تحميل رواية «العارينا» PDF
بقلم ميلي ميس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ العارينا بقلم ميلي ميس.
رواية العارينا الفصل الثاني 2 - بقلم ميلي ميس
وفجأة…
اتحرك مقبض الباب ببطء، وطلع صرير خفيف كسر السكون المرعب اللي مالي الأوضة.
اتجمدت شمس مكانها، وحبست نفسها وهي شايفة الباب بيتفتح بالراحة، والضلمة بترسم ظل طويل على الأرض.
في الأول افتكرت إن سليم رجع.
لكن لأ…
دي كانت سارة.
دخلت سارة بهدوء وقفلت الباب وراها، وعينيها بتلمع بنظرة خلت قلب شمس يقبض.
قربت من السرير، ووقفت فوق راسها وهي متكتفة، وبعدين مالت عليها شوية وقالت بصوت واطي مليان سم:
— الزغاريط اللي بره دي مش عشانك يا بنت النداف… دي بداية أيام سودة ليكي. فاكرة نفسك عروسة؟ سليم ما بيشوفكيش غير سبب في كل اللي حصل لعيلته. وأنا جاية أقولك إن اللي شوفتيه لحد دلوقتي ولا حاجة… القصر ده هيبقى سجنك.
بلعت شمس ريقها بصعوبة.
كانت مرعوبة، لكن لسه جواها جزء صغير رافض ينكسر.
رفعت عينيها لسارة وقالت بصوت مهزوز:
— أنا مظلومة… ماليش دعوة بدم ولا تار. أنا أصلًا ماكنتش عايزة أجي هنا.
ضحكت سارة ضحكة كلها شماتة وقالت:
— مظلومة ولا مش مظلومة… ده مش هيفرق مع حد. المهم إنك هنا دلوقتي، ولسه ما شفتيش حاجة.
لفت سارة ومشيت، وقفلت الباب وراها.
وسابت شمس لوحدها.
أول ما خرجت، انهارت شمس على السرير من تاني.
لكن المرة دي ما كانتش خايفة من سليم بس…
كانت خايفة من القصر كله.
من حيطانه.
من ناسه.
ومن الأيام اللي جاية.
على الناحية التانية من البلد…
في قصر النداف.
كانت ياقوت قاعدة في أوضتها الواسعة، ولسه مش مستوعبة اللي حصل.
كلام باسم فضل يرن في ودانها.
وكان عامل جواها إحساس غريب، كأنه طفى جزء كبير من الخوف اللي كانت شايله من أول ما دخلت القصر.
بصت حواليها.
الأوضة كانت مترتبة بشكل يليق بست بيت كبيرة.
كل حاجة فيها مريحة وهادية.
مفيش القسوة اللي كانوا بيحكولها عنها.
قامت بهدوء، وفكت طرحة الفرح الثقيلة من على راسها، وقفت عند الشباك.
كان نور الفجر بدأ يظهر في السما.
والبلد كلها لسه غرقانة في هدوء الصبح.
همست لنفسها بحيرة:
— إزاي؟ ده باسم النداف اللي كانوا بيقولوا عليه قاسي وما يعرفش الرحمة؟ إزاي طمني وحمّاني وهو عارف إن أبويا كان من الناس اللي وافقوا على قتل أبوه؟
فضل السؤال يتكرر في دماغها.
وكل مرة كانت الإجابة تبعد أكتر.
في نفس الوقت…
كان باسم قاعد في المندرة الصغيرة تحت.
قدامه فنجان قهوة برد من كتر ما هو سرحان.
ساند راسه بين إيديه، والتعب باين على ملامحه.
دخل عليه عوض، صاحبه ودراعه اليمين.
وقف قدامه وقال بقلق:
— يا كبير، الناس كلها بتتكلم. الكل مستني يعرف هتعمل إيه مع بنت الراوي. التار لسه جديد، والبلد كلها عيونها عليك.
رفع باسم راسه.
وفي عينيه ظهر نفس البريق الحاد اللي كان بيظهر وقت الشدة.
وقال بهدوء حاسم:
— النداف ما بياخدوش تارهم من الستات يا عوض.
سكت لحظة وكمل:
— البنت في حمايتي. واللي عنده كلام يقوله يقوله. طول ما أنا كبير العيلة، كلمتي هي اللي هتمشي.
هز عوض راسه باحترام.
أما باسم فقام من مكانه وقال:
— جهز الرجالة من بدري. الشغل مستنيش حد. لا تار ولا جواز هيوقفوا رزق الناس.
خرج عوض ينفذ أوامره.
أما باسم ففضل واقف لوحده.
باصص من الشباك ناحية السما اللي بدأ نورها يزيد.
وفي قلبه حرب محدش شايفها…
حرب بين واجب كبير العيلة…
وبين العدل اللي رافض يفرط فيه مهما كان الثمن.
نزلت شمس درجات السلم الرخامي الواسع في قصر الراوي، ورجليها بالعافية شايلينها. العباية السودة الشيفون كانت واسعة عليها كأنها تايهة جواها، وشعرها الأسود الطويل مستخبي تحت شال أسود عامل زي غيمة حزن فوق راسها. كانت سامعة دقات قلبها وهي بتخبط في ضلوعها مع كل خطوة بتقربها من الساحة الكبيرة.
الساحة كانت واسعة، والحراس واقفين حواليها بسلاحهم. وفي صدر المكان كان قاعد الجد، ماسك عصايته الأبنوس بين إيديه. وعلى يمينه جابر، وعينيه مليانة قسوة. بعيد شوية كانت أم سليم واقفة، بتبص لشمس بنظرة مكسورة ومليانة غضب مكتوم. ووراهم سارة، سندة ضهرها على الحيطة وعلى شفايفها ابتسامة شماتة باردة.
وقف سليم في النص، ولما وقعت عينه على شمس وهي نازلة، قال بصوت حاد زي السوط:
— تعالي هنا يا بنت النداف… تعالي واعرفي ناسك وعيلتك الجديدة.
شمس قربت بخطوات مترددة، الخوف مالي قلبها، لكن راسها كانت مرفوعة بعناد. الجد رفع عينه عليها، ونظرته الثابتة ثبتتها مكانها. خبط بعصايته في الأرض وقال بصوت هز الساحة كلها:
— دخولك وسطينا معناه إن رقاب أخوكي ورجالة عيلتك بقت في أمان. لكن ما تفكريش لحظة إن دم ولدنا حسام اتنسى. ومن النهارده مفيش قعدة في الجناح اللي فوق طول النهار. مكانك وسط الخدم… غسيل وطبخ وخدمة لستات البيت. وإياكي رجلك تعدي باب القصر، وإلا دمك هيبقى هدر.
دمعة نزلت من عين شمس غصب عنها، لكنها مسحتها بسرعة وقالت بصوت مخنوق لكنه ثابت:
— حكمك على راسي يا كبير، وأنا عارفة الأصول. والخدمة عمرها ما كانت عيب. بس افتكروا إن ربنا ما بيرضاش بالظلم… وأنا مليش ذنب في دم حد.
اتنحنح جابر وقال بخشونة:
— لسانك ما يطولش يا بت. هنا تقولي حاضر ونعم، وتوطّي راسك في الأرض. يا سليم، خد مراتك وربّيها من أول وجديد، وخليها تعرف إن القصر ده له أصحاب وسادة.
سليم قرب منها، وقبض على كتفها بعنف ولفها ناحية مطبخ القصر الخارجي، وقال من بين سنانه:
— قدامك الشغل. وإياكي أشوف وشك مرفوع قدامي… أصل أنا اللي هكسرهولك.
كانت سارة بتتفرج على المشهد وعينيها مليانة انتصار، وفي قلبها يقين إن اللي شافته شمس النهارده ما هوش غير البداية… وإن الجحيم الحقيقي لسه ما بدأش.
على الناحية التانية، في قصر النداف، كان الصبح مختلف تمامًا.
صحيت ياقوت على خبط خفيف على الباب. قامت بسرعة، عدلت هدومها وفتحت، متوقعة تشوف وشوش مكشرة أو حد جاي ياخدها للشغل.
لكنها اتفاجئت بهنادي، كبيرة الخدم، داخلة عليها وهي شايلة صينية فطار كبيرة مليانة أكل يفتح النفس، وعلى وشها ابتسامة طيبة.
قالت:
— صباح الخير يا هانم. الكبير باسم أمر إن الفطار يطلع لحضرتك هنا. وقال ما تنزليش غير لما ترتاحي وتاخدي على المكان.
