الفصل 13 | من 43 فصل

رواية احفاد الثعلب شريهان سماحة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم غير معروف

المشاهدات
19
كلمة
2,676
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

مع مداعبة الغيمات الداكنة لأشعة الشمس المتساقطة بوهن فوق العاصمة روما، سقطت الأمطار من فورها اتبعها انخفاض درجة الحرارة، حينها اتخذ خطاه على أحد شواطئها المطلة على البحر المتوسط، يدس راحتيه في مخابئ معطفه المحكم غلقه، يطوق عنقه بعناية وإحكام وشاح صوفي يتوارى خلفه فك وجهه السفلي ..

أنهى مطافه جليس على أحد المقاعد الصلبة والمتراصة باحكام على ممشى ذلك الشاطئ .. يتأمل بتمعن موجها المتلاطم بفعل الرياح الهوجاء .. تزامنا مع وجود رجلا أخر بجانبه على ذات المقعد يخالف جلسته بإعطاء ظهره لتلك الامواج العاتية .. يهمس مازحا بتخفي أثناء تصفحه لاحدى الصحف المحلية كتضليل للمارة من حولهما:

- نقول "بنجور" بالأيطالي ولا نصبح بالمصري ..

دون أن يعيره أي نظرة حرر كفيه مائلا للأمام يتكئ بساعديه على فخذيه هامسا بثبات :

- لسه زي ما أنت من أخر عملية حضرناها سوا يا "عبدالرحمن" ..

- واحشني يا "عمر" !

بحنين جارف همس إليه :

- أنت أكتر يا صاحبي .. قولي أمي عاملة أيه !

- متقلقش عليها هي كويسة الحمدلله والحارس مش بيتحرك من قدام باب الشقة اللي أحنا بنغيرها كل شوية زي ما أنت أمرتنا ..

سحب نفسا عميقا ثم زفرة دفعة واحدة :

- بلغها سلامي وقولها تخلي بالها من نفسها وتاخد دواها بانتظام ..

- حاضر يا "101" .. في شئ جديد حابب تعرف الادارة بيه ..

على ذات واضعيته همس بضيق:

- "راشيل" بقت خطر وهتبهدل الخطة على بعضها ..

- في أيه؟!

بزفرة ضجر راح يوضح :

- عرضت نفسها عليَّ امبارح وستر ربنا قدرت الم الموضوع زي اول مرة بس مضمنش "مرتضى" مايكشفش نيتها دي في أي وقت ولا أي حد يشوفها وهي بتعمل اللي بتعمله ده ويروح يبلغه .. لحظتها قول على خطتنا وتعب السنين يا رحمان يارحيم بعد ما صدقت اكسب ثقته ..

باهتمام وحزم :

- حاول تصدها بحرفية على قد ما تقدر بأي شكل بحيث ماتلفتش الانظار لشغلنا واحنا هنحاول نشوفلك صرفه في الموضوع ده بعد رجوعها .. لأن الحظ لعب لعبته معنا بعد ما سافرت النهاردة ..

حينها مال وجه "عمر" تجاهه باندهاش ليتأكد مما سمع، فاسرع "عبدالرحمن" ينبهه لفعلته بحذر:

- خد بالك ومتخليش الخبر يخونك ..

اعاد "عمر" وجهه للبحر مستفسرا :

- عرفت ازاي ؟!

- خرجت من القصر الفجر ومعها بنتها الصغيرة .. واحد من رجالتنا شافها وراقبها لغاية المطار ومنه لطيارة خاصة لأمريكا ..

- لمين ؟!

- بنت اللذين زي عادتها لما وصلت ضللت رجالتنا اللي كانوا مستنظرنها هناك .. ومعرفناش راحت فين ..

ثم بتنهيدة اطمئنان أضاف :

- بس على الأقل وسعت الطريق قدامك لما تحاول تخلص مهمتك بدل ما تشغلك بقرفها ده ..

همس مقتنعا :

- على رأيك ..

ثم أضاف متذكرا :

- رجعت الموتسكل لصاحبه ..

- أول ما وصلني أشارة من خاتمك جينا وراك على طول ورجعناه ليه بعد معاناة ..

ثم بنبرة هادئة يتوغلها الضحك أضاف:

- أو بعد ما شبع فينا وفيك شتيمة بالايطالي بمعنى أصح ..

