الفصل 15 | من 22 فصل

الفصل الخامس عشر

المشاهدات
11
كلمة
2,888
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

رواية الداهية وسلالة الأوغاد الجزء الخامس عشر 15 بقلم أمل نصر الداهية وسلالة الأوغادرواية الداهية وسلالة الأوغاد الحلقة الخامسة عشر خرج أدهم من غرفته بعد أن ضاق به من تأخر الوقت على عودة امجد من الخارج، منذ الشجار الذي حدث مع والده؛ والذي اصر على تقسيم الاشياء التي اخرجها أدهم من قبو قصره بالعدل على العائلة أجمع، ولم يرضى بالأستحواذ الذي طالب به امجد وبسببه ترك الأخير المنزل بفورة غضبه ولم يعد حتى الآن.

وجد احلام وابنتها بتول في صالة المنزل كالعادة يشاهدون احد البرامج على هذه الشاشة المعلقة والتي تسمى التلفاز، القى نظرة مستغربة على تحرك الاشخاص بها وتلفظهم بالكلمات وكأنهم أناس طبيعيين يعيشون معهم في المنزل، يضحكون ويمرحون! عجبا على أيامه كانت السينما إنجاز عظيم ، انا الان فقد أصبحت التسلية في المنزل هو البرنامج عاجبك يا سعيد؟ “”إيه؟ “تفوه بها باستفهام نحو أحلام التي بادرته بالسؤال، لتُجيبه بتول ضاحكة

بطفوليتها الرائعة كالعادة:”ماما بتسألك لو البرنامج عاجبك عشان تقعد تتفرج معانا.”اهتزت رأسه بحركات غير مفهومة يجيبها: “لأ لأ سيبك، مش عايز أقعد وأتفرج، أنا بس… “توقف يهرش بسبابته على شعر راسه في الخلف حتى يتذكر، ثم قال: “كنت عايز أسألك عن أمجد، اتأخر أوي ودي مش عادته على حد علمي. “ردت بابتسامة مرهقة أحلام: “سيبك منه، الولد ده غلط في حق أبوه وما يستاهلش حد يسأل عنه أو يراضيه.

“فرك أدهم كفيه ببعضهما ليقف متسمرًا بشروده في نقطة ما في الفراغ مما سمح لأحلام أن تتأمله عن قرب ككل مرة تفعلها منذ أن وطئت اقدامه المنزل بعد الحادث الذي نوه عنه أمجد.

ملامح ابن شقيقها بالفعل، ولكنها لا ترى أي وجه تشابه يذكرها بسعيد الحقيقي، هذا الإحساس لا يتركها ابدًا، حتى لو قيل انه مريض واصابته بالرأس هي المتسبب في هذا التغيير به، ومع ذلك تراه شخصًا آخر لا تعلمه.بل بالفعل هو شخصًا آخر، وقفته المستقيمة بثقة تامة في نفسه، بدون حياءه الفطري وهو يسكن معها وفي منزلها ، خلجاته مع اي فعل يتفاعل به. “كفاية سرحان بقى واقعد معانا.

“قالتها بتول لتجذب انتباه الأثنين إليها، فخطا ادهم ليجلس بجوارها على الأريكة ليداعبها ويمازحها:”البرنسيسة تولا! عامله إيه دلوقتي بعد ما عرفتي إنك هتبقي غنية وتاخدي كل حاجة بتحبيها؟ ”ضحكت بتول تجيبه بعفويتها”إحساس تحفة! ووالدي وعدني إنه هيحقق أمنيتي ويشتري لي الكمبيوتر اللي بقالي كتير نفسي فيه.. ياسلام، دا أنا هنزل عليه ألعاب وأذاكر عليه كمان، مش قادرة أصدق نفسي لحد دلوقتي!

