الفصل 16 | من 43 فصل

رواية احفاد الثعلب شريهان سماحة الفصل السادس عشر 16 - بقلم غير معروف

المشاهدات
20
كلمة
3,601
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

في لغة عشقي بك .. نون النسوة في حضرتك حروف زائدة لا محل لها من الأعراب .. فـ كوني على يقين دائما بـ حتى لو خانني عقلي يوما في هفوات غير مقصودة .. فقلبي ساكن ما بين راحتيك وعينيك ترفعينه بهمسك، وتنصبنه ببسمتك، وتضمينه بفيض مشاعرك كيفما تشائين "

لمس بإبهامه ذر ارسال لتحمل الرسالة ذيل

ثوبها وما خطه بصدق مشاعره، وتحلق في

الرحب بين تقنيات الاتصال والتكنولوجية

المتقدمة إلى وجهتها المحددة بدقة متناهية

"آنا" أو "ذاته ووجدانه" بتفسيرها الدقيق

للكلمة فمن سواها تملك عقله وفؤاده معا !

تراخى بظهره للخلف في فراشه واضعا ساعده خلف رأسه عندما طافت به ذاكرته في الماضي القريب .. مبتسما بانتشاء عند تذكر رد فعلها ما أن علمت بأنه عطر "حياة" العالق به !

ليعتلي عينيها من خلف نقابها تكدر فاق بكثير مشهد المكتب وهي ثالثهما ... حامدا ربه بأنه استطاع بسرعة يحسد عليها أن يرمي بأسبابه على أذنيها قبل أن يراها تسقط أرضا بأزمة قلبية. مقسما ما أن شعر باقتناعها لأسبابه بأنها سحبته من يده خلفها كتملك الأم لطفلها، تقتحم به دون إدراك دورة المياه النسائية وتحت أحد الصنابير داخلها بدأت عملية النقع والغسل وازالة البقع ليديه، حتى طال تعدي تنظيفها لساعديه.

وصدره .. بينما هو بلغ من الأحراج مبلغه محاولا إن ينبهها خلسه بضرورة التوقف والانتباه على نظرات النسوة المنذهلة والمعترضة على اختراقه لخصوصيتهن خلفها .. ولكن للأسف كان كمن يؤذن في مالطا ... فغيرة صغيرته جعلتها مغيبة ليست بعالمهم مطلقا ! والتي ما أن اطمأنت بأن العطر ودعه هاربا يستغيث بالرحمة، حتى تعففت بفطرة طفولية عن الحديث معه، ليليها عقابها الآخر داخل المصعد حين ادعت بشموخ أنفها الثبات من نوبة فوبياها وآلا يقترب منها بتاتا وهي قادره بأن تفعلها بدون مساعدته .

خنع للأمر رغما عنه في ظل سطوة اليد العليا لمشاعر الأنثى داخلها

وحالتها المضطربة .. مراقبا عن قرب لحظات توترها وارتباكها ما أن هبط بهما المصعد للأسفل حتى لحقتهما بانغلاق عينيها المشدد .. حينها كاد يلقى برغبتها عرض الحائط ويجذبها لأحضانه عنوة يبث إليها الأمان .. إلا أنه تفاجأ بجهادها المتلاحق عندما رفعت نبرتها قليلا بذكر الله وبعض من آياته الحكيمة .. تراخت رغبته باطمئنان مطلقا ابتسامة عذبة يحفها السعادة وهو يشاهد طفلته تحبو لتتخطى مخاوفها وتتحداها رغم بوادر القيء التي بدأت تلوح في الأفق ومع هذا ادعت الثبات للنهاية .. لا في الحقيقة ليست للنهاية بدقة

فقبل وصولهما بدقيقة واحدة تفشى خوفها ورغما عنها دخلت حيز صدره عنوة متخذته ملاذا آمنا !!

دقات قلبها التي اسمعت بداخله ورجفتها بين يديه أعلمته بأن فتاته عانت حقا حتى وصلت لثباتها هذا .. ولكنه على يقين في ظل عزيمتها تلك وقوة إيمانها بأنها ستتغلب ذات يوم وستفعلها للنهاية بأعين متسعة وبابتسامة متفشية .. فقط الصبر !

ابتسم بخفة يتذكر رد فعلها ما أن علمت بوصولهما عقبها .. هالة خجل اصابتها ثم تركته بغته كما مسكته بغتة ثم التزمت الصمت مرة أخرى طول طريقهما حتى أوصلها لباب البيت ...

