تحميل رواية الأخطبوط بقلم أماني سيد pdf
بقلم أماني سيد
الفصل 29
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
عارفه يا نبويه انا نفسى اجوز ابنى لبنت مايكنش ليها حد يسأل عنها عايزه واحده تبقى زى الخاتم فى صباعى اقول يمين تبقى يمين شمال تبقى شمال عايزه واحده كده تبقى خدامه تحت رجليا وتسمع كلامى ومحدش يقولى انتى بتعملى ايه يا امنيه حياتى يا نبويه بس للاسف كل اللى رحنا اتقدمنا ليهم عنيهم تدب فيها رصاصه وقال ايه رافضيين يعيشوا معايا عايزين شقه منفصله ... وانا ابنى غلبان اخاف اجوزه واحده تضحك عليه لازم يقعد معايا عشان اخلى باله منه لحسن مراته تركب عليه وتدلدل واللى يقولك الحل يا عايده تديله ايه إيه ده انتى تع...
الفصل 29
مر شهر كامل على جواز عمار وعزة، شهر المزرعة فيه حست بدفا مكنتش تعرفه من سنين، والفيلا اللي كانت دايماً ضلمة وهادية، بقت بتنطق حيوية بلمسات عزة وضحتكها الرقيقة اللي مابتفارقش وشها وهي بتدير حسابات المزرعة
وفي ليلة هادية، داخل قصر رحيم الهواري..
رحيم كان قاعد في مكتبه، لابس قميص أسود مريح وفاتح أول زرارين، وباصص من الشباك الكبير للجنينة وهو بيشرب قهوته وعقله شغال تفكير وتخطيط. الباب خبط ودخل عمار بهيبته المعتادة، ماسك في إيده ملف الحسابات الشهري للمزرعة.
رحيم التفت له وابتسامته الدافية ظهرت على وشه:
ـ "يا مرحب بالعريس اللي مبقاش يبان.. عاش من شافك يا عمار."
عمار ضحك وصوته الرجولي رن في المكتب وهو بيحط الملف على الترابيزة:
ـ المزرعة وشغلها واخدين وقتي، بس جيت أسلّمك حسابات الشهر بنفسي وأطمن عليك ."
رحيم ساب فنجان القهوة وقرب من عمار، حط إيده على كتف صاحبه وعينه فيها لمعة تفكير وخبث ذكي:
ـ "سيبك من الحسابات والورق دلوقتي يا صاحبي.. أنا طالبك في مأمورية تانية خالص، مأمورية سريعة وماتستحملش التأخير."
عمار عقد حواجبه باستغراب وبص لرحيم بتركيز:
ـ "خير يا رحيم؟ في حاجة جديدة ظهرت تخص الصافي؟ ولا فيه شغل برة؟"
رحيم هز راسه بالرفض والابتسامة وسعت على وشه:
ـ "لأ، الصافي انتهى وربنا ريحنا من شره للأبد.. الموضوع المرة دي يخص المزرعة عندك. أنا عايزك تجهز لي المزرعة كلها، من أول البوابة لحد الجنينة الكبيرة، وتعمل لي فيها فرح.. بس مش أي فرح، فرح ملكي كبير يتعمل عليه ألف حساب، زينة وأنوار دافية، وممر طويل مفروش ورد، وأفخم بوفيه وأحسن تنظيم."
عمار بلمح البصر بلم ومبقاش فاهم حاجة، هرش في راسه وبص لرحيم بذهول:
ـ "فرح؟ فرح لمين يا رحيم في المزرعة؟ أنت ناوي تجوز حد من رجالتك ولا إيه؟ وليه في المزرعة بالذات؟"
رحيم لف ضهره ولعب بخاتمه الفضة وهو بيتكلم بنبرة صوت مليانة تملك وعشق حقيقي، نبرة عمر عمار ما سمعها من رحيم إلا لما السيرة تخص واحدة بس:
ـ "عايز أعمل مفاجأة لزينب يا عمار.. زينب دخلت حياتي في وسط الحرب والعواصف، استحملت الرعب وشالت مالك في حضنها ، ودخلت دنيتي من غير ما تاخد حقها والنهاردة بعد ما الساحة فضيت والكلاب اختفوا، جه الوقت اللي أخليها فيه ملكة قدام الدنيا كلها."