قهقه أدهم بصوته الرخيم المتزن ليزيد من حيرة أحلام، ولكنها كالعادة تجاهلت الشرود بلا فائدة؛ لتتدخل معهما في الحديث قائلة:”أكيد أنت كمان خططت هتعمل إيه بالمبلغ اللي معاك.. أنا عرفت من عزام إن القرشين اللي هتاخدهم مش قليلين أبدًا.”سمع منها ليمُط شفتيه مفكرًا:”بصراحة مش عارف، ومعنديش أمنية معينة نفسي أحققها دلوقتي، علشان كده هستنى لحد ما ييجي الوقت المناسب. “رددت احلام من خلفه قاطبة:”لحد ما ييجي الوقت المناسب!

وإمتى بقى الوقت اللي مستنيه ده يا سعيد؟ وأنت كمان مرتبط بالوقت؟ أنا عرفت من أبوك إنك عايز تشتري الأرض اللي جنب بيتكم، علشان أبوك يقدر يوسع البيت في المستقبل إن شاء الله، وقبل ما يشتريها حد غريب من جاركم العم معاطي اللي عايز يخلص منها في أقرب فرصة.”

ردد يجيبها بارتباك:”آه.. آه صح، زي ما بتقولي بالظبط، بس الظاهر إني نسيت الموضوع ده.. إحنا فعلاً محتاجين الفلوس عشان التوسعة.. احم، عن إذنك يا عمتي، أنا عايز أدخل لأريج علشان أتكلم معاها.” قالها باضطراب انساه التصرف بلباقة كعادته، لتصدمه أحلام بردها:” عايز تدخل فين يا سعيد؟ ما يصحش تدخل لها أوضتها يا ابني.. أنت نسيت الأصول والاتيكيت يا سعيد ولا إيه؟ تحمحم يجلي حلقه،

وقال بحرج:”أنا آسف يا عمتي، مكنتش أقصد أوضتها أكيد.. سامحيني، كل الحكاية إني كنت عايز أسألها عن أمجد، يمكن تكون عارفة هو فين دلوقتي؟ “أومأت أحلام برأسها تتمتم بقلق:”فعلاً عندك حق، أنا كمان مش هخبي عليكي.. قلبي واكلني عليه أوي رغم إني زعلانة منه ومن قلة أدبه وهو بيتكلم مع أبوه، بس هعمل إيه؟ إيه اللي بإيدي بس؟

رد أدهم بلهجة حانية:”متعمليش حاجة واطمني، أنا عارف إن أمجد متهور بس ذكي، وعارف كويس هو بيعمل إيه وبيحط رجله فين. “تجمدت أحلام حتى توقفت قطعة الفشار بفمها، وقد بلغ اندهاشها إلى أقصاه، فإن كانت الإصابة برأس سعيد جعلته يعيش بشخصية مخالفة عنه شخصيته الحقيقية،فـ هل من الطبيعي أيضًا ان يصبح حاد الذكاء والفطنة والردود اللبقة أيضًا، يوشك رأسها ان ينشطر إلى نصفين من الحيرة -هروح أنا ناديلها.

هتف بالكلمات تولا الصغيرة، وتوقف أدهم يعطي ظهره لأحلام، فـ تحديقها المبالغ فيه يجعله غير مستريح على الإطلاق. خرجت بعد قليل أريج من غرفتها بصحبة الصغيرة تولا، مرددة بالسؤال: -نعم، مين اللي عايزني وبيسأل عني؟ ولا تكون مقصوفة الرقبة دي بتضحك عليا؟ رد ادهم: -لا يا أريج، ده أنا اللي خليتها تندهلك عشان عايزك. -عايز إيه يا جدي ااا….قطعت على الفور بعد خطأها ونظرة نارية تلقتها من أدهم جعلتها تصحح على الفور:

-أقصد أنت طالبني ليه يا سعيد؟ شكل الرواية اللي بقرأها دخلت في دماغي أوي لدرجة إنها نستني الناس اللي حواليا. ختمت بضحكة متصنعة لتزيد الطين ابتلالًا، فـ تكلم ادهم على الفور يوقف هذيانها واسترسالها الأحمق: -كنت عايز أسألك عن أمجد، تعرفي هو فين دلوقتي؟ قطبت تردد بارتباك: -وعايز تسألني عن أمجد ليه؟ ما أنت تقدر تتصل بيه وتعرف هو فين، من غير ما تحتاج تسألني أنا يا.. يا سعيد.