رغم رغبته بالعزوف عن المبيت في الفندق تلك الليلة ومجاورة حبيبته في سكنها إلا أنه ما أن راها يتملكها الغيرة لتلك الدرجة رغم حرصها بعدم تبينها أمامه تراجع وبشدة عما إنتوى مغادرا بالسيارة خشية قيامها في الليل وارهاق روحه في حالتها تلك !!

وها هو في الصباح من داخل غرفة الفندق يُخبر في رسالة هائمة عقلها المتحجر الذي يأمل بأن يكون أهدى الأن بحبه المتيم بها دون النساء أجمعين لعل قسوته تحن في ذلك اليوم المميز لهما "يوم الاقتران" !

خرج من موج ذاكرته على رنين هاتفه، فاسرع يلتقطه متمنيا بأنها صاحبته ولكن تفاجأ باحتلال اسم "أمير" عليه .. وهلة استرقها من الوقت لضبط مشاعره المشتاقة التي تدفقت كالسيل تيمنا بأمنيته ثم فتحه يجيب بهدوء مصطنع: - مرحبا سيد "أمير" كيف حالك

أردف متحشرجا :

- بخير والحمد لله سيد "علي"، عذرا لوقت اتصالي المبكر ولكن أردت بأن أعلمك بوصولي للقاهرة الأن !

بحرج هاتفه:

- حقا هذا جيد جدا .. ولكن يؤسفني بأن أخبرك بأنني لن أذهب للشركة اليوم وسأدير أعمالي من الحاسوب وذلك لليوم وفقط بمناسبة عقد قرآني ...

تعجب "أمير" في ذاته ثم قال متلعثما : - عذرا سيد "علي" فأنا حقا لم أعلم حتى

حسين" لم يخبرني بهذا، فإن فعل كنت أجلت يوم قدومي للغد ... ابتسم "علي" متمتما :

- لا عليك ربما نسى من ضغط العمل المستجد على عاتقه وبالمناسبة أنت مدعو للحضور اليوم في مسكن العائلة دون نقاش ثم في الغد بمشيئة الله نجتمع لإتمام أعمالنا ..

بتهنيده استسلام اجابه "أمير" :- حسنا كما تحب .. ومبارك لك وأتم الله مبتغاك على خير ...

- شكرا لك .. إلى اللقاء ...

انهى الاتصال وهو يطيح بالهاتف فوق الفراش على امتداد يده، ثم تراخى بجسده مرة أخرى على وسادته يعود شاردا لما قبل المكالمة، إلا أنه تفاجأ بصوت رسالة قادمة منه، بنظرة جانبية مد يده بلا مبالاة يستجلب الهاتف لرؤية محتواها، فاعتدل جالسا ما أن شاهدها من

محبوبته بمضمون ...

ولا عقلك " ! اندهش لثوان ثم اطلق ضحكة صاخبة وهو يحرك اطرافه كاتبا لها ...

" لقد سبقت الكلمة (لو) أي ليس تأكيدا يا فتاة " !

عقب ضغط ذر ارسالها جاءته مثيلتها تخبره ..

" في لغة عشقي بك لا يوجد (لو) يا سيد الي"" انطلقت ضحكاته المتوالية للعنان وهو يشهد على جنون غيرتها المحببة لقلبه

" حسنا سيدتي لك الأمر .. ووجب علينا التنفيذ "

جيد فتى مطيع .. اتركني الأن لأتمم استعدادي للمساء"

بلمسات خفة ورؤية حالمة ... " ستكونين جميلة بالتأكيد .. أعلم هذا " طمع برسالة أخرى منها ولكنه خاب ظنه فعلى ما يبدوا بأن الخجل قيدها مرة أخرى كعادتها .. ترك الهاتف بنشوة نصر بأن الرسالة وكلماتها المقصودة حققت مراده وجلبت رضا الحبيبة أخيرا في يومهما الشرعي المنتظر على بركان عشقه ...

في ظلمة الليل ووسط المياه وموجها المترنحبهما ظل صامدا يجدف بساعده الأيمن بكل قوته وبما اكتسبه من معظم تدريبات الغوص خاصته حتى لا يجرفهم الموج تجاه السفينة ومهابتها، بينما ساعده الأيسر لم يترك أحاطت جسدها المرتعد من حيزه مطلقا، بل هي لم تترك له الفرصة لذلك بعناقها المحكم حول عنقه بكلتا ذراعيها .. يغزو أذنيه اصطكاك اسنانها بتوالي .. فمضى يتمتم جاهدا وهو يبعد فمه عن سطح الماء:

حاولي تتماسكي على قد ما تقدري شوية كمان .. ودقايق بسيطة وهنوصل الرصيف ...

