#الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟..)....
#الفصل_الخمسون...
حركت الطفلة يدها بتلقائيةٍ، وعينيها مسلطة للأعلى، تلامست أظافرها الرقيقة مع وجهه، ففتح عينيه بانزعاجٍ تبدد تدريجياً حينما رأى أميرته الصغيرة تتمدد على صدره في أريحيةٍ تامة، مرر يديه على جسدها الصغير برفقٍ وهو يتساءل بفرحةٍ:
_"مرين"، مين جابك هنا!..
إجاباته تشكلت على حقلة دائراتٍ صغيرة إفتعلتها دخان القهوة الساخنة التي يرتشفها من يجلس جواره، ليجيبه "رحيم" بهدوءٍ تام:
_الملاك الجميل ده لقيته مع المربية وأنا بلعب رياضة الصبح فجبتها معايا.
اعتدل بجلسته وهو يحملها بحنانٍ، فرد عليه وعينيه مشغولة بتأملها:
_أحلى صباح في الدنيا كلها..
وضع "رحيم" كوب القهوة على الطاولة المستديرة القريبة منه، ثم اقترب بجسده تجاهه، فأمسك بيد الصغيرة بين لائحة يديه الصلبة، لترسم بسمة صغيرة على وجهه رغماً عنه، فحك طرف انفه ليتساءل بترددٍ:
_بقولك يا "مراد"، هو كل الأطفال اللي في السن ده صغيرين اوي كده!..
تأمله"مراد" قليلاً، قبل أن ترتفع صوت ضحكاته الرجولية، ليجيبه بصعوبةٍ بالتحكم بانفعالاته:
_مش عارف بصراحة، يمكن لانها اول عينة فأن شاء الله المرات الجاية يكون عندي الخبرة الكافية اني أجاوبك.
حدجه بنظرةٍ صلبة، ليسأله بحدةٍ:
_مرات! ، هو أنت ناوي على ربع دستة ولا أيه؟..
حمل "مراد"،" مرين" بحنانٍ ثم وضعها على قدم أخيه، فبدى غير مرحب بالفكرةٍ، رفع "رحيم" يديه وهو يحاول جاهداً التعامل مع الصغيرة، فعلى ما يبدو لا يحسن حملها بعد، التقط "مراد" يديه اليمنى ليضعها على جسد ابنته وهو يخبره باستحسانٍ بعد ان ابتعد عن المقعد ليحملها رحيم بمفرده:
_شوفت، الموضوع بسيط.
تأملته من تقف على عتبة باب الغرفة بقلبٍ يرفرفٍ بسعادةٍ لا مثيل لها، لا تنكر بأنه ولد بداخلها شعورٍ بالقلقٍ والخوف من تعامل "رحيم" مع صغيرها، نعم تحسن معها ومع الجميع ولكن طباعه مازالت حادة وإن يكن يبذل اوسع ما بجهده، ابتسمت بسعادةٍ كبيرة منذ سماعها حديثه مع أخيه إلى ان رأته يحملها بمفرده ونظرات الحنان تلمع بزيتونية عينيه، خشيت بان يلتقطها وهي تراقبه هكذا، فرفعت يدها تطرق باب الغرفة لينتبهوا إليها، استدار كلاً منهما تجاه الباب، فأشار لها "مراد" قائلاً:
_تعالي يا "أشجان"..
دلفت للداخل بخطواتٍ بطيئة، وعينيها متعلقة برحيم و"مرين" رغماً عنها، فقال ما ان رأها أمامه:
_أيه اللي خلاكي تقومي من السرير، مش الدكتورة منبه عليكي أنك ترتاحي!..
أجابته على استحياءٍ من وجود مراد بالغرفةٍ:
_متقلقش انا كويسة..
ثم توجهت لتقف مقابل أخيه، قائلة في ارتباكٍ:
_انا كنت جاية أتكلم معاك شوية يا "مراد"، في موضوع" حنين"، أنت عارف أنها زي أختي وأنا مش قادرة أشوفها كده صدقني اللي هي فيه ده صعب عليا قبل ما يكون صعب عليها، أنا اتعودت اشوفها بتضحك على طول أول مرة اشوفها في الحالة اللي هي فيها دي..
