تحميل رواية «العارينا» PDF
بقلم ميلي ميس
الفصل 4 — رواية العارينا الفصل الرابع 4 - بقلم ميلي ميس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ العارينا بقلم ميلي ميس.
رواية العارينا الفصل الرابع 4 - بقلم ميلي ميس
وفجأة…دوّى صوت طلقة نار شقّ سكون الليل…دوووش!في ثانية واحدة، اتسعت عيون الواقفين.وباسم، اللي كان واقف قدام الجد بثبات، لمح لمعة الرصاصة وهي خارجة من ماسورة سلا*ح جابر.بكل سرعة لف جسمه يحاول يتفاداها…لكن…آآخ!الرصاصة خدت طريقها في كتفه الشمال، واخترقت اللحم، ورجع جسمه خطوة لورا من قوة الصدمة.سيل دافي من الدم بدأ يلون عبايته السودة.صرخت ياقوت من فوق شباك القصر، والصوت خرج منها من غير ما تحس:— بااااااسم!عوض لف بسرعة أول ما شاف الدم، ورفع سلاحه وهو بيزعق:— اضربووووا… اقضوا عليهم!لكن قبل ما حد يضغط الزناد…رفع باسم إيده السليمة بكل قوة، وصوته خرج رغم الألم، حاد وهيبته زي ما هي:ولا طلقة… محدش يضرب!رجالة النداف اتجمدوا مكانهم.كلهم بصوا لكبيرهم بعدم تصديق.أما جابر…فأول ما شاف الرصاصة أصابت باسم فعلًا، اتغير لون وشه.كان الغضب هو اللي ماسك إيده وهو بيضرب.لكن أول ما لمح أبوه واقف قدامه…عرف إنه ارتكب مصيبة.ضغط رجله على البنزين، والعربية اتحركت بسرعة جنونية واختفت وسط ضلمة الطريق….الجد فضل واقف مكانه.وشه بقى أحمر من شدة الغضب.قبض على عصايته لدرجة إن صوابعه ابيضت.وبص ناحية العربيات الهاربة وهو يزمجر:— يا ابن الكلب… يا جابر!ثم لف ناحية باسم.كانت الدماء بتنزل من تحت الشاش الممزق فوق كتفه.ورغم كده…كان واقف.رافع راسه.ولا حتى أنّة وجع خرجت منه.قرب الجد منه بخطوات بطيئة.وقال بصوت مليان احترام لأول مرة: حقك عليّا يا ولد النداف…اللي حصل ده عمره ما كان هيحصل بعلمي.باسم رفع عينه ليه.وقال بنبرة هادية لكنها قاطعة:— لو الرصاصة دي كانت جات في صدري…كانت العرينا كلها ولعت الليلة يا حاج.الجد غمض عينه لحظة.كان عارف إن كلامه صح.ولو باسم مات…ولا أجاويد ولا كبار بلد كانوا هيقدروا يمنعوا بحر الدم.تنهد الجد وقال:— اللي غلط هيتحاسب…ووعد راجل لراجل…حقك هيرجع .باسم ابتسم ابتسامة باهتة رغم الألم.وقال:— حقي هاخده بطريقتي…بس مش الليلة.النهارده بيتي أولى بيا.وفي اللحظة دي…حس إن رجليه بدأوا يضعفوا.عوض جري عليه بسرعة وأسنده.وقال بلهفة:— يا كبير… لازم الطبيب حالًا.هز باسم راسه وهو بيكتم وجعه.وقال:— دخلوا الرجالة…واقفلوا البوابة.الليلة خلصت.شالوه بسرعة ودخلوا بيه القصر….أما ياقوت…فكانت واقفة أعلى السلم.وشها شاحب.وقلبها بيدق بعنف.أول ما شافت نقطة الدم اللي كانت بتنزل من كتف باسم…حست إن نفسها انقطع.من غير ما تفكر…جريت ناحية الباب.لكن هنادي مسكتها بسرعة.— استني يا هانم!ياقوت حاولت تفلت منها.— سيبيني… هو مصاب!هنادي شدتها برفق وقالت:— الرجالة معاه …إنتِ نزولك دلوقتي هيزود الدنيا لخبطة.وقفت ياقوت مكانها.لكن دموعها نزلت لأول مرة…مش خوفًا على نفسها.ولا على أهلها.إنما…خوفًا على باسم.ولما شافتهم داخلين بيه وهو بيحاول يخبي وجعه قدام رجالته…حست بحاجة غريبة جدًا بتوجع قلبها.وقالت بين نفسها وهي تبصله من بعيد:”ليه…؟ليه زعلت عليه بالشكل ده؟معقول…؟لا… مستحيل…”لكن قلبها…كان بدأ يقول كلام…عقلها لسه رافض يسمعه.
