وقفت زينب مكانها، الكلمة جرحت كرامتها بس عزة نفسها منعتها إنها تنزل لمستوى نرمين في الكلام وخافت تدخل معاها فى جدال وهى ماتعرفش علاقتها برحيم ايه مايمكن لسه بيحبها ويمكن هيرجعوا تانى خصوصاً ان بينهم مالك .
لمت أوراق مالك بهدوء، وضغطت على إيد الطفل اللي كان جسمه بيتنفض من الغضب والدفاع عنها. بصت لنرمين بثبات وقالت بصوت هادي ومرفوع الرأس:
ـ أنا هنا مربيه لمالك مالك يا فندم، وطلبات حضرتك مكانها المطبخ مش معايا عن إذنك.
نرمين وشها اتغير، والبرود اللي على ملامحها اتقلب لغل. قربت من زينب وقالت بنبرة غل .
ـ أنتى بتعدلي عليا يا بت أنتِ؟ أنتِ عارفة أنا مين؟ أنا نرمين الهواري يعني بكلمة مني أرميكي بره القصر ده ومخليكيش تشوفي الشمس ومالك ده ابنى يعنى لو قولت مش عايزاكى جمبه وقتها هتترمى فى الشارع عشان كده لما تكلمينى تحطى عينك فى الارض لو عايزه تحافظى على لقمه عيشك هنا
دخل رحيم وسمع كلام نرمين ومدهاش فرصه تكمل كلامها
ـ الكلمه هنا تخصنى انا يا نرمين أنا مش تخصك انتى وابنى انا ادرى بمصلحه .... مش صحيح المفروض دلوقتي تكونى اتجوزتى وسافرتى ايه اللى جابك هنا تانى
الصوت رن في الصالة زي الرعد. الصوت ده خلى نرمين تتجمد مكانها وزينب تاخد نَفَس طويل كانت حبساه. رحيم كان واقف عند مدخل الصالة، إيديه في جيوبه، وملامحه حادة وقاسية على طبيعته اللى زينب مكنتش شافتها قبل كده . عينيه كانت مركزة على نرمين مستنى يسمع تبريراتها او كذبها
نرمين حاولت بسرعة تلبس قناع الدلع والسيطرة، لفت وبصتله:
ـ "رحيم! كدة تخضني؟ أنا جيت أطمن على ابننا مالك، وبصراحة كدة الشغالة دي أسلوبها مش مظبوط ومحتاجة تتربى من أول وجديد .
رحيم مشي بخطوات بطيئة ومرعبة، تجاوز نرمين تماماً وكأنه مش شايفها، ووقف قدام زينب ومالك. بص لزينب اللي كانت عينيها بتلمع بدموع مكتومة، وقالها بصوت هادي بس مسموع:
ـ زينب خدي مالك وطلعيه الاوضه بتاعته دلوقتي
زينب هزت راسها وأخدت مالك اللي ما صدق وجري معاها لفوق. أول ما الباب اتقفل، رحيم لف لنرمين، والهدوء اللي كان فيه اختفى، وحل مكانه غضب
ـ "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا نرمين؟ مش قفلنا الصفحة دي وكل اللى عايزاه اخدتيه وعملتلك كل اللى طلبتيه واخرها لما رمتيلى ابنك هنا عشان تشوفى حالك
نرمين قربت منه بدلال مصطنع:
ـ "وحشتني يا رحيم.. ووحشني ابني، وبعدين القصر ده أنا ليا فيه ذكريات، مش هسيبه لواحدة جربوعة جايبها من الشارع عشان تتدلع وتعمل فيها ست البيت . وغير كده مقدرتش اسافر واسيب ابنى بعيد عنى انا عايزه مالك معايا زى الاوص
رحيم قرب منها، وبقى وشه في وشها، وصوته نزل لطبقة مرعبة:
ـ الزمي حدودك.. زينب هنا ليها وضعها ومالكيش دعوه بيها لو حيتى جمبها ولا قولتى كلمه كانك بتوجهيها ليه انا ، والي يغلط فيها يبقى بيغلط في رحيم الهواري. رجوعك هنا وراه مصيبة أنا عارفها بس من الاخر كده هعمل نفسى عبيط لانى مايهمنيش أى حاجة تخصك من ساعه ما البيه خلع وسابك فى المطار بعد ما خلاكى تدفعيله تمن تذكره الطياره من فلوسى اللى كنت ببعتها لمالك ، وقدامك دقيقة واحدة تكوني بره البوابة، وإلا هرميكي بره بنفسي ولحد ما مالك يكبر عايزك تبعدى عنه
نرمين بصتله بغل وحقد، وعرفت إن رحيم مش هيلين
ـ "ماشي يا رحيم أنا ماشيه بس انت كده بتمنع ام عن ابنها
في الحارة
في نفس الوقت، في بيت عايدة، كانت القعدة حامية ونبوية بتشرب الشاي وبتبخ سمها
ـ عارفه يا عايده انا لو منك أعمل ايه عشان اكسرها اروح قدام الملجأ واشردلها وقتها هيخافوا من الفضيحه ويرجعولك كل حاجه اخدوها منك
في اليوم التالي فجأة على صوت صراخ وردح
قدام البوابة الخارجية، وقفت عايدة وجنبها نبوية، وفضلوا يزعقوا بصوت عالي جداً لفت نظر كل اللي في الشارع. الناس بدأت تتلم من كل حتة، والمارة وقفوا يتفرجوا ويشوفوا في إيه.
عايدة أول ما لقت الناس اتجمعت حوليهم، بدأت تتكلم وتصرخ بكلام بالباطل في حق زينب، وقالت بصوت جهوري وهي بتبخ سمها وتصقف بإيدها:
ـ هي دي تربية الملجأ؟! إحنا اللي غلطنا لما فكرنا نيجي نسترها! أنتوا كل بناتكم معيوبة.. ابني اتجوزها ودفع دم قلبه، وفي الآخر طلعت معيوبة، وأخدتوا شقى عمره ونهبتوا فلوسنا
نبوية بدأت تسخنها أكتر وتزعق هي كمان:
ـ "آه يا ناس يا عالم.. اكلوا حقنا ورموا ابني الغلبان، والهانم صايعة ودايرة على حل شعرها
الناس بدأت تهمس ببعضها، والصوت وصل لجوة الدار. خرج أفراد الأمن بسرعة عشان يسيطروا على الموقف، وواحد منهم زعق بعصبية:
ـ "جرى إيه يا ست أنتِ وهي؟ لموا لسانكم واطلعوا برة، دي مؤسسة محترمة مش حارة للردح!"
لكن عايدة زقته وقالت بغل:
ـ "مش هانمشي! والبلد دي ليها حكومة، لازم الكل يعرف حقيقة الملجأ ده وبناته اللي بيسرحوهم .
أمام لمت الناس والتصوير بالموبايلات، اتصل حارس الامن برحيم عشان يبلغه باللي بيحصل.
في الوقت ده، في القصر، كان رحيم قاعد في مكتبه وعينيه لسه بتطق شرار من مواجهة نرمين بالأمس. قاطع تفكيره رنين تليفونه، وبص للشاشة لقى المتصل "أمن دار الرعاية".
رد بسرعة وصوت حاد وقاسي:
ـ أيوة.. في حاجة تخص زينب؟"
جاءه صوت مدير الأمن متوتر وبيترعش:
ـ "أهلاً يا رحيم بيه.. أنا آسف جداً للإزعاج، بس عندنا مصيبة قدام بوابة الملجأ. الست عايدة والست نبوية واقفين في الشارع ولمين الناس حواليهم، وعمالين يشهروا بزينب ويقولوا كلام بالباطل في حقها وفي حق الدار، والناس بدأت تتجمع وتصور. إحنا مش عارفين نسيطر عليهم ومصممين يفضلو واقفين لحد ما الفضيحة تكبر."