بابتسامة تهكمية تمتم :

- شوفت المجنونة خلتني أسرق على أخر الزمن .. كنت بقول مهمة سهلة وهخلصها بسرعة عن المهمات اللي قبل كده .. بس البنت دي اثبتت ليا غير كده خالص ..

جاهد لكتم ضحكة كاد يتحرر صوتها:

- بصراحة يكون في عونك .. بس نيجي للحق البنت حلوة وأي حد يتمنى يتحمل جنانها ده مقابل أنها تكون جمبه على طول ..

عاد يتكئ بساعديه للامام هامسا على مضض وعينيه تصوب سهامها للموج :

- أهي عندك بعد المهمة أبقى اشبع بيها .. دي ما تتعاشر بجد .. غير ده كله أنها من نسل "مرتضى" وما ادراك ما مرتضى ..

زفر متمتما:

- على رأيك .. ربنا يحفظنا .. المهم في جديد غيره ..

- عاوزانا نسافر النهاردة البندقية بتقول هناك حفلة غنائية عاوزه تحضرها ..

- خد احتياطاتك كويس عشان أنا وأنت عرفين كويس قوي يعني أيه تجمعات زي دي واحنا هنتابعكم من بعيد لبعيد ..

- واخد من غير ما تقول .. انا اصلا مش مديها الأمان خالص خاصة بعد حالتها الغريبة النهاردة ..

- مالها !

بتنهيدة صادحة تمتم بإقتضاب:

- متاخدش في بالك .. المهم احاول اخلص موضوع سافرها ده وارجع للقصر اخلص باقي الأماكن اللي لسه ما فتشتهاش ومن ضمنها اودة المكتب ..

- ربنا يوفقك .. وتحاول تنهي المهمة دي باسرع وقت وعلى خير ..

- إن شاء الله.. اللي عندي خلص هضطر أقوم دلوقت قبل ما حد يلاحظ علاقتنا ببعض ..

-----------------------------

عقب طرقه خفيفة ولج لغرفة مكتبه تختلط دهشته مع تجاعيد وجهه قائلا بتساءل للمنكب على مهام عمله بإتقان :

- "علي" ما نقلته "رقية" لي عبر الهاتف صحيحا ؟!

استفاق يطالعه من لحظات انغماسه العملية هاتفا بثبات :

- ما الأمر ؟!

كان العجوز اتخذ حينها مقعدا أمامه وهو يجيبه باندهاش:

- لقد أخبرتني بأن "ندى" جاءت بالكثير من أغراضها وذلك من أجل حفل كتب الكتاب ومن ثم للاقامة الدائمة داخل القصر هي وزوجها .. صحيح ما تحدثت به !

زفرة هادئة أفتتح بها أجابته :

- نعم .. صحيح !

فغر فاه "شاكر" هاتفا بذهول :

- كيف فعلتها !

تحرر من جلسته متجها للنافذة القريبة موضحا وهو يدس راحتيه في بنطاله:

- "حسين" من سيمسك زمام الأمور عن كل ما يخص الجهاز الفيزيائي ..

- و "أمير" كيف اقنعته بذلك !

ثم صاح بغته عقب ما وصل لعقله :

- لا تقولها !

- نعم تلك الشركة ستكون شراكة لنا جميعا مع الحكومة .. وبالتالي "حسين" سيظل يعمل مع "أمير" وبذات الوقت يسكن هو وعائلته القاهرة ..

ثم أضاف بتنهيدة عميقة توحي بنفاذ صبره:

- وهذا ما سعيت إليه منذ البداية .. بأن يأتي "حسين" وعائلته إلى هنا مهما كلفني الأمر !

قام العجوز من جلسته محركا قدميه حتى ثبتت أمامه بعينين متسعتين :

- أفعلت ذلك من أجل أن تعطيك موافقتها "علي" !

رمقه بنظرة جانبيه ثم أردف بنبرته الخافتة وهو يعيد اهتمامه بالمشهد خارج النافذة :

- أن كانت نيتي كما تظن .. كنت أخبرتك منذ البداية لتخبرها في الحال .. لا أنتظر للأن ..

ثم استدار يطالعه بقوة تنافرت مع ثباته :

- ما فعلته فعلته فقط لاسعدها هي وتلك السيدة الحنون ..

على آثر ما تفوه به صمت العجوز لبرهة يستوعب ما قاله جيدا، ثم عقب مضي ثواني حرر ابتسامة جانبية وهو يربت على كتفه بفخر متمتما :

- تعلم .. لقد وعدتها أن رفضت سأتحدى الصعاب لتفيذ رغبتها، أنما الأن بعد ما رأيته من عينيك وحديثك فدعني أخبرك أمرا ..

