ذهبت تجاه أصاله وجلست إلى جوارها وهي تتحدث بهدوء :
- مينفعش كده يا أصالة .. لازم تقفي على رجلك .. متنسيش إن أهلها لسه ميعرفوش حاجه .. ده قدرها ومحدش بيهرب من قدره .. إدعيلها بالرحمة وحاولي تتماسكي كده .
أصالة من بين بكائها :
- مش قادرة أصدق .. لا لا مستحيل أصلًا ده يحصل .. بدور !!.. دي كانت معايا من فترة قريبة بنهزر ونضحك سوا .. لا مش قادرة أصدق .
فُتح باب الغرفة وخرج منه الطبيب الذي تنهد بقوة وهو يتحدث إلى عمار :
- الحمد لله .. قدرنا نسيطر ع النزيف الداخلي ليها .. عندها شوية رضوض من الخبطة وكمان عندها ضلعين مكسورين .. ورجلها الشمال فيه كسر في الكاحل .. هتخرج من العمليات لغرفة عادية وشوية وقت وهتفوق بأمر الله .
تحركت أصالة تجاهه وهي تتحدث بعدم فهم وتيه :
- بتتكلم عن مين ؟؟.. مين اللي مكسورلها ضلعين وكاحل ؟؟ ومين اللي سيطرتوا ع النزيف الداخلي ليها ؟.. مين اللي هتفوق بعد شوية ؟
الطبيب بهدوء وعملية :
- البنت اللي جابها عمار باشا .
رفع عمار نظره له وأخذ يناظره بتدقيق متحدثًا ببحة ظهرت جلية في صوته :
- بدور ؟!
الطبيب بجهل :
- مش عارف إسمها .. حضرتك جبتها وأنا دخلت بيها العمليات على طول .
غادة بعصبية :
- أومال الدكتور اللي خرج قبلك ده قال ليه إنها ماتت ؟.. انتوا بتتكلموا كلام في الهوا ؟.. إيه الاستهتار ده ؟!!
شريف بتأكيد :
- زميلتها أو مش عارف تقربلها إيه .. بس البنت اللي جت بعد كده هي والشاب فعلًا اتوفت للاسف ومقدرناش نسيطر على النزيف اللي حصل في الدماغ عندها .
أصالة بسرعة :
- عايزة أشوفها .. اسمحلي أشوفها .
الطبيب بنفي :
- دقايق وهتخرج .. لكن دخولك العمليات صعب .
تحركت أصالة تجاه عمار وألقت بنفسها بين أحضانه في سعادة وهي تتحدث بلهفة :
- الحمد لله يا عمار .. بدور عايشة .. عايشة يا عمار الحمد لله .
ربت على كتفها دون أن يتحدث ليتحرك شريف بعدما أخبرهم أنه سيقوم بإجراء التقارير اللازمة لثلاثتهم مع الطبيب حسن .
أخذ عمار شهيقًا عميقًا أخرجه دفعة واحدة وهو يغمض عينيه بقوة ليتزامن فتحه لعينيه مع خروج عربة الترولي من غرفة العمليات حاملة فوقها الشاب ومن خلفه بدور التي ما إن وقعت عينا عمار عليها حتى تألم قلبه وشعر أنه يود أن يمسك بيديها ليشعر بوجودها حقًا .. لقد كاد يفقدها للأبد .
(🌸 اتْبع السيئة الحسنة تمحها🌸)
رفع هاتفه كي يطمئن على ابنته .. ليس من عادتها ألا تهاتفه كل هذا الوقت !..
قام بالاتصال مره واثنتين ولكن الإجابة واحدة " الهاتف الذي طلبته غير متاح الآن "..
زفر بقلق وهو يدعو الله أن تكون بخير .. هي لا تُغلق هاتفها فجأة .. كما أنها لا تنتظر حتى يمر نصف اليوم دون أن تحادثه ..
رن هاتفه فنظر له بلهفة علها هي .. لكن خاب أمله حينما وجده عمار !!
أجاب بقلق تفاقم حينما صمت عمار وأصوات أنفاسه هي كل ما يسمعه سفيان الذي تحدث بنفاذ صبر :
- عمار في إيه ؟!!
