تحميل رواية العار بقلم نور الشامي pdf
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كانت تقف وسط أربع جثث، تتناثر حولها كأنها دائرة مغلقة من الموت.... والهواء ثقيل يعبق برائحة الدم، وصوت أنفاسها المتقطعة يتردد في الصمت كأن المكان كله يستمع لها وعيناها متسعتان تحدقان في الوجوه الممددة بلا حراك، وكأنها ما زالت تحاول استيعاب ما حدث، أو لعلها تخشى أن تستوعب حتي قاطعها خطوات بطيئة اقتربت منها كان ظل رجل يبتلع ظلها على الأرض وصوته الخافت خرج كالنصل مرددا: شخص واحد من عندنا مقابل مليون من عندكم... ودي أول رسالة حدقت فيه دون أن تنبس بكلمة، بينما أضاف ببرود قاتل: كل يوم هتشوفي نفس المنظ...
رواية العار الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
كانت تقف وسط أربع جثث، تتناثر حولها كأنها دائرة مغلقة من الموت.... والهواء ثقيل يعبق برائحة الدم، وصوت أنفاسها المتقطعة يتردد في الصمت كأن المكان كله يستمع لها وعيناها متسعتان تحدقان في الوجوه الممددة بلا حراك، وكأنها ما زالت تحاول استيعاب ما حدث، أو لعلها تخشى أن تستوعب حتي قاطعها خطوات بطيئة اقتربت منها كان ظل رجل يبتلع ظلها على الأرض وصوته الخافت خرج كالنصل مرددا:
شخص واحد من عندنا مقابل مليون من عندكم... ودي أول رسالة
حدقت فيه دون أن تنبس بكلمة، بينما أضاف ببرود قاتل:
كل يوم هتشوفي نفس المنظر دا... لحد ما تعترفي وتجولي الصراحه... وتبطلي مسلسل الكدب بتاعك دا... هفضل اكده لحد ما اجطع نسل عيلتك كلها
صرخت عهد وهي ترتجف مردفه :
اي صراحه دي؟! عايزين تبريوا صاحبكم هو ال اعتدى عليا وضيعني وجتل كل حاجه حلوه فيا
اقترب الشاب خطوة ونظراته اشتعلت غضبا، وصوته دوى في المكان:
اخرسي... أمين عمره ما كان اكده... ولا عمره عمل اكده....امين طول عمره بيصلي ويصوم وعمره ما عمل حاجه غلط.... أمين مات بسببك! ومش جدامك وجت طويل، أنا لحد دلوجتي ال بتعامل معاكي، لكن لو جلال اتعامل... صدجيني مش هيصبر عليكي زيي. دي آخر فرصة ليكي
القي الشاب كلماته ثم استدار ومضى تاركا خلفه الصمت أثقل من أي تهديد فنظرت عهد إلى الجثث حولها، وجسدها يرتجف من الخوف والبرد والذنب... لا تدري أيهم ينهشها أكثر. وفجأة، انفتح باب البيت بعنف، وخرج منه الناس مذعورين وصراخ النساء يشق السكون والدموع تختلط بالتراب وكانت أمها أول من اندفع نحوها، وجهها غارق في الدموع، وصوتها يتهدج برجاء موجوع وقالت :
جولي ال هما عايزينه يا بنتي... حرام عليكي... احنا مش هنعرف نوجف جصادهم..دا جلال الدالي. لا انا ولا اناي ولا عيلتنا كلها هنجدر نوجف جصاده... كفايه اكده.. هيجطع نسلنا
تراجعت عهد خطوة وهي شاحبة الوجه، ثم فقدت توازنها وسقطت على الأرض، وعيناها تتسعان قبل أن يغيب عنهما الوعي وفي مكان اخر كان الليل في ضواحي المدينة كئيبا، كأنه يرقد على صدره ستار من سخام و في شارع ضيق، بين جدران بيوتٍ نائمة، وجد جسد مرميا على الأرض فركض جلال بأحذيةٍ متعبة، ينزلق على بقع دامية، يلهث كمن يريد اللحاق بقطار رحل للتو وعندما وصل، انحنى عليه متحاملا على نفسه.. كان الشاب أمين، عيناه نصف مفتوحتين، وابتسامة ضعيفة ترتجف على شفتيه فـنادى جلال بصوت مكسور:
أمين! أمين... اصحى يا راجل.. اصحي ابوس بدك.. متعملش اكده... انا اتصلت بالاسعاف.. هتيجي دلوجتي حالا
فتح امين عينيه ببطء ورفع يده بصعوبة، وجعلها تتلمس صدره ثم وجه جلال، فابتسم ابتسامة مكسورة وضئيلة وهمس أمين بصوتٍ ضعيفٍ لا يكاد يسمع:
معملتش حاجة... ملمستهاش يا جلال... والله ما لمستها
قبض جلال على كتفيه، كمن يريد أن يثبت له أنه موجود، وأن العالم لم ينتهِ بعد وردد:
انا مصدجك.. والله مصدجك وانت هتجوم وتظهر براءتك
حاول امين أن يضحك، لكن الضحكة كانت أشبه بأنين وهتف:
اظهر براءتي يا جلال.. اظهر براءتي يا اخوي ابوس يدك.. متخليش الناس تتكلم عليا بعد موتي
أمسك جلال بيد أمين بقوّة، كأنّ تلك اليد هي آخر ما تبقّى له من إنسانيته وردد:
متجولش اكده.... متجولش الكلام دا، امين... متموتش، متموتش.. ابوس يدك
شدد امين أنفاسه الأخيرة كما لو أنه يريد أن يترك وصيه قائلا:
متخليش الناس تتكلم عني... بردو اظهر براءتي... عيلتي أمانة في رجبتك و
سكت لبرهة، ثمّ تمتم:
خلِّيهم يعرفوا إني بريء
وفجاه ورمق جلال بنظرةٍ أخيرة، ثم غاب في صمتٍ طويل مع اهر انفاسه
فصرخ جلال وهو يحضنه ويتمتم باسمه وبعد الصراخ اختنق كل شيء وحل الظلام على عينيه كغطاءٍ ثقيل فجاه استفاق جلال من النوم وهو يلهث، ووجهه مطبوع عليه آثار الكابوس وحسده يتصبّب عرق من صدره المكشوف الذي يرتفع وينخفض بسرعة، وذاكرته مشحونة بصورة أمين وهي تذبل على الرصيف.... كان جلال شابا قويا عريض الكتفين، وجميل الملامح، لكن الكوابيس جعلت من جماله قسوة متعبة و صدره كان عاريا كما لو أنّه لا يقبل حواجز الليل حتي أشعل سيجارته بيدٍ ترتعش، ودخان أسود ارتفع في زاوية الغرفة وكاد يبلع إشراق القمر. وهو يجلس على طرف السرير، يحاول أن يعيد ترتيب أنفاسه حتي افتتح الباب بخفة، ودخلت أمه بخوفٍ محشو بالحنان تلمح ملامحه المشدود نادت عليه بلهجةٍ مكسورة:
تاني يا ابني؟ كل الليل اكده بتصحي مفزوع؟
ردد جلال وهو يطفئ طرف السيجارة بين أصابعه بحركةٍ عصبية وهتف :
مش هجدر ارتاح يا ماما... مش هجدر... انا مش عارف اعيش... مش عارف اتنفس حتي حاسس ان كل حاجه بتكتم علي نفسي.. حاسس اني بموت بالبطيئ
اقتربت المرأة منه ومسحت جبينه بلطف، ونظرت إلى صدره العاري الذي ما زال يتوهج من حرارة الحلم و قالت بقلق أمومي:
ليه يا جلال؟ كل ليلة نفس الكابوس؟ ممكن نروح للدكتور يا ابني اكده انت مش بتنام نهائي
ردد بعينين حمراوين من السهر والقلق، وصوته يئن بإصرار مرير:
لع يا ماما... مش هرتاح غير لما أجيب حق امين وأظهر براءته... لازم أِنتجم منها.... لازم الكل يعرف ان امين الله يرحمه معملش حاجه
خرجت الام بحزن وتركت جلال في غرفته غاضب حزين كالعاده وفي صباح يوم جديد وقفت عهد في منتصف الصالة، وجهها شاحب، ودموع الليلة الماضية لم تجف بعد. وأمامها وقف خالها محمود و عيناه تلمعان بغضب دفين، ويده تمسك بذراعها بقوة وقال بصوتٍ غليظ، يكاد ينفجر:
هتفضلي اكده لحد إمتى يا عهد؟! لحد ما العيلة كلها تموت واحد ورا التاني بسببك
صرخت وهي تحاول تفلت من قبضته:
يعني أتنازل عن شرفي؟! أطلع أجول للناس كلها إني كدبت؟! أبان جدامهم امي جليله الربايه انا معملتش حاجه غلط يا خالي... هبان جدام نفسي إي
ارتفع صوت محمود أكثر وردد :
ميهمنيش.... كله بسببك انتي! لو كنتي ماشيه عدل ما مكنش حوصل دا كله
رددت عهد وهي تبكي بعنف:
مستحيل أجول إني كدبت.... أمين عملها.. امين هو ال عمل فيا اكده.. مش هكدب.. مستحيل اعمل ال هما عايزينه مهما حوصل
نظر الخال اليها بغضب ثم اقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه الساخنة على وجهها، وقال بعينين ملتهبتين:
بت انتي... هتروحي تجولي إنك كنتي بتكبي، وتخلصي العيلة من العار ومن كل ال احنا فيه دا
هزت عهد رأسها بعنادٍ شديد، وقالت بصوتٍ متحشرج:
مش هطول... حتى لو موتوني
حينها، تغير وجه محمود فجأة و سحب السلاح من وسط معطفه وصوبه نحوها فتراجعت خطوة، وصوتها يرتجف:
خالي... إنت هتجتلني؟!
قال ببرودٍ مميت:
أرحم من العار ال جايباه لينا دا.... واهون من ان العيله كلها تموت بسببك
لم تمضي لحظة حتى دوى صوت الرصاصة في أرجاء البيت...فـارتعش الجدار، وسقطت عهد أرضا و
يتبع
الفصل الثاني من هنا
رواية العار الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
لم تلبث الدهشة أن تخيم على المكان قبل أن تنشق كالبرق فتظهر فتاة من ظلال الرواق، تجري بخطواتٍ حاسمة، وقد التفتت إليها العيون كلها كأنها تزلزلت السكون. كانت الفتاة ممسكة بسلاح لا يخشى أحدا في يديها ووجهها محمر بالغضب والخوف معا قم توقفت عند عهد الملقاه على الأرض، رفعتها بين ذراعيها كمن يلتقط زهرة مكدرة، وألقت نظرة خاطفة على جراحها ثم همست بخوفٍ مطمئنٍ:
جومِي يا عهد...جومي بالله عليكي .. إنتي حوصلك اي جومي
نهضت عهد متألمة ويد نجمة ترعفها وتتحسس جبينها وذراعها بعنايةٍ خشية أن تكون الرصاصة قد خلفت أكثر مما يبدو. ولما أمسكت عهد نفسها وحاولت الكلام، وقفت نجمة فجأة ونظرت في عيون الرجال المتجمهرين، ثم صفعت الهواء بصوتٍ يقطع القلوب مردده :
بجا انتوا رجاله انتوا... وانت يا خالب ازاي تحاول تجتل أختي
تقدم خالها محمود بخطوةٍ متهدجة وعينيه باردة كقِطعة حديد، وقال لها ببرودٍ صارخ:
أختك هي ال جابتلنا العار... أختك ال العيلة كلها هتموت بسببها... بجا دي اخت ولا ابنه ولا اي حاجه.. البنت دي طول عمرها مصيبه فوق راسنا
ارتجفت يد نجمة على السلاح، لكن صوت والدتها قاطع الموقف من خلفها التي اقتربت منها بخطى مترددة وملامحها محشوة بالخوف والحزم معا و نهضت وكأن قلبها يتقاتل بين الأمومة والذعر، وقالت لها بصوتٍ مكلمٍ بنبرةٍ لا تخلو من اللوم:
نجمة! الزمي حدودك، انتي مش جاية من بره تعلمينا الصوح من الغلط... احنا مش ناجصين كفايه جوي ال احنا فيه دا
قاطعتها نجمة بحدةٍ تقطر غضبا وحبا في آن واحد، وأخذت تقترب من محمود حتى كادت أن تلمس صدره بوجهها وهتفت :
بتجولوا كده وبتخرجوا سلاح علي بنتكم علشان شويه كلام ؟! أختي دي دمها مش لعبه! انتوا سايبين المذنبين وماسكين في الضحية! مش هسامح إن حد يهددها أو يجتلها.. مش هسمح ان حد يلمس اختي كفايه ظلم بجا اكده
ردد محمود وهو يرفع صوته محاولا أن يسترد هيبته أمام الجميع:
احنا مش بنعمل حاجة غير إننا بنحافظ على سمعة العيلة. لو معملتش ال لازم يتعمل، العيلة كلها هتهلك. دي ضريبة الشرف... عايزه الناس بتكلموا عننا اكتر من اكده اي عاد
تقدمت أم نجمة بخطواتٍ مترددة بين ابنتها واخيها وأمسكت بكتف نجمة بقوه أمومية، ونطقت بصرامةٍ مرت على كلماتها المرارة:
أختك لازم تعمل ال احنا عايزينه... ابن الدالي وابن المحمدي مش هنعرف نوجف جصادهد هما حلفوا انهم يجطعوا نسل العيله وشايفين صاحبهم مظلوم .. لازم ننفذ ال هما عابزينه علشان تنقذ العيلة.