بالرغم من الآلآم التي غلفت قلبه لسماع كلماتها المعبرة عن استيائها لشيئاً يخص محبوبته، الا أنه قال بحكمةٍ لم تتخلى عنه أبداً:
_مقدر اللي أنت فيه يا "أشجان"، بس صدقيني حنين متعرفش غير نص الحقيقة بس، متعرفش انا ورحيم واللي زينا واجهنا أيه من ورا ابوها، متعرفش هو قتل كم نفس ولا أتسبب في اغتصاب وبيع كام بنت وغربتهم عن أهاليهم، انا مش ندمان اني أقتلته لو رجع بيا الزمن لورا هقتله تاني..
كلماته المختصرة عن ما تسبب به الوزير من جرائم فاضحة جعلت الصدمة تتعمق بأحتضانها، فتحولت نظراتها لزوجها فتذكرت كلماته التي اخبرها بها أمس، لوهلةٍ شعرت بالأرتياحٍ بان ثقتها به لم تهتز أبداً؛ ولكنها لم تأتي إلى هنا لقضيتها، استجمعت شجاعتها البالية وهي توجه حديثها للجوكر الذي يتابع تأمل تعابيرها الشاردة بأخيه باهتمامٍ:
_اي واحدة فينا بتتمنى وقت زعلها من شخص غالي على قلبها أنه ميبعدش حتى لو هي طلبت ده، بتبقى عايزاه يبرر هو عمل ليه كده حتى لو هينكر ده، فياريت يا"مراد" متسبهاش لوحدها، خليك جانبها..
منحها بسمة صافية، لطالما كان يتعجب من الكمية الغريبة التي جمعت زوجته المشاكسة بزوجةٍ أخيه العاقلة، فهي الأن يعلم بأن كلاً منهن تكمل الأخرى، لم يستاء بتداخلها بما لا يعانيها بل سعد كثيراً بالنصيحة التي قدمتها إليه، حتى "رحيم" كان يظن دائماً بأن الخوف يتملكها أينما ذهبت، فكان يراها على الدوام بمفردها، لا تحبذ الاختلاط بالفتيات أو بأحداً من القصر، يرأها دائماً بصحبةٍ والدته أو بصحبةٍ "حنين"، فحتى أعظم المشاكل لم تتداخل بها فكانت بعيدة كل البعد، أما الآن فيراها بشكلٍ أخر، وكأنها تزيح كل الخطوط تدريجياً.
خرج"مراد" عن صمته حينما قال بابتسامةٍ تقدير لها:
_أوعدك ان سوء التفاهم هيتحل وقريب أوي.
منحته ابتسامة صغيرة، ثم اتجهت لرحيم الذي يتابعها بثباتٍ، انحنت قليلاً لتمرر أصابع يدها على وجه "مرين" بابتسامةٍ مشرقة سلبت لب العقل قبل ان يخفق قلبه لها بجنونٍ، حملتها من يديه وهي تشير له بهدوءٍ:
_شكلها جعانة، هجهزلها البيبرونة.
وتركتهما وغادرت الغرفة وهي تداعب الصغيرة بسعادةٍ واشتياق لحمل صغيرها..
استدار برأسه ليتابع طيفها المغادر للغرفة، فاستفاق على صوت "مراد" الساخر:
_أسطــــــورة، روحت فين!..
منحه نظرة غاضبة، فجلس لجواره وهو يخبره بلهجةٍ جادة:
_تفتكر لو ابنك طلع بطباعك دي حد هيحبه!..
اجابه بنفس بصرامةٍ لا تتناسب مع لهجة الأخر:
_لأ.
اكتفى الجوكر برسم بسمة صغيرة، ليقول وهو يرتشف من كوب قهوة "رحيم":
_بقول كده برضه..
احياناً المزح يكون وسيلة للترفيه بين الأصدقاء ولكن المزح فيما بينهما جادي للغاية حتى انه يفشل بمنحهما صوت الضحكات المنتظر!!..
************.
بغرفة"حنين"..
