولك أهلك هيرفضوني، تقوليلي: أنا هقولهم،
تابع بدندنه وهو بيتغزل بي
- وهتحدي العالم كله وانا واياااك.
زقيت وشه عني وقلت بغيظ:
– وبعدين يا صابر يا رباعي؟ ده جزاتي إني كنت بحبك ومتمسكة بيك، تتريق عليا، مش تحمد ربنا اني بصتلك بعجلتك المكسرة المكسحة.
كنت فاكر نفسك سايق فيراري بتتمشي رايح جاي علشان اخد بالي منك
– مش بتريق يا فاميليتي مالك... بس انتي ماعملتيش اللي قولتي عليه.
أبوكي حبسني، وضربك، وجوزك غصب عنك... وقصتنا خلصت.
خدي اشربي.
مدّ الكاس تاني، بعدت إيده بضجر:
– قلتلك مش عايزة.
– أوكي، براحتك.
رجع يقف عند البار، لحقت بيه وقلت:
– أنا كنت صادقة في كل كلمة، حتى لو معرفتش أعملها.
كنت ناوية، لكن انت؟
كنت راضي بعلاقتنا في السر، ولا حاولت حتى نخرج للنور.
استند بكوعه على البار، وبصلي بابتسامة فيها لوع وقال:
– علشان كنت فقير.
– والفقير مابيحبش؟
مايحاولش علشان اللي بيحبها؟
– يبقى حمار لو حاول... لأنه هيتـرفض هيتـرفض، فليه يذل نفسه من الأول؟
بصتله له باستغراب من اسلوبه الجديد وقلت:
– ما يترفض، يحاول مرة تانية وعشرة لغيت ما يطولها...
ولا انت كان عندك رأي تاني؟
قرب مني وقال
– طيب ما انا طولتك يا كوكو، امال حمزة جه منين..
مكنتش فاهمه هو بيتغزل ولا بيعايرني.
دفعته عني ف قال
- اية يا روحي متعصبة لية، اللي عايز اقوله اني كنت بعشقك يا كاميليا، بس الفرق اللي بينا كان كبير.
ومع كده متخلتش عنك وعشنا اوقات جميله مع بعض، ولما بعدت رجعتلك بعد أكتر من 25 سنة... مش كفاية كده؟ مش ده إثبات لحبي؟
تنهدت وقلت:
– فهمت، بس نعمل اية الله يسامحه أبويا...
لو مكنش قاسي كان زماننا متجوزين، وعشنا حياة تانية خالص، ومكنتش غبت عني كل السنين دي.
كنت بتمنى يكون عايش، ويشوف أنا تعبت قد إيه، ويعرف إنك انت اللي حبيتني بجد، مش زيدان اللي سود عيشتي، وآخرها حاول يقتل ابني!
– كان زمانه مات بعده، لو كان عملها...
– ربنا ستر.
لو ماكنتش لحقت حدفته من فوق، كان زماني موت من القهر علي ابني.
– وهو لسه ما اتحركش؟
– لا، وحتي لو اتحرك، يبقى جنى على نفسه، هخلص عليه.
– و سايباه لية؟ افرضي فاق...
– كل يوم بخش عليه، ألاقيه نايم زي ما هو، ما اتحركش.
– بس لو فاق؟
مافكرتيش تخلصي منه؟
– أخلص من مين؟ ده مش سهل.
كنت هتمسك أول مرة، وكل حاجة تتكشف، لولا إن نبيل خاف على مراته ومبلغش.
– بس ممكن يفوق في أي لحظة...
– مش هيفوق. زيدان خلاص... انتهى. يلا
أنا ماشية.
– تمشي فين؟ لسه بدري، ماقعدناش مع بعض.
– لازم أمشي، صدام خد باله ومش عايزاه يشك.
– من إمتى وانتي بتحسبي حساب لصدام؟
– من دلوقتي.
صدام مبقاش زي زمان، بدأ يتفلت مني زي الميه، ولو ما لحقتش أسيطر عليه... هخسر كتير.
– يعني إيه؟
– يعني هو فهم إني مخبية حاجة، ومن ساعتها اتغير وصعب يرجع زي الاول.
دلوقتي ما بقاش أنا بس اللي بيروحله وقت ضيقته... مراته التانية خدت مكان.
– ولو فعلاً اتغير وفقدتي السيطرة عليه هيعمل اية؟
– هيقلب الدنيا عليا، ويفضحنا.
صدام أكتر واحد يعرفني، وأكتر واحد ممكن يضرني لو شك في حكاية حمزة... أو عرف إني رميت أبوه بإيدي!
ماما كانت مصممة إننا نتغدى معاهم، وأنا كنت مكسوفة أقول لها إني عايزة أروح علشان أعمل له الكيكة. خوفت تحس إني مهتمة بيه، وكأنه غريب عني، مش جوزي!
قعدت معاهم بس مش على بعضي، حاسة بتوتر وعدم راحة، ومش قادرة أخبي ده عن عيون بابا اللي بيراقبني .