منحه "علي" نظرة فضولية مما حفز العجوز للمواصلة قائلا باصرار :

- صدقني كنت سأجبرتها للمرة الثانية على الجواز منك .. فماذا سيحتاج الأهل أكثر من زوج ينضح من مقلتيه حب كهذا لابنتهم ..

وهلة ظل "علي" خلالها يطالع عينيه بقوة ثم تحرر منها مرددا بعتاب :

- طالما هذا رأيك .. لما جعلت الأمر يمر بعقد القران وفقط .. لما حكمتم جميعا علينا بالانتظار شهر أو أكثر حتى يتم الزفاف ..

تنهد العجوز وهو يوضح له مرأفا بحالته :

- بني هناك أمر نسيته تماما كعاشق .. وهو أنك تعيش في غرفة الجد ! .. أخبرني كيف ستختلي بزوجتك بين جدرانها وهي تكن إليه كل ذلك الحنين الجارف ..

بوادر الصدمة ابتلعت معالمه بنهم كأنه غاب عن مخيلته أمر كهذا حقا، مما دفع العجوز يضيف موضحا :

- لقد أردت لكما بداية رائعة ولهذا اسعى لتجهيز طابق علوي لكما وحدكما حتى لا يزعجكم أحد وبذات الوقت لا تنعزل عن تلك النسوة اللاتي هن بأمانتك ...

------------------------------

- يعنى أيه سافرت !!

صاحت بها "مرام" وهي تهوى جالسة على الفراش ينتابها هالة الصدمة التي أفقدتها النطق لوهلة وهي توزع نظراتها المغيبة في الفراغ دون تركيز .. مما دفع "أنيسة" رأفة بحالها للاقتراب متمتمة :

- متزعليش يا بنتي كلنا زيك حتى مربيتها كمان متعرفش بالخبر الا معنا .. هوني على نفسك وأهدي وأهو أعتبري حالك أكنك سبتينا وسافرتي امبارح وخلاص ..

استفاقت من غيبوبتها تروض لسانها على النطق، فأطاعها متقطعًا:

- كدا من غير ما اشوفها .. و اسلم عليها .. و أودعها ..

ثم طالعتها بعينين يترقرق منهما الدمع متمتمة:

- دا أنتي عارف أن لو خطتي نجحت النهاردة .. هتكون سافره طويلة قوي بعيد عنكم!

ثم قلعت عباءة الدهشة عقبها وهي تصيح بانفعال ممتعض :

- وبعدين من أمتى البني آدمه دي بتفتكر في بنتها .. ولا بتفتكر تاخدها معها في أي فسحه ليها .. وفسحة أيه دي اللي جاية مفاجأة من غير معاد وخاصة بعد اللي عملته امبارح !!

في ظل توالي أسئلتها واحتقانها بالغضب نكست العجوز رأسها في صمت والحزن يتوغل داخلها قبل معالمها .. مما استسلمت "مرام" لبكائها المنحدر دون رادع .. عبرات تعاقب بها النفس على أنانيتها الزائدة للهروب دون التفكير في حماية الصغيرة كما يجب من براثن تلك الشيطانة ..

--------------------------------

عقب اتمامها لفرضها استقامت من فوق سجادة الصلاة تستبعد وشاح اسدالها عن خصلات شعرها، اللاتي سقطت بعضهن بشقاوة على معالمها ما أن نالوا حريتهن .. دون اهتمامها بتهذيبهن مرة أخرى .. فما يشغل ذهنها أهم بكثير من حركتهن المتمردة .. ما يشوشر ذهنها ويتحكم بأوصالها هو اشتياق الفؤاد لغائبها الذي ظل ملتجأ لغرفة أحد الفنادق بعد قراءة فاتحتهما وتحديد عقد اقترانهما القريب !

متعجبه من فعلته حتى بات حرمانها من رؤيته أو محادثته بأنه هجرها هجرا منسيا !

ارتسم الحزن بمعالمها الشاردة في الفراغ تروض حنينها الجارف إليه بحلو لسانه العذب بلقاءتهما معا .. والأكثر ترطبه بحديث شقيقتها "ندى" الندي ..