على الجانب الآخر من البلدة كانت عربية جابر داخلة بوابة القصر بسرعة جنونية، وصوت الفرامل شق سكون الليل.
نزل من العربية وهو بيحاول يخفي اضطرابه، لكن أنفاسه كانت متلاحقة، وعرق بارد نازل على جبينه.
بص حواليه بسرعة، واتأكد إن الجد لسه مرجعش.
طلع السلم بخطوات سريعة، ودخل أوضته، ورزع الباب وراه.
فضل واقف في نص الأوضة، وإيده بترتعش وهو بيفتكر لحظة ضغطه على الزناد.
همس لنفسه:
— يا ساتر… يا رب تكون جات في كتفه بس…
الباب اتفتح بهدوء.
دخلت فاطمة، مراته، وكانت أول ما شافته عرفت إن فيه مصيبة.
قربت منه بسرعة وقالت بقلق:
— مالك يا جابر؟ وشك أصفر كده ليه؟
جابر لف لها وقال بعصبية:
— سيبيني يا فاطمة… مش ناقص كلام.
لكنها مسكت دراعه.
— بالله عليك قول لي… عملت إيه؟
سكت شوية…
وبعدين قال بصوت واطي:
— ضربت باسم.
اتجمدت مكانها.
— يعني… إيه ضربته؟
رد وهو بيبلع ريقه:
— ضربت عليه نار…
الرصاصة خدت كتفه.
حطت فاطمة إيديها على راسها وهي تصرخ:
— يا نهار أسود!
إنت اتجننت يا جابر؟!
إنت عارف عملت إيه؟
لو كان مات…
كانت العرينا كلها ولعت!
جابر لف ناحيتها بعصبية.
— الدم كان مغلي في عروقي!
ردت عليه وهي بتعيط:
— وبنتك يا جابر؟
ياقوت مرات باسم!
إنت فاكر إنه هيسيبها بعد اللي عملته؟
إنت حطيت رقبة بنتك تحت السكينة بإيدك!
أول مرة الخوف الحقيقي يظهر في عيون جابر.
بلع ريقه بصعوبة.
لكنه حاول يداري خوفه وقال:
— باسم راجل…
مش هياخدها بذنب أبوها.
صرخت فيه:
— وإنت سيبتله سبب يرحمها؟
وقبل ما جابر يرد…
بااام
انفتح باب الصالة الخارجية بعنف، وخرج صوت ضربة عصا الأبنوس التي يعرفها الجميع. دخل “الجد” وعيناه تطق شراراً يعمي الأبصار. كان سليم واقفاً في الصالة مع أمه “حنان” وبنت خالته “سارة” اللي رأسها ملفوفة بالشاش.
زعق الجد بصوت جهوري زلزل نجف السقف:
— “فين عمك؟! فين جابر الكلب اللي هيهد العيلة فوق رؤوسنا؟!”
خرج جابر من غرفته بخطوات مهزوزة، وعلى وجهه التوتر والوجوم. ما إن وقعت عين الجد عليه، حتى تقدم نحوه وعاجله بـ صفعة قوية ومدوية على وجهه، تركت أثر أصابعه على خده وجعلت جابر يترنح للخلف بصدمة.
الجد كان بينهج من شدة الغضب.
وشاور بعصايته في وش ابنه وهو يصرخ:
— قليل الأصل!
مين إدالك الإذن تضرب نار؟
مين؟
رد يا ابن الكلب!
جابر نزل عينيه في الأرض.
لأول مرة…
ما عرفش يرد.
الجد زقه في صدره بعنف.
— كنت هتولع البلد!
كنت هتقتل كبير النداف قدام عيني!
إنت عارف لو الرصاصة دخلت قلبه…
كان هيبقى إيه حال ياقوت؟
ولا كنت مستني يدفنوها معاه؟
.
أما سليم فكان أول مرة يشوف جده بالشكل ده.
جابر حاول يتكلم.
— أنا… كنت غضبان.