تصلبت عروق رحيم، وضغط على التليفون بقوة ، وصوته نزل لطبقة مرعبة تخوف أي حد يسمعه:
ـ "خمس دقائق.. خمس دقائق والموضوع هيتلك
قفل رحيم الخط مع حارس أمن الملجأ، وعينيه كانت بتطق شرار والغضب عمى شوافعه. مكدبش خبر، وضغط على رقم عمار ، وأول ما رد عليه قال له بنبرة حاسمة زي حد السيف:
ـ "عمار.. تاخد رجالة وتطير فوراً على الملجأ اللي كانت فيه زينب. عايدة ونبوية هناك ولمين الناس وبيشهروا بـ زينب وبيجيبوا سيره بنات الملجأ بالباطل. تلمهم من قفاهم من وسط الشارع، وتدخلهم جوة مكتب الأمن وتطلب لهم النجدة وتعملهم محضر سب وقذف وتشهير وتعدي على منشأة.. مش عايزهم يلمحوا الشارع برة لحد ما أقولك."
عمار رد بسرعة وجدية:
ـ "اعتبره حصل يا رحيم ، مسافة السكة والرجالة هيكونوا هناك والمحضر هيتعمل."
في نفس الدقائق دي، رحيم مكنش قاعد ساكت؛ كان مجهز ضربة تقطم ضهر عايدة وتنهي حكاية ابنها . فتح درج مكتبه وطلع صور التقارير الطبية والفحوصات الرسمية اللي تخص "محمد" ابن عايدة، والتي تثبت بالدليل القاطع والمستندات الطبية إنه "غير قادر على الجواز" وعنده عجز كامل.
بإشارة واحدة من رحيم لرجاله بتوع السوشيال ميديا والإعلام في مجموعته، الإشاعة والخبر اتحولوا لـ حقيقة مدعمة بالورق. في أقل من نص ساعة، كانت صور التقارير الطبية مغرقة كل صفحات ومجموعات الفيس بوك الخاصة بالمنطقة والحارة بتاعتهم، والبوستات مالت الدنيا وكل شارع في منطقتهم بقى بيتكلم ويسخر من محمد وعجز والورق الرسمي نزل فضيحة بجلاجل.
قدام بوابة الملجأ، كانت عايدة لسه بتصرخ وتصقف بإيدها:
ـ "ابني اتجوزها ودفع دم قلبه، وفي الآخر طلعت معيوبة، وأخدتوا شقى عمره!"
وفجأة، فرملت تلات عربيات دفع رباعي سودا ونزل منها عمار ومعاه مجموعة من الرجالة الضخمة اللي هيبتهم تخوف. عمار اتقدم بخطوات ثابتة، وبإشارة منه، رجالة الأمن بتوع رحيم حاصروا عايدة ونبوية.
عايدة صوته هدي شوية وخافت:
ـ " جرى إيه يا جدع أنت وهو؟ أنتوا مين؟"
عامر ببرود مرعب:
ـ "إحنا اللي هعلمكم إزاي تتبلوا على أسيادكم.. اتفضلي أنتِ وهي قدامي على جوة من سكات بدل ما تتدفنوا هنا."
الرجالة سحبوهم برعب من وسط ذهول الناس، ودخلوهم مكتب الأمن، وفي ثواني كانت عربية الشرطة وصلت بطلب من عامر وبدأوا يحرروا المحضر رسمي بالبلطجة والتشهير.
في الوقت ده، كان محمد قاعد في شغله وسط زمايله، فجأة لاحظ إن الجو اتغير. زمايله بيبصوا له ويهمسوا لبعض، وفيه اللي بيضحك بخبث ومستخبي ورا شاشة الموبايل.
ثواني وتليفون محمد بدأ يرن ورا بعضه بإشعارات رسائل على الواتساب. بيفتح التليفون لقى زمايله في الشغل باعتين له بوستات منشورة على الفيس بوك، بيفتح البوست لقى صورته متصدرة الشاشة، وتحتها كلام عن حكايته مع زينب، والمصيبة الأكبر... صور تقاريره الطبية اللي بتفضح عجزه بالتفصيل ومكتوب عليها "عشان تداروا على خيبتكم تتبلوا على بنات الناس؟!".