رد أدهم يضغط على حروف كلماته فهذه الفتاة عندما تفقد التركيز في بعض الأوقات، تصبح كتلة من الغباء، فتجعله يود سحق رأسها، بقدر استفزازها له: -معايا رقم أخوكي، ورنيت عليه كذا مرة ومبيردش، عشان كده بسألك إنتي لو تعرفي عنه حاجة، أو مكان بيروحله لما بيبقى متضايق، وصلك دلوقتي أنا قصدي إيه يا أريج؟ نظراته المخيفة جعلتها تنتبه لتجيبه بهز رأسها تردف بكلمات غير مترابطة: -آه عارفة، أو يمكن لأ… اا.. بس مش متأكدة.

صاح عليها يجفلها، ويجفل أحلام من خلفها بصرامته: -انطقي يا بنت، تعرفي ولا متعرفيش؟ -آه أعرف. قالتها في استجابة فورية لصيحته لتستطرد: -هو غالباً لما بيبقى مخنوق من حاجة، بيروح يقعد على قهوة المعلم حوكشة لحد ما يهدى شوية.ردد خلفها أدهم: -مين؟ يهدى عند المعلم حوكشة؟ ومين المعلم حوكشة ده أصلاً؟ والقهوة دي فين؟

في جلستهم بأحد الكافيهات الخاصة بالمثقفين، ومحبي الفنون، كانت لينا مع بعض أصدقائها الفنانين والشعراء، يتبادلون الأحاديث الودية والمناقشات في كافة المجالات، اقترب نيازي يلقي التحية على الجميع وابصاره مرتكزة نحو لينا التي تجاهلت النظر إليه أو الرد.”مساء الخير يا شباب، عاملين إيه؟

“ردد العديد منهم التحية، ثم تبادلوا معه بعض الكلمات المرحبة والأسئلة الروتينية التي تقال في هذه اللقاءات، قبل ان يستأذن منهم، ليجلس بالقرب من لينا يخاطبها هامسًا بعتب: “كده يا لينا؟ هان عليكِ الود اللي كان بيننا؟ عشان تتجاهلي مكالماتي وماتكلفيش نفسك حتى تردي عليا! قالت لينا غاضبة:”ومستني مني إيه يعني بعد اللي عملته معايا في الصالون الثقافي؟ لما لسانك اتكلم بكلام مش تمام عني وعن قريبك سعيد!

شعر بالغيظ من مجرد ذكرها لإسم غريمه، ولكن تماسك ليجيبها ببعض الحلم:”أنا ماكنتش أقصد عليكي أي حاجة وحشة يا لينا، دي كانت لحظة نرفزة، أو اعتبريها عتاب.. لإنها كانت أول مرة مالاقيش فيها تشجيعك وأنا بقول قصيدة من قصايدي على المنصة. كلامك اللي بيشجعني وملامح وشك الجميلة هي أكتر حاجة بتبسطني وتحمسني في اللقاءات دي.. ولا إنتي نسيتي إن الصحاب لازم يدعموا بعض؟ ناظرته بابتسامة رائعة صامتة لبعض الوقت،

ثم قالت:”ماشي يا نيازي، أنا هعدي أسلوبك الناشف معايا والعصبية اللي مفيش ليها أي مبرر دي، سواء ناحيتي أو ناحية قريبك.. وده بس تقديرًا لتفهمي بتوتر أي حد لما بييجي يعرض شغله وإبداعه قدام الناس.” قال نيازي مستغلًا لحظة الصفاء منها وما أردفت به:”أيوه فعلاً عندك حق، أنا كنت متوتر جداً واتصرفت بغباء ومن غير تفكير.. يعني إنتي كدة مقدرة موقفي وعصبيتي وهتسامحيني خلاص؟