ابتسمت بتصنّع علشان أغطي توتري، لكنه تنهد وقال بنبرة حاسمة:
– دي مش عارفة تقعد على بعضها، خليها تمشي، هاتيلها فلوسها من جوه يابت.
قلت باستنكار:
– فلوس إيه يا بابا؟
– فلوسك.
– مش هاخد حاجة.
– وأنا لا عاجز ولا محتاج علشان آخد منك ولا من غيرك.
– طبعًا يا حبيبي، محدش يقدر يقول غير كده، ربنا يديك الصحة ويبارك في عمرك. بس أنا مش هاخدهم، خُدهم أنت، جهز بيهم بسنت.
بص لبسنت وقال بعصبية:
– بقولك اديها الفلوس، قاعدة ليه؟
قامت بسنت :
– حاضر.
منعتها قبل ما تتحرك وقلت بحزم:
– استني.
لفيت على بابا وبصيت له بجدية وقلت:
– بابا، لو ماخدتش الفلوس دي، أنا هاعتبرك لسه زعلان ومش هدخل...
سكت فجأة، استوعبت اللي قولته، فقلت بعبث:
– آسفة.
رجعت أتكلم بإلحاح اقوي من كبريائه اللي مانعه ياخدهم برغم حاجته ليهم:
– بابا، والنبي لو بتحبني خدهم، وحياة حبيبك النبي ما تكسفنيش. خليهم لجهاز بسنت، او اعتبرهم هدية مني ليها.
كان لسه هيقول لا، فسبقته وقلت:
– بالله عليك يا بابا، علشاني...
ماما دخلت تحاول تقنعه:
– خلاص يا أبو رقية، متكسفهاش، البت بتحلفك بالنبي...
بصلها بحدة ونهرها بقوله:
– جرت اية يا ولية! علشان مكسفهاش آخد فلوس منها!
ماما سكتت، فقرّبت منه أكتر، قعدت جنبه وقلت وأنا بحاول أراضيه:
– يا بابا، يا حبيبي، دي فلوسك، إحنا كلنا لحم أكتافنا من خيرك. إنت تعبت وربيت وعلمت، ونبي يا بابا ما تكسفني. ونبي ونبي ونبي، علشان خاطري... يارب تحج.
دفعني بخفة وقال بحنق:
– بس! أوعي...
سكت لحظة، وبص علينا كلنا وقال مغلوب علي امره:
– ماشي... بس هاخدهم سلف، علشان جهاز أختك اللي مكنتش عارف هجيبه منين.
بسنت ابتسمت بسعادة، فقلت بفرح:
– ماشي، سلف. لما تلاقي كنز ابقى ردهملي. اتصل بأهل العريس وقولهم موافقين... خلينا نفرح.
– بعدين. قومي كلمي جوزك، قوليله ييجي يتغدى معانا.
حسيت بخجل، ومكنتش قادرة أبص له، ف بسنت شدتني وقالت:
– قومي، قاعدة ليه؟
– طيب طيب، هقوم أهو.
دخلت الأوضة، حاسة بارتباك وسعادة في نفس الوقت. خدت نفس علشان اهدا، وبعدين اتصلت...
استنيت لحد ما رد وقال:
– آه...
– فين دلوقتي؟
– في الشغل. في حاجة؟
– لأ، بس بابا قال لي أكلمك تيجي تتغدى معانا.
– هو اللي قال ولا مامتك؟
– هو...
– لا، لو هو، يبقى أجي. ممكن ساعة بس، في اجتماع دلوقتي.
– ماشي، براحتك.
– مش هتأخر. ساعة واحدة.
– طيب... أقولك...
قلت الجملة دي وأنا مترددة جدًا، فصوته جه مشغول:
– قولي...
كنت هاقوله اللي حصل مع سامح وأسماء، بس حسيت إن الوقت مش مناسب، وخفت اللحظة تبوظ، فغيرت كلامي بسرعة:
– بقول إنّي ماعملتش الكيكة. لما أروح، هعملها...
ضحك بخفوت وقال:
– أوكي... ومنها أكون معاكي، أعلّمك.
ضحكت وقلت:
– ماشي. روح شوف شغلك، شكلك مشغول.
بعد ساعات قضيتها في الأوضة، قاعد لوحدي مضرب عن كل حاجة في البيت والتليفون في إيدي، فاتح الشات بيني وبين رحمة ببصله بدون اي رغبة في محادثتها وكأن خلاص كل حاجه باظت واتكشفت.
وفجأة، جالي صوت بابا من ورا الباب:
_ "هتفضل قافل على نفسك كده كتير؟ اخرج نتكلم ونشوف إيه اللي يرضيكم انتوا الاتنين..."