عمار بهدوء تام :
- عمي .. بدور اا ..
سفيان وهو يحمل مفاتيحه ويتحرك من مكانه :
- بنتي فين ؟.. حصل إيه ؟
عمار بتنهيدة قوية :
- عمي بدور عملت حادثه ع الطريق ودلوقتي إحنا في المستشفى .
سفيان بسرعة :
- العنوان .. ابعتلي العنوان بسرعة .
أغلق الهاتف وانطلق بسيارته حيث عنوان المستشفى الذي أرسله له عمار .
كان يتسابق مع الريح والطريق في آن واحد .. وصل أخيرًا وركض حيث غرفتها التي أخبرته بها فتاة الاستقبال ..
نظر لعمار الواقف مع أحدهم يتحدث بشيء من العصبية هادرًا :
- ده كان مجرد تهويش .. مكنش عايز حتى يصيبني .. وأنا وحياة أمه ما هسيبه .
اللوا بتحذير :
- عمار .. بلاش تهور .. انت مستوعب إن البنت ماتت في الحادثة ؟.. مستوعب إنهم قصدوا العربية أصلًا وضربوا على العجل اللي فرقع في اللحظة اللي خبطت عربيتك في عربيتها فاتقلبت ع الطريق ؟.. مستوعب إنت اللي حصل ولا عايز حد يفوقك !!
عمار بغضب :
- عايزني أعمل إيه ؟.. مش هتخلى عن القضية .. مش عمار السيوفي اللي ينسحب يا سامي بيه عشان شوية بلطجية وتجار مخدرات بيهددوا حياته ويقطعوا طريقه .. أنا هقلبها ضلمة عليهم كلهم .. مش هرحمهم .. ودمها مش هيروح هدر كده .
انتبه لصوت سفيان من خلفه :
- بدور .. بنتي !!
أغمض عمار عينيه بقوة وهو يلتفت لسفيان بهدوء متحدثًا بحذر :
- عمي ..
سفيان وهو ينظر لعينا عمار يرجوه أن يكذب ما سمعه .. فاستجاب عمار لرجائه على الفور وأشر له بهدوء :
- بدور كويسة .. في الغرفة دي .. وأصاله معاها .
استطاع أن يلتقط أنفاسه أخيرًا وأخذ يحمد الله ورفع يده يمسد خصلاته من الخلف محاولًا تهدئة اضطرابه ..
عمار بهدوء :
- كانت حادثة مش مقصودة .. بدور عندها ضلعين مكسورين وكوعها الشمال كمان .. وشوية رضوض من الخبطة .. بس الدكتور طمني إنها بخير وهتبقى كويسة .. وزمانها فاقت دلوقتي .
أومأ سفيان وهو يتحرك تجاه غرفة ابنته .. أخذ شهيقًا قويًا زفره بهدوء وهو يعد من واحد إلى عشرة كي يهدئ من انفعاله .. ومن ثم طرق الباب بخفة وولج بعدما وصله إذن أصاله بالدخول .
(🌸غاية أمنية الموتى استدراك حياة ساعة، وأهل الدنيا يقضون أعمارهم غفلة وضياعاً.🌸)
أنهت عملها لهذا اليوم وقررت الذهاب لرؤية وجد .. لا تعلم لماذا أصبحت وجد كجزء لا يتجزأ من يومها .. تحبها لدرجة كبيرة وترتاح بالقرب منها كثيرًا ..
وصلت حيث منزلها وترجلت من سيارة الأجرة ودخلت بعدما سمحت لها مريم بذلك ..
مريم بابتسامة :
- عامله إيه يا حبيبتي ؟.. وماما عامله إيه ؟
إيلاف بهدوء وابتسامة ودودة :
- الحمد لله يا ست الكل بخير .. صحتك عامله إيه؟
مريم بابتسامة هادئة :
- أهو نشكر ربنا على كل حال .. ثواني هنادي وجد من فوق .
تابعت وهي توشر على غرفة وجد :
- أدخلي يا حبيبتي لوجد في أوضتها .
أومأت إيلاف واستأذنت بالدخول .. طرقت عدة طرقات دون رد لتخبرها مريم أنها تُصلي ..
ولجت إيلاف لتجد وجد تصلي بالفعل ..