تغافلت عن إجابته تتجرع ريقها ببطء وهي تحمد الله خفية بأن الهمه ذلك التفسير الطبيعي لحالتها ! واحجم عنه التفسير الحقيقي لما بداخلها !! نعم لا المياه الباردة ولا الليل الدامس المخيف في عزلتهما .. السبب ! بل تأثير قربه منها بذلك الشكل المهدم للحصون !!

فطالما كبرت وترعرعت على وصايا والدتها عن ضرورة حفظ الفتاة لنفسها، فلا عادات وتقاليد أوروبا وصيحات بيوت ازياءها ستعيد للفتاة كرامته إن تعرت أو صارت علكة في أفواه الشباب أو المحيطين بها .. وعلى العهد مضت سنوات عمرها الستة والعشرين .. لا رجل استطاع لمسها رغم سكنها في بلد أوروبي بحت إلا الآن فقط .. فالظرف فرض عليها أن تكون في احضان رجلا للمرة الأولى ولا سيما هو دونا عن الرجال أجمعين !

عقلها يرفض ما وضعت به بشدة وقلبها ثائرا يعلن عصيانه في نبضات هائمة عقب سنوات عجافه، مواجهة حامية بينهما جعلت جسدها يرتعد وأسنانها تصطك بلا توقف داخل تلك الحرب الصامتة ... على تلك الوتيرة مر الوقت حتى انتشلهم أحد الزوارق المارة بالقرب بعد أن اخبره "عمر" بأنهما ضل الطريق بالخطأ من ذلك الشاطئ المجاور ..

عقب خروجهما من الماء والوصول لموقع سيارتها عاد معا بواسطتها للفندق لأجل تغير ملابسهما المبتلة والمغادرة للعاصمة روما من فورها .. وكلا منهما يلتزم الصمت التام إلى أن دخلا حيز القصر بعدما فتح لهما حارس البوابة دفتيها .

أمام الباب الداخلي توقفت الإطارات وما زال كليهما يلتزم مقعده في ثبات تام مترقبا للأخر، عقب وهلة كسرته نبرة "مرام" الخافتة دون التطلع له: - عرفت أزاي أني هناك ؟!!

التفت مقطب الحاجبان ينظر لها لعدة ثوان حتى اجابها متمتما حاجات كتير !!

حينها نزع ثباتها والتفت تحدقه

باستغراب، فاسترسل موضحا :- البنطلون الجينز والكوتش الرياضي لسهرة ليلية مفتوحة ومتاحفيها كل شيء .. الجاكت اللي رجعتي من على باب الأودة تخديه بحرص شديد .. لما ركزت وجمعت الشكوك دي عرفت أنك هتتنقلي وتمشي كتير لمدة طويلة وأنتي معرضه لبرودة الجو .. وفي البندقية كمدينة ساحلية معروف إن السفر في البحر هو الوحيد اللي عاوز كل دول مع بعض !!

رسمت ابتسامة تهكمية على زاوية ثغرها ثم أومأت برأسها في هزات شاردة وهي تهمس باقتناع :- عندك حق ! رددتها وترجلت من مقعدها ببطء تغادر حيز السيارة بخطى واهنة مهتزة حتى اختفت من أمامه خلف باب القصر الداخلي .. تاركته مندهشا من خنوعها وتصديقها على حديثه للمرة الأولى منذ أن اجتمع الاثنان في مشهد واحد !!

دون طرق الباب تسلل الاثنان حيز الغرفة ببطء شديد يراقبان شدة تركيز صاحبتها بوجهها المتمعن في شاشة هاتفها، تارة يمتلك ملامحها التذمر والوجوم وتارة أخرى يتملك شفتيها الابتسامة العريضة ...

باقتراب المسافة بينهما صرخ الاثنان فجأة عن قصد ثم راح يخمدان ضحكاتهما المتلاحقة وهما يشاهدنها تفزع من غفلتها بصرخة مماثلة .