محمد وشه جاب ألوان، الدم هرب من عروقه وحس إن الأرض بتلف بيه. بص حواليه لقى عيون زمايله كلها نظرات سخرية وشفقة. مقدرش ينطق، ساب الشغل وطلع يجري برة زي المجنون، وهو بيبكي من القهر والكسرة. شرفه وسيرته بقوا لبانة في بق كل الناس.
بإيدين بتترعش ودموع مغرقة وشه، ضغط على رقم أمه.
في مكتب الأمن في الملجأ، تليفون عايدة رن، والعسكري سمح لها ترد. فتحت الخط وجاءها صوت محمد وهو بيعيط وينهج زي الأطفال من كتر الفضيحة، وزعق فيها بانهيار وصوت مقهور:
ـ "عملتي إيه يا أمه؟! عملتي إيه يخرب بيتك وبيت اللي طاوعتيه! شردتيني وفضحتيني وسط زمايلي في الشغل وفي الحارة كلها! الناس كلها بتبعتلي صوري وفحوصاتي الطبية والدنيا مقلوبة على الفيس بوك! الكل بيضحك عليا وعارف إني مش راجل! أنتِ فين وعملتي فيا إيه؟!"
التليفون وقع من إيد عايدة، وبصت لنبوية بذهول ورعب، عينيها جاحظة ومش قادرة تنطق ولا كلمة،
سحبت الشرطة عايدة ونبوية لعربية النجدة وسط نظرات الشماتة من الناس اللي كانت واقفة، وعايدة كانت زي المغيبة، رجليها مش شايلاها وصوت ابنها محمد وهو بيصرخ في التليفون لسه بيرن في ودنها وزلزل كيانها.
أما محمد، فمفكرش لحظة واحدة إنه يروحلها الملجأ أو ينجدها؛ الفضيحة كانت أكبر من قدرته على المواجهة. ساب شغله وجري في الشوارع وعينيه في الأرض، حاسس إن كل الناس بتبص عليه وبتشاور على عيبه. وصل البيت ودموعه مغرقة وشه، دخل وقفل الباب وراه بالترابيس، ودخل أوضته وقفل على نفسه وهو بيترعش من الكسرة والقهر، ومش عايز يشوف ضوء الشمس ولا يقابل مخلوق بعد ما سيرته بقت على كل لسان.
في نفس الوقت، قدام مكتب الأمن في الملجأ، كان عامر واقف بيقفل المحضر مع الضابط وبيدي التوجيهات الأخيرة لرجاله عشان يضمن إن اللى حصل ده مايتكررش تانى وياخدوا جزائهم .
في الزاوية، كانت حنان واقفة ومتابعة كل اللي بيحصل وسايبه عمار هو اللر يتصرق . حنان استنت لما عامر يخلص وقررت ، إن دي الفرصة اللي مش هتعوض عشان تستغل وجوده وتتكلم معاه بخصوص "عزة"
اتقدمت حنان بخطوات سريعة قبل ما عمار يمشي، وقالت بصوت واطي ومحرج :
ـ "يا عمار.. لو سمحت دقيقة من وقتك .
عمار لف ليها، ملامحه كانت جامدة وحادة، بس لما شافها ملامحه لانت
ـ اتفضلي يا ست حنان انا فضيت
حنان اتلفتت حواليها تضمن إن محدش سامعها وقربت خطوة:
ـ عمار انا عايزه اتكلم معاك فى حاجة مهمه فى المكتب
ـ تمام اتفضلى
دخلوا المكتب وبدات حنان تفتح مقدمات للموضوع وعمار بقى متلغبط من كلامها وهى حست بده وقررت انها تتكلم بدون لف ودوران
ـ بصراحه كده يا عمار علاقتك بعزه انت شايفها ازاى