اشتد وجه نجمة، كما لو أن فكرة السماح بذلك قد أشعلت فيها نارا لا تطفأ فصرخت فيهم بصوتٍ يجلجل، فجأة و يعلو على كل الأصوات مردفه:
مستحيل! مش هرضى أسمح إن أختي تضر نفسها علشان أي حد لو محدش يجدر يوجف جدامهم، أنا هتصرف
نظرت إليها أمها بعينينٍ حائرةٍ بين الرجاء والخوف، ثم ترددت لحظة قبل أن تتركها، وكأنها تعرف أن هذه الابنة لن تغير قرارها بسهولة اما نجمة فمسكت السلاح أكثر والتفتت إلى عهد بنظرةٍ مليئةٍ بالعهد والوعد:
جومي يا عهد. أنا معاكي ومهما كان، مفيش حد هيلمسك
لم تنتظر نجمه إجابة، واخذت خطواتٍ حاسمة نحو باب الدار وبعد فتره خرج جلال من البيت على عجلةٍ وقلبه مشحون بعاصفةٍ من كوابيسٍ وغضب ةقاد سيارته في شارع ضيق والنار تشتعل في صدره؛ لم يكن يعلم أن خطوة تلو الأخرى ستقوده إلى مواجهةٍ لم يتوقعها. لم تكن نجمة قد ترددت طويل عندما رأت السيارة تبتعد فاندفعت وراءها و خطواتها سريعة وقلبها رافض أن تترك أختها تهان وهي تلاحقه بسيارتها وجلال يحاول الابتعاد، ونجمة تضيق الخناق وتتخطى السيارات، لا تبالِي بالخطر. كانا يلعبان لعبة خطيرة حيث الطريق وحده من يقرر المصير وفجأة، وعلى منحنىٍ ضيق، ضغطت نجمة بكل ما أوتيت من قوة على المقود و اصطدمت بسيارة جلال بقوةٍ هزت المكان فـ توقف الصوت للحظة، ثم ارتفع هدير المحرك، وفتحت الأبواب بسرعةٍ ونزل جلال مهاجا من السيارة، ورؤية نجمة أمامه بدت كصدمةٍ تطن في صدره. كانت هي أيضا واثقة ولكن بوجها علامات الانفعال المفاجأة، والغضب، والارتباك حيث نظرت نجمة إليه بذهول فردظ جلال بحده:
إنتي إزاي تعملي اكده في العربية دي؟! مش هتبطلي جنان؟
اقتربت نجمة أكثر، حتى أصبح وجهاهما قريبين، ونبرتها احتقنت بالأسئلة:
إنت كنت خارج من بيت جلال الدالي؟ ازاي؟
نظر إليها جلال كما لو أن كلماتها أطلقت شررا في داخله، ثم نطق:
علشان أنا اصلا جلال الدالي.
تراجعت نجمة خطوة وعيناها تفتحان على اتساع و أصابها بالذهول، ثم همست بمرارةٍ لا تخفيها:
إزاي؟! أنت جاسر... إنت كنت معيد عندي في الجامعة في القاهرة، إنت جاسر مش جلال
ابتسم جلال ابتسامة لم تزلها الشفقة، وأجاب بهدوءٍ قاتل:
لع، أنا مش جاسر. أنا جلال... وكنت في الجامعة علشان... إنتي كنتي هناك، واكيد اكده عرفتي السبب
ارتجفت شفتا نجمة، وانفجر صدقها المختلط بالألم وهتفا :
أي سبب؟! إني أخت عهد؟ بتضحك عليا... انت كنت بتضحك عليا
سكن الجو للحظة، ثم امتلأت عيناهما بمزيج من الذكريات والمشاعر المعقدة. وشعرت بجرح قديم يعاودها، وبأن في قلبها خيوطا من شعور لم تفهمه، لكنها لم تسمح للحيرة أن تنتصر و في لحظةٍ قررت أن تنهي كل التوههمات وأشهرت مسدسها صوب رأسه و يدها لا ترتجف إلا لنبضةٍ في صدرها فضحك جلال بسخريةٍ قاتلة :
يا ألف أهلا وسهلا... عايزة تجتليني؟ اجتليني! مش فارق معايا خالص. حتى أمين واحشني جوي وانا اصلا عايز اروحله
لمع بريق من الألم في عينيها، ولكنها قبضت على دموعها ومنعتهما من السقوط وقالت بحدةٍ مقطوعة:
آه! أمين الحبوان..المجرم.. ال ربنا لا يسامحه ابدا
احمر وجه جلال ، وارتفعت عروقه، ثم طوى غلاف الصبر في ثواني وأخرج مسدسه هو الآخر ووجهه نحو رأسها ملوحا:
والله أجتلك من غير ما يرفلي جفن. إنتي عارفاني كويس جوي ال بجوله بنفذه
نظرت إليه نجمة بعينين تغليان غضبا وكرامة، وردت بنبرةٍ باردةٍ قاطعة:
للأسف.. أنا معرفكش خالص. إنت واحد حقير وغدار، زي صاحبك بالظبط. واسمع مني كويس أنا جايه أحذرك ابعد عن أختي وأهلي.
ابتسم هو ابتسامة مرعبة ثم اقترب بخطواتٍ هجوميةٍ وهتف بصوت يشبه فحيح الافاعي :
لو أختك منفذتش ال جولته والله ما هسيب حد في عيلتكم عايش. دا آخر تحذير
القي جلال كلماته ثم تقدم نحو سيارته وفتح الباب و التفت إلى نجمة و مسدسه يلمع في يده للحظة قبل أن يطلق طلقة نحو إطار سيارتها الذي اصبح متساوي بالارض وقال بصوتٍ جافٍ كصقيع:
دا عقاب إنك أخرتيني على شغلي. واوعي تعترضي طريجي تاني، بدل ما الرصاصة التانية تبجى في نص جلبك يا طالبتي المجتهده
ركب جلال سيارته بسرعةٍ واندفع في شارع عريض، يبتعد وترك وراءه نجمة واقفة وجهها محمرّ من البكاء والغضب، ويدها ترتعش على السلاح وصرخت بحنجرةٍ ممزقةٍ بين الألم والعزم:
مش هسيبه! مش هسيبه ولا هسكت.. جسما بالله لـ هجتلك يا جلال
وفي المساء كانت نجمة تجلس في غرفتها، عيناها متورمتان من البكاء، والدموع ما زالت تبلل خديها. تشابكت أصابعها في حجرها، وارتجفت أنفاسها وهي تتذكر...
(فلاش باك)
كانت في مكتبة الجامعة، تجلس خلف أحد الرفوف تقرأ في هدوء، حين اقترب منها جاسر او جلال باسمه الحقيقي وابتسم ابتسامة دافئة وهو يقول:
إنتي دايما بتستخبي هنا... كل شويه الاقيكي موجوده في المكتبه
رفعت رأسها بارتباك، وصوتها يتهدج قليلا:
لع انا بس بحب الهدوء... الكتب بتخليني أنسى كل حاجه وحشه بتوحصلي
جلس جلال قبالتها دون دعوة، وأسند ذقنه على يده ناظرا إليها بعينين تلمعان بالاهتمام:
اي ال بيحصلك يا نجمه... انتي قوليلي اي الوحش وانا احله علطول.. ميهونش عليا طالبتي المجتهده تبقي مضايقه وانا موجود
احمر وجهها، وخفضت نظرها إلى الكتاب، تخفي ارتجاف ابتسامتها الخجولة. كان كل تصرف منه، كل نظرة، كل كلمة... كأنها وعد خفي بشيء يشبه الحب وفي تلك اللحظة فقط، شعرت نجمة أن قلبها وجد من يسمعه و
فلاش بااك
انهمرت دموعها مجدددا، وضربت صدرها بيدها وهي تهمس بمرارة:
غبية... انا كنت غبية إزاي أصدج انه ممكن يوحصل بينا حاجه ؟ إزاي أحبك؟! كله كان تمثيل وخطة منك.. اهه طلع بيلعب بيا وانا زي الهبله
وفجأة، دوى صوت صراخ من الخارج كان صوت عهد. فـ انتفضت نجمة ومسحت دموعها بسرعة، وفتحت الباب لتجد أمها تمسك بيد عهد بقوة فقالت بخوف:
في إي يا حجه.. مالك اي ال حوصل
أجابتها الأم بعينين دامعتين وصوتٍ حاسم:
علشان نوجف الدم يا نجمة... أختك لازم تتجوز... العريس والمأذون تحت
شهقت نجمة، بينما حاولت عهد التملص وهي تصرخ:
أنا مش هتجوز.... مش هتجوز
لكن الأم سحبتها بعنف وهي تهمس بجنون:
دلوجتي... حالا حولت العريس تحت يلا
نزلن الدرج وسط توتر يخنق الأنفاس، حتى توقفت عهد فجأة عند أسفل السلم .وتجمدت نظراتها، وصرخت بصوتٍ يرتجف:
مستحيل... مستحيل أتجوزه!"
نظرت نجمة إلى الأم، ثم إلى العريس لتصعق حين رأت جلال يقف هناك بثباتٍ مريب، يبتسم لها ابتسامة انتصار باردة. فقالت عهد وهي تتراجع للخلف:
إزاي دا يوحصل.. مستخيل اتجوزه مهما حوصل و
لم تنهي عهد كلماتها حتي رفعت الأم سلاحا بيدٍ مرتجفة، وصاحت والدموع تخنقها:
يا تتجوزيه .. يا هجتل نفسي دلوجتي حالا
ساد الصمت... وارتجف الجميع، وحدقت عهد في وجه أمها ثم نظرت إلى جلال، قبل أن تهوي على الأرض منهارة وتهمس بصوتٍ مكسور:
موافجه... خلاص موافجه يا ماما
التفت جلال نحو نجمة ونظراته تخترقها بثقة المنتصر، بينما كانت هي واقفة متصلبة، عيناها مشتعلة بالغضب والانكسار وامتزجت دموعها وفجاه و
الفصل الثالث من هنا
رواية العار الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
انطلقت صرخة نجمة كالسهم تخترق جدار الصمت وهي تهجم نحو أختها عهد، تسحبها من ذراعها بقوة وكأنها تنتزعها من فم مصير أسود، وهتفت بصوت ممزق:
مستحيل! مستحيل أسيبك تتجوزيه! دا جلال… دا موت مش جواز.. الموت هيبجي ارحم من جوازك بيه
توقفت الأعين كلها عند الطفلة التي حاولت أن تتمسك بظل الحياة، بينما ارتسمت على شفتي جلال ابتسامة باردة، كابتسامة من اعتاد أن يرى الدم ولا يرف له جفن. وتقدم خطوة وقال بنبرة أثارت قشعريرة في المكان:
ليه؟ مش عايزين توجفوا الدم؟ ولا… تكوني إنتي الغيرانة يا نجمة.. غيرانه اني هتجوز اختك ومش هتجوزك
ارتجفت كتفاها، واتسعت عيناها بذهول غضب، قبل أن تجيب بحدة يختلط فيها الخوف :
انت بتجول إي؟ انا هغير ليه ان شاء الله
ثم التفتت نحو خالها محمود.. تمسك بجلبابه كمن يستغيث بآخر خيط نجاة، وقالت بصوت يغالب رجفته:
يا خالي… بالله عليك بلاش.. جوازها منه هيدمر حياتها، هيموت روحها وهي لسه بتتنفس....دا شيطان
لكن الخال هز كتفيه ببرود، وصوته أعمى لا يسمع غير لغة الثأر:
حياتها ولا موتها… المهم الدم يوجف
وجاء صوت الأم ليدق آخر باب للأمل، لكنه كان بابا من حديد:
كفاية كلام! احنا مش ناجصين فضيحة أكتر من اكده. جوازها هو ال هيستر العيلة... اكتب يا شيخنا
انحنى المأذون يمد يده بالأوراق، يستعد لكتابة مصير لا رجعة فيه، وقبل أن ينطق الشيخ مرددا :
موافج يا ابني
رفع جلال كفه منزعججا وقال بصوت واضح صادم:
لع مش موافج
حبس الجمع أنفاسه، وتساءلت العيون قبل الأفواه، بينما أكمل ببرود لا يحتمل:
أنا هتجوز واحدة تانية
سقطت الكلمات كالفأس على رقاب الجميع، وانشقت الأبواب عن شاب يدخل بخطوات ثابتة. كان صديق جلال، يحمل اسما يليق بعتمته رائد الحنفي و في يده ظرف أسود، وضعه أمام خال نجمة ببطء يثير الارتياب ففتح محمود الظرف… وتشققت ملامحه حين رأى الصور كان يوجد بها نجمة وجلال… يضحكان، تتقارب الأعين و تشتعل ابتسامة لا تخطئ معناها فتراجع الخال خطوة، وصوت رائد يخترق الهواء مرددا:
متعرفوش إنها كانت بتحبه؟ بنتكم نجمه كانت بتحب جلال في الجامعه
انقضت أم نجمة عليها، وصفعتها صفعة سمعت لها جدران الدار وهتفت:
ياا جليلة العقل والربايه... فضحتينا
وقبل أن تستطيع نجمة الدفاع عن نفسها، كان خالها قد أشهر سلاحه وصوبه نحو رأسها ويده ثابتة كأنها اعتادت الحكم بالموت مردفا :
يا تتجوزي جلال، يا ينتهي اسمكم من الدنيا
لكن جلال رفع يده وأوقف السلاح قبل أن يجيء الرصاص، وقال بهدوء يمزق:
انا هتجوز نجمة.. واعتقد هي هتوافج صوح يا نجمه
صرخت نجمة، والسواد يحتشد خلف عينيها:
مستحيل
لم يمهلها الخال كلمة أخرى حتي جذبها من شعرها بعنف أرعن، ودفعها أرضا أمام المأذون قائلا :
توافجي… ولا أجتاك إنتي وأختك دلوجتي
رفعت نجمة عينيها نحو جلال… لم تري انتصارا بل رأته، شبح رجل أحبته يوما فخانت روحها ذاكرتها وانكسرت نظرتها، وانطفأت النار للحظة، ثم همست بصوت ميت:
موافجه
وتحرك القلم… لا ليكتب زواجا بل ليحفر قبرا جديدا داخل قلبها.