تخطت "هنا" هالة خوفها وهدأت دقات قلبها الثائرة بعض الشيء متمعنة بملامح المتطفلان فوجدتهما شقيقتيها "أميرة" و "ندى" بمنامتهما الصيفية وشعرهما المنساب بأريحية مثلها تماما .. فتملكها الغيظ من فعلهما لذا قبضت على الوسادة من خلفها ودفعت بها كسلاح لها وهي ترد لهما ما فعلاه بالضربات المتلاحقة ... لكثير من الوقت تملكهن روح الطفولة ونسائم البراءة حين ظل ثلاثتهم يركضون خلف بعضهن البعض يمتزج وقتهم بالضحك الصاخب والمشاكسات المرحة حتى انتهى بتهاوي اجسادهم على الفراش بأنفاس لاهثة ...

فبادرتهم "أميرة" تتمتم بنهج متقطع : - فاكرين .. لما كنا بنات مكناش بنبطل ضحك ... ولا جري ورا بعض بالشكل ده ... فجاءتهما نبرة "ندى" الضاحكة رغم نهجان صدرها مثلهما :

- أيوه فاكره و ماما كانت تيجي تقولنا البيت في رجالة بتزور جدكم غير الخدم ما ينفعش يسمعوا صوتكم .. ودايما كانت تقارنا بـ "رضوى" وهدوئها .. متعرفش أن هي كانت رابعتنا في الجنان .. بس من بعد تنبيهات أبيه "أحمد" اللي كان خاطبها في الوقت ده امتنعت وبقت عاقلة رزينة فجأة وبدون مقدمات ...

صدحت اصواتهم عاليا في نوبة ضحك جماعية لتؤكد عليهم "هنا" من بينها :

- وأنا كمان فاكره كل ده بالتفصيل سبحان الله أكنه حصل أمبارح .. مع استمرار ضحكاتهن تراخت تعبيرات "أميرة" هامسة بشرود :

- كانت من أجمل ايام حياتنا .. كانت قلوبنا لستها نضيفة مشالتش خوف أو قلق أو حزن ...

عقب حديثها تطلعت "ندى" لـ "هنا" بنظرة جانبية فهمتها الأخيرة جيدا على آثارها اندفع الاثنين معا يدغدغنها من كل جانب وهما يهتفان في صخب يعني أحنا مش مكفينك ولا أيه يا ست میرو دا حتى أحنا زي نسمة وبنشيل أي حزن من أي قلب .. ولو مقلتيش اااه الثانية دي هيبقى عيب في حقنا ولازم ننتقم فورا باستمرار ما نفعله ...

مع تفاديها المحاولاتهما من كل جانب تملكها نوبة ضحك هستيرية لم تستطع التحكم بها وهي تصرخ بعلو صوتها :

اااااه .. قولتها أهو ومكفيني والله

خلاااااااص بقى ارحموني هموت منكم يا

مفتريين .. ياااا ماما الحقيني ...

دقائق من الزمن استرقهن لترفيه عن النفس جعلتهن بنقاء السحب في كبد الصيف وبقلوب نبض شبابها بعد أن محت بعض شيب الاحزان المستعمرة في خفاياها.

ما أن هدأت نوبات المرح قليلا حتى همست "أميرة" بنبرة حانية :- مبروك يا هنون النهاردة اسعد يوم عندنا كلنا صدقيني ...

تطلعت لها بابتسامة عذبة وهي تحاوطهما بذراعيها :

- عرفه ومن غير ما تقولي الفرحة في عيونكم واضحة .. ربنا يحفظكم ليا ...

بنظرات ماكرة لـ " أميرة" أضافت "ندى" بخبث:

- معنى كده هتخلينا نشوف الفستان اللي رفضتي امبارح أننا نشوفه بزعبيب أمشير بتاعتك دي

تجرعت "هنا" ريقها ببطء تردد بخفوت وهي تفر من جانبهما لحماية خزانة الملابس ببسط ذراعيها عليها بعد أن

تملكها الخجل :

- أهو ده اللي مش هينفع أبدا .. أنا بقولكم

أهو !!!

ما أن اختتمت جملتها حتى سمعت صراخ الاثنان بالهجوم العمد عليها وعلى خزانتها لرؤية ما تخفيه عن بصيرتهما داخلها !!

صدمت عقب رؤيتها أمامها فصدحصوتها بفزع وهي تدفع قدميها تجاهها بذراعين منفرجتين: - "مرام" .. ! أنتي هنا ليه في الوقت ده ومال وشك مخطوف كده ...

ما أن ارتمت تتشبع من حضنها الأمومي حتى هتفت بخفوت :- طلعيني أودتي يا دادة الأول لو سمحتي .