جلست إلى الفراش حتى انتهت وجد ..
تحركت وجد وأخذت ترحب بإيلاف في سعادة ..
إيلاف بحرج :
- خلصت شغل بدري قولت آجي أشوفك .. عشان متقوليش مبسألش ها .
وجد بضحكة :
- نورتيني يا ست البنات .
خرجا لصالة الجلوس وقُضي بعض الوقت في الحديث حتى قطعهما صوت أريج التي تتحدث بغيظ :
- يا وجد مش تنبهيني إنك سايبة الرز على البوتاجاز من غير ما توطي عليه !
وجد بأسف :
- أوبس .. آسفة أوي يا أم بشير .. نسيت خالص .
أريج بشكوى لمريم :
- بالله عليكي يا عمتي دي حاجه تتنسي بردو ؟
وجد بتبرير :
- جل من لا يسهو .. وما سمي الإنسان إلا للنسيان يا أم بشير بقا .
أريج بغيظ :
- أهو لسانك الحاضر في كل موقف ده بيخليني لا آخد حق ولا باطل منك .
ضحكن جميعًا قبل أن تغادر أريج بصحبة مريم إلى الحديقة .. في حين تساءلت إيلاف بهدوء :
- وجد .. هو يعني إيه ما سمي الإنسان إلا للنسيان ؟.. سبق وقولتيهالي بردو بس نسيت أسألك عن معناها .
وجد بابتسامة :
- الموضوع ببساطة يا ستي .. هو نوع من الاشتقاق .. يعني دلوقتي كلمة إنسان دي ممكن نشتق منها إِنْس وأُنْس .. ودول معناهم المؤانسة .. يعني شخصين بيوالفوا بعض أو أقولهالك إزاي !!!.. اممم .. أنا وانتي أهو .. أنا متونسه بيكي .. ااايوه .. متونسه .. هي دي .. يقولك والله انتي مونساني .. يعني أنا مستأنسه بقعدتك يعني ..
ضحكت إيلاف وهي تومئ بفهم :
- فهمت فهمت .
ضحكت وجد وهي تتابع :
- وعندك كمان يا ستي كلمة إنسان بنشتق منها كلمة آنَسته أو آنِسته .. ودي بمعنى النظر .. يعني لما أشوفك مثلا أقولك آنست إيلاف .. يعني شوفتها .. حتى ذُكر في القرآن الكريم وهو بيتكلم عن قصة موسى عليه السلام يقولك إيه " آنس من جانب الطور نارًا " .. يعني شاف أو أبصر ..
جه بقا بعد كده واحد ابن حلال مصفي اسمه ابن منظور .. قال إن واحد تاني ابن حلال إسمه ابن عباس قال " إنما سُمي الإنسان إنسانًا لأنه عُهِد إليه فنسى " .. وطبعًا الدليل القرآني بيقول إيه " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم يجد له عزماً ".
ومن هنا أقدر أقولك إن الكوفيين هما اللي اشتقوا النسيان من الإنسان .