وفي المساء كان الليل ثقيلا فوق المقابر، والضباب يزحف بين الشواهد كأن أرواحاً تائهة تعبر الطريق نحو عالم آخر. حيث وقف جلال أمام قبر أمين، عيناه ثابتتان لا ترمش، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ محملة بالغضب والحنين حتي مرر أصابعه على الحجارة الباردة وهمس بصوت بالكاد يسمع:
انت واحشتني جوي يا امين... ياريتك كنت معايا دلوجتي و
وفجاه خطوات سريعة قطعت الصمت من خلفه، وقبل أن يلتفت جلال، كان رائد يقف أمامه… لم يكد ينطق حتى انطلقت قبضته لتستقر على وجه جلال بضربة عنيفة أربكت توازنه فصرخ رائد بصوت متحشرج بالغضب:
انت اتجننت؟! دا مكنش اتفاجنا! الانتجام مش لعب عيال إزاي تتجوزها
مسح جلال الدم عن شفته وحدق فيه بعينين مشتعلتين:
علشان انتجم من أختها… كان لازم أتجوزها
اقترب رائد منه أكثر وصوته يرتفع:
لع انت بتضحك على نفسك... انت بتحبها يا جلال
تشنج فك جلال، ولم يمهل صاحبه لحظة حتى رفع يده وردد له الضربة مردفا:
أنا مستحيل أحب أخت عهد! مستحيل
صرخ رائد، وكأن الكلمات كانت تحترق داخله:
اللحظه ال هتحبها فيها… هتنسى فيها بتار أمين
ساد صمت ثقيل. تقدم جلال نحوه بخطواتٍ بطيئة كمن يقترب من جرح مفتوح وقال بصوت منخفض لكنه قاطع:
دا مستحيل يوحصل… أمين كان أخويا. هثبت براءته جدام الكل… وهآخد بتاره. مستحيل أسمح بغير اكده
هز رائد رأسه، بعينين يملؤهما الألم لا الغضب وقال:
افتكر كلامي… لو دا حوصل، انت هتخسرني أنا كمان
تجمد جلال في مكانه وضربات قلبه تتسارع وقال بذهول موجوع:
اوعي… اوعي تجول الكلمة دي تاني. انت صاحبي… وأخوي ومستحيل أسمح إن أي حاجة تبعدنا عن بعض
لم يستطع رائد الرد وخطوة واحدة كانت كافية ليقترب ويطوق جلال بذراعيه وهمس وصوته يتكسر:
أمين واحشني… واحشني جوي يا جلال
أغمض جلال عينيه ودفن وجهه في كتف صديقه والوجع يعتصره:
واحشني أنا كمان… ومش هرتاح غير لما آخد حقه
وظلا واقفين هناك، بين ظلال القبور، رجلين يلتقيان على الحزن قبل الانتقام… وبين صدريهما، اسم واحد لا ينسى:
أمين.
وبعد فتره من الوقت كان الليل ما يزال ينسدل على أرجاء البيت ككفن صامت، بينما اجتمعت في غرفة جلال عاصفة من غضب لم يعرف لها أحد سبيلا للتهدئة. كانت نجمة تقف في منتصف الغرفة، شعرها مبعثر، وعيناها مشتعلة كجمر داست عليه العواصف ويداها ترتجفان وهي تنتزع كل ما تقع عليه عيناها.. مزهرية ترتطم بالأرض، مرآة تنشق كقلبها، وصوت صراخها يشق الجدران مردده :
خرجوني من اهنيه.. ابعدوا عني
ركض الخدم نحوها يحاولون الإمساك بيديها ومنعها من تدمير المزيد، تتعثر خطواتهم بين الزجاج المتناثر وصوتها الذي يضرب صدورهم كرعد لا يهدأ قائله :
سيبوني.... سيبوني انا مش عايزة حاجه منكم
وفجأة… انفتح الباب ودخل جلال بخطوات هادئة كأن ما يحدث مجرد فوضى صغيرة لا تستحق أن يرفع من أجلها صوته وألقى نظرة واحدة على الغرفة، ثم قال ببرود :
اطلعوا برا
خرج الجميع في لحظة وبقيت نجمة وحدها في مواجهته نظر إلى الزجاج المتناثر وقال بسخرية هادئة:
ارتاحتي؟ لما كسرتي كل حاجه؟
اندفعت نحوه و أمسكت بثيابه بكل ما بقي فيها من قوة، وصوتها يهتز:
ليه اكده ؟! انت شيطان مش كفايه ال عملته فيا؟
لم تزل الابتسامة الباردة عن شفتيه وهو يجيب:
لسه معملتش حاجه… لو أختك مراحتش واثبتت براءة أمين… أنا لسه هعمل
شهقت، كأن الهواء انقطع من صدرها وهتفا :
مستحيل! مستحيل يوحصل! وانت هتطلجني… مش هسمحلك تسيطر عليا
وفي لحظة خاطفة… سحبها نحوه حتى كادت تسمع دقات قلبه المتوحش، وقال وهو يحدق في عينيها:
زعلانة اكده ليه؟ مش دا كان حلمك انك تتجوزيني؟
حاولت أن تدفعه بعيدا لكن قبضته كانت كالقيد:
مش انت... مش انت ال كنت بحلم بيه! انت واحد تاني… واحد معرفوش انت شيطان… ومستحيل أكمل معاك مهما حوصل
تركها فجأة كأن وجودها بين يديه لم يكن سوى عبءٍ عابر، وقال ببرود يغتال إرادتها:
مش انتي ال تحددي. أنا ال أجول. ومن دلوجتي… انتي ملكيش أي رائي. واختك… هتعمل ال أنا عايزه
صرخت، ودموعها تحرق وجنتيها:
اختي مظلومة
ابتسم ابتسامة كسكينٍ انغرس في جرحها، وردد بنبرة مميتة السخرية:
أختك… أكبر ظالمة شوفتها في حياتي
ثم استدار وخرج يغلق الباب خلفه ببطء… تاركا إياها تتنفس كأنها تغرق في هواءالغرفة وبعد منتصف الليل كانت عهد تسير في ممر البناية بخطوات حذرة، تلفت رأسها بين الحين والآخر، تلتقط أنفاسها بصعوبة، وكأن الهواء نفسه قد صار شاهدا على ما تقدم عليه فوقفت أمام باب شقة في الطابق العلوي ومدت يدها ترتجف على المقبض وترددت لحظة و الخوف عالق في أطرافها، لكن نظرة حاسمة عبرت عينيها، فدفعت الباب ببطء، حتى انفتح بصوت خافت يشبه تنهيدة نجاة ودخلت وهي تتفقد المكان بعينين مضطربتين والهدوء يخيم على الشقة كأن الزمن قد أوقف نبضه داخلها فـ اغلقت الباب خلفها واستدارت وخطت خطوة… ثم ثانية… حتى رأته.
كان يقف في عمق الغرفة، نصف ملامحه غارق في الظلال، لكن ملامحه تلك لم تخدع قلبها يوما. لم تنتظر منه كلمة، لم تنتظر تفسيرا..فـ هرولت نحوه كمن وجد روحه بعد غياب طويل، وألقت بنفسها بين ذراعيه.
وارتجف كتفه حين أحاطها بذراعيه، واختلطت أنفاسهما في صمت حارق. وأغمضت عهد عينيها، وقالت بصوت مكسور لكنه مفعم بالحنين:
واحشتني… واحشتني جوي ياأمين و
الفصل الرابع من هنا
رواية العار الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ابتسامة حملت كل الغياب وكل الحنين وهو يهمس:
واحشتيني… واحشتيني جوي يا عهد.
لم تحتمل تهدمت قوتها كلها دفعة واحدة وخرج صوتها مرتجفا يختلط بالبكاء وهتفت :
سامحني… سامحني يا أمين… أنا السبب… أنا الغلطانه… أنا السبب في كل ال ح صل… انت واحشتني جزي والله
ضمها أكثر، وصوته ينساب فوق جرحها كما ينساب البلسم فوق حريقٍ قديم وهتف:
بلاش تعيطي اكده... إنتي عارفه إني عمري ما أستحمل دموعك دي نهائي
رفعت وجهها نحوه وعيناها حمراوان وهتفت بوجع خافت:
أنا ظلمتك… وخدعتك… عملت فيك حاجات كتيره جوي مش حلوه
أغلق عينيه لحظة، كأن الكلمات تخترق صدره، ثم قال بنبرة هادئة لا تشبه حجم الطوفان داخله:
حتى لو موتيني… هموت وأنا بحبك… ومسامحك.. انا موافج باي حاجه تيجي منك
شهقت عهد، وكأن قلبها انفتح على فراغ مخيف وهتفت :
إنت… لسه بتحبني؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة تُخفي شيئا أعمق من الحنين بكثير وردد:
عمري ما بطلت احبك ياعهد
ومع ذلك… تحركت يداه وهو يبعدها عنه قليلًا، وكأن لمحته منقوصة وكأن هناك ظلًا لا يجب أن يراه أحد قائلا'
امشي دلوجتي يا عهد… لو حد شافك هتكون مصيبة.
هزت رأسها بإصرار، وقالت بصوت باكي لكنه قوي:
هجيلك تاني… لازم نتكلم… لازم أعرف كل حاجه واحكيلك كل حاجه حوصلت
لم يجبها. فقط تابعها بعينين ثابتتين حتى خرجت من باب الشقة وأغلقته خلفها بصمت يشبه السقوط وما إن انقطع صدى خطواتها عن الممر…حتى انفتح باب الغرفة المجاورة ببطء وظهر جلال أولا… ثم رائد خلفه فـ التفت أمين إليهما، وملامحه تتبدل كقناع سقط فجأة. لم تبقي أي رقة، أي حنين، أي دفء.
اختفت الابتسامة… وظهر الرجل الحقيقي وهو يتنفس بحدة، ثم سحب زجاجة ماء من على الطاولة وبدأ يغسل يديه بعنف كأنه يزيل شيئا نجسا التصق بجلده، ثم نزع قميصه الملتصق بدموع عهد وألقاه أرضا، والتقزز يعلو صوته:
قرفان منها… بجد مش هجدر أستحملها كتير.
اقترب جلال بخطوات ثابتة، وقال بنبرة قاتلة الهدوء:
هانت يا أحمد… الحمد لله إنها معرفتكش. ولا كانت تعرف إن أمين كان ليه أخ توأم.
رمى أحمد القميص الجديد فوق كتفيه وارتدى ببطء، وهو يضحك ضحكة قصيرة جافة:
هي فاكرة… إن أمين الحقيقي كان ممكن يسامحها؟ على كل ال عملته فيه... دي طول عمرها بتستغله… وبتستغل حبه ليها.
تقدم رائد نحوهما، يضع يده على كتف أحمد كأنه يذكره بالاتفاق:
هانت… بس لازم تصبر.