از دردت ريقها وهي تردد بتوجس : حاضر يا قلب دادة .. تعالي معايا وعلى أقل من مهلك .

عقب صعودهم فوق الدرج ومرورهم بالطابق التي تقطن به غرفتها دخلا معا داخلها ثم ساعدتها "أنيسة" على التسطح ببطء فوق الفراش بعد أن هيئة الوسادة أسفل رأسها وهي تدفع كلماتها باضطراب :

- "مرام" يا بنتي أنتي شكلك تعبانة جسمك دافي زيادة عن اللزوم ...

بللت شفتاها هامسة بوهن وهي تقاوم انغلاق

جفنيها :

. متكبريش الموضوع يا دادة .. كل الحكاية محتاجة أنام شوية ولما أقوم هتلاقيني بقيت أحسن ..

يا ريت يا قلب دادتك لما تنامي وترتاحي تقومي تطمنيني عليكي أصل أنا قلقت

قوي ..

همس بخفوت شديد على آثر انغماسها

بالنوم :

- م... تخفيش ...

ربتت العجوز فوق كتفها وهي تفيض بالغطاء لعنقها، ثم اتخذت أقرب مقعدا لمراقبتها طول مدة غفوتها خشية اصابتها بمكروه عند ابتعادها عن مكان تواجدها ...

- يا نهار ألوان دا إيه الجمال ده .. ده !! قالها الاثنان في وقت واحد باندهاش لاطم معالمهما معا عقب رؤيتهما لثوب الاحتفال الخاص بشقيقتهما المتقلبة بحمرة الخجل والتي اندفعت في الحديث حانقة :

- متخلوش خيالكم يروح بيكم لبعيد زي ما حصل معاه .. لأن مش هلبسه ألا بده !! تطلع الاثنان لما تقبض عليه بتملك بين راحتيها وهي تلوح به أمام وجههما فصاحت "أميرة" تلقائيا ما أن تمعنت به :

- بدي !!

فقالت "ندي" مندهشة :

- أنتي جبتي للفستان بدي عشان تلبسيه تحته !!!

- أيوه .. أمال متخيلين أن أقدر ألبس البتاع ده من

غيره .. يبقى بتحلموا زي ما هو بيحلم بالظبط .. "أميرة"

بوجوم :

- بس ده هيكون زوجك شرعي يا "هنا" ومتاح ليه كل حاجة ...

صححي كلامك يا أميرة هو هيكون عاقد عليا حسب شريعة ربنا وبحسب عاداتنا وتقاليدنا اللي متخالفش أبدا حكم ربنا ولا سنة نبيه لسه غير متاح ليه أن يتقفل علينا باب واحد، لأن حسب الاتفاق بين الزوج وولي أمري بأن يوم الزفاف لسه عليه فترة !!

- يا حبيبتي آسفة التعبير خاني وحاضر هصحح كلامي بأن في الارتباط ده لا يجوز بتاتا معاشرة الأزواج للعاقدين وأنها فترة المصارحة المشاعر وتوطيد العلاقة النفسية بأن كل طرف يكون مصدر ألهام وراحة للتاني لإزالة همومه والتفريج عنه تهيئا لفترة الزواج اللي هتيجي بعد كده .. وعارفة أكثر أنك بأخلاقك وتربيتك عمرك ما هتتخطي حدودك .. فيبقى فيها إيه لما يشوفك بفستان زي ده خاصة أنها مناسبة عامة وحتى لو حصل فيها خلوة فتأكدي أنكم هتكونوا تحت مراقبتنا كلنا بطريقة غير مباشرة ومش بس يومها مفروض على كل لقاءتكم لغاية لما يتم زواجكم على خير وتتمتعوا بفرحتكم كاملة في معادها ووقتها بمباركتنا ورضانا بعد رضا ربنا سبحانه وتعالى ...

أطرقت "هنا" رأسها على استحياء دون أن تجيبها بعد اقتناعها بما تفوهت به شقيقتها بينما غمزت لها "ندي"

بشقاوة :

- سبيها يا "أميرة" شكلها مكسوفة إنه يشوفها كده ومتعرفش أنه بعد الجواز هيكون فيه ألعن من كده ولحظتها مش هيكون في أي اعذار ولا

هروب ...

رفعت "هنا" عينيها بجحوظ تام في وسط استرسل شقيقتيها بنوبة ضحك صاخبة، فدفعتها طريقتهما الساخرة بأن ترفع قبضتي يديها وتكيل عليهما بالضرب المبرح وهما يفران فرّ من أمامها للخارج ..