ولجت" نجلاء" للداخل بصينية المشروبات الباردة، لتقدمها للفتيات بعدما اجتمعن بغرفة "حنين" ليحاولن اقناعها في المشاركة بطقوس زفاف "فاطمة" ، ناولت "نجلاء" الكوب لفاطمة فرفضت أن تلتقطه منها، فقالت بضجرٍ:
_أشربي يا بنتي كده ده النهاردة فرحك عايزينك تفرحي كده..
فهمت مغزى حديثها الماكر، فأجابتها بحزنٍ مصطنع:
_وأفرح ازاي وحنين مش راضية تخرج من أوضتها ولا راضية أنها حتى تحطلي الميكب!..
قالت "سارة" بمرحٍ بعدما نهضت عن مقعدها لتجلس جوار "حنين":
_مين ده اللي مش راضية، دي"حنين" ما بتصدق حد يتجوز علشان تمكيجه مش كده ولا أيه!..
رسمت بسمة صغيرة على وجهها، فقالت "ريم" هي الأخرى:
_لا أحنا كلنا عايزين نتمكيج يا حنون، عايزين فرشة شمال وفرشة لمين، ظبطينا كده..
تعالت الضحكات بينهما، فقالت "سما" باستهزاءٍ:
_أنتي بالذات متتكلميش خالص، بقى بعد ما ساعدنكي امبارح منشفش حتى حتة جاتو طول عمرك معفنة..
تداخلت "نغم" بالحديث الساخر:
_قال يعني عبرت أختها اللي سهرت طول الليل تشرف على عمايل التورتة والحلويات!..
نهضت "ريم" عن الأريكةٍ لتتوسط بيدها خصرها:
_جرى أيه يا ولية منك ليها انتوا سيبتوا مهمتكم وفوقتولي، إن كان على التورتة والساقع فهناكل في حفلة البت فاطمة كمان ساعتين..
رددت "فاطمة" بضيقٍ ساخر:
_واطية من يومك..
صاحت "منة" بعصبيةٍ:
_يا بنات في الاهم من الاكل والشرب أحنا لسه مجهزناش اللبس وبنضيع وقتنا في الفاضي..
أجابتها "سلمى" بتأكيدٍ:
_اه والله معاكِ حق، الرجالة بتلبس في دقايق وأحنا هناخدلنا ساعتين تلاتة علشان نعجب، مش كده ولا ايه يا نوجة..
اجابتها نجلاء بابتسامةٍ بشوشةٍ:
_انتوا قمرات من غير حاجة يا بنتي..
تساءلت "سارة" باستغرابٍ وهي تتفحص الغرفة:
_محدش شاف "صباح" يا بنات، مش باينة من الصبح!..
استطردت "نغم" بذهولٍ:
_ولا حتى "اشجان" مش باينة!..
فُتح الباب، لتطل من خلفه وهي تجيبها ببسمةٍ واسعة:
_أنا أهو..
ولجت "أشجان" للداخل، لتضع "مرين" بين يد "نجلاء"، ثم اقتربت من" حنين" التي تمسكت بيدها وهي تسألها بلهفةٍ:
_الدكتورة كانت عندك امبارح ليه!..
لمعت الدموع بعينيها، فعلى الرغم مما تمر به الا أنها لم تنساها، ربتت على ذراعيها الممدود على يدها وهي تخبرها في ود:
_مفيش يا حبيبتي تعبت بس امبارح بليل شوية.
تساءلت "نغم" في اهتمامٍ:
_ليه يا قلبي، مالك بس!..
اخبرتها بابتسامةٍ صافية:
_مفيش والله، انا احسن كتير الحمد لله..
ثم تطلعت لحنين قائلة بحزنٍ:
_ايه يا حنون مش هتمكيجيني مع البنات ولا ايه؟..
تعالت ضحكات "حنين"، لتحتضنها بقوةٍ ودموعها تنسدل باصطحاب ضحكاتها، فعلى الرغم من استياء"شجن" من مستحضرات التجميل وخاصة حينما تصر "حنين" في كل مناسبة أن تزينها الا انها تطالبها بذلك الآن لتخرجها مما هي به، التفت الفتيات من حولهن ليحتضن بعضهن بمرحٍ، فابتعدت "حنين" عنهما لتسرع لخزانتها فأخرجت عُلبة ضخمة من المكيب ثم وضعتها على السراحةٍ لتشير لهن بحماسٍ:
_ها مين حابة تحط البوهية الأول..