عمار عينيه لمعت بفرحة حقيقية لصاحب عمره وطبطب على ظهره بقوة:
ـ "يا ابن اللعيبة يا رحيم! والله وطلعت رومانسي وبتعرف تخطط يا أخطبوط. بس استنى.. زينب عارفة؟"
رحيم التفت له وعينه رجعت فيها حدة الصقر بس ممزوجة بضحكة:
ـ "لو عرفت مش هتبقى مفاجأة يا غبي! أنا مش عايزها تشم خبر، ولا هي ولا عزة ولا ماما حنان.. الحريم لسانهم بيخونهم في الفرحة. أنت هتقلب المزرعة خلية نحل من وراهم، وتنسق مع أكبر بتوع ديكور، ولما كل حاجة تجهز، أنا هعرف أجيبها لحد عندك إزاي بالفستان الأبيض."
عمار جز على سنانه بحماس وهو بيضحك:
ـ "اعتبره حصل يا صاحبي. من النجمة المزرعة هتقلب ثكنة عسكرية لتجهيز ليلة العمر لست البنات، وعزة بنفسها هتشرف على الديكور من غير ما تفهم الفرح ده لمين.. هقول لها ده فرح يخص عميل كبير لرحيم بيه ومحرجين نرفض."
رحيم ابتسم وحط إيده في جيبه:
ـ "تمام.. قدامك أسبوع واحد يا عمار، مش عايز غلطة، الليلة دي لازم تكون الليلة اللي زينب عمرها ما تنساها في حياتها."
وبالفعل، مرت الأيام وعمار شغال في المزرعة زي اللودر، بيوجه العمال، والأنوار والزينة بدأت تترص في الجنينة الواسعة، والكراسي الملكية البيضا بدأت تتوزع، وعزة كانت بتتحرك معاه بفضول هيموتها وهي شايفة الفخامة دي كلها وبتسأل نفسها: "يا ترى مين المحظوظة اللي رحيم بيه بيعمل لها كل ده في مزرعتنا؟".
وفي الصباح الجديد، قصر رحيم الهواري اتقلب لخلية نحل تانية، بس المرة دي جوه البيت نفسه.
زينب صحيت على صوت حركة وخطوات غريبة في الممرات برة أوضتها، لمت شعرها بسرعة وخرجت تبص، ولقت عمال ومهندسين ديكور بيتحركوا بمعاينات، وماسكين في إيديهم لوحات لتصميمات هندسية، وبيسجلوا مقاسات الصالون والممرات، ونازلين على الدور الأرضي والمكتب.
نزلت السلم ببطء والفضول بياكلها، لقت رحيم واقف في وسط الصالون الكبير، لابس قميص أبيض ورافع كُمامه، وبيتكلم بجِدية وصوت رخيم حاسم مع مهندس ديكور كبير:
ـ "الصالون ده كله يتشال، والألوان الغامقة دي تتغير تماماً.. عايز ألوان هادية وفيها روح دافية. وغرف النوم فوق، بالذات الأجنحة الرئيسية، تتهد الديكورات القديمة بتاعتها وتتفرش بأحدث طراز وبأفخم أثاث.. مش عايز تفصيلة واحدة تفوتكم."
زينب دخلت من باب القص و، دقات قلبها بدأت تزيد بنبرة قلق مقبوضة. قربت منه بخطوات هادية ولما رحيم لمحها، شاور للمهندس يكمل شغله والتفت ليها وعينه فيها لمعة هادية:
ـ "صحيتي يا زينب؟ صباح الخير.. معلش الدوشة دي هتضايقكم كام يوم."
زينب بلعت ريقها وبصت حواليها للعمال واللوحات، وقالت بصوت هادي ومتردد ماليان فضول:
ـ "صباح النور يا رحيم بيه.. لأ مفيش ضيق ولا حاجة، بس.. أنا شايفة حركة غريبة وتجديدات شاملة في كل ركن في القصر، حتى غرف النوم الرئيسية فوق! هو.. هو فيه إيه؟ وليه بتغير نظام البيت كله فجأة كده بعد السنين دي؟"
رحيم حط إيده في جيبه، وحب يلعب بأعصابها ويشوف غلاوته في عينها، فملامحه بقيت جاده بزيادة وحط النبرة الباردة بتاعة العمل، وقال بخبث مستخبي:
ـ "أصل خلاص يا زينب.. جه الوقت اللي القصر ده يدخله روح جديدة ونظام جديد.. أنا قررت أتجوز. واجيب لمالك ام
الكلمة نزلت على ودن زينب زي الصاعقة.. "أنا قررت أتجوز"!