من أمام نافذة ملحقة الزجاجية وقف يراقب ما يحدث منذ الصباح، رجلا موقرا بعويناته الطبية يدخل بصحبة أحد الحراس للقصر يستغرق الكثير من الوقت داخله ثم يخرج عائدا من حيث أتى، ليستقبل الحارس بعد مرور فترة زمنية أخرى رجلا أخر مشابه لهيئة وفعل من سبقوه !!!

ثلاثة رجال حتى الآن و علامات استفهام كثيرة !

بمرور بعض الوقت في عقر حيرته وعقب استفساره الغير مباشر من هؤلاء الحراس علم بأنهم أطباء تم استجلابهم الشفاء ابنة رب عملهم والتي لا يفارقها ارتفاع درجة الحرارة مطلقا منذ نسمات الفجر !! والأن عقب رصد خروج أخر الأطباء وبصحبته "مرتضى" بمعالمه المقطبة علم بأن الأمر ليس بالهين مطلقا !

الوطن ليس أرض ! قد يكون منحه توبة من الخالق في صورة امرأة راقية ذات خلق ودين ربتت على أوجاع لا تزول، وضمدت جراح غائرة عجز عن مداوتها الحكماء، سخية العطاء بنفحة إيمان الحفت العاصي حتى ركع وسجد وتاب ! هي باتت موطنه !!

والليلة سيحدد للغرباء حدود دولته بشرعية تامة وبميثاق غليظ يحكمهما معا للأبد .. وصال أسر هو خير مرحب به ولن يكون من المنتفضين طالما سيقيده بها دونا عن نساء العالمين !

ترجل من سيارته واثق الخطى للداخل بحلة رسمية قائمة يزين اسفلها قميص قطني شاهق البياض لا وصال به بقصة عنقه الدائرية، خصلاته مهذبه بدقة كما كان عطره يفوح حوله بسخاء .. بهاء طلته كانت كجمال جدائل اشعة الشمس الذهبية حين تفترش السماء في الصباح .. وكوهج مصباحكهربائي أنار حيزه عقب ظلام حالك دمس زواياه بلا شفقة.

طالعه الكثيرون المهندمون بملابسهم المهيئة لتلك المناسبة الخاصة والمميزة بفيض نظراتهم المتمعنة لولد جلال الذي استثار فضولهم لرؤيته منذ سنوات عدة .. فسحرهم بهالته البهية وعاد إليهم أجمعين ذكرى ثعلبهم في شبابه المفعم بالقوة والحياة

عقد قرآن علي جلال البنا وابنة عمه هنا عاصم البنا "

تلك كانت اخبارية متوسطة الحجم بلغتيها العربية والانجليزية مزخرف حيزها بالورود لاستقبال المدعوين بعد ولوجهم للداخل ينقشها رسمة مشاكسة لعروس وعريسها ومأذون شرعي توسطهما ...

ما أن ابصرها بعشب عينيه النضرة ضوى محياه بابتسامة عذبة تشي عما بداخله من سعادة جامه جعلته مغيبا عن أولئك الذين يتهافتون عليه بالتهاني الحارة ما أن ابصروه في محيطهم المفعم بالبالونات المعبئة بالهيليوم وأخرى منحوتة بأسماء العروسين .

أحمد، حسين، العجوز، السيدة رقية أو الحنون كما يحب أن يلقبها دائما، رضوى، وبعض الأقارب الذي كان يجهل هويتهم قبل أن يقوم "شاكر" بتقديمهم إليه .. ولا يخلو الفراغ بين المصافحات هنا وهناك من أناشيد دينية عذبه دون إيقاع، ومن مداعبات الأطفال الراكضون حولهم بسلام يعتلي ملامحهم البريئة عدوى سعادة زاويهم ...

أجواء عائلية مشبعة بالمرح والدفء افتقدها ذلك الأجنبي بملامحه المتقلبة بعدم استيعاب بين الحضور، وبقلبه الخافق الذي ظن بأن لا حياة له بعد أن توغله قائمة الانتقام والمتربص راقصا الآن لإطلالة محبوبته لتكتمل السعادة الأبدية لديه ...

على بعد ليس بالمديد في وسط ذلك الحفل شرع "شاكر" يجذب "حسين" من رسغه في زاوية بعيدة يدنو منه هامسا وهو يتمعن النظر للضيف القادم نحوهم :- أنا مش نبهت عليك بأنك متعرفش "أمير" ولا توجه له دعوة !