حينها بلمسة ساخر الخفة قلبت معالمها باشراقة بهجة عقب تذكرها لفعلته المفاجأة مع زوجها والتي كادت تطير والدتها لها فرحا ..

أطلقت العنان لتنهيدة اشتياق صادحة، فحقا ودت لو رأته امامها الأن وشكرته كثيرا على ما منحه إليهم من سرور .. فأن كان يسعى لاسعادهم فصدقا خفق القلب وسينبض ما دام حيا له بالجميل والعرفان .. ولكن أين هو !!

مع ترددها لسؤالها بألم اقتحمت خلوتها بغتة شقيقتها "أميرة" وهي تردد ببهجة تجاهد لتقنصها بحرفية لأجل منح مثيلها إليها:

- عروستنا الحلوة مفيش عندها أي تحضيرات خالص لزوم كتب الكتاب ولا أيه ؟!!

تطلعت إليها بائسة تحرر صوتها بنبرة آلم :

- وهو فين العريس الأول .. أنتي مش عارفه أنه لسه قاعد في الفندق ومفيش بنا حتى مكالمة تليفون واحدة !

غمزتها بإحدى عينيها وهي تردد بشقاوة مستجدة:

- ياستي ولا تزعلى نفسك وأن كان حبيب القلب مش موجود نروحله أحنا !

تمعنت بها "هنا" بومضة أعجاب لمخطتها الفوق ممتاز والذي غاب عنها كليا، مما هتفت بعجالة :

- قصدك نروحله الشركة دلوقت .. طب يلا بينا !

قالتها وهي تهب واقفة تتجه صوب باب غرفتها في حركة مفاجئة، مما دفعت "أميرة" بأن تطلق ضحكاتها الصاخبة دون إدراك وهي تتمتم بصعوبة من بينها :

- بلبسك ده ! .. دا أنتي واقعة واقعة يعني ..

ما أن تمعنت بهيئتها عقب حديث شقيقتها حتى اكتسى الخجل معالمها والتزمت الصمت، فبادرتها "أميرة" ساخرة وهي تستعد لتركها :

- أحمدي ربنا أن الشعنونة "ندى" بتجهز في أودتها ومحضرتش الموقف ده كان زماتك بقيتي مسرحيتها لشهر قدام ..

ابتسمت "هنا" بخزي ثم راحت تلكزها في ساعدها، فقهقهت "أميرة" مسترسله:

- طب يالا يا مكسوفة هانم جهزي حالك عقبال لما أجهز أنا كمان عشان أروح معكي أكلم "علي" في موضوع شغلي وبعدها نروح نشوف الفستان اللي يناسبك واحتياجاتك ..

ثم اتبعت صائحة باشتياق مبالغ :

- دا الشارع طلع وحشني بشكل متصورهوش ..

تتبعت "هنا" مغادرتها وابتسامة حالمة تزين محياها لأجل إنفكاك حصار حزن شقيقتها، والأكثر لقرب رؤية الحبيب الغائب مما دفعها لنيل حمامها بعجالة واستعدادها كما ينبغي لمقابلته المنتظرة ...

----------------------

- هناك حجز لغرفتان مجاورتان باسم "مرام مرتضى الجهيني" ..

رددتها بمعالم ثابتة بلغتها الأيطالية وهي ترمي بنظراتها على موظف الاستقبال لأحد الفنادق المميزة بمدينة البندقية، والذي اجابها بتنمق عقب تدقيقه بشاشة جهازه الإلكتروني:

- لقد تم الحجز بالفعل ليلة أمس كما رغبتِ سيدتي .. ولكن تفاجئنا بمد مدة الأقامة لأحد النزلاء كان مقرر مغادرته اليوم .. وبناءا عليه لم نستطع توفير إلا واحدة فقط، وقد قامنا بالاتصال بك لتقديم الاعتذار واعلامك بما جدت به الأمور ..

بمعالم مستنكرة رددت ببلاهة :

- عفوا .. عد ما قلته للتو فأنا حقا لم استوعب منه شيئا !!

- سيدتي !

رغم رداء الحزن الذي التحفت به منذ ليلة أمس صاحت بضجر:

- أنا لست بسيدتك .. ولم يصلني اعتذارا مطلقا ومع هذا لا احتاجه بل كل ما أريده الأن هما غرفتان وحسب !!

- عذرا منك .. ولكن حقا جميع الغرف منشغرة وليس هناك أمامنا الأن إلا واحدة ..