في ثانية واحدة، الهوا اتمسح من حواليها، والدنيا اسودت في عينها وكأن جبل اتهد فوق راسها. الكلمة هزت كيانها كله، وحست بوجع في قلبها مكنتش تتخيل إنها ممكن تحس بيها في يوم من الأيام.
دموعها اتجمعت في عيونها الواسعة في لمح البصر، وبقت بتلمع تحت الإضاءة، وشها اتقلب أبيض وعروق إيدها اتشدت وهي ماسكة في طرف العباية عشان تسند طولها وماتقعش قدامه. حاولت بكل قوتها وبكبرياء الأنثى اللي جواها إنها تداري الدموع دي، فنزلت عينها الأرض بسرعة ولفّت وشها الناحية التانية وهي بتبلع غصّة مرار في حلقها.
صوتها طلع مخنوق، مكسور، وبيرتعش وهي بتحاول تبان طبيعية:
ـ "ألف.. مبروك يا رحيم بيه.. ربنا.. ربنا يتمم لك على خير.. أنت حقك تعيش حياتك وتختار اللي تسعدك."
رحيم كان متابع كل حركات وشها، وشاف الدموع اللي حست بحرارتها على رموشها، وقلبه دق بعنف لما لقى غلاوته وحبه واصلين للدرجة دي في قلبها، بس فضل ساكت ومثبت ملامحه عشان اللعبة تكمل .
زينب، والدموع خلاص هتنزل من عينها، حست إن أنفاسها بتتقطع، وأفكار سودا بدأت تهاجم عقلها.. "يعني خلاص؟ أيامي بقيت معدودة هنا؟ رحيم هيجيب ست جديدة للقصر، وأنا مكاني هيبقى فين؟ هبقى مجرد ضيفة ولا هرجع الدار تاني؟ أنا خلاص مابقاش ليا مكان جمبه ولا في حياته".
وقبل ما تنهار قدامه، رفعت راسها ثواني من غير ما تبص في عينه، وقالت بنبرة هربانة من وسط دموعها:
ـ "عن إذنك.. هطلع أشوف مالك عشان زمانه صحي."
وجريت على السلم بسرعة، ودموعها نزلت على خدها بغزارة أول ما دارت وشها عنه، ودخلت الحمام وقَفلت الباب وسندت ضهرها عليه وهي بتعيط بحرقة وتكتم صوت شهقاتها.. مكنتش تعرف إن الجرح بالعمق ده، ومكنتش فاهمة إن الأخطبوط مبقاش مجرد حامي ليها، ده بقى هو نفسه حياتها ودنيتها اللي خايفة تضيع منها!
وتحت في الصالون.. رحيم فضل باصص أثرها على السلم، وابتسامة عشق حقيقية وندم خفيف ظهرت على وشه وهو بيهمس لنفسه:
ـ "استحملي الوجع ده يومين بس وبكرة هتعرفي إنك أنتِ العروسة، وإن القصر ده مش هيتجدد ولا هيتفرش إلا ليكي أنتِ يا ملكة قلبي."
"بعد يومين طلب رحيم من زينب انها تروح معاه المزرعه عشان فى مشكله كبيره هناك وتخلى بالها من مالك وفعلاً زينب جهزت نفسها ومالك وراحت معاه المزرعه وطول الطريق كانت ساكته او بتتكلم مع مالك
وصلت المزرعه وكان رحيم كلم ست حنان وجهز معاها كل حاجه واتفق مع الميكب ارتيسيت وعزم اكبر ناس فى البلد"
وصلت العربية قدام بوابة المزرعة الكبيرة، وكانت الأنوار متوزعة بشكل ساحر في كل ركن، والزينة كانت في كل حتة بتلمع تحت ضوء القمر. زينب نزلت من العربية وهي ماسكة إيد مالك، ملامحها كانت لسه شايلة أثر الحزن والكآبة من موضوع الجواز اللي رحيم قالهولها، وكانت بتفكر: "يا ترى إيه المشكلة الكبيرة اللي خلت رحيم يجيبني هنا في وسط الحفلات والناس؟".