رفع أحمد عينيه نحوهما بضيق والتزم الصمت وفي صباح يوم جديد عند نجكه كانت خطواتها بطيئة، متثاقلة، وكأن الليل الذي قضته في العذاب ما زال ملتصقا بعظامها فتجولت في الردهة بعينين منهكتين، تبحث عن أي وجه مألوف، أي صوت يطمئنها… لكن البيت بدا كبيوت الأشباح واسع، هادئ، ومريب.
حتي دخلت المطبخ وهي تمسك حافة الباب لتستند عليها، فوجدت فتاة صغيرة ربما في أوائل العشرينات ترتب الأكواب. ورفعت الفتاة رأسها بسرعة، وقالت باحترام:
أعملك إيه يا ست هانم؟
تجولت عينا نجمة في المكان، كأنها تتأكد أنها ليست في حلم:
هو… مفيش حد غيرك اهنيه؟
ابتسمت الشغالة ابتسامة صغيرة:
لع طبعا… فيه الشغالين، بسهما برع بيعملوا حاجات تانيه. وفيه كمان الست الكبيرة… أم جلال بيه.
تجمدت نجمة والكلمة سقطت من فم الشغالة كأنها حجر ثقيل صُدم بباب عقلها.
أم… جلال؟
الشغاله:
أيوه يا ست هانم
همست نجمة، صوتها بالكاد يسمع:
بس… ال أنا أعرفه إنها ماتت من زمان.
هزت الشغالة كتفيها وهتفت:
ما هي مش أمه الحقيقية… دي أم أمين بيه. الله يرحمه.
تراجعت نجمة خطوة للخلف. قلبها انقبض فجأة، وكأن كل ما مر عليها بالأمس لم يكن كافيا حتي .تتذكر… أم أمين وقبل أن تلتقط أنفاسها، أكملت الشغالة:
وكمان مرت جلال بيه اهنيه
تسمرت نجمة في مكانها وهتفت:
نعم... مرته… مرته مين عاد
الشغاله؛
جنات هانم.
ارتسمت الدهشه علي وجه نجمه وكأن الأرض تحركت تحت قدميها وابتلعت ريقها بصعوبة وسألت:
طيب… جلال فين دلوجتي؟
الشغاله:
راح المصنع من بدري.
نظرت نجمه بتوتر ورددت:
وجنات… فين أوضتها؟
أشارت الشغالة إلى آخر الممر:
هناك… آخر باب على الشمال.
بدأت نجمة تسير نحو الباب، كتفاها مشدودان، خطواتها متوترة، وكل خطوة تشبه اقترابها من فخ مجهول ووقفت أمام الباب، رفعت يدها، وطرقت لحظة… لحظتين…ثم فتح الباب.لكنها لم تجد امرأة…ولا فتاة في أواخر العشرينات…ولا زوجة مهذبة كما توقعت.... بل وجدت بنت صغيرة… لا يتجاوز عمرها ستة عشر عاما.... وجه طفلة… وعينان واسعتان تنظران إليها باستغراب فـ تلعثمت نجمة ورددت :
لو… لو سمحتي… فين جنات؟
رفعت الفتاة حاجبا وقالت ببساطة:
أنا جنات.
تجمد دم نجمة. شعرت ببرودة مفاجئة تجتاح أطرافها، وكأن البيت كله انكمش حولها وقبل أن تستوعب ما سمعته، وقبل أن تنطق بأي كلمة ظهر جلال فجأة من خلفها وأمسك بذراعها بقوة، وسحبها للداخل، وأغلق باب غرفة جنات بقوة حتى ارتج المكان، ثم دفع الباب بمفتاحه حتى لا يفتح ثم التفت إليها بوجه معتم، وصوته منخفض لكنه حاد:
تعالي.
سحبها دون أن يعطيها فرصة للتفكير.ودخل بها إلى غرفتها…كأن لحظة المواجهة التي تهرب منها منذ الأمس فـ أصبحت الآن…
محاصرة بها من كل اتجاه وفي اللحظة التي أغلق فيها جلال الباب خلفه، اندفعت نجمة إلى منتصف الغرفة كأن الهواء يضيق عليها و نزعت يدها من قبضته بعصبية حادة، كأن لمسته صارت نارا تحرق جلدها واستدارت إليه، وصوتها يخرج صرخة مشحونة بكل القهر المتراكم:
هو إي ال بيوحصل دا؟! إنت إزاي… إزاي تتجوز؟! وتتجوز طفلة! دي لسه ماكملتش 16 سنه
لم يتحرك و لم ترتجف ملامحه. فقط عطل غضبها ببرودة قاتلة وهو يقول:
وانتي مالكو.. أنا حر في اختياراتي.
شهقت نجمة، والتوتر يتسلق صدرها حتى وصل لحنجرتها. وتقدمت نحوه تضربه بكفيها على صدره بعنف، بعنف امرأة تهرب من انهيارها مردفه:
ليه؟! ليه تعمل فيا اكده؟! حرام عليك… حرام عليك يا جلال انا عملتلك اي لكل دا
بدأت تتفكك و تهتز كتفاها، وانفلتت منها دموع محروقة. للحظة واحدة… فقط لحظة… بدا وكأن ملامحه تلين، كأن فيها ظلا من إنسان كان يوما قادرا أن يشعر لكنه أخفى كل ذلك خلف حجارة صوته وقال:
اتقبلي الواقع...وخليكي عاقلة…خلي أختك تروح تعترف بـ ال عملته… وأنا هسيبك وجتها
رفعت رأسها فجأة زالدموع تحفر خطوطا على خديها:
أختي مظلومة... مش هدمر حياتها علشانك
غضب جلال وانفجر دفعة واحدة. جذبها إليه بعنف لم تحسب له حسابا زصوته يعلو، يهز الجدران:
فوجي بجااا... وبطلي الغباء ال انتي فيه دا.. أختك شيطانة… انتي بس ال مش عايزة تشوفي
تجمدت نجمه بين يديه، كأن الكلمات كسرت شيئا بداخلها. عيناها الواسعتان ارتجفتا، ثم انهارت أكثر… واكثر… حتى صارت الدموع تسقط بلا توقف.وهنا…من دون وعي… امتدت يده إلى وجهها وأصابعه لامست خدها… ومسحة خفيفة مرتبكة، كأنه هو نفسه لا يفهم لماذا يفعل ذلك فاقترب…واقترب أكثر…وهي ترتجف، تتنفس بسرعة، تحاول أن تدفعه بعيدا:
ابعد… جلال…ابعد
لكن قربه كان عاصفة. قبلها وقبلها علي شفتيها قبله مفاجئة… قاسية… مضطربة…قبلة بدأتها هي بالمقاومة، ثم… وفي غفلة، غلبها الحنين استسلمت وارتخت يداها على صدره، وانقطع صوتها، وتجاوبت معه كأنها تغوص في شيء كانت تهرب منه منذ سنين وفجأة توقف وابتعد وكأنه صعق كأنه أدرك نفسه بعد فوات اللحظة فابتلع أنفاسه وحاول أن يخفي اضطرابه وراء قناع بارد ومسح شفتيه بكفه، ثم نظر إليها بنظرة نصف منتصرة نصف مذعورة:
اكده اتأكدت إنك لسه بتحبيني.ولسه بتضعفي جدامي.
شهقت نجمة و الصدمة تشل لسانها، ثم هتفت بانهيار:
أنا… هجتلك يا جلال… هجتلك
ابتسم جلتل ابتسامة باردة… واثقة… كأن تهديدها لم يلمس منه شيئا وهتف:
ياريت تجتليني
ثم استدار وفتح الباب ببطء، وخرج وهو يترك خلفه امرأة محطمة، تسقط على الأرض وتختنق بأنفاسها، بينما الغرفة تدور حولها كأنها تهوي من قمة جبل مظلم إلى لا شيء وفي المساء في غرفة جلال… كان الضوء الخافت للمصباح ينعكس على جلده فيلمع كأن عرقا باردا ينساب فوقه. حيث وقف أمام المرآة، صدره العاري يتصاعد معه النفس ببطءٍ محسوب… عيناه كأنهما تبحثان عن شيء ضاع منه منذ زمن ومد يده نحو القميص الملقى فوق المقعد…لكن الباب انفتح بصمت زاحف ودخلت فتاة مغطاة الوجه، يخفي الشال الأسود كل ملامحها... لم تتكلم ولم تتوقف كأنها تعرف الطريق إليه كما يعرف البحر موجاته واقتربت منه حتى التصقت به من الخلف، وأحاطت خصره بذراعيها، ثم أسندت رأسها إلى كتفه وهمست بصوت خافت مبحوح:
لسه زعلان؟
تصلبت عضلاته لحظة…ثم التفت إليها ببطء، عيناه تنسحب من الظلال إلى ملامحها المخفية وابتسم ابتسامة هادئة، مستسلمة، وقال بصوت منخفض:
زعلان… بس ممكن أتصالح.
رفع يده نحو الشال زسحبه برفق… قليلا حتى انكشف الوجه خلفه كانت عهد وووقفت أمامه، تقترب منه خطوة، ولمعة غريبة تمرّ في عينيها وهي تهمس بخجل ودفء:
مجدرش على زعلك.
لم تتردد ووضعت يدها على كتفه، رفعت وجهها إليه…ثم طبعت قبلة طويلة على شفتيه، قبلة اشتعلت فيها أنفاسهما، وارتجف معها صدره وصدرها معا وأطبق ذراعيه عليها، يبادلها القبلة باندفاعٍ يعرفه جسده أكثر مما يعرفه عقله، ويده تمتد تجذبها نحوه حتى كادا يتعثران على السجادة، كأن الأرض تميد تحتهما…وفجأة ارتطم الباب بالحائط ارتطامًا هز الغرفة وانقطع النفس التفت الاثنان في اللحظة نفسها عند العتبة…حيثوقفت نجمة بلا حراك.وجهها جامد كالرماد.وعيناها متسعتان حدّ الذهول كأن صاعقة انغرزت في صدرها.وكأن الهواء نفسه تخلى عنها فنظرت إليه… ثم إلى عهد…ثم انهار شيء ما في روحها بصمت لم يسمعه أحد، لكنه دوى في الجدران وقبل أن تتكلم…
وقبل أن يبرر أحد…استيقظت نجمة مفزوعة من نومها وشهقت بقوة كأنها تقاوم الغرق يدها على صدرها... عرق بارد يغرق جبينها، وصورتا جلال وعهد تلتفان داخل رأسها ككابوس لا ينجو منه أحد فزفرت طويلًا… ثم نهضت خطواتها كانت ثقيلة، لكنها خرجت من غرفتها ببطء حذر، كأن الظلام يراقبها وتوجهت إلى غرفة جلال ودفعت الباب بهدوء…ودخلت.... كان جلال نائما فوق الفراش، صدره يرتفع وينخفض بعمق، كأن لا شيء في الكون يمسه، كأن لا عاصفة قد مرت عليه فتقدمت خطوة… ثم التفت لتخرج لكن جسد ظهر أمامها عند الباب كانت امرأة تقف مباشرة أمام نجمة، ملامحها منهارة، عيناها محمرتان بالدمع.
وفي يدها… سكين تلمع في الظلام فتقدمت خطوة وهي تلهث كأنها خرجت من قبر ورددت :
ابني مات… مات بسببكم
اتسعت عينا نجمة، وشهقت بصوت مخنوق:
استني… إنتي مين؟!
لم تستمع المرأة ورفعت السكين وصاحت بصوت ممزق:
كلكم هتدفعوا التمن
ثم اندفعت وغرزت السكين في جسد نجمة وصرخة مكتومة شقت الليل…وسقطت نجمة على الأرض، والظلام يبتلع آخرأنفاسها و
الفصل الخامس من هنا
رواية العار الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
كانت الغرفة غارقة في ظلام خفيف، لا يسمع فيها إلا أنفاس نجمة المتقطعة وهي تغفو فوق وسادتها. لكن السكون لم يدم…وفجأة شهقت بقوة، وانتفض جسدها كأن كابوسا انتزعها من عالم آخر. ففتحت عينيها مذعورة، ويدها ترتجف فوق قلبها قبل أن تنفلت الصرخة من صدرها:
عهد!!…… عهد فين؟!
قفزت نجمه من فوق السرير، تتخبط في خطواتها، تبحث بعينيها في الأركان كأن شبحا يطاردها. فارتجف صوتها وهي تلهث:
عهد!.. فين أختي… فين عهد؟!