كادت بوجهها المتجهم تفتح فمها لتكيل على ذلك البارد بالكلمات اللاذعة، إلا أن قبضة أحدهم على راسغها بتملك عقب سماعه لجزء من حديثهما، أجبرتها على القطع والالتفات تطالعه بذهول، اشتد لذروته عندما ابتسم بدبلوماسية لذلك الموظف وأمره باتمام اجراءات حجز الغرفة المتبقية ..

هالة من الدهشة وتقيد اللسان أصابتها من حينها حتى انتهى بهما الحال بدخولهما للغرفة ذات الفراش الأوحد يتبعهما نادل حسن الهيئة قام بترك حقيبتيهما الضئيلتان في مقدمتها ومن ثم مغادرته توَّا بعد أن أنقده "عمر" إكراميته ..

فسرت صمتها بذاك الاستسلام البغيض ربما لوقوعها أمام الأمر الواقع بعدم توافر اماكن أخرى بالمدينة لذروة موسم السياحة بها .. ولكن ما لن تسطع عليه صبرا وألزام حالتها الصامتة هو قيامه الأن بغلق بابها عليهما من الداخل، ومن ثم قام بدس مفتاحه داخل أحد جيوب ملابسه ..

زين عقلها الأمر سوءًا .. بل الكثير من السوء لشاب وفتاة في غرفة واحدة وثالثهما الشيطان، وكأنها لم تعي للامر إلا الأن !

ارتعدت فرائصها توجسا .. وخفق قلبها رعبا .. وراح لسانها يصدح بتلعثم ما أن رأته يستدير إليها بنظرة غامضة لم تعهدها به من قبل:

- لا بقولك أيه متفتكرش سكوتي عشان اتحطيت قدام الامر الواقع بأن كده خلاص بقيت فريسة سهلة قدامك .. لا أبدا .. فوق لنفسك لأنك مش عارف أنا ممكن أعمل فيك أيه ..

راقبت تقدمه المبطئ إليها رغم تحذيرها، ونظراته الغامضة تزداد قوة، فازدردت ريقها بتوجس واستكانت لأحد افكارها التي ولدت من رحم الخوف، بأن تتخذ حركة يدها القاتلية حصنٌ حصين من تعديه الغاشم، والتي ما أن شرعت برمي أولى ضرباتها تجاه وجهه الذي اقترب صاحبهُ منها، حتى بغتت بقبضة يده القوية تبطل فعل يدها في الهواء، وباليد الأخرى راح يحيط خصرها، دفعا جسدها إلى صدره عنوة من خلالها حتى التصق لصقا بإنحناءات صدره الرحب بزواره، متمعن بغموض نظراته عينيها الذعرتين ووجنتيها المتوردتين، عقبها مضى ينخفض بشفتيه عند أحد أذنها هامسا بهدوء مخيف وانفاس متهدجة :

- مش طالبه معايا جنانك دلوقت .. فياريت ماسمعش صوتك لغاية لما أقوم ..

ثم في غفلة صاح بعلو صوته بغيظٍ كظيم:

- وأنتي كمان نااااااامي !!

ثم بادرها بترك يدها وجسدها دون مبالاة والتوجه للأريكة الوحيدة بالغرفة واستغلها لمضجعه طالبا الراحة لجسده الذي عان من عناء السفر المجهد بساعاته الطويلة ..

بينما هي ظلت بمكانها ويدها الممددة بالهواء كما تركها، تجاهد لحقن ارتجاف جسدها من قوة صوته وعلامات الصدمة والأندهاش يطغيان طغيا بمعالمها .. وهلة حتى تخطتها مدركه بإحراج حديثها المعتوة الذي هتفت به أمامه من جرّاء تفكيرها الصبياني، فراحت ترخي يدها لتمسح بها على مؤخرة رأسها بإحراج وهي تستعيد صوتها لاستراد جزء من كرامتها التي تناثرت هباء منثورا :

- أحم .. طبعا هنام .. هو أنا قلت غير كده دلوقت !!

ثم استدرات عقبها تحتل طرف الفراش تتدثر تحت أغطيته جيدا، وعينيها الحالمة لم تحيد عن هيئته الناعسة التي تحتل الأريكة المتباعدة نوعا ما يشاع منهما ومضة أعجاب بدأت تزداد بداخلها منذ موقفه مع زوجة أبيها، راحت الأن تتملك من قلبها أيضا الذي على ما يبدو بدأ موسمه الربيعي بالازدهار ..

