في صباح اليوم التالي، الشمس طلعت ونورت أوض الملجأ، وعزة كانت صاحية من بدري، باصة للسقف وكلمات ماما حنان بتلف في دماغها زي السواقي. لأول مرة من سنين، تحس إن الحصار اللي فرضته على قلبها بدأ يتشقق، وإن فيه أمل حقيقي جاي في السكة، بس الخوف لسه قابع في زاوية مستخبية جواها.
قطع تفكيرها خبط هادي على الباب، ودخول حنان وعلى وشها ابتسامة صافية:
ـ "صباح الخير يا قلب أمك.. رجلنا النهاردة أحسن؟"
عزة ابتسمت وحركت رجلها بالراحة:
ـ "الحمد لله يا ماما، الوجع قل كتير.. تسلمي لي يا رب."
حنان قعدت جنبها وقالت بنبرة ذات مغزى:
ـ "طب يالا شدي حيلك، عشان عمار بيه اتصل ومأكد عليا إنه جاي بنفسه على العثر كده، قالي معاه ملفات حسابات مهمة للمزرعة لازم تراجعيها معاه بنفسك،
عزة وشها اتخطف وجاب ألوان، وبدأت تفرك في غطا السرير بتوتر المره دى وجود عنار مختلف عن كل مره بسبب كلامها مع حنان المره اللى فاتت وبسبب انها عرفت نيته تجاهها
ـ حاضر هقوم اجهز واخرج انا حاسه انى اقدر اتحرك وممكن انزل المزرعه تانى
عصر نفس اليوم، عربية عمار وقفت قدام الدار. نزل بهيبته الطاغية، لابس قميص كحلي مبرز طوله وعرضه، وفي إيده ملفات الشغل. دخل الدار بخطوات ثابتة، واستقبلته حنان بترحيب حار، ودخلته مكتبها وكانت عزه منظراع عشان تقابله وتبدا شغل
عمار دخل المكتب، وأول ما عينه جت على عزة، ملامحه الحادة لانت تماماً واتحولت لنظرة دافية مليانة لهفة. قرب منها وقعد في الكرسي المقابل ليها، وحط الملفات على المكتب .
ـ ألف سلامة عليكي يا عزة.. إن شاء الله تكوني أحسن النهاردة؟
عزة نزلت عينيها الأرض والدموية هربت لخدودها اللي بقت زي الطماطم:
ـ الله يسلمك يا عمار بيه.. الحمد لله، وبقيت أحسن كتير بفضل الله وممكن كمان ارجع الشغل بقيت اقظر اتحرك بسيط
عمار سكت لحظة، وبص للملفات وبعدين رجع بص لعزة بثبات وقرر إنه مش هيضيع وقت في الكلام الرسمي. قرب بجسمه شوية وقال بنبرة صادقة هزت كيانها:
ـ عزة.. أنا مش جاي عشان الحسابات والملفات دي، أنا جيت عشان ست حنان أكيد كلمتك في اللي دار بيني وبينها امبارح.
عزة اتسمرت مكانها، وأنفاسها بدأت تتسارع، ومقدرتش ترفع عينها تبص له. عمار كمل وكلامه طالع من أعماق قلبه:
ـ أنا عارف إنك خايفة، وعارف إن الماضي ساب فيكي جرح مش سهل يلم، ومقدر حواجز الحديد اللي حطاها بينك وبين الدنيا. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة.. أنا عمار ، لما بختار، بختار بقلبي وعقلي مع بعض. وأنا اخترتك أنتى، وشايفك ست بيتي والضهر اللي هسند عليه. مش عايزك تفكري في فروق اجتماعية ولا في كلمة 'بنت ملجأ'، لأنك عندي غالية وتوزني بلد.. كل اللي محتاجه منك، تديني فرصة، وتفتحي الباب لأمانك اللي جاي .. عزه انتى لو طلبتى اى ضمان يضمن كلامى انا موافق ومستعد لانى عارف انى هقدر اصونك واسعدك
كلام عمار نزل على قلب عزة زي المطر في أرض ناشفة، دموعها لمعت في عينيها من كتر التأثر، ولأول مرة تحس ، وإن الراجل اللي قدامها ده فعلاً يقدر يمحو كل الوجع القديم. رفعت عينيها وبصت له بنظرة هادية ومكسوفة، وهزت راسها ببطء من غير ما تنطق، والابتسامة الخفيفة اللي ظهرت على شفايفها كانت كافية لعمار عشان يفهم إن الحواجز بدأت تنهار.