أومأت رأسها بابتسامة رائعة، جعلت الإبتهاج يغزو قلبه على الفور، لتصدمه في قولها التالي:”إيه أخبار سعيد؟ ومجاش معاك النهاردة ليه؟ توقفت لتكمل بتحذير”أوعى تقولي إنك لسه مخاصمه يا نيازي؟ أنا بجد هزعل منك أوي لو كان دا حصل فعلا.” زفر نيازي بداخله ليكبت غيظه، وقال بتحكم في عضلات وجهه المتشنجة:”لا يا لينا، مش متخاصمين ولا حاجة.. سعيد يبقى ابن خالي وأصغر مني بسبع سنين كاملين، مش سنة واحدة بس!

”قال مشددًا على كلماته الأخيرة بقصد ولينا تومئ برأسها ليُتابع لها:”عشان كده أنا عذرته وسامحته، ما هو لسه صغير.. في سن إخواتي التوأم أريج وأمجد.” تبسمت لينا تعقب على كلماته:أنا عارفة يا نيازي سن سعيد كام، مش محتاجة إنك تفكرني. سألها نيازي بتوجس:وعرفتي سنه منين؟ إلتفت لينا لترتشف من فنجان قهوتها تجيب بابتسامة لأحد الأشخاص من قريب، ثم عادت

إلى نيازي المحترق تجيبه:أنا قابلته امبارح هنا في نفس الكافيه، وهو اللي قالي عنده كام سنة.برقت عيني نيازي بوميض مخيف ليسألها:قابلتي سعيد هنا يا لينا؟! وهو ماله بيكي أصلاً عشان توافقي تقابليه؟ وإزاي علاقتكم بقيت قوية بالسرعة دي؟ إزاي يا لينا؟! تحفزت الأخيرة تناظره بغضب، فخرجت كلماتها مقتضبة حادة:وإنت مالك وإيه دخلك عشان تفتح معايا تحقيق؟!

أجفل نيازي من شراسة لهجتها فقال ملطفًا:مش قصدي تفهميني غلط يا لينا، أنا بس كنت عايز اقولك……. قاطعته لينا بحدة :أنا فاهمة قصدك كويس يا نيازي، فمش لازم تبرر…توقفت تتطلع بعيناه مردفة بثقة:أنا مش صغيرة ولا بنت تافهة عشان أستحمل عصبيتك وأقعد أحاول وأعافر عشان أصلح نظرتك ليا.. إنت عارفني كويس. بعدين سعيد ابن خالك حد محترم جداً وأخلاقه عالية، والمفروض تثق فيه مش تشك فيه.. عشان كده ياريت تنقي كلامك وأنت بتتكلم معانا.

جاهد حتى لا يثور عليها او يصب جام غضبه عليها، وهو يراها تجمع نفسها مع هذا المدعو سعيد، لا يعلم كيف ومتى تمكن هذا الملعون من كسب ثقتها بهذا الشكل؟ لذا فقد حاول استخدام ذكائه معها وقال بمهادنة:خلاص يا لينا، مش هغلط في كلامي معاكي تاني، بس أنا عايز أنبهك لحاجة مهمة جداً إنتي مش واخدة بالك منها. طالعته باستفهام،

فتابع يردف:سعيد ابن خالي اللي إنتي عمالة تمدحي في أخلاقه العالية دي، إنتي ما تعرفيش ممكن يعمل إيه معاكي لما شخصيته الهادية دي تتقلب، وتطلع عليه شخصية مجنونة أول ما بتجيله الحالة! سألته باستغراب وتوجس:حالة إيه؟ ماله سعيد؟!