بصتلها ياقوت بدهشة، وبعدين بصت للصينية وسألتها:
— باسم هو اللي قال كده بنفسه؟
هزت هنادي راسها وقالت بابتسامة:
— أيوه يا هانم. سيدنا باسم راجل ابن أصول، وما يعرفش القسوة على الستات. ووصّانا عليكي بنفسه قبل ما ينزل الغيط والشركات.
خرجت هنادي، وسابت ياقوت واقفة مكانها والدموع مالية عينيها. لكن المرة دي ما كانتش دموع خوف.
كانت دموع حيرة وامتنان.
تنهدت وهي بتكلم نفسها:
— يا ترى إيه اللي بيحصل؟ أهلي قالولي إن عيلة النداف دياب، لكن باسم طلع أرحم وأجدع من رجالة عيلتها.
وفي نفس اللحظة اللي كانت ياقوت سرحانة فيها وبتفكر في شمس، اتفتحت البوابة الكبيرة لقصر النداف بعنف.
دخل عوض، دراع باسم اليمين، وهو بيجري ونفسه مقطوع وعينيه مليانة توتر. ومن بره كان صوت خناقة وزعيق عالي واصل لحد جوه القصر.
باسم كان لسه خارج من مكتبه، فبص لعوض وسأله بحدة:
— إيه اللي بيحصل بره؟
بلع عوض ريقه وقال:
— رجالة جابر الراوي واقفين قدام البوابة يا كبير، وجايبين عربيات غلة وأكل. بيقولوا دي مؤونة الخدامة اللي بعتوها لبنتهم عشان ما تاكلش من أكل النداف. والرجالة بره مولعة، وكل واحد حاطط إيده على سلاحه، والدم ممكن يسيل في أي لحظة.
في ثانية اتحولت ملامح باسم.
عينيه احمرت من الغضب، وعروق رقبته برزت. عدل عبايته وسحب مسدسه من فوق المكتب وقال بصوت هز القصر كله:
— يبقى جابر الراوي قرر يلعب بالنار!
وهمّ يخرج.
لكن فجأة نزلت ياقوت من على السلم بسرعة ووقفت قدامه.
كانت مرعوبة.
جسمها كله بيترعش، ومدت إيديها قدامه كأنها بتحاول توقف عاصفة.
الدموع نزلت من عينيها وقالت بصوت متكسر:
— عشان خاطري يا باسم بيه… بلاش دم. اسمعني الأول. أبويا ماكانش قصده يهينك، هو بس قلقان عليّا. سامح الموقف وعديه المرة دي، وما تخليش السلاح هو اللي يتكلم.
باسم بص لإيديها المرتعشة اللي ماسكة طرف عبايته.
وبص للخوف اللي مالي عينيها.
وساعتها حس إن غضبه بدأ يهدى شوية.
أخذ نفس طويل، ونزل المسدس من إيده بهدوء.
وبعدين قال وهو باصص لها مباشرة:
— أكل النداف ما يعيبش حد يا بنت الراوي. واللي يدخل بيتنا عمره ما يجوع. لكن اللي عملته عيلتك دي إهانة ليا قدام رجالي وقدام البلد كلها… وكبير النداف ما يتقلش من قدره.
بعدها لف ناحية عوض وقال بحزم:
— اطلع بره وقول لرجالة جابر الراوي يرجعوا بكل اللي جابوه. وقول لهم كمان إننا باعتين معاهم حمولة أكبر من خير النداف. وقول لهم إن بنتهم هنا عايشة مكرمة ومش محتاجة حاجة من حد.
وسكت لحظة قبل ما يكمل بنبرة مخيفة:
— ولو حد فكر يرفع سلاحه… رجالتنا يعرفوا يردوا كويس.
هز عوض راسه وقال:
— أمرك يا كبير.
وجري ينفذ الأمر.
أما ياقوت فكانت واقفة مكانها، مش مصدقة اللي شافته.
كان يقدر يشعل حرب.
لكنه اختار يحافظ على كرامته وكرامتها من غير ما يريق نقطة دم.
باسم قرب منها خطوة وقال بصوت أهدى:
— دموعك دي ما أشوفهاش تاني. اطلعي أوضتك، وسيبي كلام الرجالة للرجالة.
وسابها ومشي.
أما هي ففضلت واقفة مكانها وقلبها بيدق بطريقة غريبة.
لأول مرة…
الخوف اللي جواها بدأ يتحول لإعجاب.
في نفس الوقت…
في المطبخ الخارجي لقصر الراوي.
كانت شمس واقفة منهكة.
إيديها واجعاها، وضهرها مكسور من التعب.
هدومها اتبهدلت من الشغل، وشكلها يقطع القلب.
كانت شايلة طشت غسيل تقيل بالعافية، لما دخلت سارة فجأة وهي شايلة جردل مية.
وراحت مرشقاه على الأرض قدام شمس.
وقالت بابتسامة شماتة:
— يلا يا بنت النداف، امسحي الأرض كويس. سليم بيه جاي حالاً، وما بيحبش يشوف حتة تراب في مكانه. وبعدها روحي حضري فطار الرجالة.
شمس بصتلها بعينين محمرين من كتر الدموع اللي حابساها.
لكن قبل ما ترد…
اتفتح الباب.
ودخل سليم.
كعادته، الغضب سابقه.
بص لشمس، وبعدين قرب منها وقال بصوت غليظ:
— أخوكي رد الغلة والأكل اللي بعتهم عمي جابر. وكمان بعت حمولة من عنده زيادة… كأنه بيتصدق علينا!
قبض على دراعها بعنف.
وقال من بين أسنانه:
— أخوكي بيلعب بالنار يا شمس… وكل إهانة عملها ليا بره، هطلعها فيكي هنا.
وجرها وراه وسط الساحة.
وشمس بتتألم وبتحاول تفلت منه.
أما سارة فكانت واقفة تتفرج من بعيد وسعيدة بالمشهد.
وصل سليم قدام الجد وجابر.
وزق شمس وقعتها على الأرض.
وقال بغضب:
— من النهارده البنت دي مالهاش أكل من مطبخ القصر. تاكل أي حاجة تتبقى من الخدم، وتنام في أوضة المخزن تحت السلم. يمكن أخوها يعرف مقامه بعد كده.
رغم وجعها…
رفعت شمس راسها.
وبصت لسليم بعينين مليانين تحدي.
وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي في الساحة:
— اعمل اللي أنت عايزه يا سليم الراوي. اظلم وافترى براحتك. لكن عمرك ما هتكسر عيلة النداف. وباسم أخويا راجل بألف راجل… واللي بتعمله ده ما يقللش غير منك أنت.
ساد الصمت.
الجميع اتصدم من جرأتها.
أما سليم…
فاتحول وشه في لحظة لوش وحش جريح.
رفع إيده بغضب شديد…
ونزل بيها ناحية وشها بكل قوته…
وفجأة…
رواية العارينا الفصل الثالث 3 - بقلم ميلي ميس
وفجأة… انقبضت الأنفاس في الساحة كلها، والكل كتم نفسه مستني ضربة سليم اللي نازلة زي المرزبة. لكن قبل ما إيده تلمس وش شمس، اتسمع صوت جهوري حاد شق السكوت وزلزل المكان:
— اِيدك لا تنزل عليها يا ولد حسام!
إيد سليم اتجمدت في الهوا على بعد سنتيمترات من وش شمس. لف سليم راسه بسرعة وعينيه بتطق شرار، لقى “الجد” واقف بطوله وساند بكل قوته على عصايته الأبنوس، ونظراته الكهلة فيها غضب حقيقي هز كيان سليم.
الجد مشي بخطوات بطيئة بس ليها هيبة تخوف، وقف قدام سليم وخبط بالعصاية في الأرض خبطة رّجت الحيطان وقال بصوت واطي بس حاد وزي الموس:
— عيلة الراوي مِبتمدش يدها على الحريم يا سليم. واِلمس وشها وشوف أنا هعمل فيك إيه! إحنا كبار البلد دي، والأصول عندنا قبل التار. البت مِغسولة ومتداس كرامتها بالشغل وبتنام في المخزن، وده تمن كافي يكسر عين أخوها، إنما ضرب الحريم مِيعملوش رجال حر ولد أصول.
سليم نزل إيده ببطء وهو بيجز على سنانه وعروق رقبته هتنطق من الغل، بص لشمس اللي كانت لسه باصة له بتحدي ودموع قهر، وزقها برجله بالراحة وهو بيقول بنبرة مليانة سم:
— غوري من وشي عاد.. غوري على المخزن، وعهد الله لولا كلمة جدي لكنت دفنتك مكانك الليلة دي!