إيلاف بإعجاب :
- عايزة أسألك يا وجد .. وحاولي تفهميني صح الله يكرمك ها .. يعني عايزة أعرف بتعرفي المعلومات دي إزاي ؟.. أزاي بيبقى عندك إجابة لكل سؤال .. وحل لكل عقدة .. مش قصدي أحسدك يعني اللهم بارك بس عايزة أعرف إمته أو إزاي قدرتي تلمي بكل المعلومات اللي ملكاها .. فهماني ؟
وجد بضحكة :
- مش ناقص غير تتأسفي على سؤالك يا إيلي .. شوفي يا حبيبتي الإجابة ببساطة خالص هو تحدي .. تقدري تقولي كده إني من صغري وأنا فضولية في العلم والدين شوية .. طبعا ده عشان كنت بشوف بابا وماما من صغري .. مره يقرأوا قرآن سوا .. مره يختاروا كتاب ديني ويقسموه بينهم كل واحد يقرأ جزء ويشرحه للتاني .. وفي نهاية كل كتاب يكونوا جمعوا أسئلة ويبدأوا بعد فترة يسألوا بعض الأسئلة دي عشان يعملوا ريفرش لمعلوماتهم .. فغرزوا فيا حب الاستطلاع والبحث العلمي .. ومن هنا بدأت رحلتي في التحدي مع نفسي .. كنت بقعد معاهم في الوقت اللي بيشرحوا لبعض فيه أو يسألوا بعض فيه وأسجل اللي بيقولوه .. وخدت إقرار على نفسي إني لازم كل يوم من عمري أكسب فيه معلومه جديدة .. ميعديش عليا يوم من غير ما أكون عارفه معلومه جديده .. شوفي بقا عندي كام سنه .. والسنه فيها كام يوم .. وفي العمر ده كل يوم معلومه .. فشوفي بقا أنا عندي معلومات قد إيه .. غير معلوماتي الدراسية .. ده شيء لوحده بقا .. والمعلومات دي مش شرط في مجال معين .. يعني ممكن تكون في الدين وممكن في الميكانيكا ميضرش .. ممكن علم النفس وممكن في الطب .. أوقات بستغل وجود خالو سفيان عندنا أو وجودنا عندهم واسأله عن حاجات تخص الطب النفسي وهو مبيبخلش أبدًا عليا .. أسأل عن حاجات مالية تخص الشركه وأعرف إجاباتها من أبيه وليد أو بشير أو من خالو إسلام .. المحاماه بعرف عنها من عمار ابن ابن عمي .. أي نعم بيطلع روحي عما باخد منه إجابة ترضي الله بس باخدها في الآخر .. الصحافة كمان أعرف عنها من بدور بنت بنت عمي .. اتعلمت السباحه على إيد بدر أخت بدور .. كده يعني .. بستغل كل اللي حواليا باختصار شديد .
إيلاف بابتسامة :
- ربنا يزيدك والله يا دودو .
بقيتا تتحدثان لبعض الوقت حتى استأذنت إيلاف مغادرة .. فعادت وجد لغرفتها كي تذهب في سباتها العميق استعدادًا ليوم حافل بالمراقبة على الاختبارات غدًا .. وبه إحدى المفاجآت التي ستغير حياتها عما قريب ..
(🌸إلى متى الغفلة ؟ فرب إشراق لم يدرك زمن غروبه.🌸)
كانت في غرفتها ومن حولها والدتها ووالدها وكذلك رضوى وروضه اللتان تشاكسانها ويكتبان فوق الجبس الذي يلتف حول ساقها ..
بدور بغيظ :
- ما تبس بقا يا بنتي انتي وهي .
روضه :
- الله .. مش بنعمل حاجه للذكرى يا بدور !.. دي أول مره تتكسري .
رضوى :
- آه حقيقي وأول مره ترقدي كده .. ألا تكوني صدقتي بقا إنك لازمك راحة وبتاع عشان تهربي من شغل البيت زينا !
ملك وهي تضربهما على مؤخرة رأسيهما :
- كويس انكوا عارفين بتعملوا إيه كويس .. ويلا بقا على البيت انتوا التلاته .
نظرت لبدر التي لا تتحدث ولم تقترب من بدور حتى منذ أتت .. وتجلس في نهاية الغرفة منعزله .. وكذلك حينما عادت للمنزل بعد خروجها مع والدها وانعزلت في الغرفة ورفضت التحدث مع أحد حتى علمت بما حدث لبدور فأتت معهم ..
ملك بهدوء :
- بدر .. هتاخدي اخواتك وتروحوا .. هتجهزوا عشا عشان بابا .. وتخلوا بالكوا من البيت .. وان شاء الله الصبح اخواتك يمشوا على امتحاناتهم وانتي تجيبي غيار ليا ولبدور وتيجي ... بس متنسيش تفطري بابا .
سفيان بهدوء :
- مش هينفع يا ملك أنا هفضل معاكم .
ملك بإقناع :
- مش هينفع أبدًا وجودنا كلنا كده يا سفيان .. حبيبي بدور بخير الحمد لله واتطمنا عليها .. أنا هفضل معاها الليلة وانت روح ارتاح حبيبي وأنا هنام هنا مع بدور وتعالالنا انت وبدر الصبح بأمر الله .. كمان هنا في المستشفى هيرفضوا وجود أكتر من شخص معاها .. لولا عمار مكناش قدرنا نتجمع كلنا كده .