الجد صرخ فيه:
— الغضب يخليك تبيع عهدك؟
تبيع كلمتي؟
تبيع شرف الراوي؟
ثم رفع عصايته وضربه بها على كتفه ضربة قوية.
— من النهارده…
ولا كلمة تتقال.
ولا رصاصة تطلع.
ولا راجل من رجالتك يتحرك…
إلا بإذني.
فاهم؟
جابر قال وهو مطأطئ رأسه:
— حاضر… يا بوي.
الجد قرب منه، وقال بصوت مخيف:
— لو باسم جراله حاجة…
أقسم بالله…
قبل ما النداف ياخدوا حقهم…
أنا اللي هحاسبك بإيدي.
وساد الصمت…
ولأول مرة…
ظهر جابر الراوي مكسورًا أمام الجميع.
في قصر النداف
دخل رجالة الندّاف باسم من البوابة الكبيرة، والقلق مرسوم على وشوش الكل.
كانت الدماء بتنزل من كتفه وتسيب أثر أحمر على طرف عبايته السودة، لكنه رغم الوجع كان ماشي على رجليه، رافض حد يشيله.
عوض كان ماشي جنبه وهو بيقول بلهفة:
— بالله عليك يا كبير، كفاية عناد… الرصاصة داخلة في كتفك، والدم مش راضي يوقف.
رد باسم من بين سنانه وهو كاتم ألمه:
— طول ما أنا واقف على رجلي… رجالة النداف هتفضل واقفة.
أول ما دخلوا المندرة، كان الطبيب مستني بعد ما بعتوا جابوه بسرعة.
قال الطبيب وهو بيبص للجرح بقلق:
— لازم الرصاصة تتشال حالًا… ولو اتأخرنا هتخسر دم كتير.
هز باسم راسه بهدوء.
— اعمل اللي عليك يا دكتور.
في أوضة واسعة داخل القصر…
قعد باسم على الكنبة الخشبية.
بدأ الطبيب يقص هدومه حوالين الكتف.
أول ما ظهر الجرح…
شهقت هنادي وهي بتحط إيديها على بقها.
الرصاصة كانت مستقرة جوه الكتف، والدم مغرق نص صدره.
أما باسم…
ولا أنة واحدة خرجت منه.
بس فكه كان مقبوض بقوة.
الطبيب حضّر أدواته وقال:
— استحمل يا كبير… هتوجع شوية.
ابتسم باسم ابتسامة خفيفة.
— اعمل شغلك.
بدأ الطبيب يطلع الرصاصة.
الوجع كان شديد لدرجة إن عروق رقبة باسم برزت، وصوابعه قبضت على طرف الكنبة بقوة…
لكن…
ولا صرخة.
ولا كلمة.
كان ساكت…
وكأن كبرياءه أقوى من الرصاصة نفسها.
على باب الأوضة…
كانت ياقوت واقفة مستخبية ورا الباب المفتوح سنة.
قلبها كان بيدق بعنف.
كانت شايفة كل حاجة.
شايفة الدم…
وشايفة الوجع اللي بيحاول يخبيه.
همست من غير ما تحس:
— يا رب…
قومه بالسلامة.
وفجأة انتبهت لنفسها.
اتراجعت خطوة بسرعة.
وحطت إيديها على قلبها.
وقالت وهي بتلوم نفسها:
— مالك يا ياقوت؟
إنتِ بتدعي له ليه؟
ده كبير النداف…
عدو أبوكي!
سكتت لحظة.
لكن صورة وشه وهو بيمنع رجالته يردوا بالنار رغم إنه اتصاب…
رفضت تخرج من دماغها.
افتكرت لما قال لها:
“اللي يدخل بيتنا عمره ما يجوع.”
وافتكرت وهو بينزل المسدس عشان خاطر دموعها.
حست بحرارة غريبة في وشها.
وهزت راسها بعنف.
— لا…
ده مجرد احترام…
بس ليه قلبي وجعني لما شفته بينزف؟
السؤال فضل يلف جواها…
من غير إجابة.
دقائق…
خرج الطبيب وهو بيمسح إيده.
وقال لعوض:
— الحمد لله… الرصاصة خرجت بس لازم يرتاح كام يوم وما يحركش كتفه كتير.
عوض تنفس الصعداء.
وفي اللحظة دي اتفتح باب القصر الكبير ودخلت ست في أوائل الخمسينات رغم تعب السفر كان واضح من هيبتها إنها صاحبة مكانة في البيت أول ما دخلت بصوتها الحنون قالت:
— باسم… يا ضنايا!