انفجرت الضحكات فيما بينهما حتى "نجلاء" تمددت على الفراشٍ من فرط ضحكاتها، لتهمس بعدم تصديق:
_الله يجازيكي يا "حنين"..
قطعت"حنين" ضحكاتهم حينما قالت في توترٍ:
_بنات، بصراحة في حاجة كده عايزة أقولهالكم بس تمسكوا نفسكم..
رددت "شجن" في خوفٍ:
_حاجة ايه دي!..
عبثت بأصابعٍ يدها وهي تردد بارتباكٍ:
_لما "مراد" رجع من السفر، آآ.. يعني أنا... آآ.. مكنتش عاملة حسابي وكده..
ضيقت "ريم" عينيها بعدم فهم:
_حد فهم حاجة!.
أشارت لها "سلمى" نافية، فاستجمعت "حنين" شجاعتها لتنطق بسرعةٍ الصاروخ:
_انا حامل..
صعقت الفتيات، فرددت "منة" في دهشةٍ:
_حامل ازاي يا بنتي، ده بنتك لسه مكملتش ٤شهور!..
أجابتها بخجلٍ شديد:
_ما أنا قولتلك مكنتش عاملة حسابي وكده..
قالت "سما" بقلقٍ:
_بس أنتي لسه والدة قيصري يا "حنين" والفترة بين الجراحة والجراحة مش كبيرة فكده مش مؤلمة ليكي او خطر!..
تملكها الرعب فتساءلت بخوفٍ:
_خطر ازاي يعني هموت ولا أيه يا بت؟..
تعالت الضحكات فتداخلت "نجلاء" قائلة:
_ولا موت ولا حاجة يا بنتي، على أيامنا الواحدة مننا كانت بتبقى حامل على السبوع..
تساقطت الفتيات أرضاً من فرط ضحكاتهن، حتى "شجن" لم تتمالك ذاتها فجلست على الأريكةٍ حينما لم تعد قدميها تحملها، غلف قصر "طلعت زيدان" المهجور وابل من الضحك والسعادة التي حرم منها لسنواتٍ، سعادة لم تنشأ لعداءٍ أو لصراعٍ، بل ولدت بينهما بالحب والترابط الذي جدد روابط القلوب..
***********
عادت لطلب رقمه للمرةٍ التي تعدت الثلاثون مرة دون ملل، قلبها يكاد ينشطر من فرط القلق، حتى أنها لم تنتبه لطفلها الرضيع الذي يبكي على ذراعيها، لم تجد "صباح" حل أخر إختياري أمامها، لذا ارتدت جلبابها الأسود ثم عقدت نقابها لتخفي وجهها جيداً، لتسرع لغرفة "ريان" حتى تخبره بغياب شقيقه، طرقت على بابٍ الغرفة اكثر من مرةٍ، ففتح من بالداخل عينيه بانزعاجٍ شديد، فهمس بنومٍ:
_"سارة"، شوفي مين.
وحينما لم يستمع لصوتها، تحسس بيديه الجانب الأخر للفراش فلم يجدها لجواره، جذب "ريان" قميصه الموضوع على الكومود المجاور للفراش، فارتداه وهو يفرد خصلات شعره بأصابعٍ يديه، فقال بانزعاجٍ:
_حاضر.
فتح الباب وهو يحاول فتح عينيه، فردد باستغرابٍ :
_ "صباح"!..
غامت عينيه على الصغير الباكي بين يدها، فحمله ليتساءل بقلقٍ وهو يتفحصه:
_تعبان ولا أيه؟..
أجابته سريعاً:
_لا" جان" كويس..
ثم قالت بصوتٍ باكي:
_"إياد" مرجعش من إمبارح وبكلمه موبيله مقفول من إمبارح، أنا قلقانة أوي عليه..
طمنها رفقاً بحالها:
_إهدي بس الأول، اكيد بايت في الشغل أو مع حد من اصحابه...
هزت برأسها لتنفي هذا الاقتراح:
_لأ،عمره ما عملها.
قدم إليها الصغير، قائلاً وهو يجاهد بأخفاء القلق بثباتٍ لهجته:
_متقلقيش، انا هشوف جان عنده شغل معاه ولا لأ ولو مش معاه هتصرف متقلقيش..