لم تمضي ثواني حتى انفتح الباب بعجلة، وظهر جلال وهو يركض نحوها، عيناه متسعتان، وصوته منخفض وهو يحاول أن يضبط أنفاسه:
إهدي…إهدي يا نجمة… واستهدي بالله اكده
تراجعت نجمة عنه خطوة، ثم ثانية… وكأن قربه يؤذيها. فرفعت يدها المرتعشة تشير إليه، وعيناها تتلألآن بالدموع:
انت… انت ال جتلتها... انت جتلت اختي... ليه اكده حرام عليك انت اي معندكش رحمه.. مفيش في جلبك رحمه ولا احساس
تجمد جلال، وانفجرت الكلمات من فمه كالرعد:
أنا مجتلتش حد يا نجمه... ال جتلها خالك... خالك وبس
ارتجفت الغرفة من صرخته…وفي لحظة خاطفة، انزلق كل شيء نحو الظلام، واندفع الفلاش باك
فلاش باك
كان الجميع ينظرون الي عهد باشمهئزاز حتي رفع السلاح واطلق عدت رصاصات وصوته خرج مبحوحا:
غسلت عاري بـ إيدي
فلاش باك
شهقت نجمة وكأنها تتلقى الطلقة من جديد، وتراجعت حتى التصقت بالجدار، عيناها تتسعان وهي تهتف:
انت السبب... انت السبب يا جلال… أنا بكرهك… بكرهك ومستحيل اسامحك طول عمري
اقترب منها جلال ببطء، وصوته يخرج مثقلا:
كان لازم آخد حق أمين .... صاحبي مات بسببها مظلوم بس اختك مكنتش مظلومه
صرخت وهي تمسح دموعها بكفها المرتعش:
— وخدته أهه… خلصتوا!… يبجى طلجني بجا.. أنا مش عايزاك ولا طايجاك... هتكمل معايا غصب عني
مد يده نحوها محاولا تهدئتها:
اهدي… انتي مش في وعيك
لكنها كانت كالنار:
مفيش هدوء… أختي ماتت… وأنا مش هعيش اهنيه … يا تطلجني… يا أجتلك
واندفع جسدها فجأة نحو الطاولة الصغيرة، وقبضت على السكين قبل أن ينتبه ولمع المعدن الرفيع تحت ضوء المصباح رفع جلال يديه بحذر مرددا :
نجمة… بالله عليكي إهدي… أنا… أنا بحبك والله العظيم... جسما بالله بحبك انا عارف اني ظلمتك.. بس افهميني شويه
اقترب جلال خطوه ثانية…لكن اللحظة التالية كانت أسرع من أن تدرك واندفعت يدها دون وعي وانغرست السكين في كفه فشهقت نجمة بقوة، كأنها هي التي طعنت وهتفت :
جلال.... أنا آسفه… آسفه والله
سحب السكين ببطء، وصوت احتكاك المعدن بالجلد فصرخ في المكان، لكنه تمتم بصوت خافت يحاول إخراجها من ذعرها:
دا خدش بسيط… والله خدش بسيط… شوفي… مش كبير
انهارت نجمه فوق الأرض، تبكي وتختنق، بينما احتوى وجهها بين يديه رغم الألم، وهمس:
خلاص… خلاص يا نجمة… خدي علاجك ونامي بجا
رفعها من الأرض برفق، وأسند جسدها فوق السرير، وسحب الغطاء حولها، وأعطاها دواءها بيده الثانية المرتجفة، يراقبها حتى بدأ جفنها يثقل، ثم يغمض. وحين نامت، وقف بجانبها لحظة طويلة، ينظر إليها كأنها جرح لا يلتئم. ومد يده إلى مقبض الباب… وأغلقه من الخارج بإحكام ثم نظر إلى كفه…والدم يسيل في خط رفيع فوق أصابعه، والألم واضح في ارتعاشة يده وفي الليل كان يهبط فوق بيت أم عهد
وفي داخل الغرفة الضيقة، كانت أم عهد ممددة على السرير جسدها كأثر هش تركه الحزن... كانت تبكي بصوت مخنوق، تتلفت حولها بعيون متورمة، كأنها تبحث عن ابنتها في الفراغ… تبحث عنها ولا تجد إلا الفراغ فـ ارتجف صدرها، وخرجت منها كلمات لا تكاد تسمع:
ياريتني موت بدالك يا عهد… ياريت جلبي ما عاش لحد اليوم دا
وعلى الكرسي المقابل، جلست ابنة أخيها وقد ضمت كفيها فوق حجرها، تحاول كبح دموع لا تريد أن تسقط. كانت تراقب خالتها بقلق، ثم اقتربت وتمسكت بكتفها برفق:
يا خالتي… كفاية بجا… كفاية عياط.... بنتك راحت لرب كريم… ونجمة لازم ترجع البيت. كفاية ال حوصل، وإحنا الناس دي… مينفعش نجعد معاهم في نفس البلد من أساسه
رفعت أم عهد رأسها ببطء، وعيناها مليئتان بانكسار موجع:
أنا أرجعها ازاي.. وجلال هيوافج يسيبها ولا لع
نهضت ابنه اخيها اسماء ورددت:
نجمة لازم ترجع... البلد دي مينفعش نكمل فيها... كل المشاكل دي مش هتتنهي غير لما نبعد
ثم مسحت دموعها بعنف، وكأنها غاضبة من دموعها هي.
نهضت والده عهد بتعب ورددت:
بنتي… لازم آخد بتارها.
انقطع صوت الهواء في الغرفة. ورددت اسماء بعصبيه:
هتاخديه منين؟! منين يا عمتي؟! أبوي اللي جتلها! هتاخدي تارها مني ولا من ابوي
ارتعش صوتها، ثم أردفت بمرارة:
كفاية بجا تار… كفاية دم! أنا تعبت… خلاص… أنا تعبت
القت اسماء كلماتها وذهبت فرددت والدت عهد:
لع مش منك يا بنتي.. منهم هنا.. كن جلال ورائد واحمد.. انا هاخد منهم اغلي شخص علي جلبهم وهيشوفوا
وبعد فتره من الوقت كانت تقف سماء أمام قبر عهد.
الليل بارد، والريح تمر على شجرة السدر فتصدر أنينا يشبه بكاء البشر فجلست اسماء على الأرض، ووضعت يدها على شاهد القبر، وانطلقت دموعها بلا مقاومة:
يا عهد… سامحيني… سامحيني ... محدش مننا جدر يحميكي... ياريتني كنت نزلت الصعيد من زمان كان نفسي آخدك في حضني يوم واحد بس قبل ما تموتي… كان نفسي أجولك إني بحبك جوي و
لكن فجأ صوتا جاء من خلفها، خشنا غاضبا، يقطع كل شيء مرددا:
إنتي ال جابك اهنيه
التفتت بفزع .ووجدا رائد كان واقفًا خلفها، ظله ممتد فوق القبر، وملامحه مشدودة كأنه خرج للتو من معركة فـ نهضت ببطء، ومسحت دموعها بظهر يدها وهي تقول بحدة:
وهو إنتوا كمان مانعين حد يزورها؟!مش كفاية إنها ماتت بسببكم؟!
شد فك رائد، واقترب خطوة وهتف :
ماتت بسبب ال عملته… وتستاهل.
تجمد الهواء. و شعرت اسماء بالغضب عند سماعها بكلمة "تستاهل" كأنها طعنة. تقدمت نحوها حتى أصبح وجهها قريبا من وجهه، وصوتها يرتجف غضبا:
روح… ربنا ينتجم منكم…ويارب تخسروا كل الناس ال بتحبوهم… واحد ورا التاني… زي ما إحنا خسرناها.
كانت الكلمات تشعل نارا في قلب رائد الذي .مد يده فجأة وسحبها إليه بعنف، وقبضته تشد على ذراعها مردفا:
خلي بالك من كلامك و
ولكن فجاه انكسر. صوته عندما شعر بحركة خلفهم… حركة خفيفة، كأن أحدا يخطو بين القبور فتجمد رائد، وسحب اسماء من يدها مرددا بلهفه:
امشي… امشي بسرعه يلا
اسماء بخوف:
سيبني! في إي عاد.. اي ال حوصل
رائد بصراخ:
جولت امشي ومتتكلميش ولا نص كلمه
شدها وبدأ يركض، وهي تلتفت خلفها لا تفهم شيئًا، حتى خرجا من قلب المقابر باتجاه الطريق الترابي الخارجي ثم جاء الصوت واضحا صوت طلق نار. فصرخت اسماء ، بينما رائد أخرج سلاحه فورا وانحنى أمامها يدفعها خلف حجر منخفض. وبدأ يطلق النار في اتجاه الظلام، وهو يتحرك بسرعة دفاعية كأنه يعرف العدو وهتف:
اطلعي ورايا... متتحركيش
اسماء بخوف:
رائد! في إي... في اي
كان سيتحدث رائد ولكن الطلقات اشتدت ثم اخترقت إحداها جسده. فشهقت اسماء وصرخت:
رائد... رائد جوووم
وقع رائظ على ركبتيه، ثم على الأرض. فـ انحنت فوقه وهي تصرخ:
استحمل بالله عليك استحمل! أنا هطلب الإسعاف… استحمل
رفع رائد رأسه بصعوبة، وعيونه بدأت تلمع بغياب غريب، وصوته خرج مهزوزا:
جلال… خلي جلال يجي… لازم أشوفه… قبل ما أموت.
صرخت في وجهه بقوة وهي تمسك بملابسه:
اسكت! إنت مش هتموت.... اسمعني يا رائد… بالله عليك اسمعني…خلي عيونك مفتوحه
لكن عينه بدأت تبهت ويده ارتخت فوق الأرضوصدره تحرك آخر مره اما عند جلال كان يسير في البيت وبجانبه اجمد الذي ردد بضيق:
مش عارف فين... اول مره رائد ميردش.. هو في اي عاد و
لم ينهي احمد حديثه حتي قاطعه صوت طلق ناري فركضوا الاثنين بسرعه وعندما وصلوا الي مصدر الصوت انتبه جلال الي غرفه جنه وعندما دخلوا اتصدم عندما وجدوا جنات علي الارض غارقه في دماءها ونجمه تقف امامهل وهي تحمل سلاح بيديها و
الفصل السابع من هنا
رواية العار الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
كان ممر المستشفى ممتدا كدهليز بلا نهاية، أرضيته اللامعة تعكس الضوء الأبيض البار والهواء نفسه كان ثقيلا، مشبعا برائحة المطهرات والقلق حيث وقف جلال في منتصف الممر، جسده متصلب، كتمثال من حجر، عيناه معلقتان بباب غرفة الطوارئ المغلق، كأنه لو أزاح نظره عنه لحظة، سيسقط شيء في داخله إلى الأبد. كانت يده اليمنى ما تزال ملفوفة بشاش أبيض، وقد تسرب الدم منه بخيط خفيف، لكنه لم ينتبه، أو ربما لم يعد يشعر بشيء أصلًا. وإلى جواره، كان أحمد يتحرك بعصبية واضحة، يقطع الممر ذهابا وإيابا، خطواته غير منتظمة، وصدره يعلو ويهبط بعنف. كان الغضب يتصارع داخله مع الخوف، وكلما طالت الدقائق، ازداد اضطرابه، فمرت لحظات طويلة، لا يقطعها سوى صوت جهاز إنذار بعيد، أو خطوات ممرضات يعبرن الممر دون أن يلتفت إليهما أحد. وفجأة… انفتح باب غرفة الطوارئ وخرج الطبيب بخطوات بطيئة، خلع القفازات الطبية وهو يتنهد، ملامحه مرهقة، وعيناه تحملان تلك النظرة التي تسبق الأخبار الثقيلة دائما.
فتقدم جلال خطوة واحدة، تبعه أحمد في اللحظة نفسها، وكأنهما تحركا بغريزة واحدة فقال أحمد بصوت مبحوح يكاد ينكسر:
طمنا يا حكيم بالله عليك... اي ال حوصل.. هما كويسين
تبادل الطبيب نظرة سريعة مع الملف الذي في يده، ثم رفع رأسه وقال:
الحالتين مش مستقرتين
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تسقط شيئا في صدريهما. فاقترب جلال أكثر، وصوته خرج هادئا على غير عادته:
وضح أكتر يا حكيم... اي الحاله... لو محتاجين حكنا من بره نجيب.. اي حاجه انت هتطلبها هنعملها بس يبجوا كويسين
تنهد الطبيب بضيق وردد:
رائد أتصاب بطلق ناري في الصدر، الرصاصة كانت قريبة جدا من الرئة اليسرى. النزيف كان شديد، واضطرينا نعمل تدخل جراحي سريع. قدرنا نسيطر على النزيف، لكن لسه تحت الملاحظة، وأي مضاعفات واردة خلال الساعات الجاية.
شد أحمد على فكه وهتف:
يعني حالته صعبه جوي اكده
أومأ الطبيب:
جدا... للاسف
ثم سكت لحظة قصيرة، قبل أن يكمل بصوت أخفض:
أما جنات… فالإصابة كانت أعنف الاصابه كانت في البطن، وحصل تهتك داخلي شديد، بالإضافة لصدمة عصبية. دخلت في غيبوبة مؤقتة، وحالتها دلوقتي أخطر من رائد.