رفع باسم راسه أول ما سمع الصوت وفي لحظة…اختفت ملامح الكبير الصلب وقام بسرعة، رغم وجع قلبه ابتسم لأول مرة من قلبه.
— خالتي!
فتح لها دراعه السليم جريت عليه تحتضنه بكل شوق ضمته لصدرها، وفضلت تطبطب على ضهره زي ما كانت بتعمل وهو صغير.
وقالت ودموعها مالية عينيها:
— وحشتني يا ضنايا…
وحشتني قوي.
ابتسم باسم وهو بيبوس راسها.
— وإنتِ أكتر.
كنتوا فين كل ده؟
لكن فجأة…
حست الخالة بإيده ملفوفة بالشاش بعدت عنه بسرعة وبصت للضمادات…وللطبيب الواقف اتغير لون وشها.
وقالت بفزع:
— يا نهار أبيض!إيه اللي جرالك يا حبيبي؟مين عمل فيك كده؟
حاول باسم يطمنها:
— إصابة بسيطة.
لكنها قاطعته وهي بتمسك وشه بين إيديها.
— بسيطة إيه؟أنا شايفة الدم لسه على هدومك.خير يا ابني؟
إيه اللي حصل؟
تنهد باسم وقال بهدوء:
— جابر الراوي ضرب عليّا نا*ر.
شهقت الخالة.
وحطت إيديها على قلبها.
— يا ساتر يا رب…
وفي نفس اللحظة…
دخلت وراها بنت جميلة في منتصف العشرينات.
كانت لابسة فستان سفر ببسيط أول ما شافت باسم…
نسيت كل اللي حواليها جريت عليه بسرعة.
وقالت بلهفة:
— باسم!
إنت كويس؟
وقبل ما يرد… كانت ماسكة إيده السليمة بكل خوف.
— وجعك كتير؟
باسم ابتسم لها بحنان أخوي.
— متقلقيش يا يارا…أنا بخير.
لكن يارا كانت عينيها مليانة دموع وبصاله بطريقة خلت ياقوت، الواقفة بعيد، تراقب المشهد بصمت.
لاحظت قد إيه يارا قريبة منه قد إيه خايفة عليه.
وقد إيه باسم بيكلمها براحة وابتسامة مختلفة.
حاجة صغيرة…خفية جدًا…وخزت قلب ياقوت إحساس غريب…مكنتش عارفة تفسره.حاولت تقنع نفسها:
“أكيد بنت خالته…
وده طبيعي.”
لكن…
لما شافت يارا لسه ماسكة إيده…حست بضيق مفاجئ خفضت عينيها بسرعة.
وزعلت من نفسها.
“أنا مالي؟ليه متضايقة ؟ هو حر
الخالة بصت حواليها بحزن وقالت وهي تهز راسها:
— غبت شهرين بس عنكم…الدنيا اتقلبت فوق دماغكم.
شمس اتجوزت…وإنت كمان اتجوزت.
ومن مين؟من عيلة الراوي!
ثم قربت منه وربتت على خده بحنان.
— سامحني يا حبيبي…
أنا عارفة إنك كنت محتاجني.
بس إنت خابر ظروفي، ومقدرتش أسيب معتز ولا الصفقة اللي كنا فيها.
بس خلاص…أنا رجعت.
ومش هسيبكم لوحدكم تاني ابتسم باسم ابتسامة امتنان.
وقبّل إيدها.
ثم سألها:
— أمال فين معتز؟
ابتسمت الخالة وقالت:
— هيخلص توقيع الصفقة وييجي على طول.
بس أول ما يعرف اللي حصل هنا مش هيهدى.
ابتسم باسم وهو يهز رأسه.
— معتز عمره ما اتغير و زي عادته آخر واحد يوصل.
ضحكت يارا وقالت بمشاكسة:
— ولا عمره هيتغير.
فضحك باسم لأول مرة من قلبه…
وكانت ياقوت واقفة تراقب المشهد كله…
وتكتشف لأول مرة…
أن بيت النداف، الذي تربت على كرهه…
يمتلئ بالدفء والعائلة والحنان…
وأن باسم…
ليس الرجل الذي رسمته لها حكايات الثأر.
في قصر الراوي
كان الليل قد فرد عباءته السوداء على قصر الراوي.