همست برجاءٍ:
_لو لقيته ابقى اتصل بيا يا "ريان" بالله عليك..
أجابها بعدما التقط جاكيته ليرتديه على عجلةٍ من أمره:
_حاضر، بس اهدي انتي بس وأهتمي ب"جان"..
وتركها وأسرع بالرحيلٍ، فدعت الله ان لا يصيب زوجها بالسوء، وكأنها تعلم بأن هناك خطب ما يستدعي القلق!.
***********.
جلس بالحديقةٍ يرتشف عصير البرتقال الطازج، وبيده الأخرى يتفحص جريدته،ربما الارتياح النفسي الذي يشعر به جعل آلآم بدنه تتبدد كلياً، شعر "طلعت" بأنفاسٍ احداً لجواره، فأخفض جريدته ليتفاجأ حينما وجد "رحيم" يجلس على المقعد المجاور إليه، يتأمل أحد المجلات الموضوعة من أمامه بصمتٍ قاتل، ارتسمت بسمة اللهفة على وجه "طلعت زيدان"، فناده بحبٍ:
_"فريد"!..
بسمةٍ ساخرة تسللت على طرفي شفتيه، فقال ومازال يتأمل الجريدة من أمامه:
_الاسم ده بقى بالنسبالي غريب..
رد عليه" طلعت" بحيرة، عله يجهل ما يضايق ابنه:
_يعني بيضايقك ولا بيفرحك..
وضع المجلة عن يديه، ليجيبه باتزانٍ:
_مش هتفرق بالنسبالي اد ما هيكون راحة للي حواليا بأن "رحيم" لسه عايش..
سكن الحزن ملامحه لتذكره ابنه الراحل، فقطع صمته المطول حينما قال:
_من النهاردة هناديك "فريد"..
التقط أنفاسه على مهلٍ ليضمن استحواذه على اعصاب من يتابعه، فتحرك فكيه ناطقاً:
_قولتلك مش هتفرق معايا، لانه بالاخر أخويا ولا أيه!.
أنارت السعادة وجه" طلعت" البائس، فأجابه بصوتٍ حنون:
_صح يا ابني.
هز "رحيم" رأسه بثباتٍ، ثم انتصب بوقفته ليغلق زر بذلته السوداء ليخبره بغموض لهجته:
_الدنيا كانت برد امبارح، شكراً على اللحاف..
وتركه وغادر فازدادت ابتسامة "طلعت" بسرورٍ، وعينيه تتابع ابنه الذي يغادر لسيارته.
**************
جلست من أمامه وهو تحاول التهرب من نظراته المتفحصة لحالها، وجدته يتطلع لها بصمتٍ قطعته هي بتذمرٍ:
_ممكن تبطل تبصلي كده!
ردد ببرودٍ:
_حاضر..
ثم تناول الشطائر من أمامه بهدوءٍ أثار استفزازها، فصاحت بضيقٍ:
_"مـراد"!...
أكمل تناول طعام افطاره ببرودٍ، متعمداً تجاهلها، فزفرت "يارا" بانزعاجٍ، وكأنها تحاول التحكم بقنبلة ستنفجر بأي وقت، فقالت بعصبيةٍ:.
_هو احنا جايين نفطر بره القصر علشان تسكت!..
بسمة ماكرة اجتازت شفتيه، فقد وصل لمبتغاه وقد اوشكت على المشارف، استكمل تناول طعامه وهو على ثقةٍ تامة بأنها ستنفجر بما يعتليه قلبها، فما لبثت سوى دقيقة حتى قالت بانفعالٍ:
_أنت السبب في كل اللي انا فيه ده، أنت اللي خلاتني ألعب على "مروان" علشان أساعده، وغصب عني نسيت "علي" اللي المفروض خطيبي!..
ردد وهو يلوك طعامه باسترخاءٍ:
_طيب وأيه المشكلة ما تتجوزي "علي" وتسافري معاه، مهمتك خلصت خلاص!..
حدجته بنظرةٍ قاتلة، فصرخت بعصبيةٍ:
_أنت بتتكلم ببرود كده ازاي، أنا حبيت "مروان" وآآ..