ساد الصمت مرة أخرى، صمت أثقل من الأول فقال جلال ببطء:
يعني اي... انت جصدك انهم هيموتوا.. اعمل حاجه.. اعمل اي حاجه ووالله اي فلوس هندفعها بس بالله عليك انقذهم باي طريجه
رد الطبيب دون مواربة:
إحنا بنعمل ال نقدر عليه، لكن لازم تكونوا مستعدين لأي تطور.... بس ان شاء الله خير
استدار الطبيب وغادر، تاركا خلفه فراغا كبيرا في الممر كأن الكلمات سحبت الهواء معها وفي تلك اللحظة… ظهرت أسماء وخرجت من آخر الممر، خطواتها متعثرة، وكأن الأرض لم تعد تحملها. كانت ملابسها ملطخة بالدم. عيناها متورمتان من البكاء، ووجهها شاحب كمن خرج لتوه من قبر وما إن وقعت عينا أحمد عليها، حتى اشتعل شيء مظلم في داخله واندفع نحوها دون تفكير، أمسكها من رقبتها بقبضة قاسية، وهزها بعنف مرددا:
إنتي عملتي إي.... جولي حوصل إي... انتي ال جتلتيه صوح.. انتي ال كنتي عايزه تموتيه
شهقت أسماء، تحاول التنفس، ودموعها تسيل بلا توقف وهتفت:
سيبني… بالله عليك… سيبني بجااا سيبني
لكن أحمد لم يسمع، وصوته خرج غاضبا، مكسورا:
إنتي السبب.... رائد اتصاب بسببك .. هو بيمووت جوه بسببك
وفي لحظة، اندفع جلال، وأمسك بذراع أحمد وجذبه بعيدا عنها بقوة:
ابعد عنها.. ابعد يا احمد
ابتعد احمد وسقطت أسماء على الأرض تقريبا، تلهث و تمسك رقبتها المرتعشة، ثم رفعت رأسها وهي تبكي:
والله ما عملت حاجة.... والله ما أعرف مين ضرب النار فجأة كل حاجة حوصلت لوحدها... انا معرفش حاجه والله العظيم
اقترب جلال منها خطوة، وملامحه جامدة، وصوته خرج باردا كالسكاكين:
اسمعيني كويس..... لو رائد جراله حاجة… أو جنات مقامتش بخير... والله لهجطع سلالة عيلتكم واحد واحد.... لا راجل ولا ست ولا بنت ولا طفل هيفضلوا عايشين
لم تحتمل أسماء الوقوف، وانفجرت في بكاء صامت.
فـ استدار جلال فجأة، وسار في الممر بخطوات ثابتة، بينما لحق به أحمد بعد نظرة أخيرة مشحونة بالغضب.
وبقيت أسماء وحدها…في ممر بارد وملابسها ملطخة بالدم وبعد فتره كان البيت غارقا في صمت ثقيل، صمت لا يشبه الهدوء، بل يشبه ما يسبق الكارثة. الضوء الخافت المنبعث من المصباح الوحيد في الصالة كان يرتجف، كأنه هو الآخر خائف مما يراه وفي منتصف الغرفة…كانت نجمة جالسة على الأرض. ظهرها مسنود إلى الأريكة و رأسها مائل قليلًا إلى الجانب، وعيناها مفتوحتان بلا رمشة، تحدقان في الفراغ. يدها كانت ممدودة فوق البلاط البارد، مغطاة بالدم، دم جف في بعض المواضع، وما زال رطبا في أخرى. لم تتحرك… لم تبكي… لم تصرخ… كأنها خرجت من جسدها وتركت خلفها جسدا فارغا حتي انفتح باب البيت بعنف. ودخل جلال كالعاصفة، صدره يعلو ويهبط، عيناه مشتعلة بغضب لا يعرف الرحمة. ما إن وقعت عيناه عليها، حتى تجمد لثانية… ثم انفجر واندفع نحوها، أمسكها من ذراعها بقوة، شدها فجأة فاهتز جسدها بلا مقاومة، كأنها دمية بلا روح وصرخ:
إنتي عملتي إي.... إي ال عملتيه ده؟!
لم ترد نجمه وكانها لا تسمع اي شي مما قاله فـ هزها بعنف أكبر وصرخ :
ردي عليا.... ليه تعملي اكده... ليه انا عملتلك اي
رفع جلال يدها الملطخة بالدم أمام وجهه وردد'
الدم ده دم جنات..هي عملتلك إي علشان تحاولي تجتليها
ظلت نجمه صامتة… عيناها جامدتان، لا دمعة ولا حركة فازدادت نبرته جنونا وصرخ:
حرام عليكي.... حرام ال بتعمليه فيا ده
ترك جلال ذراعها فجأة، وتراجع خطوة، يمرر يده على رأسه بعصبية:
انا مش فاهم ليه....ليه يتاخدو مني من كل الناس تل بحبهم... ليه إنتي وعيلتك دايما السبب؟!
اقترب جلال منها مرة أخرى، انحنى أمامها، وصوته اصبح أخفض لكن أكثر رعبا:
بتعملي كده ليه؟عايزين تاخدوا مني كل الناس ال بحبهم.... الأول أمين… بعده رائد… دلوجتي جنات مش بتتعبوا من الغدر والخيانه
أمسكها جلال من كتفيها، هزها وصرخ:
اتكلمي.... دافعي عن نفسك... جولي حاجة
لكن نجمه ظلت كما هي… لا حياة فوقف فجأة، و نظر إليها بنظرة قاتلة، وقال ببطء:
والله لـ هجتلك...جسما بالله العظيم لـ هخلص منك بإيدي و
وفي هذه اللحظة التي كادت أن تنقلب فيها الكلمات إلى فعل…انفتح الباب مرة أخرى ودخلت أم أمين بخطوات سريعة، وجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالدموع والغضب، وخلفها شرطيان وشهقت حين رأت المشهد مردده:
يا نهار اسود…سيبها يا جلال يا ابني
وتقدم الشرطيان فورا، أمسك أحدهما بذراع نجمة، والآخر اقترب منها ليقيدها فرفع جلال رأسه بصدمة وهتف:
إي ده.... إنتوا بتعملوا إي؟
لم تقاوم نجمه و نهضت بهدوء مخيف، كأن ما يحدث لا يعنيها فقال أحد الشرطيين:
حضرتك متهمة بمحاولة قتل… ولازم تيجي معانا.
صرخ جلال:
لا.... سيبوها.. دي مرتي
لكن أم أمين وقفت أمامه، وخرج صوتها مكسور لكنه حاسم:
جلال… خلاص
نظر إليها غير مصدق واقترب منها الشرطيان، وأخرجا نجمة من البيت فمرت بجواره… لم تنظر إليه… لم تقل شيئا وما إن أُغلق الباب خلفها حتى انفجر جلال والتفت إلى أم أمين وصرخ:
عملتي اكده ليه.... ليه سلمتيها؟!
ردت بصوت مرتجف:
عشان أنقذك وأنقذ أحمد.
اقترب جلال منها خطوة وعينيه تقدحان نارا وردد:
تنقذيني؟!.... من إي
قالت وهي تبكي:
لو مكنتش عملت اكده... كنتوا جتلتوها.... وأنا مش عايزة أخسركم… أمين راح… ومش عايزة الباقي يروح.
ضحك جلال ضحكة قصيرة، مجنونة:
الباقي.... مفيش باقي
واستدار فجأة، قبض بيده على المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط، وضربها بكل قوته فتحطمت المرآة، وتناثرت الشظايا، وانغرست إحداها في يده.سال الدم… لكنه لم يشعر وهو نظر إلى يده النازفة، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت مرعب:
والله لـ جتل العيلة كلها..... واحد واحد.... ومش هسيب حد فيهم يعيش
استدار جلال وخرج من البيت وفي المساء كان الليل قد بسط عباءته الثقيلة فوق بيت اهل نجمه حتي
انفتح الباب بعنف ودخلت أسماء، خطواتها متعثرة، جسدها يرتجف، وعيناها تقدحان غضبا وألما . لم تخلع حذاءها، لم تتوقف لالتقاط أنفاسها، بل اندفعت مباشرة نحو الداخل كانت عمتها تجلس في صدر الغرفة، ظهرها مستقيم، وملامحها جامدة، كأنها تنتظر هذه المواجهة. فتوقفت أسماء أمامها، وصدرها يعلو ويهبط، ثم انفجرت صرختها كطعنة مردده:
إنتي ال عملتي اكده؟
رفعت العمة رأسها ببطء و نظرتها باردة، خالية من الدهشة:
عملت إي
اقتربت أسماء خطوة، وصوتها مكسور من الغضب:
حاولتي تجتلي رائد وجنات
ساد صمت ثقيل…ثم قالت العمة بهدوء مرعب:
أيوه… أنا
تراجعت أسماء خطوة، كأن الأرض اهتزت تحت قدميها وهتفت:
نجمة حبسوهاظظددنجمة كانت في الأوضة
تنهدت العمة بعمق، كأنها تزيح حملا عن صدرها وقالت ببرود:
هي عارفة.... عارفة إن أنا ال عملتاكده وكان لازم يوحصل اكده ولو مماتوش هحاول أجتلهم تاني.
انهارت أسماء وسقطت على الأرض، جلست القرفصاء، وضمت رأسها بيديها، وخرج صوتها مبحوحا:
نجمة هتتحبس… نجمة هتضيع... دول ممكن يعدموعها..... دي بنتك... بنتك يا عمتي
نظرت إليها العمة نظرة قاسية، وقالت دون تردد:
تتحبس.... هي ال اختارت جلال.... الراجل ال كان سبب في موت أختها. يبجي تتحمل نتيجة اختيارها.
ضربت أسماء الأرض بيدها و صرخت من أعماقها:
كده كل حاجة راحت.. كل حاجة ضاعت بسببكم أمي ماتت بالحسرة…عهد ماتت... ابوي اتحبس.. ونجمه هتتعدم... رائد بين الحياه والموت.. كله راح منكم لله... بس خلاص انا همشي
نهضت العمة فجأة وهتفت:
إنتي بتجولي اي... إنتي رايحة فين؟!
وقفت أسماء ببطء، مسحت دموعها بكم يدها بعنف، ونظرت إليها نظرة أخيرة، مليئة بالقهر والخذلان:
أنا مستحيل أفضل اهنيه.... مستحيل أعيش وسط الدم ده.
القت اسماء حديثها واقتربت خطوة نحو الباب، ثم التفتت وقالت بصوت ثابت لأول مرة:
من النهارده…أنا مليش أهل غير نجمة وهعمل المستحيل علشان أخرجها
فتحت اسماء الباب، ووقفت لحظة، ثم قالت دون أن تلتفت:
ال عملتوه ده مش تار…ده خراب وانا مش هسامحكم
وبعد منتصف الليل وبالتحديد وقت اذان الفجر كان ضوء الفجر يتسلل بخجل من نوافذ المستشفى العالية، وكان جلال وأحمد يركضان.. خطواتهما تتردد فوق الأرضية اللامعة حتي وصلوا امام غرفه العنايه المركزه
فوجدوا الطبيب كان واقفا عند نهاية الممر، ظهره مستند إلى الحائط، رأسه منخفض قليلًا، ويداه متشابكتان أمامه. لم يكن في وضع الانتظار فاقترب جلال بسرعة، توقف أمامه فجأة، صوته خرج لاهفا مكسورا:
في إي يا حكيم... جنات ورائد كويسين... طمني… بالله عليك.
رفع الطبيب رأسه ببطء. فصرخ احمد صرخة خرجت من أعماقه مرددا:
اتكلم... في إي... متسكتش اكده
نظر الطبيب بينهما ز عينيه ممتلئتين بإرهاق، ثم تنهد، وقال بصوت منخفض:
البقاء لله
وفي لحظة واحدة…توقف الزمن.لم يعد هناك ممر، ولا فجر، ولا مستشفى.فقط فراغ واسع ابتلع كل شيء.
غفتح أحمد فمه، لكن الصوت لم يخرج. انا جلال شعر وكأن الهواء انسحب من رئتيه دفعة واحدة. واقترب خطوة وصوته خرج مرتعشا، خائفا، كصوت طفل ضائع:
مين... مين فيهم؟
تردد الطبيب ثانية ثم هتف و
الفصل الثامن من هنا
رواية العار الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
رفع الطبيب رأسه ببطء، وكأن الكلمات تثقل لسانه ثم قال بصوت خافت لا يحمل أي عزاء:
البقاء لله… جنات مجدرناش ننقذها للاسف
نظر الجميع بصدمه وفي لحظة واحدة، انكسر الزمن.