اعتدل نيازي في جلسته وكأنه قد جاءته الفرصة أخيرًا، بعد أن وجد ما يقصف به هذه المدعو سعيد، ليردف لها بكل الوصف الذي ذكره أمجد عن حالة المذكور بعد إصابة رأسه في حادث، ويُضيف من عنده ببعض البهارات حتى يجعلها تخاف منه وتخشاه خطأ أدهم بداخل الشارع الضيق بعد أن أوصلته أريج وتوقفت هي محلها خارجه، لما يمثله هذا الطريق الذي يسير به أدهم من خطر على الفتيات خصوصا بهذا الوقت من الليل والإظلام الذي يحل داخله.

كان أدهم يخطوا واضعًا منديله الورقي على انفه، لا يتحمل الرائحة الغريبة التي تصدر من حوله، بالإضافة إلى ما يراه من القاذورات تقابله في كل مسافة يجتازها، قطط وكلاب تأكل من أشياء في الأرض تجعل معدته على وشك أفراغ ما بها.بالإضافة إلى هذه العشوائية في المنازل الغير المرتبة في حي يبدو فقيرًا وغريبة في شكل المباني به، كان يتأمله باستغراب ويعد على اصابعه على عناوين المحلات التي تقابله في طريقه، حتى وصل أل وجهته، بقرائته لهذه اليافطة الورقية الكبيرة والمدون

عليها بالخط العريض: مقهي المعلم حوكشة، مقاعد خشبية يجلس عليها بعض الرواد في الداخل وأرائك خشبية في الخارج ارتصت بعشوائية وعدم تنظيم، امتلأت بعدد من شباب ورجال، كل منهم يمسك بيده شيشية ينفث منها دخان كثيف حتى أصبحت المنطقة حولهم كالمدخنة. • “إيه القرف ده! معقول دي حتة حد يقدر يتحمل القعدة فيها؟ ولا هو فين الغبي ده؟ تمتم بالكلمات ادهم وعيناه تجول حوله وعلى وجوه البشر بازدراء، ليجفل على صوت ذو بحة غريبة أتى من خلفه:

• “نعم يا حضرة الأفندي؟ عاوز حاجة؟ ”انتفض أدهم يلتف نحو الرجل، ليُصعق بكم الجروح والندبات التي تغطي وجهه الرجل القصير، ف تكلم مرة أخرى يسأله: • “أنت مين؟ وعاوز إيه؟ ”ابتلع ريقه ادهم وقال برباطة جأش رغم الخوف الذي تسلل إلى قلبه من الهيئة الإجرامية للرجل. • “أنا اسمي سعيد وجيت هنا أدور على أمجد ابن عمتي.. عرفت إنه بييجي القهوة دي عشان يهدّي أعصابه.”أومأ الرجل يقول بجدية:

• “أيوا أيوا.. تقصد أمجد الطالب الجامعي الرفيع، اللي شكله نضيف أوي وأبيض زيادة عن اللزوم؟ ”قارعه أدهم: • “لأ، ده وشه أصفر.. الولد ده محتاج يقعد في الشمس كتير عشان عوده ينشف ووشه يرد فيه الدم. “طالعه الرجل باستغراب يقلب عينيه رافعًا طرف شفته العليا باستهجان، ليقول بنزق: • “شمس إيه يا أخ أنت؟ فكك من الكلام الفاضي ده يا راجل ودور على ابن عمتك، يمكن تلحقه قبل ما يمشي.” هتف به أدهم • “رايح فين؟ قولي هو فين؟

أنا مش شايفه قدامي خالص! قال الرجل: • “ومش هتشوفه، لأنه في الناحية الثانية من القهوة، عند الزرع. “هتف أدهم سائلًا: • “إيه؟ وفين الناحية التانية دي؟

“لوح له الرجل نحو طريق يسلكه بجوار حائط المبني المقابل له، ليتوغل فيه رغم الصعوبة التي تواجهها قدمه في الصعود والهبوط للمنطقة الغريبة، وصل إلى خلف المبنى ليرى حجم الحقول الزراعية الممتدة أمامه، ويرى عدد من الشباب مجموعات تدخن السجائر الملفوفة، وعدد من الشيش في أيدي بعضم.وفي ركن وحده كان أمجد جالسًا يمسك بذراع الشيشة التي ينفث دخانها الكثيف في الهواء، مائل بجذعه على إحدى الوسادات وعيناه مصوبة على نقطة ما في الفراغ أمامه بشرود،