الممرات الحجرية ساكنة، لا يُسمع فيها سوى صفير الريح وهي تتسلل من بين النوافذ القديمة، وصوت ساعة الحائط العتيقة يدق ببطء، كأنه يعدّ على شمس لحظات عذابها.
أما المخزن الصغير تحت السلم…
فكان أشبه بقبرٍ بارد.
جلست شمس في أحد الأركان، ضامة ركبتيها إلى صدرها، تلف ذراعيها حول نفسها علّها تهزم ذلك البرد الذي كان يتسلل إلى عظامها.
رقبتها ما زالت تؤلمها من أثر أصابع سارة، وكتفها يوجعها من دفعة سليم العنيفة، أما معدتها فكانت تؤلمها من الجوع حتى كادت لا تقوى على الجلوس.
رفعت رأسها إلى السقف الخشبي المتهالك، وهمست والدموع تلمع في عينيها:
— يا رب… أنا ماليش غيرك… قوّيني… وصبّر قلبي… ومتخلّيش الظلم يكسرني.
أغلقت عينيها، وأسندت رأسها إلى الحائط.
وفجأة…
تك… تك…
ارتفع صوت طرقات خفيفة على باب المخزن.
انتفض جسدها كله.
شهقت بخوف، وسرعان ما عادت إليها صور سارة وهي تخنقها بالحبل.
تراجعت إلى الخلف، وقالت بصوت مرتعش:
— مين…؟
جاءها صوت هادئ، يحمل حنانًا افتقدته منذ أن دخلت هذا القصر:
— افتحي يا بنتي… أنا حنان.
ترددت شمس لحظة، ثم نهضت ببطء وفتحت الباب.
تفاجأت بأم سليم واقفة أمامها.
كانت تحمل صينية نحاسية صغيرة، عليها طبق شوربة ساخنة، ورغيف بلدي، وقطعة جبن، وكوب لبن.
ابتسمت لها ابتسامة حزينة، وقالت برفق:
— عرفت إنك ما دوقتيش لقمة من الصبح.
خدي يا بنتي… كلي قبل ما الأكل يبرد.
وقفت شمس تحدق فيها بعدم تصديق.
وكأنها لا تستوعب أن أحدًا في هذا القصر يمكن أن يعاملها بهذه الرحمة.
همست بصوت مخنوق:
— ليّا… أنا؟
ابتسمت حنان وهزت رأسها.
— أيوه ليكي إنتِ.
الجوع ملوش ذنب يا بنتي… وربنا ما يرضاش حد يبات جعان.
امتلأت عينا شمس بالدموع.
مدّت يديها المرتجفتين وأخذت الصينية بحذر، وكأنها تخشى أن تكون تحلم.
قالت وهي تكاد تبكي:
— ربنا يجازيكي كل خير…
أنا… أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
اقتربت حنان منها، وربّتت على رأسها بحنان أم، وقالت:
— متشكرنيش يا بنتي… ادعيلي بس.
أنا أم…
وقلبي وجعني عليكي.
صحيح اللي بين العيلتين دم وتار…
لكن إنتِ بنت صغيرة، ومالكِش ذنب في اللي عمله الكبار.
لم تستطع شمس أن تمنع دموعها هذه المرة.
انهمرت على خديها في صمت.
وأول مرة منذ دخلت قصر الراوي…
شعرت بدفء إنساني يخفف عنها شيئًا من قسوة المكان.
جلست حنان بجوارها على الصندوق الخشبي القديم، تنظر إليها وهي تأكل بشهية ممزوجة بالخجل.
قالت بصوت هادئ:
— كلي يا بنتي… شكلك من الصبح ما دخلش بطنك غير المية.
ابتسمت شمس ابتسامة باهتة، وبدأت تأكل ببطء.
كانت كل لقمة تنزل إلى جوفها وكأنها تعيد إليها شيئًا من الحياة.
وفجأة…
صرير…
انفتح باب المخزن مرة أخرى.
تجمدت حنان في مكانها.
ورفعت شمس رأسها بسرعة.
وقف سليم عند الباب.
كانت ملامحه جامدة، وعيناه تدوران بين أمه… وشمس… والصينية الموضوعة أمامها.
ساد صمت ثقيل.
قطعته حنان بهدوء:
— خير يا سليم؟
تقدم بخطوات بطيئة، ثم قال وهو يحاول أن يبدو هادئًا:
— لسه صاحيه يا أمّه؟
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
— أيوه… جبت للبنت تاكل.