سفيان بتنهيدة :
- طيب يا ملك .. ومنتيش محتاجه أقولك أي حاجه تحصل كلميني مهما كان الوقت ومهما كانت الحاجه دي .
ملك بتأكيد :
- ده أكيد يا حبيبي متقلقش .
بدور بتعب :
-بدر !
نظرت لها بدر التي كانت على وشك الذهاب .. فتقابلت عينيهما لوقت لا بأس به فخرجت ملك من الغرفة كي تترك لهما مساحة ..
لم تتحرك بدر فمدت بدور يدها مما جعل بدر تنظر ليدها ثوان قبل أن تأخذ شهيقًا طويلًا زفرته دفعة واحده وهي تقترب من فراش بدور التي ابتسمت لها بهدوء متحدثة بمزاح :
- متحاوليش أبدًا تقنعيني إن التكشيرة دي عشان رقدتي .
نظرت لها بدر بعينين دامعتين مما جعل بدور تحاول الجلوس لكنها تألمت وخرجت آهة من بين شفتيها جعلت بدر تنهيها عن الجلوس متحدثة ببحة أثر محاولتها كتمان عبراتها :
- متتحركيش .. خليكي مرتاحة .
بدور بتساؤل :
- مالك ؟.. فيكي إيه ؟.. ليه قاعده لوحدك من وقت ما جيتي ؟.. وليه عيونك مليانه دموع كده ؟.. في إيه ؟
بدر وهي تزدرد ريقها بغصة :
- بكره .. بكره لما آجي عشان أبوكي واخواتك مستنييني .. ارتاحي دلوقتي عشان تقومي تقرفيني ع السرير تاني لأني مش هعرف أنام من غير تلطيشك وانتي نايمة .
بدور بحاجب مرفوع :
- أنا بردو اللي إيدي طرشه ولا انتي !
بدر بحاجب مرفوع :
- لا أنا بنام مبتحركش أبدًا .
بدور بمزاح :
- على يدي .
ضحكت بدر رغمًا عنها لتبتسم بدور لها بحب فتنهدت بدر قبل أن تربت على يد أختها وتغادر بصمت تاركة بدور التي تدعو لها من قلبها أن يهديها الله لما هو صواب ..
بينما غادرت بدر مع والدها وأختيها وقامت بصنع العشاء لكن سفيان رفض تناول الطعام وذهب لغرفته طالبًا النوم ..
وكذلك بدر التي تعلم أن ابتعاد والدها عنها بهذه الطريقة ما هو إلا عقاب لها .. وما أسوأه من عقاب ..
ذهبت في سبات عميق لم يوقظها منه سوى هاتفها الذي أعلن عن اتصال من رقم غير مسجل ..
أجابت بنعاس لكن لم يأتها أي رد فعقدت حاجبيها بتعجب وأغلقت الهاتف .. ثم تحركت وصنعت الفطور .. وكالأمس رفض سفيان تناول الطعام .. وتحرك إلى الخارج وهو يتحدث إلى رضوى :
- رضوى لو سمحتي بلغي بدر تجهز وتجهز الحاجه اللي هتاخدها لماما وبدور .. وأنا هوصل العيادة أعمل كام حاجه وهرجع أعدي عليها عشان نروح المستشفى .
أومأت رضوى بهدوء .. لتسقط عبرة خائنة من عيني بدر التي كانت تقف في الممر الفاصل بين الغرف وصالة الاستقبال وهي تستمع لما قاله والدها .. إلى متى سيرفض التحدث معها ؟!
(🌸الكلمة الطيبة تأسر القلوب، وتمحو الضغينة وهي لك صدقة عند الكريم الرحمن🌸)
خرجت من غرفتها واستعدت كي تذهب للجامعة لكنها سمعت من والدها أنه سيذهب بصحبة مراد اليوم لرؤية ريان في المستشفى .. وقد علمت أنه سيقضي اليوم هناك دون أن يعود للمنزل وقد أخبر والدتها بأن تكون إلى جانب ديالا والدة ريان في المساء .. فقد تحتاج لشيء ما ..
تنهدت بقلة حيلة وخرجت إلى جامعتها .. وما إن انتهت حتى خرجت دون أن تنتظر أيًا من صديقتيها .. وغادرت إلى مستشفى الأورام ..