قامت شمس وجسمها كله بيترعش، اتمسكت بالحيطة وجمعت الباقي من كرامتها ومشت لـ جوه القصر وهي حاسة بوجع في قلبها ملوش دوا، وسارة واقفة بعيد بتغلي من جواها لأن الجد منع سليم يكسر شمس بالضرب.
في نفس الوقت، في قصر النداف…
كانت ياقوت قاعدة في أوضتها، عينيها على الشباك وعقلها مِوقفش تفكير. كل كلمة قالها باسم لـ عوض، وكل حركة عملها عشان يحميها ويحمي كرامة عيلتها كانت بتتعاد قدام عينيها زي الشريط.
فجأة، الباب اتفتح ودخل باسم. كان لسه لابس عبايته وملامحه هادية بس شايلة هموم جبال. ياقوت وقفت بسرعة وربطت إيديها بتوتر. باسم قرب وقعد على الكرسي القريب من الشباك، بَص لها ولقى ملامح الخوف لسه مِفارقتش وشها، فاتنهد وقال بصوت رجولي دافي:
— لساتك واجفة وخايفة يا بنت الراوي؟ أنا مش جولتلك إنك في حماي؟
ياقوت بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:
— أنا مش خايفة منك يا باسم بيه.. أنا بس.. مستغربة. عيلتي فهموني إنكم ناس مِتعرفش الرحمة، بس اللي شفته منك الصبح مع رجالة أبوي مِيعملوش غير راجل واصل وعنده أصل.
باسم ابتسم ابتسامة خفيفة وداراها بسرعة، وقام وقف وبص لها بنظرة ثابتة:
— إحنا بنعرف الأصول زين يا ياقوت. وأنا مش هاخد ذنب التار فيكي. ارتاحي واِطمني، طول ما اِنتي في قصر النداف، مفيش نملة تِقدر تقرب منك.
ولف ضهره عشان يخرج، بس وقف لما سمعها بتقول بصوت فيه رجاء ومكسور:
— تفتكر شمس أختك.. عايشة كيف الحين في قصرنا؟
باسم اتسمر مكانه، وضهرت على ملامحه غيمة حزن وخوف حقيقي على أخته، قبض على إيده بقوة وقال من غير ما يلف وشه:
— شمس بنت النداف.. ومِتخافيش على بنت النداف واصل، جواها عِند يهد جبال.
وخرج وقفل الباب، وساب ياقوت تدعي في سرها إن ربنا يحمي شمس، لأنها خابرة زين إن سليم الراوي مِيعرفش يعني إيه رحمة.
ومع دخول الليل… انطفت أنوار قصر الراوي، وبقت العرينا كلها غرقانة في ضلمة كئيبة.
في أوضة المخزن الضيقة اللي تحت السلم، كانت شمس قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط في صمت من البرد والجوع. الأوضة كانت كتمة وريحة التراب فيها تخنق.
وفجأة… سمعت صوت قفل الباب الخارجي للمخزن بيتفتح ببطء شديد.
انقبض قلبها واتجمدت الدموع في عينيها. شافت الباب بيتفتح، ودخل ضل أسود…
مكنش سليم، ولا كان حد من الرجالة… دي كانت سارة.
دخلت سارة وهي ماسكة في إيدها شمعة صغيرة منورة وشها بطريقة تخوف، وفي إيدها التانية حبل غليظ. قفلت الباب وراها بالراحة، وبصت لشمس بابتسامة غل مسمومة وقالت بصوت واطي زي فحيح الأفاعي:
— الجد حماكي من إيد سليم قبال الناس عشان الأصول… بس الأصول دي مِتمشيش عليّ أنا يا بنت النداف! سليم ده بتاعي، وإنتي دخلتي هنا عشان تموتي… والليل ملوش عيون!
وقربت من شمس وهي بتفرد الحبل في إيدها وعينيها بتطق شرار…
اتجمعت المية في عين شمس، وضربات قلبها بقت سريعة وورا بعضها زي الطبل، لِمت جسمها كله في ركن الحيطة وضمت رجليها لصدرها أكتر، وبصت للحبل ولعيني سارة اللي ماليها الكُره الأعمى، وقالت بصوت مرعوب بس حاولت تخليه جامد:
— إنتي اِتجننتي يا سارة؟! عاوزه تعملي إيه؟! واِفتكري إن لو جرى لي حاجة، سليم والجد مِش هيفوتوها ليكي واصل!
ضحكت سارة ضحكة مكتومة، ضحكة باردة ومخيفة سِمعتها شمس واتعشت وراها ضلوعها، وقربت خطوة كمان وهي بتنزّل الشمعة على الأرض، وهمست بغِل:
— وسليم ماله ومالك عاد؟ الكل خابر إنك داخلة اهنه جحيم، ولو لِقيناكي الصبح جاطعة النفس، سليم وجده هيقولوا ماتت من جهرها، أو اِنتحرت لجل ما تِهرب من الخدمة، ومحدش هيبكي عليكي واصل يا بت النداف!
وفي ثانية واحدة، رمت سارة الحبل على جنب وهجمت على شمس بكل غلها، ومدت إيديها القوية وقبضت على رقبة شمس بكل قوتها لجل ما تِكتم نفسها وتِخــنقها!
شمس عينيها اِتبحرجت وبقت تِفرك برجلها في الأرض وتِحاول تِزق إيد سارة عن رقبتها، الهوا بدأ يِقل في صدرها والضلمة بدأت تِقفل على عينيها. قاومت بكل قوتها اللي باقية، ومدت إيدها المرتعشة على الأرض بتدور على أي حاجة تِدافع بيها عن نفسها وسط العتمة، وفجأة اِتخبطت إيدها في قفل حديد جاديم وثقيل كان مرمي وسط كراكيب المخزن.
مسكت القفل بكل قوتها وعزمها، ورفعت إيدها ونزلت بيه على دماغ سارة!
اتسمع صوت خبطة مكتومة، وصرخة وجع مكتومة طلعت من سارة اللي سابت رقبة شمس فجأة وحطت إيدها على دماغها، ووقعت على الأرض وهي بتئن من الوجع والــدم بدأ يِنزل بين صوابعها. شمس لفت وجريت على بطنها وبقت تِكح وتِاخد نفسها بصعوبة ودموعها نازلة كالمطر، وجسمها كله بينتفض من الصــدمة والرعب.
وفي نفس اللحظة دي… اِتفتح باب المخزن بعنف!
دخل سليم وهو ماسك كشاف كبير، ونوره جه في عين شمس وسارة المرمية على الأرض وبتنــزف. سليم وقف مذهول من المنظر، وعينيه اِتنقلت بين شمس اللي بتنهج وتموت من الخوف، وبين بنت خالته سارة اللي سايحة في دمــها.
قرب سليم بسرعة وبصوت زئير هز أركان المكان زعق:
— إييييه اللي بيحصل اهنه عاد؟! إنتي عملتي إيه في سارة يا بت النداف؟!
شمس، من كتر الرعب والوجع، مِجدرتش تنطق، شاورت بـ إيدها المرتعشة على الحبل اللي مرمي في الأرض وعلى رقبتها اللي اِعلمت فيها صوابع سارة باللون الأحمر الأزرق البايخ، وبصت له بنظرة عتاب وكسرة تِفلق الصخر وقالت بصوت متبهدل ومخلوق:
— كانت… كانت عاوزه تِجــتلني…
سليم بَص للحبل، وبص لرقبة شمس، وحس بـ لغبطة وغضب وشرار بيطلع من عينه، ومكنش خابر يِصدق عينه ولا يِصدق غله…
وعلى الناحية التانية من العرينا، وفي نفس اللحظة دي في قصر النداف…
كانت ياقوت واقفة وجسمها كله بيترعش، ومدت إيديها قدامه كأنها بتحاول توقف عاصفة. الدموع نزلت من عينيها وقالت بصوت متكسر عشان خاطره بلاش دم، وطلبت منه يسامح الموقف ويعديه المرة دي وميخليش الســلاح هو اللي يتكلم.
باسم بص لإيديها المرتعشة اللي ماسكة طرف عبايته، وبص للخوف اللي مالي عينيها، وساعتها حس إن غضبه بدأ يهدى شوية. أخذ نفس طويل، ونزل المــسدس من إيده بهدوء، وقالها إن أكل النداف ما يعيبش حد واللي يدخل بيتهم عمره ما يجوع، بس اللي عملته عيلتها إهانة ليه قدام رجاله والبلد كلها، وكبير النداف ما يتقلش من قدره.