نظر سليم إلى شمس للحظة، ثم أعاد بصره إلى أمه.
وقال بنبرة أخف من المعتاد:
— الوقت اتأخر.
اطلعي ارتاحي.
أنا هقفل المخزن.
نظرت حنان إلى وجه ابنها طويلًا، وكأنها تحاول أن تقرأ ما يدور داخله.
ثم التفتت إلى شمس، وقالت بحنان:
— كملي أكلك يا بنتي… ومتخافيش.
ربنا كبير.
خرجت من المخزن ببطء.
وبمجرد أن اختفى صوت خطواتها في الممر…
أغلق سليم الباب بالمفتاح.
واستدار ببطء…
لتعود البرودة القاسية إلى ملامحه من جديد…
أول ما اختفى صوت خطوات حنان في الممر…
لفّ سليم المفتاح في الباب.
“تك…”
صوت القفل دوّى في أذن شمس، فقبض قلبها من جديد.
وقف سليم ضهره للباب للحظات، وعينيه ثابتة عليها، بينما هي كانت واقفة قدام الصينية، مش عارفة تكمل أكل ولا تبعد عنها.
اتقدم ناحيتها بخطوات بطيئة…
كل خطوة كانت بتزود توترها.
وقف قدامها مباشرة، وبص للصينية، وبعدين رفع عينه لوشها.
قال ببرود:
— شكلك جعانة أوي.
نزلت شمس عينيها، وما ردتش.
مد إيده، مسك رغيف العيش من الصينية، وبصله شوية، قبل ما يرميه تاني مكانه.
— كلي…
أصل اللي جاي محتاج قوة.
رفعت شمس عينيها باستغراب.
كانت أول مرة تسمعه يقولها “كلي” بدل ما يمنع عنها الأكل.
لكنها ما علقتش.
سكتت.
ابتسم سليم ابتسامة ساخرة وهو لاحظ حيرتها.
— متبصليش كده…
أنا مش طيب فجأة.
أنا بس عايزك تفضلي عايشة.
عشان كل يوم تعيشيه هنا…
يبقى عقاب جديد ليكي.
بلعت شمس ريقها بصعوبة.
وقالت بصوت هادي، رغم التعب:
— أنا عملتلك إيه؟
اتجمدت ملامحه.
ثواني…
قبل ما يضحك ضحكة قصيرة، كلها مرارة.
— عملتيلي إيه؟
إنتِ بنت النداف.
وده كفاية.
رفعت شمس وشها، وعينيها كانت مليانة دموع، لكنها تماسكت.
— وأنا اخترت أبقى بنت النداف؟
ولا اخترت الحرب دي؟
ولا اخترت أتجوزك؟
ساد الصمت.
الكلمات دي خبطت في مكان جواه، لكنه رفض يبين أي حاجة.
قال بحدة:
— متحاوليش تستعطفيني.
أنا قلبي مات يوم ما دفنت أبويا.
ردت شمس بصوت مبحوح:
— وأنا كمان…
اتدفنت وأنا لسه عايشة.
نظر إليها طويلًا.
كانت واقفة قدامه، هدومها مبلولة من العرق والتراب، ورقبتها لسه عليها آثار أصابع سارة.
وقعت عينه على العلامات الزرقا اللي حوالين رقبتها.
افتكر الحبل…
وافتكر الرعب اللي كان في عينيها وهي بتقول:
“كانت عايزة تقتلني…”
هز رأسه بعنف، كأنه بيطرد الفكرة من دماغه.
ثم قال بجمود:
— اللي حصل النهارده مع سارة…
مش هيتكرر.
اتسعت عينا شمس بدهشة.
كمل وهو بيبص بعيد عنها:
— محدش هيمد إيده عليكي…
غيري.
رجعت البرودة لنبرته.
— مفهوم؟
شعرت شمس بقشعريرة سرت في جسدها.
كان كلامه غريب…
مش حماية.
ولا رحمة.
كان أشبه بإعلان ملكية.
قالت بهدوء:
— أنا مش ملك حد.
لف رأسه ناحيتها بسرعة.
وفي لحظة…
بقى واقف قريب جدًا منها.
لدرجة إنها قدرت تسمع أنفاسه.
مال عليها وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
— طول ما إنتِ جوه القصر ده…
إنتِ تحت أمري.
كلمة مني…
تخلي حياتك جنة.