ف اقترب أدهم يجفله بصوته: • “مساء الخير يا صاحبي العزيز.” التفت رأس أمجد إليه سريعًا بحدة، يطالعه بنظرة نارية صامتًا.تنهد أدهم وهو يتناول إحدى الوسادات القريبة ليجلس بجواره قائلًا: • “مستخسر فيّا حتى ترد التحية يا صاحبي؟ قاطعه أمجد بحدة: • “أنا مش صاحبك يا أدهم يا فيومي.” تبسم له الأخير بخاطبه بهدوء: • “ماشي يا سيدي مش صاحبك، بس متقدرش تنكر إني جدك وأنت حفيدي.” تسارعت الأنفاس بصدر امجد وصدر صوته بحريق:

• “الأحسن متفكرنيش بخيبتي وإزاي غفلتني، أنا لسه دماغي بتغلي من ناحيتك.”ضحك أدهم بصوت عالي يقول: • “عاجبني الإصرار اللي شايفه في عينيك بجد يا أمجد، ذكائك يا واد بيثير اهتمامي بجد.” باغته أمجد بسؤاله المباشر على الفور: • “ليه خبيت عني موضوع باقي الحاجات اللي لقيتها يا أدهم يا فيومي؟ قارعه أدهم بسؤاله: • “وكنت عايزني أقولك إيه؟ هو أنت كنت ناوي تِقْشط عليها لوحدك؟ وكمان عكس اللي أبوك كان مصمم عليه؟

اقترب برأسه أمجد منه يحدجه بشراسة قائلًا: • “أنت غفلتني النهاردة يا جدي العزيز، وعملت معايا اللي مفيش مخلوق جِريء يعمله.. والموضوع ده في قاموسي مش سهل، ومش هعديهالك بسلام أبدًا.” ظل ادهم لبعض اللحظات على ابتسامته الواثقة التي تزيد من اشتعال الآخر حتى قال له أنا إديتك القلادة بس عشان كنت عارف نيتك يا أمجد، كنت عارف إن الطمع هيدخل قلبك لو شفت كل الحاجات اللي لقيتها، دي طبيعة البشر ومش طبيعتك إنت لوحدك.

احتد الوميض الخطر في أعين أمجد ليسأل الآخر بصوت هادئ ومريب في الوقت نفسه: وليه مخرّجتش الجوهرة معاهم يا جدي العزيز؟ ظهر الإجفال على وجه أدهم، والآخر يتابع:ليه التأخير في خروجها لحد دلوقتي؟ أنت عشت وسطنا وشفت حالنا وعرفتنا، إيه اللي معطلك عشان تخرجها وتديها للي يستحقها زي ما بتقول؟ أجابه أدهم ببساطة:عشان لسه لحد دلوقتي في مرحلة الاختيار ـ.لأ، إنت اخترت خلاص.

قالها أمجد بثقة أدهشت الآخر، فالذكاء الحاد لهذا الولد دائمًا ما يثير إعجابه رغم غيظه الشديد منه، فقال كاذبًا:أنا مش فاهم التأكيد اللي بتتكلم بيه ده جايبه منين؟ لأن حقيقي لحد دلوقتي لسه مأخدتش قرار. ردد أمجد بلهجة أشد حدة:لأ، حددت وقررت، وبدليل إنك طلعت باقي الحاجات ومطلعتهاش هي، عشان نفرح بيهم زي المغفلين وكمان يمكن ننسى الجوهرة بالمرة.صمت أدهم بتفكير وقد حشره هذا الفتى بالزاوية الضيقة،