بعدها لف ناحية عوض وقال بحزم إنه يطلع بره ويقول لرجالة جابر الراوي يرجعوا بكل اللي جابوه، ويقولهم إنهم باعتين معاهم حمولة أكبر من خير النداف وبنتهم عايشة مكرمة ومش محتاجة حاجة من حد، وكمل بنبرة مخيفة إن لو حد فكر يرفع ســلاحه فرجالتهم يعرفوا يردوا كويس. عوض هز راسه وقال أمرك يا كبير وجري ينفذ الأمر.
أما ياقوت فكانت واقفة مكانها مش مصدقة، كان يقدر يشعل حــرب لكنه اختار يحافظ على كرامته وكرامتها من غير ما يريق نقطة دمــ واحدة. باسم قرب منها خطوة وقال بصوت أهدى إن دموعها دي ما أشوفهاش تاني، وطلب منها تطلع أوضتها وتسيب كلام الرجالة للرجالة وسابها ومشي. أما هي ففضلت واقفة مكانها وقلبها بيدق بطريقة غريبة، ولأول مرة الخوف اللي جواها بدأ يتحول لإعجاب.
باسم خرج وقف في حوش القصر وعوض جنبه والرجالة واقفين ومجهزين الســلاح وحاطين إيديهم على الزناد، وفجأة… وقبل ما ياقوت حتى توصل لأوضتها فوق، اِتسمع صوت ضــرب نار حي وكثيف شق سكون الليل برة بوابة قصر النداف، وصوت صراخ وعياط ورصاص بينزل زي المطر برة…
انخلع قلب ياقوت فوق السلم، وصرخت صرخة مكتومة وهي شايفة باسم بيلف زي النمر، وعينيه اتقلبت جمر نار. سحب طبنجته وفتح الأمان بـ صوت “تكة” حاد، وزعق في رجاله بصوت زلزل القصر كله:
— على برااا يا رجال! الغدر جِانا لحد عتبة بيتنا، واليوم هِتكون مقبرة للي تجرأ وهبّ على حمانا!
خرج باسم يجرى وسط رجاله اللي اِنتشروا ورا الأسوار الرمادية الصخرية لقصر النداف، والرصاص كان بياكل في الحيطان وبيرد بـ صدى مرعب في غسق الليل. ياقوت جِريت على شباك الممر الفوقاني وبقت تبص برعب، لِقيت العربيات بتاعت عيلتها واقفة برة، ورجالة عمها جابر بيضــربوا نار بغل وعشوائية، والرجالة بتوع باسم بيردوا عليهم بـ ضــرب صاحي وموزون وثابت يِهد الجبال.
لمحت باسم واقف بطوله ورا السور العالي، بيضرب برصاص مِبيخطيش هدفه، وهيبته في وسط المــعركة كانت تخوف وتجبر أي حد يحترمه. كانت بتدعي وبتبكي، وقلبها مقسوم نصين؛ خايفة على أهلها وعيلتها، وفي نفس الوقت مرعوبة يصيب باسم أي أذى وهو بيكافح عشان يحمي بيته وعرضه.
وفي نفس اللحظات دي، في مخزن قصر الراوي…
سليم كان واقف مكانه، عينه بتروح وتيجي بين الحبل، وبين الرقبة النحيفة بتاعت شمس اللي اِعلمت باللون الأزرق، وبين سارة اللي قاعدة في الأرض وكاتمة دم دماغها بإيدها وبتصرخ بـ غل وعين مغلولة:
— اِجــتلها يا سليم! اِجــتل بت النداف! دي دخلت القصر لجل ما تخلص علينا كلنا، وبدأت بيَّ أنا! اِسمع حديثي واِخلص منها الليلة دي قبال ما تِجــتل أمك ولا جَدك!
شمس كانت بتنهج، صدرها بيعلو ويهبط بصعوبة، ودموعها نازلة تحرق خدودها، بس عينيها مكنش فيها استسلام واصل، كانت بتبص لـ سليم بـ كبرياء وعناد غريب ونبرة صوتها طلعت مخنوقة بس قوية:
— أنا مِجــتلتش حد يا ولد الراوي.. بنت خالتك دخلت الحبل في رقبتي لجل ما تِخــنقني وتِجــتلني في الضلمة، وأنا دافعت عن روحي.. وإن كان جلبك مالي عاد بالغل وعاوز تِخلص مني، اِعملها اِنت واِجــتلني بيدك، بس مِتخليش الحريم تِعملها من وراك غدر!
سليم حس بـ صــدمة من جراءتها، وبص لـ سارة بنظرة حادة وباردة، وقرب من سارة وسحبها من دراعها وقومها من الأرض وقال بصوت واطي ومخيف:
— اِطلعي برة يا سارة.. اِطلعي برة ومِشوفش وشك اهنه واصل ليلتِك دي!
سارة بصت له بذهول وهي مِصدقاش إنه مِش هياخد بحقها، وخرجت وهي بتعرج وبتتوعد لـ شمس بـ الموت. سليم لف وشه لـ شمس، قرب منها بخطوات بطيئة تقطع النفس، لحد ما بقى واقف فوق راسها بالظبط. نزل على ركبة ونص، وبص في عينيها مباشرة، ومسك فكها بقوة بس من غير العنف بتاع أول ليلة، وقال بفحيح مسموم حرق روحها:
— مفكرة حالك بطلة يا بت النداف؟ ومفكرة إن سليم الراوي هِيتضحك عليه بـ كلمتين وعِند حريم؟ جدي حماكي من يدي الصبح، وأنا مِش هخلي حد يلمس شعرة منك.. مِش حباً فيكي، لاه! لجل ما تِفضلي صاحية وتِدوقي المر بـ يد سليم الراوي وبس! إنتي ملكي، وعذابك اهنه هِيكون بـ أمري أنا وبس!
زق وشها بعنف، وقام وقف، ورمى الرغيف وكسرة جبن كانت في إيده على الأرض وقالها بـ جفاف:
— طِفحي ده.. لجل ما تِقدري تقومي الصبح لـ خدمتك، الجاي أسود من اللي فات!
ولف وضهره ومشي وقفل الباب وراه بـ المفتاح، وساب شمس تنفجر في العياط وهي حاطة إيدها على رقبتها الوجعانة، وحاسة بـ الخوف بياكل ضلوعها من الراجل اللي اِتحول لـ غول ملوش قلب.
برة قصر النداف…
جاء صوت فرملة عربية قوية شقّت صوت الرصاص والكــفاح! نزلت عربية كبيرة ونزل منها “الجد” كبير عائلة الراوي وهو بيزعق بـ أعلى صوته وبيهز عصايته في الهوا وسط ضــرب النار:
— اِجفواااا! اِجفوا ضرب النار يا رجال الراوي! اِكتم سلاحك يا ولد عاد!
الضــرب بدأ يِقل بالتدريج لحد ما ساد السكون المرعب، وباسم وقف ورا السور وبص لـ الجد اللي قدم خطوتين وبص لـ قصر النداف وبصوت جهوري هز الحيطان قال:
— يا باسم يا ولد النداف! اِطلعلي اهنه!
باسم عدل عبايته، وخرج من ورا السور بكل ثبات وهيبة، والطبنجة في إيده، ووقف قبال الجد وعينيه بتطق شرار وقال بصوت حاد وزي السيف:
— جِيت لجل ما تِشوف خيبة رجالك يا حاج؟ جابر بعت رجاله يِضربوا على حُرمة بيتي ورجالي بعد ما رديت غلته! وعهد الله، لولا إنك راجل شِيبة وكبير البلد، لكنت بعت رجالك دول كلهم في كافــير!
الجد بَص لـ باسم، وبعدين بص لـ رجالة جابر اللي واقفين مكسورين، وقال بنبرة غامضة وفيها تدبير أسود:
— جابر غلط واِتصرف من راسه، وعيلة الراوي مِتخونش العهد والبدل اللي اِتكتب بـ الأجاويد.. الغلة هِترجع، وبتنا اهنه في حماك يا ولد النداف. بس اِعرف زين.. إن ليل العرينا طويل، واللي مِحصلش الليلة دي.. مِتأكد إنه هيحصل بكرا!
باسم بص له بـ نظرة صقر مِبيخافش، وفجأة… من ورا الجد، ظهرت عربية جابر الراوي وهي بتتحرك بسرعة جنونية، وجابر واجف من الشباك وماسك سلاحه وموجهه مباشرة على صدر باسم وعينيه ماليها الشـ*ـر المطلق!
وفجأة.