لم يعد هناك ممر ولا فجر، ولا أجهزة طبية، فقط فراغ واسع ابتلع كل شيء فتجمد أحمد في مكانه وعينيه اتسعتا و فمه انفتح لكنه لم يصدر صوتا. كان كمن تلقى ضربة مباشرة في صدره، ضربة أوقفت قلبه دون أن تقتله... أما جلال… فظل واقفا. لم يتحرك. لم يهتز. كأن الجملة لم تصل إليه بعد وفجأة، دوى صوت اخترق الممر كله..... صرخة حادة، مشروخة، خرجت من أعماق صدر محروق كانت جدة جنات التي اندفعت من آخر الممر، وجهها شاحب، عيناها حمراوان، وحين سمعت الاسم سقطت على ركبتيها وهي تصرخ:
يا بنتيــي.... يا نور عيني... ابني وحفيدتي راحوا...ابني وحفيدتي راجوا..خلاص كل حاجه راحت
ضربت صدرها بيديها، وانحنت للأرض تبكي بحرقة، صرخة امرأة فقدت آخر ما تبقى لها في الحياة وفي تلك اللحظة، انهار أحمد. وتراجع خطوة، ثم أخرى، وأسند ظهره إلى الحائط، وبدأ يهز رأسه بعنف:
لع… لع.. مستحيل... مستحيل تموت.. هي اكيد لسه عايشه.. جنات عايشه
ثم صرخ فجأة، صرخة خرجت ممزوجة بالغضب والقهر
وهو يضرب الحائط بقبضته، مرة… واثنتين… وثالثة، حتى نزفت يده، لكنه لم يشعر أما جلال… فظل صامتا وتقدم خطوة واحدة، نظر إلى باب العناية المركزة المغلق، وكأن جنات تقف خلفه وتنتظر وابتلع ريقه بصعوبة، ثم خرج صوته منخفضا، مبحوحا:
ماتت... جنات ماتت
لم ينتظر إجابة وأغمض عينيه للحظة، وكأن عقله قرر أن ينفصل عن الواقع، ثم فتحهما… خاليتين من أي دمعة واستدار ببطء، وذهب... خطواته كانت هادئة أكثر مما ينبغي، كأن جسده يسير وحده، بلا روح.
ومر بجوار أحمد دون أن ينظر إليه، وترك خلفه صراخ الجدة وبكاء الممر.ومن بعيد… كانت أسماء تقف عند آخر الممر، نصف جسدها مختف خلف الجدار، دموعها تنهمر بصمت، وعيناها معلقتان بجلال فهمست لنفسها، بصوت مكسور لا يكاد يسمع:
خلاص اكده …نجمة حياتها انتهت... مستحيل يسيبوها تعيش
القت اسماء كلماتها وهي تراقبه وهو يبتعد، وكأنها تشاهد جنازة أخرى… جنازة رجل لم يمت بعد فخرج جلال من باب المستشفى وقف للحظة واستقبل هواء الصباح البارد، ونظر إلى السماء، ثم فجأة…انفجر.
وصرخ صرخة هزت المكان كله، صرخة رجل فقد كل شيء دفعة واحدة، ثم سقط على ركبتيه، يضرب الأرض بيديه وهو يردد:
والله ما هسيبك.... والله ما هسيبك يا نجمة.... جنات ماتت بسببك…وأنا هاخد روحك... هحليكي تتنمني لو انك جتلتي نفسك اهون من ال هعمله فيكي
انحنى جلال للأمام و جبهته لامست الأرض، وصوته خرج مبحوحا، مرعبا:
وعد مني...انا هجطع سلالتك كلها من علي وش الارض وهحسرك علي كل ال حواليكي
وبعد مرور ثلاث سنوات كان ضوء الصباح يتسلل بهدوء عبر ستائر غرفه جلال حين نهض من فوق السرير. كان عاري الصدر، جسده مشدود، وعلى ملامحه إرهاق لا يزول. والتقط كأسا زجاجيا من فوق الطاولة القريبة، ارتشف منه رشفة بطيئة، ثم اتجه نحو النافذة. وفتحها قليلا…وأغمض عينيه وهو يستنشق الهواء، كانه يحاول أن يتذكر كيف كان التنفس بلا ثقل و
خلفه، كانت مريم ما تزال ممددة على السرير. شعرها مبعثر على الوسادة، وعيناها نصف مفتوحتين. فنهضت بهدوء، واقتربت منه، ولفت ذراعيها حول خصره من الخلف، وألصقت خدها بظهره وقالت بصوت ناعم، دافئ:
صاحي بدري ليه اكده يا حبيبي
أمسك يدها برفق، دون أن يلتفت:
نامي إنتي… أنا هشم شوية هوا وألبس وامشي
سكتت لحظة، ثم رفعت رأسها تنظر إلى انعكاسه في زجاج الشباك، وقالت بقلق:
في حاجة مضايقاك؟ شكلك متغير من امبارح
التفت إليها أخيرا، نظر في عينيها نظرة سريعة، خالية من العمق، ثم قال:
عندي شغل مهم… ولازم أمشي بدري.
مدت مريم يدها وسحبت الكأس من يده بهدوء، ووضعته جانبا وقالت بنبرة أقرب للعتاب:
مينفعش تشرب الصبح اكده… مدام عندك شغل
اقترب منها خطوة وانحنى قليلا، وطبع قبلة خفيفة على عنقها، وقال بصوت منخفض:
سيبتلك فلوس اصرفي وهاتي ال انتي كنتي عايزاه.. مش عايز ارجع الاقي الفلوس زي ما هي ولو احتاجتي تاني الفيزا عندك … خلي بالك من نفسك
ثم ابتعد عنها ودخل إلى الحمام. فوقفت مكانها، تنظر إلى الباب المغلق وارتسم حزن صامت على ملامحها، وهمست لنفسها بصوت بالكاد يسمع:
ياريت أعرف إي ال جواك يا جلال…وتحبني نص الحب اللي بحبهولك... بس أنا عارفة…أنا مليش مكان في جلبك اصلا
وبعد دقائق، خرج جلال وهو يجفف شعره بالمنشفة، وقد ارتدى ملابسه و لمحها جالسة على طرف السرير، شاردة فاقترب منها وسأل:
مالك؟ زعلانة ليه؟
رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة هادئة، متعبة:
مش زعلانة يا حبيبي…تعبانة بس شوية
أومأ برأسه وقال ببرود معتاد:
خلاص، ارتاحي انا ماشي نامي براحتك
تناول مفاتيحه و ألقى نظرة أخيرة سريعة على الغرفة، ثم غادر وبقيت مريم وحدها وفي الغرفه الاخري دخل رائد غرفته بعنف و، أغلق الباب خلفه بقوة كأنه يريد أن يكسر ما تبقى من صمته. كان الغضب ظاهرا في خطواته الثقيلة، حيث توقف فجأة.عندما وجد أسماء تقف قرب السرير، ترتدي ثوبا خفيفا منزليا، وحين وقعت عيناها عليه شحب وجهها فورا، وسحبت الرداء حولها بغريزة دفاعية. ولكنلم يمنحها فرصة للكلام واندفع نحوها، أمسك معصمها بقوة، وقبل أن تستوعب ما يحدث دفعها لتسقط فوق السرير، وانحنى فوقها، ظله يبتلعها وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
إنتي عملتي إي
اتسعت عيناها رعبا، وخرج صوتها مرتجفا:
معملتش حاجة.... جسما بالله ما عملت حاجه
رفع يده فجأة، وضرب السرير بجوار رأسها بعنف، فانتفض جسدها بصرخه مكتومه واقترب أكثر وملامحه ازدادت قسوة وردد:
ازاي تفتحي كلام مع ال اسمه معاذ؟هو مش انا جولتلك مفيش كلمة بينكم؟!
هزت رأسها بسرعة، ودموعها بدأت تتجمع وهتفت:
ده شغل… والله شغل.... مكلمتوش ابعد عني، لو سمحت
ابتسم رائد ابتسامة باردة، واقترب أكثر حتى صار صوته عند أذنها مرددا:
مش إنتي ال تجوليلي أبعد… ولا أقرب... انتي مرتي وانا حر
دفعت اسماء صدره بضعف، وصرخت:
كفاية.... حرام عليك إنت متعبتش من العذاب ال بتعذبني بيه
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي رحمة وقال :
لع.. متعبتش وإنتي لسه مشوفتيش حاجة
مد رائد يده ولمس وجهها و مرر أصابعه على وجنتها ثم شفتيها ببطء متعمد فـ ارتجفت وحاولت أن تبعد رأسها ولكن فجأة ضغط على وجهها بقسوة، وقال بصوت خفيض لكنه مليء بالوعيد:
ال شوفتيه ده… ولا حاجة جمب ال جاية
ثم اعتدل فجأة، وكأن فكرة خطرت له وابتسم ابتسامة أخطر، وقال ببرود:
آه… على فكرة،.... أحب أعرفك خبر حلو جوي ليكي بنت عمتك… هتطلع النهارده من السجن
اتسعت عينا أسماء رعبا، واندفعت تمسك بذراعه مردده:
نجمه.... بالله عليك…متعملوش فيها حاجة.
سيبوها في حالها مفايه ال حوصلها
نظر إليها نظرة ممتلئة بالشر ونزع ذراعه من يدها، وقال وهو يتجه نحو الباب:
اطمني.... انا مش هعمل حاجه بس موعدكيش بخصوص جلال
القي رائد كلماته وخرج من الغرفه واغلق الباب خلفه بالمفتاح فصرخت اسماء وفي مكان اخر امام احدي السجون كانت تخرج نجمه وهي تغطي عينيها من الضوء ويبدوا علي وجهها الارهاق كان مر من عمرها ثلاثون سنه فنظرت حولها بتوتر وهي تحمل حقيبتها بيديها وقبل ان تسير خطوه واحده وقفت عربيه فارهه امامها ونزل منها السائق وفتح الباب فظهر جلال الذي ابتسم ببرود من داخل السياره وردد:
حمد علي السلامه
نظرت نجمه بخوف وجاءت لتذهب ولكن سحبها السائق لداخل السياره واغلق الباب فرددت:
انت عايز مني اي
جلال:
انتي عارفه انا عملت اي علشان اخليكي تتسجني 3 سنين بس... وكنت مستعد ادفع ملايين علشان تخرجي بدري...انا باخد بتاري بايدي... نورتي جحيمي يا مرتي الحلوه و
وفي لحظة خانقة من الصمت، رفع جلال السلاح وضربها من الخلف على رأسها، فانهارت بين ذراعيه فاقدة الوعي، فأسند رأسها بيده وهو ينظر إليها بعينين خاليتين من الرحمه و
الفصل التاسع من هنا
رواية العار الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي
كانت نجمة ممددة فوق الفراش جسدها ساكن كجسد بلا روح، أنفاسها ضعيفة، ورأسها مائلة قليلا على الوسادة والضوء الخافت المنبعث من مصباح جانبي رسم ظلالا قاسية على ملامحها الشاحبة. حيث وقف جلال أمامها، ثابتا، لا يتحرك عيناه معلقتان بوجهها، وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة...... ثلاث سنوات…
ثلاث سنوات وهو يتخيل هذا المشهد، يراه في أحلامه وكوابيسه، لكنه الآن حقيقة فـ اقترب خطوة بطيئة، ثم جلس على حافة السرير ومد يده بتردد نادر، أصابعه توقفت على بعد سنتيمترات من وجهها ثم لامس خدها بخفة، لمسة مترقبة، حذرة، كأنها قد تختفي.
وفجأة…تحركت وارتعش جفناها، وانقبضت ملامحها، فأبعد يده بسرعة، وكأنه لمس جمرا وفتحت عينيها ببطء نظرة ضائعة، مشوشة، ثم اتسعت فجأة حين رأت وجهه واعتدلت في جلستها بفزع، وصرخت بصوت مبحوح:
إنت… إنت جيبتني اهنيه إزاي وعايز إي تاني مني؟!
وقف جلال، وملامحه هادئة على نحو مرعب، وقال ببرود:
— إنتي لسه مرتي… وطبيعي تبجي اهنيه
هزت رأسها بعنف، والغضب اختلط بالصدمة وهتفت:
مرتك؟! أنا مش مرتك
اقترب خطوة، ونبرته ازدادت قسوة:
لع… مرتي وفيه بينا حساب كمان
ضحكت بمرارة، والدموع بدأت تلمع في عينيها وقالت:
حساب إي عاد ! هو إحنا مش انتهينا؟!
انحنى قليلا نحوها، وعيناه اشتعلتا وهو يردد:
انتهينا إي.... هو انتي دوستي على رجلي.... دا انتي جتلتي أغلى واحدة عندي
تجمدت نجمه مكانها ونظرت إليه والدموع انهمرت أخيرا وبحركة مفاجئة، التقطت المسدس من فوق الطاولة القريبة، واندفعت نحوه، ووضعت السلاح في يده وضغطت فوهته على صدرها وقالت بصوت مرتعش لكنه ثابت:
تمام… وأنا موافجه.... انتجم.... يلا… اجتلني.. اجتلني يا جلال
نظر جلال اليها لثواني ثم فجأة رمى السلاح بعنف على الأرض، فارتطم محدثا صوتا حادا وصرخ فيها:
إنتي مش هتموتي بالسهولة دي... مش هتموتي بالسهوله دي يا نجمه
انهارت نبرتها وهي تصرخ:
أنا معملتش حاجة ومجتلتهاش.... صدجت أو لع… أنا مجتلتها ومش هجولك مين ال عمل اكده
انفجر غضبه وأمسك ذراعها بعنف وسحبها نحوه، حتى التصق جسدها به، وصرخ:
انتي بتعملي معايا اكده ليه.... أنا عملتلك إي علشان كل دا.... للدرجة دي بتكرهيني
اغرورقت عيناها، وصوتها خرج مكسورا:
إنت عارف إني محبيتش غيرك.... بس إنت ال محبتنيش.