قرر عمار انه يسبها ويتكلم معاها مره تانيه ويعرفها عن نفسه وعيلته وعلاقته برحيم
فى القصر، ومالك صاحي من بدري جداً، عمال يتنطط من الفرحة ومستني اللحظة اللي هيخرجوا فيها. زينب نزلت وراه وهي لابس طقم رقيق وهادي، والابتسامة مش مفارقة وشها .
خرج رحيم من جناح الخصوصي بتاعه، بكامل هيبته وأناقته المعتادة، لابس بنطلون جينز غامق وقميص كاجوال كاشف عن وسامته وطوله. بص لمالك اللي جِري عليه ومسك في إيده:
ـ "بابا! يلا بينا بقا، أنا جاهز واللعب مستنيانا في المول!"
رحيم ابتسم ابتسامة خفيفة وطبطب على راسه:
ـ "يلا يا بطل، العربيات جاهزة برة."
بص لزينب اللي كانت واقفة ومكسوفة، ونظراته الدافية ثبتت عليها لثواني هزت كيانها، وقال بنبرة هادية:
ـ "جاهزة يا زينب؟"
زينب هزت راسها بخجل:
ـ "جاهزة يا رحيم بيه..
اتحركوا ورا بعض وركبوا العربية، ورحيم ساج بنفسه والبودي جاردز وراهم في عربيات تانية عشان الخصوصية. مالك طول الطريق كان عمال يتكلم بحماس عن اللعب اللي عايز يشتريها لأصحابه في الدار، وزينب بتشاركه الفرحة وبتبص لرحيم من وقت للتاني في مراية العربية، وتلاقيه عينه عليها بلمعة تملك غريبة بتخطف دقات قلبها.
وصلوا واحد من أكبر المولات، وأول ما دخلوا، رحيم أخد مالك في إيده، ومشى وزينب جنبه كأنهم عيلة حقيقية، والناس كلها بتبص عليهم بإعجاب للهيبة والجمال اللي هما فيه. دخلوا محل ألعاب أطفال كبير جداً، ومالك أول ما شاف اللعب عينيه لمعت وبدأ يجري هنا وهنا.
مالك كان بيختار اللعب بشغف كبير، يمسك الكورة ويقول: ويمسك العروسة وعربيه كل ما يشوف حاجه تعجبه يجبعا زينب كانت ماشية وراه، بتساعده يختار الحاجات الصح وتوجهه بحنان، ورحيم واقف على بعد خطوات، حاطط إيديه في جيوبه ومتابعهم، وملامحه القاسية اللي الكل بيخاف منها، دابت تماماً وحل مكانها راحة وسعادة مكنش حس بيها من سنين.
بعد ما خلصوا قسم الألعاب والخدم بتوع المحل جمعوا كل الشنط، رحيم أخد مالك ودخلوا محل ملابس براند كبير للأطفال. مالك بدأ يختار هدوم ولعب لنفسه كمان وهو فرحان ومبسوط، وزينب بتنقيله الألوان اللي تليق عليه وتظبط المقاسات.
وفجأة، رحيم ساب مالك مع الحرس وجيه وقف جمب زينب اللي كانت بتطبق جاكيت لمالك. بص لها بنظرة عميقة وقال بصوته الرخيم الهادي:
ـ "زينب.. أدخلي اتفرجي على لبس ليكي، ونقي كل اللي يعجبك."
زينب اتفاجأت وبصت له بسرعة بذهول:
ـ "أنا؟ لأ طبعاً يا رحيم بيه أنا مش محتاجة حاجة، واللبس اللي عندي كتير والحمد لله."
رحيم قرب منها خطوة، ونبرة صوته بقت حازمة بس فيها حنان مش طبيعي:
ـ "أنا مباخدش رأيك يا زينب، أنا بقولك نقي لبس ليكي. يلا، اتفضلي نقي اللي يعجبك ومن غير نقاش.
زينب بلعت ريقها، وقلبها عمل زلزال عنيف من كلمته لقت نفسها بتسلم لأمره ومش قادرة ترفض الطلب، مش عشان الهدوم، بس لأن اهتمامه وتدليله ليها بيخليها تحس إنها ملكت الدنيا كلها. مشيت بخطوات مرتبكة وبدأت تنقي فساتين وأطقم رقيقة على ذوقها، ورحيم عينه مسبتهاش لحظة، والابتسامة مرسومة على شفايفه بنصر.