رواية العارينا الفصل الرابع 4 - بقلم ميلي ميس
وفجأة…دوّى صوت طلقة نار شقّ سكون الليل…دوووش!في ثانية واحدة، اتسعت عيون الواقفين.وباسم، اللي كان واقف قدام الجد بثبات، لمح لمعة الرصاصة وهي خارجة من ماسورة سلا*ح جابر.بكل سرعة لف جسمه يحاول يتفاداها…لكن…آآخ!الرصاصة خدت طريقها في كتفه الشمال، واخترقت اللحم، ورجع جسمه خطوة لورا من قوة الصدمة.سيل دافي من الدم بدأ يلون عبايته السودة.صرخت ياقوت من فوق شباك القصر، والصوت خرج منها من غير ما تحس:— بااااااسم!عوض لف بسرعة أول ما شاف الدم، ورفع سلاحه وهو بيزعق:— اضربووووا… اقضوا عليهم!لكن قبل ما حد يضغط الزناد…رفع باسم إيده السليمة بكل قوة، وصوته خرج رغم الألم، حاد وهيبته زي ما هي:ولا طلقة… محدش يضرب!رجالة النداف اتجمدوا مكانهم.كلهم بصوا لكبيرهم بعدم تصديق.أما جابر…فأول ما شاف الرصاصة أصابت باسم فعلًا، اتغير لون وشه.كان الغضب هو اللي ماسك إيده وهو بيضرب.لكن أول ما لمح أبوه واقف قدامه…عرف إنه ارتكب مصيبة.ضغط رجله على البنزين، والعربية اتحركت بسرعة جنونية واختفت وسط ضلمة الطريق….الجد فضل واقف مكانه.وشه بقى أحمر من شدة الغضب.قبض على عصايته لدرجة إن صوابعه ابيضت.وبص ناحية العربيات الهاربة وهو يزمجر:— يا ابن الكلب… يا جابر!ثم لف ناحية باسم.كانت الدماء بتنزل من تحت الشاش الممزق فوق كتفه.ورغم كده…كان واقف.رافع راسه.ولا حتى أنّة وجع خرجت منه.قرب الجد منه بخطوات بطيئة.وقال بصوت مليان احترام لأول مرة: حقك عليّا يا ولد النداف…اللي حصل ده عمره ما كان هيحصل بعلمي.باسم رفع عينه ليه.وقال بنبرة هادية لكنها قاطعة:— لو الرصاصة دي كانت جات في صدري…كانت العرينا كلها ولعت الليلة يا حاج.الجد غمض عينه لحظة.كان عارف إن كلامه صح.ولو باسم مات…ولا أجاويد ولا كبار بلد كانوا هيقدروا يمنعوا بحر الدم.تنهد الجد وقال:— اللي غلط هيتحاسب…ووعد راجل لراجل…حقك هيرجع .باسم ابتسم ابتسامة باهتة رغم الألم.وقال:— حقي هاخده بطريقتي…بس مش الليلة.النهارده بيتي أولى بيا.وفي اللحظة دي…حس إن رجليه بدأوا يضعفوا.عوض جري عليه بسرعة وأسنده.وقال بلهفة:— يا كبير… لازم الطبيب حالًا.هز باسم راسه وهو بيكتم وجعه.وقال:— دخلوا الرجالة…واقفلوا البوابة.الليلة خلصت.شالوه بسرعة ودخلوا بيه القصر….أما ياقوت…فكانت واقفة أعلى السلم.وشها شاحب.وقلبها بيدق بعنف.أول ما شافت نقطة الدم اللي كانت بتنزل من كتف باسم…حست إن نفسها انقطع.من غير ما تفكر…جريت ناحية الباب.لكن هنادي مسكتها بسرعة.— استني يا هانم!ياقوت حاولت تفلت منها.— سيبيني… هو مصاب!هنادي شدتها برفق وقالت:— الرجالة معاه …إنتِ نزولك دلوقتي هيزود الدنيا لخبطة.وقفت ياقوت مكانها.لكن دموعها نزلت لأول مرة…مش خوفًا على نفسها.ولا على أهلها.إنما…خوفًا على باسم.ولما شافتهم داخلين بيه وهو بيحاول يخبي وجعه قدام رجالته…حست بحاجة غريبة جدًا بتوجع قلبها.وقالت بين نفسها وهي تبصله من بعيد:”ليه…؟ليه زعلت عليه بالشكل ده؟معقول…؟لا… مستحيل…”لكن قلبها…كان بدأ يقول كلام…عقلها لسه رافض يسمعه.
على الجانب الآخر من البلدة كانت عربية جابر داخلة بوابة القصر بسرعة جنونية، وصوت الفرامل شق سكون الليل.
نزل من العربية وهو بيحاول يخفي اضطرابه، لكن أنفاسه كانت متلاحقة، وعرق بارد نازل على جبينه.
بص حواليه بسرعة، واتأكد إن الجد لسه مرجعش.
طلع السلم بخطوات سريعة، ودخل أوضته، ورزع الباب وراه.
فضل واقف في نص الأوضة، وإيده بترتعش وهو بيفتكر لحظة ضغطه على الزناد.
همس لنفسه:
— يا ساتر… يا رب تكون جات في كتفه بس…
الباب اتفتح بهدوء.
دخلت فاطمة، مراته، وكانت أول ما شافته عرفت إن فيه مصيبة.
قربت منه بسرعة وقالت بقلق:
— مالك يا جابر؟ وشك أصفر كده ليه؟
جابر لف لها وقال بعصبية:
— سيبيني يا فاطمة… مش ناقص كلام.
لكنها مسكت دراعه.
— بالله عليك قول لي… عملت إيه؟
سكت شوية…
وبعدين قال بصوت واطي:
— ضربت باسم.
اتجمدت مكانها.
— يعني… إيه ضربته؟
رد وهو بيبلع ريقه:
— ضربت عليه نار…
الرصاصة خدت كتفه.
حطت فاطمة إيديها على راسها وهي تصرخ:
— يا نهار أسود!
إنت اتجننت يا جابر؟!
إنت عارف عملت إيه؟
لو كان مات…
كانت العرينا كلها ولعت!
جابر لف ناحيتها بعصبية.
— الدم كان مغلي في عروقي!
ردت عليه وهي بتعيط:
— وبنتك يا جابر؟
ياقوت مرات باسم!
إنت فاكر إنه هيسيبها بعد اللي عملته؟
إنت حطيت رقبة بنتك تحت السكينة بإيدك!
أول مرة الخوف الحقيقي يظهر في عيون جابر.
بلع ريقه بصعوبة.
لكنه حاول يداري خوفه وقال:
— باسم راجل…
مش هياخدها بذنب أبوها.
صرخت فيه:
— وإنت سيبتله سبب يرحمها؟
وقبل ما جابر يرد…
بااام
انفتح باب الصالة الخارجية بعنف، وخرج صوت ضربة عصا الأبنوس التي يعرفها الجميع. دخل “الجد” وعيناه تطق شراراً يعمي الأبصار. كان سليم واقفاً في الصالة مع أمه “حنان” وبنت خالته “سارة” اللي رأسها ملفوفة بالشاش.
زعق الجد بصوت جهوري زلزل نجف السقف:
— “فين عمك؟! فين جابر الكلب اللي هيهد العيلة فوق رؤوسنا؟!”
خرج جابر من غرفته بخطوات مهزوزة، وعلى وجهه التوتر والوجوم. ما إن وقعت عين الجد عليه، حتى تقدم نحوه وعاجله بـ صفعة قوية ومدوية على وجهه، تركت أثر أصابعه على خده وجعلت جابر يترنح للخلف بصدمة.
الجد كان بينهج من شدة الغضب.
وشاور بعصايته في وش ابنه وهو يصرخ:
— قليل الأصل!
مين إدالك الإذن تضرب نار؟
مين؟
رد يا ابن الكلب!
جابر نزل عينيه في الأرض.
لأول مرة…
ما عرفش يرد.
الجد زقه في صدره بعنف.
— كنت هتولع البلد!
كنت هتقتل كبير النداف قدام عيني!
إنت عارف لو الرصاصة دخلت قلبه…
كان هيبقى إيه حال ياقوت؟
ولا كنت مستني يدفنوها معاه؟
.
أما سليم فكان أول مرة يشوف جده بالشكل ده.
جابر حاول يتكلم.
— أنا… كنت غضبان.
الجد صرخ فيه:
— الغضب يخليك تبيع عهدك؟
تبيع كلمتي؟
تبيع شرف الراوي؟
ثم رفع عصايته وضربه بها على كتفه ضربة قوية.
— من النهارده…
ولا كلمة تتقال.
ولا رصاصة تطلع.
ولا راجل من رجالتك يتحرك…
إلا بإذني.