سألت عن ريان وعلمت أنه بقسم الأطفال .. وهذا ما أثار تعجبها .. ما الذي يفعله هناك ؟!..
ذهبت إلى حيث دلتها الممرضة ليحتل تعابيرها الذهول وهي تراه يضحك بإشراق هكذا مرتديًا بنطال جينز أسود يعلوه تيشرت رمادي ويضع كاب أسود فوق رأسه وكوفيه خفيفة سوداء حول عنقه وبيده يحمل حقيبة الحلوى وإلى جواره ممرضة تضحك معه وتلاعب الأطفال معه وتأخذ منه حقيبة الحلوى ليمثل الصدمة ويشكو للأطفال فيركضون خلفها لتقوم هي بتسليمها لهم فيصفق ريان بمرح وهو يخبرهم أنهم أحسنوا صنعًا ..
بقيت تتابع مرحه بينهم وضحكته التي تخرج بصفائها مع تلك الممرضة البغيضة بالنسبة لها .. تلك الابتسامة لم تكن سوى لها فقط !!.. كيف بهذه البساطة يبتسمها لأخرى ؟!.. أم أنها هي الحمقاء الوحيدة هنا ..
للحظة دقت كلمات والدتها جدار عقلها وهي تقول :
" ريان راجل .. وممكن أوي يكون تعلقه بيكي ده تعلق أخوه مثلا .. عشان من صغركوا مع بعض فاتعود على وجودك "
والدتها كانت على حق .. لم يهتم لجعلها تشاركه آلامه .. لم يهتم لها حينما أتته أول مره .. لم ينظر لها حتى حينما أتت وسألته عن حاله ؟.. والأن يضحك بملء فمه بصحبة تلك الممرضة .. هكذا اتضحت الرؤية أمامها .. هي ليست سوى تعود في حياته .. شريكة الطفولة والصبا .. ليس إلا ..
خرجت من المكان واتجهت من فورها إلى المنزل ملقيه بنفسها فوق الفراش تبكي بقوة لما تعانيه من تخبط ..
ومع وصلة البكاء هذه ذهبت دون شعور منها في سبات عميق .. سيكون الاستيقاظ منه بقرارات جديدة وحياة جديدة .
بينما هنا حيث يجلس ريان يتحدث إلى هذا وذاك وتراقبه أمنية بابتسامة فخورة .. فهو فتى جيد بالنسبة لها .. كان يحتاج لدفعة صغيرة فقط كي يفيق وينظر للعالم من الجانب الآخر .. الجانب الجيد الذي لا يحمل هذا الكم من البغض الذي يظنه ..
فقط النظر لوجوه هذه الأطفال يشعره بجمال الحياة .. وضحكاتهم التي تعلُ في المكان تجعله يشعر أن لا مأساة في الدنيا بما فيها ..
كما أنهم وهبوه القوة التي يحتاجها .. بإقبالهم على الحياة وشغفهم اللامحدود لمحاربة هذا المرض كي يصلوا لبر الشفاء ..
أمنية بهدوء :
- ريان .. يدوب نطلع فوق .
ريان بتنهيدة قوية .. الجميع يهرب من النار كي لا تحرقهم .. في حين يذهب لها هو بذاته طالبًا الشفاء .. يا إلهِ من سخرية القدر ..
تحرك معها بصمت بعدما ودع الأطفال على وعد منه بالعودة لهم من جديد ..
أمنية بتساؤل :
- امتحاناتك إمته ؟
ريان بهدوء :
- بمتحن فعلًا وعندي مادة بكره .
أمنية بشغف :
- وناوي تقضي الأجازه إزاي ؟.. هتعمل إيه ؟
ريان وهو يرفع كتفيه بعدم إدراك :
- مش عارف .. اممم .. ممكن أقدم في دورة تنميه بشرية مثلًا .
أمنية بتفكير :
- ما تكسب فيا ثواب وتاخدني معاك .