بينما هما عايشين في قمة السعادة والانبساط في المول، والشنط بتتملي فرحة وهدايا..
رجعوا القصر والشنط مالية العربيات، ومالك مش قادر يستنى من كتر الحماس. رحيم ماضيعش وقت، وأمر الرجالة يجهزوا العربيات الكبيرة عشان السفر للملجأ، وكل الهدايا واللبس واللعب اللي اشتراها مالك بنفسه اتصفت بالترتيب.
زينب طلعت أوضتها تغير هدومها وتجهز نفسها، فتحت الدولاب وبصت للأطقم الجديدة اللي رحيم صمم يشتريها لها. اختارت فستان رقيق ومحتشم جداً، لونه هادي ويليق بملامحها الصافية. أول ما بصت في المراية، حست إنها مش مصدقة التغيير اللي حصل في حياتها؛ من بنت مكسورة وجرحها لسه بينزف، لـ إنسانة حاسة بقيمتها وكرامتها مرفوعة في السما بفضل ربنا ثم الراجل اللي مستنيها تحت.
نزلت السلم، وكان رحيم واقف لابس نظارته الشمسية وجاكيت كاجوال أنيق، ومالك ماسك في إيده. أول ما رحيم رفع عينه وشافها نازلة بالفستان الجديد، عينيه لمعت ببريق تملك وإعجاب واضح، وملامحه القاسية لانت تماماً. قرب منها وقال بصوته الرخيم الدافي:
ـ "الفستان لايق عليكي جداً يا زينب يالّا بينا، العربيات جاهزة والكل مستنينا هناك.
ركبوا العربية، ومالك في النص مش بيبطل كلام وضحك، ورحيم سايق ومركّز في الطريق، بس من وقت للتاني كان بيبص لزينب ونظراته بتطمن قلبها وتأكد لها إن الخوف ملوش مكان في حياتها تاني طول ما هو موجود.
بعد مسافة السكة، وصلت القافلة قدام بوابة الملجأ. العربيات السودا الفخمة وقفت، والحرس نزلوا بسرعة يفتحوا الأبواب ويجهزوا الشنط والهدايا.
الدار كلها كانت مقلوبة ومنورة؛ الأطفال واقفين في الجنينة ومستنيين بلهفة، وست حنان وعزة واقفين على الباب والابتسامة مالية وشوشهم. مالك أول ما الباب اتفتح، ، جري على الأطفال وهو شايل أول شنطة ألعاب وعالي صوته بفرحة:
ـ "أنا جيت! وجايب لكم معايا لعب كتير أوي نقسمها سوا!"
زينب نزلت وعينيها مليانة دموع الفرحة، جريت على ماما حنان وأخدتها في حضنها الغالي، وحنان بتطبطب عليها وبتقول بنبرة كله فخر:
ـ "نورتي بيتك يا قلب أمك.
عزة قربت منهم وهي بتعرج بسيط ورجلها أحسن كتير، وسلمت على زينب بفرحة، وعينيها جت في عين عمار اللي كان واقف ورا رحيم، ووشها احمر كالعادة من الكسوف الحقيقي.
رحيم اتقدم بخطواته الثابتة اللي ليها هيبة تهز المكان، وبص للأطفال ومالك وهو بيوزع اللعب بنفسه والضحكة مالية وشه
رحيم وقف يراقب المشهد وعينيه فيها لمعة رضا غريبة مكنتش بتظهر عليه أبداً، وفجأة مالك شد إيده:
ـ "بابا.. تعالى العب معانا كورة! أرجوك يا بابا عشان نكسبهم!"
زينب بصت لرحيم بابتسامة ومكنتش تتوقع إنه يوافق، بس رحيم قلع نظارته الشمسية واداها لعمار، وبكل هيبة ورشاقة دخل وسط الأطفال وبدأ يلعب معاهم الكورة. ضحكته الرخيمة الرجولية طلعت لأول مرة من قلبه وهو بيجاري مالك والأطفال في اللعب. عمار مكدبش خبر، شمر كمام قميصه ودخل هو كمان الفريق المنافس، وبقت الجنينة عبارة عن ساحة من الفرحة والضحك اللي طالع من القلب، وزينب وماما حنان واقفين على جنب وعيونهم مليانة دموع من كتر الدفء اللي مالي المكان.