رحيم نزل من العربية بهيبته المعتادة، بدلته السوداء كانت بتلمع، وملامحه كانت في غاية الهدوء والرضا. بص لزينب اللي كانت لابسة فستان بسيط ووشها شاحب، وحس بوجع في قلبه من كتر ما هي شايلة في نفسها، قرب منها وهمس بصوت واطي:
ـ "خليكي قوية يا زينب.. كل حاجة هتتحل دلوقتي."
دخلوا من البوابة، وزينب اتفاجئت بالهدوء اللي مريب، المزرعة كانت مليانة حراس، وعزة وماما حنان كانوا واقفين عند مدخل الفيلا، عزة كانت لابسة لبس رقيق ومبتسمة ابتسامة غامضة، وماما حنان كانت عيونها بتلمع بدموع الفرح.
زينب سألت بقلق وهي بتبص حواليها:
ـ "فين المشكلة يا رحيم بيه ؟ وليه المكان مليان ورد وزينة كأن فيه فرح؟"
رحيم ماردش عليها، بس أخدها من إيدها وطلع بيها على ممر طويل مفروش بالسجاد الأحمر، ومحاط ببوكيهات ورد طبيعي من أجمل الأنواع، والأنوار كانت بتنور وتطفي على أنغام موسيقى هادية جداً بدأت تشتغل في الأرجاء.
زينب اتجمدت في مكانها، وقلبها بدأ يدق بجنون لما شافت عزة بتشاور لها بابتسامة، وفجأة، الميكب أرتيست اللي كانت مستنية في أوضة جانبية خرجت ومعاها فستان زفاف ملكي، مطرز بالكريستال اللي بيخطف العين.
رحيم وقف قدامها، مسك إيديها الاتنين وبص في عيونها اللي كانت بتتحرك في كل حتة بذهول، وقال بنبرة هادية وعميقة هزت كيانها:
ـ "المشكلة الكبيرة هي إن قلبي كان معذبني لأنه مش عارف يعبر عن اللى جواه بس انهارده كل حاجه هتتغير يا زينب .. والورد ده، والناس اللي بدأت توصل، والزينة دي.. مش لمشكلة، دي عشان أجمل ليلة في عمرنا."
زينب اتنفضت من الصدمة، عيونها وسعت ووقعت منها دمعة حقيقية، بس المرة دي كانت دمعة فرحة مش حزن. همست بصوت مخنوق من شدة المفاجأة:
ـ "أنت.. أنت قولت هتتجوز؟"
رحيم ضحك ضحكة رجولية دافية، ومسح دموعها بإبهامه:
ـ "وأنا فعلاً بتجوز.. بتجوز الست اللي حمت بيتي، وحبت ابني، واستحملت قسوتي ووجعي.. بتجوز زينب، اللي بقت هي دنيتي وأماني وكل ما ليا."
قبل ما تستوعب، عزة وماما حنان قربوا منها، وأخدوها للأوضة عشان يلبسوها الفستان الأبيض اللي بيحلموا بيه، والبيت كله بدأ يضج بالأصوات والترحيب من كبار البلد اللي كانوا موجودين، والكل كان بيتسابق عشان يبارك لرحيم الهواري على عروسه اللي خطفت قلبه.
رحيم كان واقف برة، بيلعب بخاتمه الفضة وهو بيبص للسما، وحاسس إن أخيراً، "الأخطبوط" لقى الملاذ اللي عمره ما عرفه.. ليلة واحدة، وبقت زينب مراته قدام الكل، بعهد جديد وحب مايعرفش غير الإخلاص والأمان.
وبعد أربع ساعات كاملة من التجهيزات، كان الليل جه خلاص، والمزرعة اتملت بأنوار دافية وساحرة خطفت الأنظار، والمعازيم من أكبر ناس في البلد بدأوا يملوا الجنينة الواسعة اللي اتقلبت لسرادق ملكي مفيش في فخامته.
داخل الجناح فوق.. كانت زينب جهزت بالكامل.