ما رديتش... ماكنش عندي طاقة أتكلم مع حد. سكت، ف اضاف:
_ "يا حسن يابني، مامتك خايفة عليك. أيوه هي محبكاها شوية، بس ده من خوفها عليك. افتحلي، ما تزعلنيش منك... ولا عايزني أزعل واتعب تاني... وأموت؟"
مقدرتش اكمل اضراب بعد كلمته دي. قومت، فتحت الباب وأنا ما فياش حيل أتكلم ولا حتى أبص في عينيه. دخل بهدوء وقف جنبي وقال:
_ "ليه بتعمل فينا كده بس ؟ هو أنت مش عارف إننا بنحبك؟ ولو أمك شدت عليك، فده علشان عايزاك تحس بوجودنا، تبقى قريب مننا..."
رفعت عيني عليه وقلت بصوت مخنوق:
_ "لا يا بابا، هي مش عاوزاني أحس بيكم، هي شايفاني غلط علي طول، ومالياش لازمة. عمرها ما كلّمتني غير علشان تنتقدني أو تشتكي لخالي. أنت عارف إنها بقالها شهور بتزن علشان أتجوز، ولما قلت ماشي نتجوز، اتخانقت معايا. ولما غيرت رأيي وعملت اللي هي عايزاه، بقت تراقبني كأني عامل مصيبة!"
هز راسه بأسف وقال:
_ "هي أمك موسوسة شوية، وكمان شايفة إن خالك أقرب حد ليك وبيعرف يقنعك. علشان كده بتكلمه..."
وقبل ما يكمل، دخلت أمي فجأة، صوتها عالي وعيونها مشدودة، وقالت بعصبية:
_ "لا يا سعد! أنا ما بكلمهوش علشان أشتكيله، أنا بكلمه علشان يعرف إنه بوظك بدلعه، ويعرف إنه معرفش يربيك. هو خدك مني وحرمني أربيك بطريقتي. كان دايمًا عايش دور المجروح اللي بيبتزنا بمشاعره، خلانا نخاف نقوله لأ..."
وقفت قدامي، عنيها مليانة وجع وقالت:
_ "بس سكت... بقيت أقوله بالذوق والبراحة وبالمحايلة انه يتجوز ويخلف علشان يسيبلي الواد الحيلة.
وكل اللي بيعمله إنه يتعصب ويزعق ويقولي هنخسر بعض لو فتحتي الموضوع ده تاني.
فقلت اصبري يابت، ابنك هيفهم لما يكبر إنه مالوش غيرك، وهيرجعلك..."
سكتت لحظة، وبعدين صوتها بدأ يهتز:
_ "بس إزاي؟! ده قعد معاه ورفض ييجي معانا.
ولما كنا ننزل مصر، في بيتنا، بيتنا إحنا، يخلينا نحس إننا ضيوف تقال عليه! ولما ييجي الكويت، يقعد يشتكي ويتعصب، وكله علشان يرجع تاني لخاله!"
قلت :
_ "اديكي قولتي خدني منكم وأنا صغير. كبرت لقيته هو اللي مربيني، هو اللي عايش معايا كل حاجة. أنا مش غلطان، ولا المفروض أسيب كل اللي ليا هنا علشان أعيش في الغربة. إنتي كنتي ممكن تقعدي، أو بابا ينقل شغله هنا، كان في مليون حل، بس إنتي اخترتي إنك تسافري وتفضلي تغلطيني في كل حاجة..
عنيها دمعت، والدموع نزلت بهدوء وهي بتقول:
_ "ماكنتش عايزة أسيب أبوك لوحده... ولا لما يرجعلنا اجازة احس إنه ضيف في بيته وافضل مستنية إجازته تخلص علشان يمشي ويبعد عننا... زي ما إنت بتعمل معانا كده.
لو ياسين سابك لينا من وانت صغير، كنت اتعودت على العيشة هناك، ما كنتش كرهت الغربة قوي كده..."
سكتت لحظة، وبصت لي بنظرة مكسورة:
_ "إنت وهو اللي عيشتونا كده... بأنانيتكم. بس أنا غلطانة... ما فكرتش أخلف بعدك. يمكن لو كان ليا عيل تاني، كان زمانه لمنا. خليك ليه، دلوقتي يتجوز رحمة ويخلف وينشغل عنك، وتلاقي نفسك لوحدك..."
قالتها... ومشيت.
وقفت ساعتها قدام بابا، دموعي نازلة.
مد إيده، ربت على كتفي وقال بهدوء:
_ "اهي قالتلك اللي مزعلها... روح كلمها، واجبر خاطرها بكلمتين."
أومات بالايجاب ومسحت دموعي وروحت وراها، لقيتها قاعده في الأوضة ودموعها نازلة زي الشلال من عينيها. قعدت جنبها، فصرفت وشها عني.
قربت منها، بوست دماغها فدفعتني عنها. رجعت قربت منها وقلت:
_ أنا آسف يا ماما.._
بعدت إيدي عنها فقلت:
_ مش إنتي لوحدك اللي كنتي محتجاني، وأنا كمان كنت محتاجك، كنت محتاجكم إنتوا الاتنين، ومكنتش اتضايق منكم زي ما بتقولي، ولغيت دلوقتي بحب قعدتكم هنا.
أنا بتضايق بس من تركيزك و
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!