ضحك بسخرية جارحة وقال:
بعد كل دا بتطولي إني محبتكيش... كنت أعمل إي تاني علشان أثبتلك إني بحبك
بكت نجمه صوتها خرج مختنق:
إنت عملت إي أصلا غير إنك دمرت حياتي كلها... كل دا ليه ها...... إنت أصلا واحد خاين
ضحك ضحكة عالية، مستهزئة:
بجد والله.... دا ال شاغل دماغك إني كنت مع واحدة تانية وإنتي في السجن... جتلتي جنات… وجاية بكل بجاحة تحاسبيني...... خلاص يا ستي، ولا تزعلي نفسك هعوضك.
وفجأة…اقترب منها وامسك وجهها، وقبلها على شفتيها قبلة خاطفة، عنيفة فتجمدت وأغمضتا عينيها دون وعي، ثم دفعته بعيدا عنها بفزع فابتسم بسخرية وهو يراقب ارتباكها، وقال بهدوء سام:
كويس… كويس إني لسه ليا تأثير عليكي
ابتعد خطوة، ثم قال ببرود قاطع:
إنما إنتي بجا… بجيتي ولا حاجة بالنسبة ليا وأنا قرفان منك يا نجمه
استدار جلال وخرج، وأغلق الباب خلفه بقوه فـ سقطت نجمة على الأرض وضمت ركبتيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاء مكتوم و جسدها يهتز، وصوتها يختنق في الفراغ كانت وحدها…تماما كما أراد. وفي يوم جديد كان رائد يقف في ممر المستشفى البارد، خطواته مترددة، وقلبه يخفق بعنف غير مفهوم والرائحة المعقمة تخنق أنفاسه، وصوت الأجهزة الطبية يتردد كعد تنازلي لشيء لا يعرفه بعد فـ توقف أمام باب الغرفة قبل أن يمد يده ويدفعه.... كانت أم نجمة ممددة فوق الفراش، جسدها هزيل، أنفاسها متقطعة، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة ووجهها شاحب فـ.
دخل الطبيب في تلك اللحظة، نظر إلى الأجهزة، ثم إلى رائد، وقال بصوت عملي خافت:
حالتها حرجة جدا.. مفيش امل
غادر الطبيب، واقترب رائد ببطء، حتى وقف بجوار سريرها.نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت، مشدود:
إنتي اتصلتي بينا ليه..... عايزه إي بعد كل ال حوصل دا
تحركت شفتاها بصعوبة، كأن الكلمات أثقل من أن تقال.
ورفعت يدها المرتجفة قليلا، تبحث عن صوته واقترب أكثر وانحنى حتى صار وجهه قريبا من وجهها.
همست بصوت متقطع:
نجمه… وأسماء… مظلومين…انا ال عملت كل حاجه
تجمد رائد وردد:
بتجولي إي؟
سعلت، واختنق صوتها، ثم تمتمت:
نجمه… مجتلتش جنات…انا ال جتلتها أنا… أنا ال عملت اكده…انا ال جتلتها
تراجع خطوة للخلف، ووجهه شحب وصرخ بعصبيه:
إنتي اتجننتي..... إنتي فاهمه إنتي بتجولي إي
حاولت أن تلتقط أنفاسها وصدرها يعلو بعنف، والأجهزة بدأت تصدر صوتا متسارعا وهي تردد:
دي الحقيقه… هما مظلومين… نجمه بريئ
ابتلع ريقه، وصوته خرج مرتجفا رغم محاولته التماسك:
طيب سكتوا ليه... ليه تسيبوها تضيع عمرها اكده... انتي جايبه الشر دا كله منين عاد
أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها بصعوبة، وقالت:
هي سكتت… علشان محدش يأذيني أنا…خافت عليا
ارتجفت يدها، وأمسكت بطرف ملابسه كأنها تتشبث بالحياة نفسها وهتفت:
جولهم يسامحوني… جول لنجمه… تسامحني
تسارع صوت الجهاز أكثر وارتبك رائد، ونظر نحو الباب، ثم عاد إليها:
اهدي... اهدي هجيب الحكيم
لكن عينيها بدأت تزوغان وابتسمت ابتسامة واهنة، بالكاد ترى، وهمست:
العار… كان لازم يتغسل
ثم انقطع نفسها فجأة وارتفع صوت الجهاز في صفير طويل ممتد فصرخ رائد:
لع... لع..... يا دكتور.. حد ييجي
اندفع الأطباء إلى الداخل وأزيح رائد جانبا، وتداخلت الأصوات، والأوامر، ومحاولات الإنعاش. لكن بعد دقائق بدت كأنها دهور…ساد الصمت وخرج الطبيب بملامح جامدة، وقال بهدوء
البقاء لله.
وقف رائد في مكانه، كأن جسده لم يعد يعرف كيف يتحرك وفي صباح يوم جديد كان صباحا باهتا، بلا شمس حقيقية.. حيث وقفت نجمة في منتصف الغرفة،ط و حقيبة ملابسها مفتوحة فوق السرير، تطوي ثيابها بهدوء بارد لا يشبه العواصف التي مرت بها و جلال يقف أمامها، عيناه حمراوان من سهر طويل، وملامحه متعبة على نحو لم تعهده فيه من قبل وقال بصوت مبحوح:
نجمة… علشان خاطري متعمليش اكده.... إديني فرصة واحدة بس
لم ترفع عينيها إليه وهي تضع قطعة ملابس أخرى داخل الحقيبة فـ اكمل جلال:
أنا غلطت… بس كنت فاكر إنك جتلتيها... سامحيني بالله عليكي
توقفت لحظة، ثم أغلقت الحقيبة ببطء، واستدارت إليه.
كانت عيناها هادئتين… هدوءا مرعبا ورددت:
أنا مسامحاك يا جلال.
اتسعت عيناه فجأة وهتف:
بجد.... طيب خلاص… نبدأ من جديد.
هزت رأسها نفيا وقالت :
لا.... مسامحاك… لأن ال عملته كان طبيعي... كنت فاكرني جتلتها … وكنت موجوع وملكش ذنب في إحساسك بس مينفعش نعيش مع بعض أكتر من اكده... ال بينا مات. ابعتلي ورجة طلاجي يا جلال
شحب وجهه وردد:
نجمة… لا... بالله عليكي و
في تلك اللحظة، فتح الباب، ودخلت أسماء، تحمل حقيبتها هي الأخرى وقالت بهدوء حاسم:
يلا يا نجمة
وقبل أن تتحركا، دخل رائد مسرعا، ملامحه متوترة.
وتوقف أمام أسماء، وصوته خرج مكسورا:
أسماء… أنا آسف والله ما كنت أعرف.... سامحيني
نظرت إليه طويلا، ثم قالت بهدوء قاطع:
انتهينا يا رائد.... علاقتنا انتهت الاعتذار متأخر جوي
أشاحت بوجهها و أمسكت بحقيبتها، وأمسكت نجمة بيدها تحركتا نحو الباب لكن فجأة شق صراخ حاد سكون البيت. وتجمد الجميع وخرجوا مسرعين إلى الخارج. وهناك…وقفت أم أمين في منتصف الساحة، عيناها تقدحان نارا.. ويدها ترتجف وهي تمسك بمسدس موجه إليهم فصرخ جلال بفزع:
ماما.. اهدي بالله عليكي.. هما معملوش حاجه
ارتفع صوتها، مشروخا بالغضب والجنون:
هي السبب.. هي اللي جتلت حفيدتي وأختها جتلت ابني. . ولازم يموتوا
أشارت بالمسدس نحو نجمة فتجمدت نجمة مكانها، وعيناها اتسعتا وقال جلال بسرعة، وهو يمد يديه كأنه يحاول احتواء الموقف:
والله ما عملت حاجه... ملهاش ذنب
صرخت أم أمين بهستيريا:
لا... هما السبب ولازم يموتوا
وفجاه ضغطت على الزناد ودوى صوت الطلقة في الهواء وفي جزء من الثانية تحرك جلال ووقف أمام نجمة مباشرة واخترقت الرصاصة جسده.
فـ اتسعت عينا نجمة، وصرخت بكل ما تبقى فيها من روح:
جلال.. جلال جووم
ترنح جسده، والدم بدأ ينتشر فوق قميصه فصرخ رائد وهو يندفع نحوه:
حد يطلب الإسعاف بسرعة..... بسرعة
سقط جلال على الأرض، ونجمة تهبط بجانبه، يداها ترتجفان وهي تضغط على الجرح، ودموعها تسقط بلا توقف وتردد:
لا… لا… متعملش فيا اكده… فوق يا جلال
كان ينظر إليها بصعوبة، أنفاسه متقطعة، وعيناه معلقتان بوجهها…كأنه يحاول أن يقول شيئا…وقبل أن يثقل رأسه بين يديها كان صوت الصراخ يملأ المكان وفي يوم جديد في المستشفي كانت الأجهزة تصدر أصواتا منتظمة، والضوء الأبيض ينساب ببرود فوق الجدران.
فجلست نجمة إلى جوار سرير جلال، عيناها متعلقتان بوجهه الشاحب، ويدها تحتضن كفه كأنها تخشى أن يضيع منها إن تركته لحظة.... لم تنم منذ أدخلوه غرفة العمليات كانت فقط تهمس بالدعاء، وتراقب صدره وهو يعلو ويهبط ببطء فاقتربت منه أكثر، ومسحت بأنامل مرتجفة خصلة شعر سقطت فوق جبينه.
وفجأة تحركت أصابعه بخفة فتجمدت للحظة، ثم انتفض قلبها ورأت جفنيه يرتجفان… ثم ينفتحان ببطء.
فـ شهقت وهي تميل نحوه بسرعة:
جلال…الحمد لله… الحمد لله يارب
رمش جلال بعينيه عدة مرات، محاولا التركيز، ثم نظر إليها كان أول ما رآه وجهها وقال بصوت ضعيف:
انتي كويسة؟
انهمرت دموعها وهي تضحك من بين بكائها:
أنا كويسة… وكلنا كويسين.... ليه عملت اكده يا جلال؟
أغمض عينيه لحظة، وكأنه يستجمع ما تبقى فيه من قوة وردد:
مجدرش أخسرك تاني…سامحيني
انحنت نحوه أكثر، وكلماتها خرجت صادقة بلا حواجز:
أنا بحبك والله… ومسامحاك
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ثم قال:
جولي لأسماء تسامح رائد
ضحكت نجمة بخفة وهي تشير نحو النافذة:
بص… هما واجفين بره مع بعض أهه.... وأصلا هما بيحبوا بعض جوي… متشغلش بالك
أدار جلال عينيه بصعوبة نحو الزجاج هناك، خلف الشباك، كان رائد يقف ممسكا بيد أسماء، يبتسمان له في امتنان وارتياح فعاد بنظره إلى نجمة، وقال بصوت أكثر ثباتا:
أنا مطدرش أعيش من غيرك... خلينا ننسى ال فات… ونبدأ من جديد بالله عليكي يا نجمه
اقتربت منه، ووضعت جبينها على جبينه برفق وهتفت:
هنسي كل حاجة… بس انت ج وم بالسلامة الأول
في تلك اللحظة، دق الباب بخفة، ودخل رائد وأسماء.
واقترب رائد من السرير وهو يهز رأسه مبتسما:
ينفع تخوفنا عليك اكده يا ابني
اقتربت أسماء بدورها، وعيناها تلمعان بدموع الفرح:
انت لازم تجوم بالسلامة علشان نعوض كل ال فات… ونروح نقضي كلنا شهر عسل جديد
ضحك رائد بخفة، وسحبها من وسطها ممازحا، بينما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه جلال ومد يده، فالتقطت نجمة كفه بين يديها ونظر إليها بعينين ممتلئتين بحياة عادت لتوها، وقال:
هنروح فين بجا؟
اقتربت أكثر، واحتضنته بحذر خوفا على جرحه، وهمست قرب أذنه:
هنروح أي مكان انت عايزه… بس انت خف وابجي كويس.
أغمض عينيه مطمئنا وهمس أخيرا:
أنا بحبك جوي يا نجمه
وظلت يداهما متشابكتين…بين الغفران والحياة،
بدأ فصل جديد… لا يكتبه الدم هذه المرة،
بل يكتبه الحب و
تمت