وقفت قدام المراية الكبيرة وهي مش مصدقة شكلها. الفستان الأبيض الملكي كان نازل عليها بنعومة ومطرز بتفاصيل رقيقة خطفت قلبها، والميكب آرتيست برزت ملامح وشها الواسعة والصافية من غير مبالغة، والطرحة البيضا الطويلة كانت نازلة وراها زي الأميرة.
زينب كانت واقفة، قلبها بيدق زي الطبول، بس المرة دي مكنش خوف، كان مزيج من الكسوف، والفرحة الطاغية، والذهول من الأخطبوط اللي خطط لكل ده من وراها عشان يرجع لها حقها كبنت ويفرح قلبها قدام الدنيا كلها.
الباب خبط بالراحة، وتوقعوا دخلة رحيم.
اتفتح الباب ودخل رحيم الهواري بكامل هيبته ووسامته، لابس بدلته السوداء الأنيقة، وقميصه الأبيض الناصع، ولأول مرة يتخلى عن النظرة الحادة بتاعة الشغل. أول ما عينه جت على زينب، خطواته اتسمرت في مكانها.. فضل باصص لها لثواني طويلة من غير ما ينطق ولا كلمة، وعينيه الغامقة لمعت بنظرة عشق وتملك حقيقي، كأنه مش مصدق إن الحورية اللي قدامه دي بقت ملكه وبتاعته هو وبس.
قرب منها ببطء، خطواته الرخيمة كانت بتعلو مع دقات قلب زينب اللي كانت بتبص في الأرض من كتر الكسوف وخدودها اتصبغت باللون الأحمر. وقف قصادها بالظبط، ومد إيده القوية، وبأطراف صوابعه رفع وشها الرقيق لحد ما عيونها التقت بعيونه.
تنفس بصوت مسموع وقال بنبرته الرخيمة الدافية اللي بتدوب أي جمدان:
ـ "أنا قولت إنك هتكوني ملكة.. بس مكنتش أعرف إن الأرض هتنور بيكي للدرجة دي يا زينب."
زينب بلعت ريقها وصوتها طلع رقيق وخافت جداً من الكسوف:
ـ "شكراً يا رحيم.. أنا.. أنا لسه مش مصدقة اللي أنت عملته ده كله عشان خاطري."
رحيم ابتسم ابتسامة صافية، وطبع بوسة دافية وطويلة على جبينها، وشدد على إيدها الصغيرة وهو بيدخلها في دراعه:
ـ "أنتِ تستاهلي أكتر من كده بكتير يا ست البنات.. يلا بينا، الناس كلها برة مستنية تشوف عروستي."
وفي نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل مالك الصغير وهو لابس بدلة سمرا تفصيل صغيرة زي أبوه بالظبط، وشكله زي القمر، وجري عليهم وهو بيضحك بفرحة:
ـ "زينب.. بابا.. يلا عشان نلعب في الجنينة برة مع الناس!"
رحيم ضحك وشال مالك على دراعه، والإيد التانية طوق بيها إيد زينب، وبدأوا ينزلوا السلم سوا عشان تبدأ ليلة العمر اللي المزرعة كلها عمرها ما هتنسا
رحيم نزل السلم وبجانبه زينب اللي كانت ماشية زي الملكة، ومالك متشال على دراعه ومخطوف الأنظار ببدلته الصغيرة. أول ما رجولهم خطت برة بوابة الفيلا ودخلوا الجنينة الكبيرة، المكان كله اتهز بصوت الزغاريد اللي ضربت في السما من ماما حنان وعزة، والمعازيم كلهم وقفوا يسقفوا بحماس وفرحة حقيقية للأخطبوط وعروسته.
الأنوار الدافية كانت مسلطة عليهم، والممر الطويل كان مفروش ورد طبيعي أبيض وأحمر، والكل كان بيبص لزينب بذهول من رقتها وجمالها الفاتن بالفستان الأبيض. رحيم كان ماشي بخطوات واثقة، هيبته تملأ المكان، بس عينه مكنتش بتفارق وش زينب اللي كان عرقان من الكسوف وعيونها في الأرض.
عمار كان واقف في أول الممر جنب الكوشة الملكية، لابس بدلته وكالعادة عينه صقرية بتأمن المكان، بس أول ما شاف صاحبه وظهرت على وشه ابتسامة نصر وفرحة، قرب منه بسرعة وحضنه بقوة:
ـ "مبروك يا صاحبي.. ليلة العمر تليق بيك وبالغالية ست البنات."