تخلت عن باقي كلماتها حينما نطقت عما تخفيه بداخل قلبها، ترك "مراد" الشوكة والسكين عن يديه ليشير لها بجدية تامة:
_بالظبط، ده اللي بحاول أوصلهولك..
انسدلت دمعة خائنة من عينيها، فقالت دون النظر إليه:
_مينفعش يا "مراد"، " علي" له أفضال عليا كتير وأنا مينفعش أنكرها أبداً، كان على طول جانبي في الوقت اللي بحتاجه وأنا لازم أردله جزء من أفضاله عليا بأني أوافق على اول طلب يطلبه مني..
حدجها بنظرةٍ شاملة قبل أن يكون بثباتٍ:
_الصداقة عمرها ما كانت دين يا "يارا"، الصديق اللي يقدم خدمة أو اي شيء يقدر عليه وينتظر رد على اللي عمله ده ميبقاش صديق، الصداقة ليها واجبات وأهمها انك تكون جنب صديقك في أي وقت يحتاجك فيه، للاسف أنتِ فاهمة الصداقة غلط..
تدفق الدمع بعينيها وهي تستمع إليه، فاسترسل" مراد" حديثه بهدوءٍ:
_من البدايه وأنا شايف نظرات الإعجاب لمروان في عيونك علشان كده اديتك الفرصة دي، حاولي تستغليها صح يا "يارا" ، بلاش تحطي عقلك وقلبك في مقارنة لانك انتي اللي هتدفعي التمن..
وأخرج المال من جيبه ليضعه على الطاولةٍ، ثم أشار لها بحزمٍ:
_فكري كويس اوي ومترجعيش القصر غير وأنتي أخدة القرار اللي شايفاه مناسب، بس خليكي متأكدة أن أي قرار هتأخديه مش هيأثر على حد غيرك..
وغادر "مراد" ليترك لها سيارة خاصة بالسائق الخاص به، ثم عاد للقصر لينفذ مهامه الأخير ليرمم جراح محبوبته..
*****************.
بفيلا "عباس صفوان" ..
زُينت بشكلٍ مبهج لتليق باستقبالٍ أحدى حفيدات عائلات "زيدان"، حيث تم العمل على أفخم ما يكون، امتلات الأجواء بصوتٍ الموسيقى الهادئة بعدما وزع العمال المقاعد المزينة بالستان الأبيض حول المسبح العملاق، لتقابله المنصة التي تعمل الشزلونج المذهب ليزيد من فخامتها، مياه المسبح شملتها البلالين البيضاء..
بالأعلى وخاصة بغرفةٍ"يامن" ..
عاونه "جان" على ارتداء جرفات البذلة السوداء، فأغلق الجاكيت جيداً ثم أشار له باعجابٍ:
_بقيت شبه العرسان أهو..
انزوى حاجبي "يامن" بسخطٍ:
_أمال انا أيه؟!..
تعالت ضحكاته، فانتصب بوقفته ليشير له بسخريةٍ:
_أيه يا عم هتشوف نفسك علينا ولا أيه؟!
ابتسم "يامن"، فقال بجديةٍ وهو يربت على كتفيه:
_شكراً لانك اختارت تكون جانبي في اليوم اللي المفروض تكون فيه جنب أختك.
رد عليه" جان" بضيقٍ:
_وأنت أيه يعني ما أنت اخويا وصاحبي!..
ازدادت إبتسامته، فأشار له "جان" بجدية:
_يلا جهز نفسك علشان هنتحرك..
أومأ برأسه بخفةٍ، فغادر من امام عينيه، اما "جان" فتلاقى رسالة "ريان" بتساءل بها عن "إياد"، فأجابه بأنه غادر الشركة بالأمس بالساعةٍ الثانية مساءٍ موعده المعتاد، ومنذ ذلك الحين لم يجتمع به..
ازداد قلق"ريان" على أخيه، فحاول أن يخلق حجة بأنه يلتقي بأحدٍ من أصدقائه حتى لا يتوقف قلبه من قسوة الافتراضات المقترحة.