فقال بادعاء الكذب:مش هحاسبك على طريقتك الحادة دي، لأني مقدر كويس فورة الشباب اللي مخلياك حاسس بالقهر لمجرد إن الفلوس هتتوزع على عدد كبير من أفراد العيلة، ومش على قد عيلتك الصغيرة بس، لكن يا بني… لكن إيه؟ كمل يا جدي وإتحفني بآرائك. أوقفه للمرة الثانية مقاطعًا،

ليردف له الآخر بنصح:أبوك عمل الصح يا أمجد، ده حق الكل، حتى لو كان باقي أفراد العيلة أوغاد وما يستاهلوش، إحنا بنتكلم في الشرع.أبوك راجل عظيم لأنه بيصر على مبدأ الحلال والحرام في تربيتكم.

اعتلى ثغر أمجد ابتسامة غريبة، ليعتدل بجلسته يناظر أدهم بلؤم قائلًا:اللي يسمعك دلوقتي ميصدقش إنك أدهم الفيومي اللي كان بيلعب بالبورصة وفلوس الشركاء، وبيدخل في حروب مش شريفة مع المنافسين، لحد ما جمعت كل فلوسك وحطيتها في تمن جوهرة عشان محدش يعرف يطول مليم من ثروتك. وكان جزائي القتل. قالها أدهم بلهجة

حادة يملؤها الندم ليتابع:صدقني يا ابني، أنا بكلمك من واقع اللي عشته وجربته، أنا راجل ما عرفتش غلطتي غير بعد فوات الأوان، لاء.. ده بعد ما عمري انتهى كمان. تحركت رأس أمجد بسأم ليهتف بغيظ وهو يُلقي بذراع الشيشة:يا راجل ارحمني أرجوك من الكلام الممل ده، خلاص جبت آخري ومش قادر أسمع تاني. ناظره أدهم وهو ينهض من جواره ليردف بانزعاج:بتنصحني وأنت أبعد الناس عن الكلام اللي بتقوله؟ يا راجل يلعن ابو كده!

أنا ساعات بصدق كلامك، بس برجع بسرعة وأفتكر.. هو مين أدهم الفيومي؟

أنت عشت مرفه لحد ما مت يا حبيبي، متدلع في عز ونعيم ملوش آخر، وأكتر حاجة كانت بتتعبك إنك تعدي بالحصان بتاعك على فدادين الأرض اللي ورثتها عن أبوك.وأحفادك ما ورثوا عنك غير الأصول الكريمة، واللي معدش حد يعترف بيها زمانا ده، اقلع التوب الجديد دا جدي العزيز، توب النصيحة والحكمة ما يلقش علي كل الناس حتى أسرته، يا راجل دا انا خدتك قدوتي من ساعة ما دريت بالدنيا، انا زيك، انا منك،

أنا أنت في شبابك.يعني من الآخر كده.. أنا مش هسمح لحد ومفيش مخلوق هيوقفني عن اللي أنا عاوزه ومخطط له من سنين، حتى لو كنت أنت الشخص ده. أنت غلطت جامد النهاردة يا جدي لما استغفلتني، ولو كنت عدّيت الموضوع ده بمزاجي، فمش هعدي أبدًا إن “الجوهرة” تروح لحد غيري. هنا انتفض أدهم ليواجه العاصفة القوية لحفيده العنيد

وقال بتحدي هو الآخر:وأنا مفيش حاجة هتجبرني أغير خطتي، الاتفاق كان إن الجوهرة تروح للأصلح، لو شايف نفسك قدها، يبقى ملوش لزمة التهديد واستنى فرصتك. رد امجد بابتسامة واثقة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله:هستنى.. لأني مش هسمح إنها تروح لغيري، شيل دي في دماغك كويس يا جدي العزيز. تنهد أدهم يحرك نفسه للخلف عائدًا ويردد بقنوط بعد ان يأس منه وقد زاد بفعله من صعوبة القادم: –هفتكر.. هفتكر كويس يا أمجد

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...