ريان رافعًا حاجبيه :
- عايزة تاخدي دورة في التنمية البشرية ؟
أومأت أمنية بحماس ليتساءل بتعجب :
- اشمعنا دلوقتي ؟.. مخدتيهاش من زمان ليه ؟
أمنية بصدق :
- عشان مكنش في حد يشجعني .. هنشجع بعض عشان نكمل فيها .. ها إيه رأيك ؟
ريان بموافقة :
- أكيد مش هيكون عندي مانع .. بس هتقدري توفقي بين هنا وهناك ؟.. انتي تقريبًا كل وقتك في المستشفى هنا .
أمنية :
- صحيح .. كل وقتي هنا عشان بعمل حاجه بحبها .. ولو قدمت في دورة تنمية بشرية .. هوفق بين هنا وهناك عشان هناك كمان حاجه بحبها .
ريان باقتناع :
- خلاص يبقى على بركة الله .. أول ما أخلص امتحانات نفكر في الموضوع ده .
أمنية بعدما فتحت باب غرفته وبدأت في تجهيزه من أجل جرعته :
- ودلوقتي يا باشا مصر .. أنا حكيت عن نفسي المره اللي فاتت .. وده دورك .. فاكر ولا هتعمل فيها زعتر ؟
ريان بحاجب مرفوع :
- إيه زعتر ده ؟
أمنية بتوضيح :
- دي كلمة بقولها بدل ما أقول هتخلع مثلا أو هتكرشني أو هتنصب عليا .
ريان بصدمة :
- تكرشني ؟!!
أمنية بذهول :
- واخلع وتنصب دول عادي ؟! تكرشني هي اللي أثرت معاك !!
ضحك ريان رغمًا عنه ليتحدث بجدية :
- لا يا ستي لا هكرشك ولا هنصب عليكي ولا هخلع ..
تنهيدة هادئة خرجت عنه قبل أن يفصح عن مكنون قلبه بهدوء تام :
- أنا يا ستي شخص عادي .. أقل من العادي كمان .. معرفش إيه سر حبي للإنعزال بس .. بس مبحبش الاختلاط .. الكلام مع الناس صعب .. صعب أوي .. بيحتاج مجهود جبار .. لازم تلبس لكل واحد وش يناسبه عشان تعرفي تتعاملي معاه .. وفي الآخر هتطلعي بوشوش .. مبقاش في حاجه اسمها إحنا اخوات فنشيل بعض ونخاف على بعض .. ومبقاش فيه حاجه اسمها إحنا أصحاب فنقوم بعض ونقوي بعض .. ومبقاش في حاجه اسمها أحباب فنحارب كل حاجه وأي حاجه عشان نكون مع بعض ..
مليش صاحب نتفق نخرج أو نمارس هواية سوا .. مليش حد أصلا .. أنس أخويا لسه عشر سنين .. صغير وبحبه أوي بس بخاف عليه يبقى زيي .. مش عايزه يعاني من وحدته .. عايزه يتعامل مع الناس ويعرف كل واحد على حقيقته ويجرب كل حاجه عشان ينشف وميتأثرش بسهولة من أفعال اللي حواليه .. بابا وماما .. دول أطيب ما خلق ربنا .. ماما ديما قلبها عليا وحاسه بيا .. حساسه من ناحيتي جدًا .. مبتضغطش عليا في أي حاجه ومدياني مساحتي الخاصه اللي أقدر أتعامل فيها بحرية .. مبتحاولش تتلون قدامي أو تبصلي شفقة وحزن على حالي .. رغم إن فعلا ملامحها بتوحي بكده بس مبتحسسنيش بكده .. وبابا نفس الشيء .. بس بابا بيختصر الطريق ومبيتكلمش معايا غير لو ع الماشي كده .. مديني مساحتي على حساب التجاهل .. وده شيء مش مزعلني أبدًا .. بالعكس ده شيء مريحني جدًا .. ع الاقل مش هضطر أشرح حاجه كل دقيقة والتانيه ..
عارفه انتي زي فكرة إنك تكون فيكي حاجه مشوهه مثلا وهما لا بيقولولك انتي جميله من باب إنهم يجبروا بالخاطر عشان عارفين إني هاخده على إنه شفقة .. ولا بيبصوا على التشوه ده عشان عارفين إني هتحسس من نظراتهم وهحاول أتدارى ..