رحيم طبطب على ضهره بنبرة صادقة:
ـ "عقبال ما تفرح بعيالك يا عمار.. تسلم إيدك على كل شبر في الليلة دي."
عزة قربت من زينب وعيونها مدمعة من الفرحة، واحتضنتها جامد وهي بتهرس في ودنها:
ـ "بقى كده يا زوزو؟ تخبي عليا كل ده؟ والله كنت حاسة إن الواد عمار وراه مصيبة في المزرعة بس مكنتش أتخيل إنها الفرحة الكبيرة دي! طالعة زي القمر يا حبيبتي."
زينب ضحكت من وسط كسوفها وهمست لها:
ـ "والله العظيم ما كنت أعرف حاجة يا عزة، ده جوزك وجوزي طبخوا الطبخة من ورايا وأنا كنت فاكرة إن فيه مصيبة في المزرعة!"
رحيم نزل مالك بالراحة، وأخد إيد زينب وطلعوا قعدوا في الكوشة الملكية اللي كانت متزينة بالورد الأبيض والإضاءة الخافتة الساحرة. كبار البلد والموردين ورجال الأعمال بدأوا يتقدموا واحد ورا التاني عشان يباركوا لرحيم الهواري، والكل كان بيتكلم عن هيبة العريس ورقّة العروسة اللي خطفت قلب الأخطبوط.
بعد شوية، اشتغلت أغنية هادية ورومانسية جداً.. رحيم قام وقف بكامل طوله، ومد إيده لزينب بنظرة كلها رجاء دافي وتملك:
ـ "تسمحي لي بالرقصة دي يا مدام رحيم الهواري؟"
زينب بلعت ريقها، وحطت إيدها الصغيرة المبتلة من التوتر في إيده القوية، وقامت معاه وسط تصفيق حاد من المعازيم.
رحيم لف دراعه حوالين وسطها بالراحة وقربها منه، وزينب حطت إيدها على كتفه وعينها التقت بعينه لأول مرة من بداية الليلة. رحيم بص في عيونها الواسعة اللامعة بفرحة، وقال بصوته الرخيم اللي كله عشق:
ـ "النهاردة بس يا زينب، أقدر أقول إن رحيم الهواري قفل كتاب الوجع وبدأ حياته الحقيقية.. أنتِ الأمان اللي ربنا بعتهولي بعد سنين العواصف."
زينب دموع الفرحة لمعت في عيونها، وسندت راسها بالراحة على صدره العريض وهي بتهمس بنعومة وحب:
ـ "ربنا يخليك ليا يا رحيم.. أنا عمري ما حلمت بنص الفرحة دي، وجودك معايا هو الفرحة الكبيرة اللي هعيش بيها طول عمري."
عمار وعزة وماما حنان كانوا واقفين بيبصوا عليهم بفخر، ومالك كان بيجري ويلعب حواليهم مع أطفال المزرعة، والليلة بدأت تدور في دفا وحب، وأعلن الأخطبوط قدام الدنيا كلها إن زينب بقت دنيته وحرمه المصونة، والشر اتمحى من حياتهم للأبد.
ومع الساعات الأولى من الفجر، الفرح بدأ يهدى، والمعازيم ودّعوا رحيم وعروسته بتباريك ودعوات طالعة من القلب.
ماما حنان قربت من رحيم وزينب وهي ماسكة إيد مالك الصغير اللي كان عينه بتروح وتيجي من كتر التعب واللعب مع أطفال الدار اللي كانوا حاضرين الفرح. ماما حنان ابتسمت بحنان وقالت لزينب:
ـ "مبروك يا ست البنات، ربنا يسعدكم ويهنيكم يا رب.. سيبوا لي مالك معايا الليلة دي في الدار، الواد هبطان من اللعب مع الأولاد ومش هيصحى قبل الظهر، اطلعوا أنتوا ارتاحوا."
رحيم طبطب على رأس ابنه وبص لموا حنان بامتنان:
ـ "تسلمي يا أمي، تعبناكي معانا.. خلي بالك منه."
عمار وعزة هما كمان باركوا لهم تاني واستأذنوا عشان يرجعوا فيلتهم، والمزرعة كلها سكنت ومبقاش مسموع فيها غير صوت نسمات الهواء الهادية بين الشجر.