فاهم؟
جابر قال وهو مطأطئ رأسه:
— حاضر… يا بوي.
الجد قرب منه، وقال بصوت مخيف:
— لو باسم جراله حاجة…
أقسم بالله…
قبل ما النداف ياخدوا حقهم…
أنا اللي هحاسبك بإيدي.
وساد الصمت…
ولأول مرة…
ظهر جابر الراوي مكسورًا أمام الجميع.
في قصر النداف
دخل رجالة الندّاف باسم من البوابة الكبيرة، والقلق مرسوم على وشوش الكل.
كانت الدماء بتنزل من كتفه وتسيب أثر أحمر على طرف عبايته السودة، لكنه رغم الوجع كان ماشي على رجليه، رافض حد يشيله.
عوض كان ماشي جنبه وهو بيقول بلهفة:
— بالله عليك يا كبير، كفاية عناد… الرصاصة داخلة في كتفك، والدم مش راضي يوقف.
رد باسم من بين سنانه وهو كاتم ألمه:
— طول ما أنا واقف على رجلي… رجالة النداف هتفضل واقفة.
أول ما دخلوا المندرة، كان الطبيب مستني بعد ما بعتوا جابوه بسرعة.
قال الطبيب وهو بيبص للجرح بقلق:
— لازم الرصاصة تتشال حالًا… ولو اتأخرنا هتخسر دم كتير.
هز باسم راسه بهدوء.
— اعمل اللي عليك يا دكتور.
في أوضة واسعة داخل القصر…
قعد باسم على الكنبة الخشبية.
بدأ الطبيب يقص هدومه حوالين الكتف.
أول ما ظهر الجرح…
شهقت هنادي وهي بتحط إيديها على بقها.
الرصاصة كانت مستقرة جوه الكتف، والدم مغرق نص صدره.
أما باسم…
ولا أنة واحدة خرجت منه.
بس فكه كان مقبوض بقوة.
الطبيب حضّر أدواته وقال:
— استحمل يا كبير… هتوجع شوية.
ابتسم باسم ابتسامة خفيفة.
— اعمل شغلك.
بدأ الطبيب يطلع الرصاصة.
الوجع كان شديد لدرجة إن عروق رقبة باسم برزت، وصوابعه قبضت على طرف الكنبة بقوة…
لكن…
ولا صرخة.
ولا كلمة.
كان ساكت…
وكأن كبرياءه أقوى من الرصاصة نفسها.
على باب الأوضة…
كانت ياقوت واقفة مستخبية ورا الباب المفتوح سنة.
قلبها كان بيدق بعنف.
كانت شايفة كل حاجة.
شايفة الدم…
وشايفة الوجع اللي بيحاول يخبيه.
همست من غير ما تحس:
— يا رب…
قومه بالسلامة.
وفجأة انتبهت لنفسها.
اتراجعت خطوة بسرعة.
وحطت إيديها على قلبها.
وقالت وهي بتلوم نفسها:
— مالك يا ياقوت؟
إنتِ بتدعي له ليه؟
ده كبير النداف…
عدو أبوكي!
سكتت لحظة.
لكن صورة وشه وهو بيمنع رجالته يردوا بالنار رغم إنه اتصاب…
رفضت تخرج من دماغها.
افتكرت لما قال لها:
“اللي يدخل بيتنا عمره ما يجوع.”
وافتكرت وهو بينزل المسدس عشان خاطر دموعها.
حست بحرارة غريبة في وشها.
وهزت راسها بعنف.
— لا…
ده مجرد احترام…
بس ليه قلبي وجعني لما شفته بينزف؟
السؤال فضل يلف جواها…
من غير إجابة.
دقائق…
خرج الطبيب وهو بيمسح إيده.
وقال لعوض:
— الحمد لله… الرصاصة خرجت بس لازم يرتاح كام يوم وما يحركش كتفه كتير.
عوض تنفس الصعداء.
وفي اللحظة دي اتفتح باب القصر الكبير ودخلت ست في أوائل الخمسينات رغم تعب السفر كان واضح من هيبتها إنها صاحبة مكانة في البيت أول ما دخلت بصوتها الحنون قالت:
— باسم… يا ضنايا!
رفع باسم راسه أول ما سمع الصوت وفي لحظة…اختفت ملامح الكبير الصلب وقام بسرعة، رغم وجع قلبه ابتسم لأول مرة من قلبه.
— خالتي!
فتح لها دراعه السليم جريت عليه تحتضنه بكل شوق ضمته لصدرها، وفضلت تطبطب على ضهره زي ما كانت بتعمل وهو صغير.
وقالت ودموعها مالية عينيها:
— وحشتني يا ضنايا…
وحشتني قوي.
ابتسم باسم وهو بيبوس راسها.
— وإنتِ أكتر.
كنتوا فين كل ده؟
لكن فجأة…
حست الخالة بإيده ملفوفة بالشاش بعدت عنه بسرعة وبصت للضمادات…وللطبيب الواقف اتغير لون وشها.
وقالت بفزع:
— يا نهار أبيض!إيه اللي جرالك يا حبيبي؟مين عمل فيك كده؟
حاول باسم يطمنها:
— إصابة بسيطة.
لكنها قاطعته وهي بتمسك وشه بين إيديها.
— بسيطة إيه؟أنا شايفة الدم لسه على هدومك.خير يا ابني؟
إيه اللي حصل؟
تنهد باسم وقال بهدوء:
— جابر الراوي ضرب عليّا نا*ر.
شهقت الخالة.
وحطت إيديها على قلبها.
— يا ساتر يا رب…
وفي نفس اللحظة…
دخلت وراها بنت جميلة في منتصف العشرينات.
كانت لابسة فستان سفر ببسيط أول ما شافت باسم…
نسيت كل اللي حواليها جريت عليه بسرعة.
وقالت بلهفة:
— باسم!
إنت كويس؟
وقبل ما يرد… كانت ماسكة إيده السليمة بكل خوف.
— وجعك كتير؟
باسم ابتسم لها بحنان أخوي.
— متقلقيش يا يارا…أنا بخير.
لكن يارا كانت عينيها مليانة دموع وبصاله بطريقة خلت ياقوت، الواقفة بعيد، تراقب المشهد بصمت.
لاحظت قد إيه يارا قريبة منه قد إيه خايفة عليه.
وقد إيه باسم بيكلمها براحة وابتسامة مختلفة.
حاجة صغيرة…خفية جدًا…وخزت قلب ياقوت إحساس غريب…مكنتش عارفة تفسره.حاولت تقنع نفسها:
“أكيد بنت خالته…
وده طبيعي.”
لكن…
لما شافت يارا لسه ماسكة إيده…حست بضيق مفاجئ خفضت عينيها بسرعة.
وزعلت من نفسها.
“أنا مالي؟ليه متضايقة ؟ هو حر
الخالة بصت حواليها بحزن وقالت وهي تهز راسها:
— غبت شهرين بس عنكم…الدنيا اتقلبت فوق دماغكم.
شمس اتجوزت…وإنت كمان اتجوزت.
ومن مين؟من عيلة الراوي!
ثم قربت منه وربتت على خده بحنان.
— سامحني يا حبيبي…
أنا عارفة إنك كنت محتاجني.
بس إنت خابر ظروفي، ومقدرتش أسيب معتز ولا الصفقة اللي كنا فيها.
بس خلاص…أنا رجعت.
ومش هسيبكم لوحدكم تاني ابتسم باسم ابتسامة امتنان.
وقبّل إيدها.
ثم سألها:
— أمال فين معتز؟
ابتسمت الخالة وقالت:
— هيخلص توقيع الصفقة وييجي على طول.
بس أول ما يعرف اللي حصل هنا مش هيهدى.
ابتسم باسم وهو يهز رأسه.
— معتز عمره ما اتغير و زي عادته آخر واحد يوصل.
ضحكت يارا وقالت بمشاكسة:
— ولا عمره هيتغير.
فضحك باسم لأول مرة من قلبه…
وكانت ياقوت واقفة تراقب المشهد كله…
وتكتشف لأول مرة…
أن بيت النداف، الذي تربت على كرهه…
يمتلئ بالدفء والعائلة والحنان…
وأن باسم…
ليس الرجل الذي رسمته لها حكايات الثأر.
في قصر الراوي
كان الليل قد فرد عباءته السوداء على قصر الراوي.
الممرات الحجرية ساكنة، لا يُسمع فيها سوى صفير الريح وهي تتسلل من بين النوافذ القديمة، وصوت ساعة الحائط العتيقة يدق ببطء، كأنه يعدّ على شمس لحظات عذابها.