--------------------------

عقب ترجلهما من سيارة العائلة وانتظار سائقها لهما بمكانه المخصص للانتظار، التفت "أميرة" قرب وصولهما للمصعد لشقيقتها الصامتة بخطواتها المثقلة خلفها، فقالت متعجبه:

- مالك يا "هنا" فيكي حاجة ..

بعينان زائغتان بذعر أجبرتهما عنوة على الثبات والتطلع إليها، وهي تهتف بارتباك:

- لا أبدا .. أيه خلاكي تقولي كده ..

أجابتها بحيرة :

- يعني حساكي مترددة تطلعي فوق .. لو محرجة من "على" أنه يشوفك هنا صدقيني هقنعه اننا جايين لشغلي وبس وأنا اللي اصريت عليكي تيجي معايا عشان فستانك بالمرة ..

ازدردت ريقها ببط وهي تحاول أن تجمل لشقيقتها ما بها :

- أبدا يا قلبي أنا يمكن دايخة شوية ..

بنبرة هادئة حانية ربتت "أميرة" على ذراعها تحفزها للركوب وهي تراقب هبوط المصعد :

- طب يلا تعالي الاسانسير نزل ولما نطلع فوق خديلك برشامة للدوخة تريحك إن شاء الله ..

على ذكر كلمتها ارتعدت اوصالها برجفة جاهدت لمدارتها وهي تأنب ذاتها بقسوة على موافقتها للحضور سريعا إلى هنا ونسيان في أجواء حبورها لرؤيته أن مكتبه بأحد الطوابق العليا وأن عليها استقلال المصعد !!

لماذا تناست شيء خطير كهذا ! وماذا ستفعل الأن ؟!

نظرات "أميرة" المتعجبة بدأت تنقلب لشكوك، لهذا تصنعت الثبات، مرغمة قدميها على التحرك بدون خذلان، مهدئه قلبها الثائر بأن ليس هناك شيئا خطير، فقط ستصل لوجهتها كمراتها الفائتة بعد الاستعان برحمة رب العالمين ..

لهذا اتخذت خطاها المتبقية وبدأت باعتلائه مع تحركات شقيقتها لبعض الأزرر، فاحتضنهما المصعد بغلق دفتيه في فعل متوقع سقط قلبها عقبها، ازداد عند بدء عمله حين شعرت بضيق رئتيها وتحرر روحها من جسدها مما اُرغمت على اتخاذ أحد الزوايا به حصن لنوباتها المتلاحقة والتي بدأت في الازدياد كلما سحبهم معه للاعلى ..

في وسط حديث شقيقتها المتوالي قطعته عندما لاحظت ما بها، ثم اندفعت تحتضنها وهي تردد باضطراب :

- "هنا" في أيه مالك ؟!

مع استفسارها الصاخب استسلمت لحالتها بين يديها وهي تتشبث بها جيدا مع خروج صوتها المرتجف بأيات الذكر الحكيم، مما دفع "أميرة" لازاحة غطاء وجهها للخلف لأجل استنشاق الكثير من الهواء، ولكن الأمر يسوء والفتاة بعرق وجهها الغزير كادت تسقط من بين يديها كخرقة مهترئة .. جعلت الدمع يتتدفق من عينيها وهي تهتف برجاء وتوسل :

- يا "هنا" مالك متقلقنيش عليكي أرجوكي .. وأيه اللي حصلك فجأة ما أنتي كنتي كويسة ..

هتفت باجهاد لاطمئنانها :

- كويسة متخفيش بس الاسنسي..

لم تستطع مواصلة حديثها مع بوادر قيء بدأ يتحرر أحد اصواته من جوفها، بدأت معالم "أميرة" توشي بالجنون وهي تهتف بتقطع عقب استيعاب الأمر رويدا رويدا :

- الاسنسير .. الفوبيا .. مرضك .. أزاي فاتني ده .. أنا غبية .. أنا غبية .. اااالحقوني ..

ارتفع صوتها المتلاحق بالاستغاثة دون كل وهي تجاهد لحماية جسد شقيقتها من السقوط يكلل صدمتها عبراتها المنهمرة ويغلف روحها تأنيب النفس لعدم تذكر مرضها والصعود بها للأعلى ..

- الحقوني .. حد يلحقني أرجوكم البنت هضيع مني .. يا جدو "شاكر"... ياااااااااا "علي"... !!

-----------------------

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...