رحيم التفت لزينب، لقى وشها جايب ألوان من الكسوف والخجل، واقفة بالفستان الأبيض ومش عارفة تبص فين. مد إيده وطوق وسطها بحنان، وبخطوات رزينة وهادية أخدها وطلعوا الجناح الرئيسي بتاعهم في فيلا المزرعة، الجناح اللي عمار جهزه بأفخم الأثاث والأنوار الدافية الخافتة.
أول ما دخلوا، رحيم قفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل على دنيتهم الجديدة اللي مفيش فيها غيرهم.
زينب اتسمرت في وسط الأوضة، قلبها كان بيدق بعنف لدرجة إنها كانت حاسة إن رحيم سامع دقاته، فركت إيدها بتوتر وهي باصة للأرض. رحيم قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه الأبيض، وقرب منها بخطوات بطيئة هادية لحد ما بقى واقف وراها بالظبط.
أنفاسه الرجولية الدافية لفحت رقبتها، ومد إيده بالراحة يفك طرحة الفستان الطويلة ويشيلها من على رأسها. لفها ليه ببطء شديد، ورفع وشها بإيديه الاتنين وبص في عيونها الواسعة اللامعة بنظرة تملك وعشق حقيقي دّوب كل التوتر اللي جواها.
رحيم اتكلم بصوته الرخيم والدافي جداً:
ـ "خلاص يا زينب.. مبقاش فيه خوف، ومبقاش فيه معارك.. الليلة دي أنتِ بقيتي مراتي وحرم رحيم الهواري قدام ربنا والعالم كله.. أنا عشت عمري كله في حرب، بس حضنك هو السلام اللي كنت مستنيه."
زينب حسّت إن ركبها مش شايلاها من كتر المشاعر اللي هجمت على قلبها في اللحظة دي هى احد دلوقتي حاسه انها بتحلم وبتحاول تعيش الحلم بتفاصيله ومتصحاش منه ..كمل رحيم كلامه، ونظرة عينه اللي ماليانة أمان، والصدق اللي طالع من نبرته، خلوا كل حواجز الخجل والكسوف تنهار. عيونها دمعت دُموع فرحة صافية، ولأول مرة تاخد خطوة جريئة؛ رفعت إيديها الصغيرة المرتعشة وحطتها على صدره العريض، وقربت منه أكتر لحد ما بقيت دافنة وشها في صدره وسامعة دقات قلبه المنتظمة والقوية.
صوتها طلع ناعم، ماليان حب وهامس:
ـ "أنا بحبك يا رحيم.. عمري ما تخيلت إن دنيتي هيبقى فيها راجل زيك، يحميني ويشيلني جوه عينه ويعوضني عن كل اللي شفته.. أنا مش عايزة من الدنيا دي حاجة تانية غير إني أفضل في حضنك ده، وأكون الأمان اللي بيريحك من تعب الدنيا."
رحيم أول ما سمع كلمة "بحبك" منها، جسمه كله اتنفض، وابتسامة سعادة ونصر حقيقية ظهرت على وشه، ضماها لصدره بكل قوته وكأنه بيحاول يدخلها بين ضلوعه، وطبع بوسة دافية وطويلة على جبينها وشفايفها، ودفن وشه في حجابها وهو بيتنفس ريحتها النفاذة اللي بقت بتجري في دمه.
وفي اللحظة دي، اتقفلت صفحة الوجع والغدر والخوف من حياتهم للأبد، وبدأت حياة جديدة للأخطبوط اللي لقى ملاذه، ولزينب اللي بقت ملكة قلبه وأيامه الجاية، في ليلة شهدت على ولادة حب حقيقي مش هتهزه أي عاصفة.
وفي الصباح الجديد،
رحيم صحي بدري كالعادة، بس المرة دي صحي والراحة مالية قلبه. قام من على السرير بمنتهى الهدوء والراحة عشان زينب ما تصحاش، أخد روب ستان أسود فخم لبسه فوق بنطلونه، ومشا بخطوات غير مسموعة لحد الكرسي الفوتيل الكبير اللي محطوط في زاوية الأوضة ومواجه للسرير بالظبط.