تطلع "حسين" لمرمى بصيرة العجوز هاتفا باندهاش :- والله يا عمي من غير ما تنبه أصلا أنا عمري ما كنت هعملها .. لأن مشاعر صاحبي عزيزة عليا ومحبش أنه يتجرح بالشكل ده .. بحيرة تملكت منه قال ساخطا :-أمال مين بس اللي قال له ويا ترى کمان عرف مين العروسة ولا جاي على غماه !!

بحيرة مماثلة قال "حسين" :- مش عارف بصراحة .. حتى أنا محرج منه بأنه عرف من حد غيري وأنا كنت طول اليوم معاه في الشركة النهاردة ...

ردد المشيب متوجسا :

- ربنا يستر ويعدي الليلة دي على خيرا

- أطمن "أمير" عاقل وبيوزن الأمور وكمان أخلاقه ميتخافش منها أبدا

لم يكتمل همسهما حتى شاهدا الاثنان "علي" يستقبله بابتسامة هادئة ودودة توحي بأنه على علم بحضوره اليوم .. إذا ... - "علي" !!! غمغمان معا بها في ذات الوقت بذهول تام جعلهما يستسلمان للأمر الواقع ويحركا خطوتهما لاستقباله دون أن يثيران الشكوك أمام أحد أو أمام "علي" خاصةً ..

صارت تطلق سهام نظراتها لصورتها المعاكسة أمامها في المرآة بعد ارتداءها للثوب دون تغطيته وانسياب خصلات شعرها بعد تصفيفه بعناية على أحد كتفيها، كما يحاوط معالمها لمسات هادئة من المواد التجميلية، فأردفت على استحياء وهي تدمي راحتيها ببعضهما

- أنا إيه بس اللي حصلي وخلاني اسمع كلامكم

قهقهت "أميرة" وهي تبتعد عنها بعد أن أغدقت فوق شعرها بلمساتها الأخيرة بينما أطلقت "ندى" صفيرا واهن مصطنع وهي تراقب بعينيها شقيقتها بهيئتها الأخيرة كعروس :

- كلامنا أنه هو زوجك يا هنون ولازم نحن عليه شويه صغيرين .. وبعدين تعالي هنا أنتي أكيد قصده تداري العين عن جمالك بكلامك ده أقسم بالله ..

ثم اقتربت تجذب يدها وترفعها للأعلى لتدفع "هنا" للاستدارة تلقائيا حول نفسها بحمرة الخجل وهي تواصل حديثها :

- يا الله .. بقى يا بخيلة مش عاوزه الجمال الرباني ده يخرج للنور والراجل اللي متعذب بقاله سنة وشوية ما يشوفهوش ... ثم جادت على "أميرة" بغمزة من عينيها وهي تشاكسها :

- الله ينور يا وحش ...

فجاءتهما صوت "رضوى" عقب استهلالها لدخول الغرفة ورؤية العروس بحدقتيها المنبهرة :

- بسم الله ما شاء الله إيه الجمال ده كله يا "هنانا"

تراخی جفنيها خجلا وهي تمتم بخفوت :

- تسلمي لي يا "رضوى" !

عقب قرب شقيقتها الكبرى منها هتفت بحنان جارف :

- طيب يا حبيبتي المأذون وكمان "علي" وصلوا تحت دلوقت و جدو "شاكر" طلعني أشوفك جاهزة ولا لا وأنزل أبلغه ...

رغم صخب قلبها المرتعد في مرقده إلا أنها أومأت بصمت فواصلت "رضوى" حديثها لشقيقتيها الأخريات : طب يلا يا بنات خلينا نساعدها في لبس الكاب والنقاب عشان منتأخرش عليهم أكثر من كده ..

صار يراقبها كما يفعل الجميع وهي تتهادى بخطواتها المبطئة فوق الدرج كملكة ترعرعت بين أفراد أسرة حاكمة، يصاحبها العجوز رويدا رويدا في خطواتها، أخذا بيديها المغطاتان للأمام قليلا ليحثها برفق على التقدم بصحبته إلى أن أجلسها بعناية جوار والدتها التي تتخذ جانبا من استقبال الفيلا برفقة باقي النساء ليتبعهن أبنائها، مراقبين على أحر من الجمر ما سيقوم به جمع الرجال القريب منهن نوعا في ذلك الحضور المبهج ..