وسط اللعب والهيصة، رحيم وقف الكورة بإيده وصفر بصوته عشان يلم الأطفال حواليه، وقال بصوت عالي ومليان حماس:
ـ "اسمعوا يا أبطال! بمناسبة اليوم الجميل ده، أنا وعمار مجهزين لكم مفاجأة.. بعد بكره كلكم طالعين رحلة كبيرة ، هنروح الملاهي الكبيرة وهنقضي يوم كامل لعب وتنطيط، ومحدش هيرجع إلا وهو مبسوط .
الأطفال أول ما سمعوا كلمة "رحلة وملاهي"، صرخوا من الفرحة وفضلوا يتنططوا ويسقفوا، وعزة كانت واقفة ساندة على باب المكتب وبتبص لعمار بنظرة كلها إعجاب وتقدير حقيقي لقلبه الطيب اللي بيعرف يفرحهم إزاي، وعمار لم المحها وبادلها نظرة دافية طمنتها أكتر.
على المغربية، الجو هدي شوية، والأطفال دخلوا يتعشوا ويستعدوا للنوم. زينب قربت من رحيم وقالت بنبرة مكسوفة وخافتة
ـ "رحيم بيه.. أنا.. أنا كنت عايزة أطلب من حضرتك طلب لو ينفع.. أنا حابة أبات النهاردة هنا في الملجأ مع ماما حنان وعزة والأطفال، وحشتني قعدتهم أوي، ولو حضرتك وافقت هصحي الصبح بدري وأرجع القصر فوراً."
رحيم بص لها نظرة طويلة، غامقة وفيها تملك، لسه هيتكلم لقى مالك شبط في فستان زينب وصوته طالع بطفولة وعناد:
ـ "لأ يا زينب! مش هتمشي وتسيبينا! أنا عايز أبات معاكي هنا.. بابا، أرجوك خلينا نُقعد مع زينب النهاردة هنا في الملجأ، أنا حبيت الأطفال وعايز أنام جمبهم!"
زينب ارتبكت وبصت لرحيم بتوتر، ورحيم طبطب على راس مالك وقال بحنان حازم:
ـ "مالك.. زينب هتبات هنا النهاردة عشان وحشوها، وأنا وأنت هنروح المزرعة مع عمك عمار عشان ورانا شغل مهم الصبح بدري، والصبح هنيجي ناخدها ونرجع كلنا.. مفهوم يا بطل؟"
مالك برطم شوية بس لما شاف نظرة أبوه الحاسمة وافق وهز راسه:
ـ "ماشي يا بابا.. بس نيجي بدري أوي."
رحيم لف وبص لزينب، وقرب منها خطوة وبقى صوته منخفض ومرعب في دفيء تملكه:
ـ "باتي النهاردة يا زينب وارتاحي وسط أهلك..
اتحرك رحيم وعمار وأخدوا مالك معاهم وركبوا العربية واتجهوا للمزرعة القريبة من الملجأ.
أول ما وصلوا المزرعة، رحيم نزل بملامحه الجادة اللي رجعت لطبيعتها، ودخل المكتب الكبير وبدأ يراجع مع عمار أوراق الشغل والحسابات الأخيرة، وعمار فتح اللاب توب وبدأ يوريه آخر التطورات في خطوط الإنتاج الجديدة ومشتريات الأجهزة.
رحيم كان بيسمع بتركيز وعينيه بتفحص كل صغيرة وكبيرة، وقال بصوته الحاد:
ـ "الشغل ماشي مظبوط يا عمار.. المزرعة هنا هي أساس شغلنا الجديد، وعايز التقارير دي تتبعت أول بأول.. وبخصوص عزة، واضح إنها مخلصة في شغلها ومنظمة جداً في الحسابات اللي بعتتهالي."
عمار ابتسم بفخر وقال:
ـ "عزة مفيش منها يا رحيم.. وهي اللي شايلة حسابات المزرعة كلها على كتافها."
قضوا الليلة في مكتب المزرعة بيتابعوا الشغل لحد الفجر، ورحيم وعمار عينهم على بكرة، وكل واحد فيهم جواه إعصار من المشاعر والأفكار تجاه البنت اللي خطفت قلبه وغيرت حساباته تماماً.