قعد رحيم، ساند ضهره، وحط رجل على رجل، وشبك صوابع إيده تحت دقنه وبدأ يبص لزينب.. فضل باصص لها لمدّة طويلة بنظرة كلها تأمل وعشق صافي. كانت نايمة بسلام كأنها طفلة، ملامحها هادية، وبقايا الفرحة والخجل لسه باينة على وشها. رحيم كان مستنيها تصحى بفارغ الصبر، كأنه طفل مستني اللعبة اللي هتفرحه، والابتسامة الهادية مش مفارقة شفايفه.
بعد شوية، زينب بدأت تتحرك بالراحة، فتحت عيونها الواسعة ببطء وهي بتتكيف مع نور الأوضة. أول ما استوعبت هي فين، لفت راسها بسرعة وتلقائية تدور عليه جنبها على السرير، بس ملقتوش.. قلبها دق بخضة خفيفة، بس أول ما رفعت عيونها، لقت صقر الهواري قاعد على الكرسي وباصص لها بالنظرة اللي بتدوبها.
وشها اتصبغ باللون الأحمر في ثانية، ولمت الغطا عليها بكسوف وهي بتقعد:
ـ "صباح الخير يا رحيم.. أنت صاحي من بدري؟"
رحيم صوته الرجولي الرخيم طلع دافي ومليان حنان وهامس:
ـ "صباح الورد يا قلب رحيم.. صاحي بقالي ساعة، ومفيش ورايا في الدنيا دي غير إني أتأمل في دنيتي وهي نايمة جمبي."
زينب بلعت ريقها بكسوف، ونزلت رجليها من على السرير، وقامت مشت بخطوات هادية وخجولة لحد ما راحت وقفت قدامه بالظبط، وعيونها في الأرض مش قادرة ترفعهم في عينه من كتر الإحراج والجمال اللي في نظرته.
رحيم مقالش ولا كلمة.. في لمح البصر، وبحركة سريعة ومحملة بالقوة والحنان، مد إيده القوية وقام شاددها من وسطها بكل تملك، وقعدها على رجله!
زينب شهقت بخضة ورقة، وإيديها عفوياً راحت على كتافه العريضة عشان تتوازن، ووشها بقى في وش رحيم بالظبط، أنفاسهم الدافية اتقابلت، وقلبها بقى بيدق زي الطبول.
رحيم طوق وسطها بدراعه، والإيد التانية رفع بيها وشها بالراحة، وبص في عيونها بلمعة عشق تزلزل الكيان، وقال بنبرة واطية وحنينة جداً:
ـ "لسه برضه بتتكسفى مني يا مدام رحيم؟ أنتِ خلاص بقيتي النفس اللي بطالعه وأدخله.. من النهاردة مش عايز أشوف الخجل ده وإحنا لوحدنا، عايز أشوف الحب اللي في عيونك وبس."
زينب حست إنها بتدوب بين إيديه، الدفا والأمان اللي طالعين من جسمه ونبرة صوته خلوا كل حواجز الكسوف تتبخر. اتنهدت تنهيدة طويلة ماليانة راحة، وسابت نفسها تماماً، ومالت براسها بالراحة لحد ما سندت جبهتها على جبهته، وهمست بصوت رقيق ونعومة تدوّب الصخر:
ـ "مبقاش كسوف يا رحيم.. ده فرحة، فرحة كبيرة أوي لدرجة إن قلبي مش مستوعبها. أنا طول عمري كنت بخاف من الأيام، بس وأنا قاعدة معاك كده.. حاسة إني ملكت الدنيا ومفيش أي حاجة في العالم تقدر تخوفني تاني."
رحيم ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية عمره ما عاشها، وطبع بوسة دافية وطويلة على خدها وعيونها، وضمها لحضنه بقوة وهو بيهمس في ودنها:
ـ "وأنا هفضل ضهرك وسندك وأمانك لحد آخر يوم في عمري يا ست البنات.. صباحي بيبدأ بيكي، ودنيتي نورت بوجودك فيها."
وفضلوا قاعدين سوا وسط خيوط الشمس والهدوء، بيعيشوا أول صباح ليهم كعيلة حقيقية، بعد ما العواصف انتهت والأخطبوط لقى السلام الرسمي جوه حضن ملكته.
*****تمت*****