وكلمة مني…
تخليكي تتمني الموت.
ثم ابتعد خطوة.
وأشار ناحية الصينية.
— خلصي أكلك.
ومن بكرة…
الساعة ستة تكوني في المطبخ.
الدادة سعاد أخدت إجازة.
وإنتِ هتقومي بشغلها.
تنضيف القصر…
وتحضير الفطار…
وخدمة كل اللي في البيت.
ولو اتأخرتي دقيقة…
أنا بنفسي هصحّيكي.
ثم اتجه ناحية الباب.
وقبل ما يفتحه…
وقف من غير ما يبصلها.
وقال بنبرة أخف، كأنها خرجت منه من غير قصد:
— ومتفتكريش…
إن كل مرة حد هينقذك.
فتح الباب.
خرج.
وأغلقه بالمفتاح.
فضلت شمس واقفة مكانها، تبص للباب المغلق.
ثم نزلت تبص للصينية.
همست وهي تمسح دموعها:
— يا رب…
قوّيني…
لأن اللي جاي…
أصعب بكتير.
مع أول خيط نور شق سما العرينا…
كان الضباب لسه مفروش فوق الأراضي الخضرا، وصوت الديوك مالي البلد، بينما قصر الراوي بدأ يدب فيه الحركة من بدري.
أما في المخزن…
كانت شمس نايمة على البطانية القديمة من شدة التعب، جسمها مكسر، ووشها باين عليه الإرهاق بعد ليلة طويلة من البكا والخوف.
فجأة…
ششششش…!
مية ساقعة نزلت عليها مرة واحدة.
شهقت بفزع، وقامت من مكانها وهي بتاخد نفسها بالعافية.
هدومها غرقت، وشعرها الأسود اتبل ولزق في وشها، وجسمها كله أخده رعشة من البرد.
رفعت عينيها بسرعة…
لقت سليم واقف قدامها، ماسك الجردل الفاضي، ووشه جامد مفيهوش أي تعبير.
قال ببرود:
— الساعة كام؟
شمس كانت لسه مش مستوعبة اللي حصل.
ردت وهي بتترعش:
— مش… مش عارفة.
قرب منها خطوة، وقال بصوت حاد:
— الساعة ستة… ومش أنا قلتلك امبارح تكوني صاحية؟
بصتله بعينين مرهقتين، وآثار السهر والبكا باينة عليها.
قالت بصوت مبحوح:
— أنا… قمت أهو.
رمى الجردل على الأرض، وصوته دوّى في المخزن.
— يبقى اتحركي.
قدامك عشر دقايق.
المطبخ لازم يبقى جاهز، والفطار على السفرة قبل ما جدي ينزل.
وقف لحظة وهو يبصلها من فوق لتحت.
كانت شفايفها مزرقة من البرد، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تعصر طرف شالها المبلول.
لثانية…
شيء جواه اتردد.
لكن بسرعة رجع وشه جامد.
لف وهو بيقول:
— لو اتأخرتي…
هعتبر إنك بتتحديني.
وخرج، وقفل الباب من غير ما يبص وراه.
بعد دقائق…
كانت شمس ماشية في ممرات القصر بخطوات بطيئة.
حجابها مربوط بسرعة، ووشها شاحب من السهر.
دخلت المطبخ الكبير.
كان واسع، مليان أواني نحاس لامعة، وريحة الخبز والسمن البلدي مالية المكان.
أول ما دخلت…
رفعت ست كبيرة في السن وشها من فوق العجين.
بصتلها بحنان وقالت:
— صباح الخير يا بنتي.
إنتِ تبقي شمس؟
هزت شمس راسها في هدوء.
— أيوه.
مسحت الست إيديها في المريلة وقربت منها.
— أنا عطيات…
بشتغل في القصر من قبل ما سليم بيه يتولد.
متخافيش مني.
أنا هساعدك على قد ما أقدر.
أول مرة من ساعة ما دخلت القصر…
سمعت شمس كلمة فيها طيبة.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— ربنا يخليكي.
قاطعتها عطيات وهي بتبصلها بقلق:
— وشك أصفر يا بنتي.
إنتِ كويسة؟
ردت بسرعة وهي بتحاول تخبي تعبها:
— الحمد لله.
لكن الحقيقة…
إن الدنيا كانت بتلف بيها.
من قلة الأكل…
والسهر…
والخنقة اللي اتعرضتلها امبارح.