أما المخزن الصغير تحت السلم…
فكان أشبه بقبرٍ بارد.
جلست شمس في أحد الأركان، ضامة ركبتيها إلى صدرها، تلف ذراعيها حول نفسها علّها تهزم ذلك البرد الذي كان يتسلل إلى عظامها.
رقبتها ما زالت تؤلمها من أثر أصابع سارة، وكتفها يوجعها من دفعة سليم العنيفة، أما معدتها فكانت تؤلمها من الجوع حتى كادت لا تقوى على الجلوس.
رفعت رأسها إلى السقف الخشبي المتهالك، وهمست والدموع تلمع في عينيها:
— يا رب… أنا ماليش غيرك… قوّيني… وصبّر قلبي… ومتخلّيش الظلم يكسرني.
أغلقت عينيها، وأسندت رأسها إلى الحائط.
وفجأة…
تك… تك…
ارتفع صوت طرقات خفيفة على باب المخزن.
انتفض جسدها كله.
شهقت بخوف، وسرعان ما عادت إليها صور سارة وهي تخنقها بالحبل.
تراجعت إلى الخلف، وقالت بصوت مرتعش:
— مين…؟
جاءها صوت هادئ، يحمل حنانًا افتقدته منذ أن دخلت هذا القصر:
— افتحي يا بنتي… أنا حنان.
ترددت شمس لحظة، ثم نهضت ببطء وفتحت الباب.
تفاجأت بأم سليم واقفة أمامها.
كانت تحمل صينية نحاسية صغيرة، عليها طبق شوربة ساخنة، ورغيف بلدي، وقطعة جبن، وكوب لبن.
ابتسمت لها ابتسامة حزينة، وقالت برفق:
— عرفت إنك ما دوقتيش لقمة من الصبح.
خدي يا بنتي… كلي قبل ما الأكل يبرد.
وقفت شمس تحدق فيها بعدم تصديق.
وكأنها لا تستوعب أن أحدًا في هذا القصر يمكن أن يعاملها بهذه الرحمة.
همست بصوت مخنوق:
— ليّا… أنا؟
ابتسمت حنان وهزت رأسها.
— أيوه ليكي إنتِ.
الجوع ملوش ذنب يا بنتي… وربنا ما يرضاش حد يبات جعان.
امتلأت عينا شمس بالدموع.
مدّت يديها المرتجفتين وأخذت الصينية بحذر، وكأنها تخشى أن تكون تحلم.
قالت وهي تكاد تبكي:
— ربنا يجازيكي كل خير…
أنا… أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
اقتربت حنان منها، وربّتت على رأسها بحنان أم، وقالت:
— متشكرنيش يا بنتي… ادعيلي بس.
أنا أم…
وقلبي وجعني عليكي.
صحيح اللي بين العيلتين دم وتار…
لكن إنتِ بنت صغيرة، ومالكِش ذنب في اللي عمله الكبار.
لم تستطع شمس أن تمنع دموعها هذه المرة.
انهمرت على خديها في صمت.
وأول مرة منذ دخلت قصر الراوي…
شعرت بدفء إنساني يخفف عنها شيئًا من قسوة المكان.
جلست حنان بجوارها على الصندوق الخشبي القديم، تنظر إليها وهي تأكل بشهية ممزوجة بالخجل.
قالت بصوت هادئ:
— كلي يا بنتي… شكلك من الصبح ما دخلش بطنك غير المية.
ابتسمت شمس ابتسامة باهتة، وبدأت تأكل ببطء.
كانت كل لقمة تنزل إلى جوفها وكأنها تعيد إليها شيئًا من الحياة.
وفجأة…
صرير…
انفتح باب المخزن مرة أخرى.
تجمدت حنان في مكانها.
ورفعت شمس رأسها بسرعة.
وقف سليم عند الباب.
كانت ملامحه جامدة، وعيناه تدوران بين أمه… وشمس… والصينية الموضوعة أمامها.
ساد صمت ثقيل.
قطعته حنان بهدوء:
— خير يا سليم؟
تقدم بخطوات بطيئة، ثم قال وهو يحاول أن يبدو هادئًا:
— لسه صاحيه يا أمّه؟
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
— أيوه… جبت للبنت تاكل.
نظر سليم إلى شمس للحظة، ثم أعاد بصره إلى أمه.
وقال بنبرة أخف من المعتاد:
— الوقت اتأخر.
اطلعي ارتاحي.
أنا هقفل المخزن.
نظرت حنان إلى وجه ابنها طويلًا، وكأنها تحاول أن تقرأ ما يدور داخله.
ثم التفتت إلى شمس، وقالت بحنان:
— كملي أكلك يا بنتي… ومتخافيش.
ربنا كبير.
خرجت من المخزن ببطء.
وبمجرد أن اختفى صوت خطواتها في الممر…
أغلق سليم الباب بالمفتاح.
واستدار ببطء…
لتعود البرودة القاسية إلى ملامحه من جديد…
أول ما اختفى صوت خطوات حنان في الممر…
لفّ سليم المفتاح في الباب.
“تك…”
صوت القفل دوّى في أذن شمس، فقبض قلبها من جديد.
وقف سليم ضهره للباب للحظات، وعينيه ثابتة عليها، بينما هي كانت واقفة قدام الصينية، مش عارفة تكمل أكل ولا تبعد عنها.
اتقدم ناحيتها بخطوات بطيئة…
كل خطوة كانت بتزود توترها.
وقف قدامها مباشرة، وبص للصينية، وبعدين رفع عينه لوشها.
قال ببرود:
— شكلك جعانة أوي.
نزلت شمس عينيها، وما ردتش.
مد إيده، مسك رغيف العيش من الصينية، وبصله شوية، قبل ما يرميه تاني مكانه.
— كلي…
أصل اللي جاي محتاج قوة.
رفعت شمس عينيها باستغراب.
كانت أول مرة تسمعه يقولها “كلي” بدل ما يمنع عنها الأكل.
لكنها ما علقتش.
سكتت.
ابتسم سليم ابتسامة ساخرة وهو لاحظ حيرتها.
— متبصليش كده…
أنا مش طيب فجأة.
أنا بس عايزك تفضلي عايشة.
عشان كل يوم تعيشيه هنا…
يبقى عقاب جديد ليكي.
بلعت شمس ريقها بصعوبة.
وقالت بصوت هادي، رغم التعب:
— أنا عملتلك إيه؟
اتجمدت ملامحه.
ثواني…
قبل ما يضحك ضحكة قصيرة، كلها مرارة.
— عملتيلي إيه؟
إنتِ بنت النداف.
وده كفاية.
رفعت شمس وشها، وعينيها كانت مليانة دموع، لكنها تماسكت.
— وأنا اخترت أبقى بنت النداف؟
ولا اخترت الحرب دي؟
ولا اخترت أتجوزك؟
ساد الصمت.
الكلمات دي خبطت في مكان جواه، لكنه رفض يبين أي حاجة.
قال بحدة:
— متحاوليش تستعطفيني.
أنا قلبي مات يوم ما دفنت أبويا.
ردت شمس بصوت مبحوح:
— وأنا كمان…
اتدفنت وأنا لسه عايشة.
نظر إليها طويلًا.
كانت واقفة قدامه، هدومها مبلولة من العرق والتراب، ورقبتها لسه عليها آثار أصابع سارة.
وقعت عينه على العلامات الزرقا اللي حوالين رقبتها.
افتكر الحبل…
وافتكر الرعب اللي كان في عينيها وهي بتقول:
“كانت عايزة تقتلني…”
هز رأسه بعنف، كأنه بيطرد الفكرة من دماغه.
ثم قال بجمود:
— اللي حصل النهارده مع سارة…
مش هيتكرر.
اتسعت عينا شمس بدهشة.
كمل وهو بيبص بعيد عنها:
— محدش هيمد إيده عليكي…
غيري.
رجعت البرودة لنبرته.
— مفهوم؟
شعرت شمس بقشعريرة سرت في جسدها.
كان كلامه غريب…
مش حماية.
ولا رحمة.
كان أشبه بإعلان ملكية.
قالت بهدوء:
— أنا مش ملك حد.
لف رأسه ناحيتها بسرعة.
وفي لحظة…
بقى واقف قريب جدًا منها.
لدرجة إنها قدرت تسمع أنفاسه.
مال عليها وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
— طول ما إنتِ جوه القصر ده…
إنتِ تحت أمري.
كلمة مني…
تخلي حياتك جنة.
وكلمة مني…
تخليكي تتمني الموت.
ثم ابتعد خطوة.