أخذ شهيق عميق أخرجه دفعة واحده وهو يتابع بغصة :
- حبيتها .. حبيتها لدرجة إنها كانت استثنائي الوحيد في العالم ده كله .. مكنتش بنتظر حد ولا بنتظر أي حاجه في حياتي .. لكن هي .. هي فضلت أنتظرها على مدار خمس سنين .. اشوفها قبل ما تدخل الجامعه واتطمن إنها جت .. واشوفها بعد ما تخرج من الكلية عشان اتطمن إنها كويسة .. لبسها عادي جدا .. لكنه في نظري كان من أجمل ما يكون من بهجته .. ضحكتها كانت قادره تحلي يومي كله .. وشغفها للحياة وجنونها كانوا بياخدوني لدنيا تانية مفهاش غيرها .. شريكتي في كل حاجه تخص الطفولة .. كبرنا ودخلنا اعدادي وبدأنا نعمل حدود بينا .. والحدود بدأت تزيد في الثانوي ... لحد ما الحدود دي بقت حاجز كبير في الجامعه .. وأقصى حاجه ممكن ننولها من بعض هي الابتسامة اللي بنهديها لبعض وقت دخولنا الجامعه أو خروجنا منها ..
لما قررت أتقدملها وأخلي حياتنا واحده .. اكتشفت مرضي .. مفكرتش في المرض قد ما فكرت إزاي أبعدها عني عشان متتعلقش بيا أكتر من كده فتتعب لو حصلي حاجه .. وكل اللي مسيطر عليا إني واحد مستني لحظه نهاية أجله ..
نسيت كل أفكاري مع أول مره شوفتها قدامي هنا لما جت تزورني .. ورجع بيا الحنين .. وللحظة كنت هستقوى وهحارب ألف سرطان عشان أرجعلها وأكون وياها .. لكن المفاجأة اللي كانت من نصيب قلبي اتلخصت في كلمتين قالتهم ومشيت .. خلي بالك من نفسك يا ريان .. مكنش ده اللي مستنيه .. كنت عايز أسمع أنا معاك .. أنا جنبك .. أنا قوتك .. حارب عشاني .. خلينا نعدي سوا .. أي حاجه تكون فيها " إحنا ".. لكن ملقتش غير " إنت " ..
تنهد بتعب وإرهاق .. كأن الحديث نفسه بحاجة لمجهود :
- اختفت لفترة .. وبعدها رجعت تاني تقضية واجب .. وكل اللي قالته وقتها عامل إيه يا ريان وربنا يتم شفاك على خير .. مكنتش أعرف إن طعم الخذلان وحش كده .. مُر .. مُر أوي علقم ..
تنهيدة قوية تبعها بضحكة مرحة :
- بعدها طلعتيلي انتي واديتيني دفعة عشان أقوم .. أقوم عشان نفسي مش عشان أي حد .. معرفش إيه المؤثر في كلامك بس اداني دفعة أقوم وأحاول ..
نظر لها وهو يتابع بمزاح :
- ما تقومي تمشي بقا يا فوزية .. أنا اتكلمت كلام يتوزع على عشرين سنه قدام .
ضحكت له بخفة ومن ثم نظرت له بتركيز وهي تتحدث بصدق :
- خلي ديما نفسك قبل أي حد .. لإن مفيش حد هيبقيك على نفسه .. والأنانية في حب النفس بتديك ثقة وثبات وقوة تواجه .. لكن حب الغير ميجيش من وراه غير الذبذبة والضعف وقلة الحيلة .. خصوصا لو الحب ده كان من طرف واحد .
تحركت كي تخرج من الغرفة ولكنها تحدثت بعدما تخطته بخطوتين :
- على فكرة .. إسمك حلو أوي .. ابقى ابحث في معناه .. وخليك اسم على مسمى .. ومتنساش تزود عدد الشوكالاته المره الجايه .. عشان أنا باكل اتنين مش واحده .
غادرت الغرفة تاركه خلفها ذاك المبتسم في الفراغ والذي تنهد بقوة متعحبًا من قدرتها الغريبه على جعله يتحدث بهذه البساطة والأريحية معها .. كما يتعجب لقوته هو لخوض هذه الحرب مع هذا السرطان .. إنها ملاك رحمة حقًا ..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!