بدأت تساعد عطيات في تجهيز الفطار.
كانت بتقطع الجبن…
وترص العيش…
وتحط أطباق الفول والعسل.
لكن إيديها كانت بتترعش.
مرة السكينة وقعت منها.
ومرة الملح اتكب.
وعطيات كانت كل شوية تبصلها وتقول:
— بالراحة يا بنتي…
مالك سرحانة كده؟
ابتسمت شمس بالعافية.
— معلش…
مش مركزة.
ربتت عطيات على كتفها بحنان.
— ربنا يكون في عونك.
الجناح الشرقي من قصر الراوي…
كانت فاطمة قامت من النوم من بدري، ووقفت قدام المراية بتعدل عبايتها وطرحتها وهي مستعجلة.
جابر، اللي كان نايم بالعافية بعد ليلة امبارح، فتح عين واحدة بالعافية وقال بصوت مخنوق من النوم:
— رايحة فين من بدري كده يا ولية؟
ردت وهي بتعدل طرف الطرحة:
— رايحة أطمن على بنتي.
انتفض جابر من مكانه وقعد على السرير.
— بنتك مين؟!
بصتله باستغراب.
— هي عندي كام بنت يعني؟! ياقوت طبعًا.
قطب جابر حاجبيه وقال:
— تروحي بيت النداف
لفت تبصله وحطت إيديها في وسطها.
—رايحة اتطمن على بنتي ؟! بعد اللي عملته امبارح ؟
حك جابر رقبته وهو بيتهرب بعينه.
— اللي عملته كان… يعني…
قاطعته بسرعة:
— يعني إيه؟! رحت ضربت جوزها بالنار وجاي دلوقتي تقولي سيبيها تاخد على البيت؟!
حاول يبتسم وهو يقول:
— ما هو… الحمد لله مجراش حاجة.
شهقت فاطمة وهي بتضرب كف بكف.
— يا نهار إسود! الحمد لله إيه بس؟! لو الرصاصة كانت جت في قلبه، كنت هتقول برضه الحمد لله؟!
بلع جابر ريقه وسكت.
قربت منه وهي بتبصله بغيظ:
— أنا رايحة أطمن على بنتي… وهبوس راس زوجها كمان، يمكن يسامحنا وينسى الهبل اللي عملته.
فتح جابر عينيه على آخرهم.
— تبوسي راس مين؟!
قالتها وهي خارجة من الأوضة:
— راس باسم النداف… صهري، غصب عنك!
قام جابر من السرير وهو يزعق:
— يا ولية! إوعي تعمليها! ده كبير النداف!
لفتله وهي رافعة حاجبها.
— ما أنا عارفة إنه كبير النداف… مش كبير الصين!
كتم جابر غيظه وقال:
— هتكسري هيبتي قدامه!
ضحكت فاطمة بسخرية وقالت:
— هيبتك؟! يا راجل ده إنت اللي كسرتها بإيدك امبارح لما رحت تضربه بالنار!
مد إيده يحك راسه بيأس.
— والله إنك هتجننيني.
ردت وهي فاتحة الباب:
— لأ… اللي هيجننك إني هرجع ومعايا باسم وياقوت على الغدا كمان.
شهق جابر وهو قام يجري وراها:
— يا مهببة! استني… استني يا فاطمة!
لكن كانت خرجت بالفعل، وسابت جابر واقف في نص الأوضة يضرب كف بكف و مصدوم
وبعد دقائق…
وقفت فاطمة قدام أوضة حنان.
خبطت الباب برفق.
فتحت حنان وهي لسه ماسكة سبحتها.
ابتسمت فاطمة وقالت:
— صباح الخير يا أم سليم.
ها تيجي معايا نطمن على ياقوت؟
بصت لها حنان لحظة…
ثم هزت راسها في هدوء.
— أيوه…
وأنا كمان نفسي أشوفها.
وفي نفس اللحظة…
داخل مطبخ قصر الراوي…
كانت عطيات بتحط آخر طبق في الصينية الكبيرة.
ناولتها لشمس وقالت بابتسامة:
— يلا يا بنتي…
خدي الفطار على السفرة الكبيرة.
خدت شمس الصينية…
أخدت نفسًا عميقًا…
وحاولت تثبت إيديها المرتعشة.
ثم خرجت من المطبخ…
متجهة إلى قاعة الطعام…
و فجأة بدأت الدنيا تسود قدامه