التوق والشوق لرؤياها امتص ما بقى من صبره عقب مشاهدته لهيئتها الخارجية التي جذبت لب حواسه از درد ريقه متمنيا لو ترك جلسته بصحبة الرجال في الجهة الأخرى وركض بخفة خطواته يلقفها من إياديهن ويعزلها عن تطفل عيونهم أجمعين خاصة بعد أن نقشت اسمها فوق عدة أوراق بحيازة "حسين" .. لحظة جنون وغيرة تملكته ودفعته لتحقيق فعله الذي أعاقه تسلل تلك الجملة العربية لأذنه من الجالس بالمنتصف بينه وبين العجوز "شاكر" بعد أن أخذ بتوقيعه مثلها وقيد كافة البيانات الخاصة به وبالعروس في دفتره الضخم ...

- أيدك يا عريس !

التفت بحركة عينيه المتقلبة ليوحي بعدم فهمه فاغدق "شاكر" بترجمتها عليه، رغم عدم معرفته بمراسم الجواز في الاسلام إلا أنه مد يده دون تباطء، فتفاجأ بمد العجوز ليده أيضا فأصبح متقابلان بإبهامهما متعانقان بما تبقى من كفيهما .. ثم وضع ذلك الرجل الذي فطن بأنه المسئول عن العقد محرمة بيضاء فوقهما وشرع يردد بتمهل جملة عربية للعجوز المردد خلفه بإتقان والتي ترجمها له الطبيب "أحمد" همسا قرب أذنه ...

لقد زوجتك موكلتي هنا عاصم علي البنا البكر الرشيد كما شرع كتاب الله وسنة نبيه وبالصداق المسمى بيننا عاجلة وأجله وفي حضور شاهدين على ذلك "

انتفض "أمير" المنصت جيدا لما يحدث ينزع بشاشة وجهها بعد أن زاره غصة مريرة بصدره منعت تنفسه لبعض الوقت مفضلا الانسحاب دون أن يشعر به أحد جاهلا عيون بعضهم التي عرفت ما الما به بديهيا "حسين" والعجوز وانضمت لهما "رقية" التي تذكرته جيدا الآن بعد دوامة حيرة عصفت بها منذ أن شاهدته "

استمع الجميع الجملة المأذون الثانية للعريس التي كان سيشرع "أحمد" بترجمتها ألا أنه تفاجأ مثل الجمع بنبرة "علي" العربية المتقطعة رغم جهوده المضنية لإخراجها وهو يكرر خلفه كلمة كلمة ببطء شديد :

" قببلت زززواااج مممو وكلتك أنا عاااصم آلي البنا اااالبكر الرشيييد كمااا شرع كتاااااب الله وسنة نبيه وبالصداااق المسمى بيننا عاجلة وآجلة وفي حضور شااااهدين على ذلك"

فصاح المأذون عقبها بنزع محرمته البيضاء وهو يصيح بعلو صوته بالدعاء للخالق أن يبارك زواجهما ويخلفه عليهما بالرفاء والبنين ... بعينين حائرتين رصد تأمين الجميع خلفه وتعبيراتهم المبهجة التي تملكت من معالمهم عقب الانتهاء ...

بابتسامة عذبه نضحت على شفتيه دون إدارك علم حينها بأن لا وعود ولا فراق بعد الأن .. علم بأنها باتت خاصته وحلاله بعد أن عقد اسمه باسمها في السموات السبع أمام رب العرش وعلى الأرض أمام الخلق كافة ..

اصبحت لا سعادة كسعادته ولا راحة كراحته جعلاه يتحلل من ثباته الجسدي والنفسي وانتصب ركضا إليها بعينين تشاع منهما ما لا يمكن ترجمته بلغات البشر يجذبها أمامهم أجمعين داخل صدره ليغمرها بقوة مشاعره الجياشة داخل عناق ملحمي يألف روحيهما للأبد، لا يأبى بمن حولهما ولن يردعه شيئا بعد الآن

لا يأبى بمن حولهما ولن يردعه شيئا بعد الآن، مقحما وجهه وانفاسه في عنقها وهو يرفعها فوق صدره ويدور بها تلقائيا في حلقة دائرية غير مفرغة هامسا لها بانتشاء نصر تحقق بعد عناء : - لقد فعلتها .. فعلتها ونطقت العربية بعد الشهادتين من أجل حبيبتي وزوجتي !!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...