وأشار ناحية الصينية.
— خلصي أكلك.
ومن بكرة…
الساعة ستة تكوني في المطبخ.
الدادة سعاد أخدت إجازة.
وإنتِ هتقومي بشغلها.
تنضيف القصر…
وتحضير الفطار…
وخدمة كل اللي في البيت.
ولو اتأخرتي دقيقة…
أنا بنفسي هصحّيكي.
ثم اتجه ناحية الباب.
وقبل ما يفتحه…
وقف من غير ما يبصلها.
وقال بنبرة أخف، كأنها خرجت منه من غير قصد:
— ومتفتكريش…
إن كل مرة حد هينقذك.
فتح الباب.
خرج.
وأغلقه بالمفتاح.
فضلت شمس واقفة مكانها، تبص للباب المغلق.
ثم نزلت تبص للصينية.
همست وهي تمسح دموعها:
— يا رب…
قوّيني…
لأن اللي جاي…
أصعب بكتير.
مع أول خيط نور شق سما العرينا…
كان الضباب لسه مفروش فوق الأراضي الخضرا، وصوت الديوك مالي البلد، بينما قصر الراوي بدأ يدب فيه الحركة من بدري.
أما في المخزن…
كانت شمس نايمة على البطانية القديمة من شدة التعب، جسمها مكسر، ووشها باين عليه الإرهاق بعد ليلة طويلة من البكا والخوف.
فجأة…
ششششش…!
مية ساقعة نزلت عليها مرة واحدة.
شهقت بفزع، وقامت من مكانها وهي بتاخد نفسها بالعافية.
هدومها غرقت، وشعرها الأسود اتبل ولزق في وشها، وجسمها كله أخده رعشة من البرد.
رفعت عينيها بسرعة…
لقت سليم واقف قدامها، ماسك الجردل الفاضي، ووشه جامد مفيهوش أي تعبير.
قال ببرود:
— الساعة كام؟
شمس كانت لسه مش مستوعبة اللي حصل.
ردت وهي بتترعش:
— مش… مش عارفة.
قرب منها خطوة، وقال بصوت حاد:
— الساعة ستة… ومش أنا قلتلك امبارح تكوني صاحية؟
بصتله بعينين مرهقتين، وآثار السهر والبكا باينة عليها.
قالت بصوت مبحوح:
— أنا… قمت أهو.
رمى الجردل على الأرض، وصوته دوّى في المخزن.
— يبقى اتحركي.
قدامك عشر دقايق.
المطبخ لازم يبقى جاهز، والفطار على السفرة قبل ما جدي ينزل.
وقف لحظة وهو يبصلها من فوق لتحت.
كانت شفايفها مزرقة من البرد، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تعصر طرف شالها المبلول.
لثانية…
شيء جواه اتردد.
لكن بسرعة رجع وشه جامد.
لف وهو بيقول:
— لو اتأخرتي…
هعتبر إنك بتتحديني.
وخرج، وقفل الباب من غير ما يبص وراه.
بعد دقائق…
كانت شمس ماشية في ممرات القصر بخطوات بطيئة.
حجابها مربوط بسرعة، ووشها شاحب من السهر.
دخلت المطبخ الكبير.
كان واسع، مليان أواني نحاس لامعة، وريحة الخبز والسمن البلدي مالية المكان.
أول ما دخلت…
رفعت ست كبيرة في السن وشها من فوق العجين.
بصتلها بحنان وقالت:
— صباح الخير يا بنتي.
إنتِ تبقي شمس؟
هزت شمس راسها في هدوء.
— أيوه.
مسحت الست إيديها في المريلة وقربت منها.
— أنا عطيات…
بشتغل في القصر من قبل ما سليم بيه يتولد.
متخافيش مني.
أنا هساعدك على قد ما أقدر.
أول مرة من ساعة ما دخلت القصر…
سمعت شمس كلمة فيها طيبة.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— ربنا يخليكي.
قاطعتها عطيات وهي بتبصلها بقلق:
— وشك أصفر يا بنتي.
إنتِ كويسة؟
ردت بسرعة وهي بتحاول تخبي تعبها:
— الحمد لله.
لكن الحقيقة…
إن الدنيا كانت بتلف بيها.
من قلة الأكل…
والسهر…
والخنقة اللي اتعرضتلها امبارح.
بدأت تساعد عطيات في تجهيز الفطار.
كانت بتقطع الجبن…
وترص العيش…
وتحط أطباق الفول والعسل.
لكن إيديها كانت بتترعش.
مرة السكينة وقعت منها.
ومرة الملح اتكب.
وعطيات كانت كل شوية تبصلها وتقول:
— بالراحة يا بنتي…
مالك سرحانة كده؟
ابتسمت شمس بالعافية.
— معلش…
مش مركزة.
ربتت عطيات على كتفها بحنان.
— ربنا يكون في عونك.
الجناح الشرقي من قصر الراوي…
كانت فاطمة قامت من النوم من بدري، ووقفت قدام المراية بتعدل عبايتها وطرحتها وهي مستعجلة.
جابر، اللي كان نايم بالعافية بعد ليلة امبارح، فتح عين واحدة بالعافية وقال بصوت مخنوق من النوم:
— رايحة فين من بدري كده يا ولية؟
ردت وهي بتعدل طرف الطرحة:
— رايحة أطمن على بنتي.
انتفض جابر من مكانه وقعد على السرير.
— بنتك مين؟!
بصتله باستغراب.
— هي عندي كام بنت يعني؟! ياقوت طبعًا.
قطب جابر حاجبيه وقال:
— تروحي بيت النداف
لفت تبصله وحطت إيديها في وسطها.
—رايحة اتطمن على بنتي ؟! بعد اللي عملته امبارح ؟
حك جابر رقبته وهو بيتهرب بعينه.
— اللي عملته كان… يعني…
قاطعته بسرعة:
— يعني إيه؟! رحت ضربت جوزها بالنار وجاي دلوقتي تقولي سيبيها تاخد على البيت؟!
حاول يبتسم وهو يقول:
— ما هو… الحمد لله مجراش حاجة.
شهقت فاطمة وهي بتضرب كف بكف.
— يا نهار إسود! الحمد لله إيه بس؟! لو الرصاصة كانت جت في قلبه، كنت هتقول برضه الحمد لله؟!
بلع جابر ريقه وسكت.
قربت منه وهي بتبصله بغيظ:
— أنا رايحة أطمن على بنتي… وهبوس راس زوجها كمان، يمكن يسامحنا وينسى الهبل اللي عملته.
فتح جابر عينيه على آخرهم.
— تبوسي راس مين؟!
قالتها وهي خارجة من الأوضة:
— راس باسم النداف… صهري، غصب عنك!
قام جابر من السرير وهو يزعق:
— يا ولية! إوعي تعمليها! ده كبير النداف!
لفتله وهي رافعة حاجبها.
— ما أنا عارفة إنه كبير النداف… مش كبير الصين!
كتم جابر غيظه وقال:
— هتكسري هيبتي قدامه!
ضحكت فاطمة بسخرية وقالت:
— هيبتك؟! يا راجل ده إنت اللي كسرتها بإيدك امبارح لما رحت تضربه بالنار!
مد إيده يحك راسه بيأس.
— والله إنك هتجننيني.
ردت وهي فاتحة الباب:
— لأ… اللي هيجننك إني هرجع ومعايا باسم وياقوت على الغدا كمان.
شهق جابر وهو قام يجري وراها:
— يا مهببة! استني… استني يا فاطمة!
لكن كانت خرجت بالفعل، وسابت جابر واقف في نص الأوضة يضرب كف بكف و مصدوم
وبعد دقائق…
وقفت فاطمة قدام أوضة حنان.
خبطت الباب برفق.
فتحت حنان وهي لسه ماسكة سبحتها.
ابتسمت فاطمة وقالت:
— صباح الخير يا أم سليم.
ها تيجي معايا نطمن على ياقوت؟
بصت لها حنان لحظة…
ثم هزت راسها في هدوء.
— أيوه…
وأنا كمان نفسي أشوفها.
وفي نفس اللحظة…
داخل مطبخ قصر الراوي…
كانت عطيات بتحط آخر طبق في الصينية الكبيرة.
ناولتها لشمس وقالت بابتسامة:
— يلا يا بنتي…
خدي الفطار على السفرة الكبيرة.
خدت شمس الصينية…
أخدت نفسًا عميقًا…
وحاولت تثبت إيديها المرتعشة.
ثم خرجت من المطبخ…
متجهة إلى قاعة الطعام…
و فجأة بدأت الدنيا تسود قدامه