*****************
عادت "يارا" للقصر، فتحركت بها السيارة تجاه قصر "طلعت زيدان"، أشارت له سريعاً بالتوقف حينما رأت" مروان" يقف بحديقةٍ قصره، فهبطت لتقترب منه سريعاً، كان يقف بجوار أحدى الأشجار، يتأمل الأزهار من أمامه بنظرةٍ شاردة، وكأنها تذكره بأحدٍ غالي على قلبه، خيل له بأنها تحمل مصباح سحري حينما التقت أذنيه صوتها يناديه، فاستدار ليجدها تقف أمام عينيه، بللت شفتيها بلعابها، فقالت بارتباكٍ ملحوظ:
_جرحك بقى كويس..
وقف يتطلع لها بنظراتٍ صامتة، يتعمق بالتطلع لعينيها، يتشبع منها قدر ما تمكن وكأنه يشعر بأن الفراق حتماً سيمزق القلوب، انسحبت عينيه عنها ليتطلع خلفها بنظرةٍ ساكنة جعلتها تستدير، فصدمت حينما وجدت سيارة "علي" تقترب منهما حتى توقفت على مسافة قريبة منهما، هبط منها "علي" ثم أسرع ليقف مقابلها والغضب يتراقص بحرافية بعينيه، فقال بعصبيةٍ بالغة:
_خلاص يا "يارا" لهنا وخلاص، مفيش قدامك غير الاختيار، يا تيجي معايا حالا نسافر ونتجوز يا تخليكي هنا وبكده هتكوني اختارتي البني آدم ده...
وتراجع "علي" للخلف ليفتح الباب المقابل لسيارته ليشير لها بالجلوسٍ، فرض عليها الاختيار ويا ليتها كانت صريعة في تلك اللحظة البائسة، تقف بمنتصف الطريق بين سيارة "علي" وبين "مروان" الذي يحدجهما بنظراتٍ صامدة، وكأنه يعلم من ستختار لذا تعايش على الاعتياد دون وجودها بحياته، أغلقت فمها بيدها تكبت شهقات الألم الساكنة بأضلاعها، نظراتها تتوزع بين محبوبها الساكن وباب السيارة المفتوح من أمامها، وكأنها اتخذت القرار بعد دقائق مطولة، فاستدارت لتقترب من السيارةٍ، فرسمت بسمة انتصار على وجه "علي" الذي يرمق "مروان" بنظراتٍ منتصرة، شامتة، لم يحتمل "مروان" رؤياها وهي تغادر من أمام عينيه، اراد أن يحتفظ بما تبقى بقلبه الذي لم يلتئم جروحه بعد، فولج لداخل القصر.
تلاشت بسمته حينما أغلقت "يارا" باب سيارته لتخبره بدموعٍ هبطتت كالشلالٍ:
_بحبه يا "علي" ، بحبه ومش هقدر أنساه، لو ركبت معاك هكون بظلمك أنت لأني مش هقدر أشوفك ولا هقدر أشوف حد غيره..
ثم تراجعت بظهرها للخلف وهي تهمس ببكاءٍ:
_أرجوك سامحني...دور على اللي تستحقك وتستحق حبك ليها..
وركضت من أمام عينيه حتى لا تضعف عزيمتها بالقرار الذي اتخذته بعد تفكيراً طويل منحها اياه "مراد" ، ولجت لداخل قصر "مروان" ثم أغلقت الباب لتستند على جسده ببكاءٍ حارق، صعق "علي" من اختيارها ورغم الم قلبه العميق الا أنه كان يقدر اختيارها له، صعد للسيارة ثم غادر من القصرٍ بعدما تأكد بأنه خسرها للأبد، بداخله جرح عميق يحتاج لوقت ليطيبه، ربما شهر أو عام ولكنه بالنهاية سيشفى..
أغلق "مروان" عينيه بقوةٍ تعتصر الدمعة التي تهاوت دون ارادة منه حينما استمع لصوت السيارة تغادر من القصر، ظن أنه ألم الوداع فحتى وداعها لم يحظى به، ضغط بيديه بقوةٍ على ذراع المقعد فكادت بتحطمه وعينيه مازالت مغلقة، شعر بأصابعٍ مرتجفة تلامس يديه الصلبة، ففتح عينيه على مهلٍ وهو يحاول الا يضع افتراضات قد تهلكه، صعق حينما وجدها تقف أمامه، بوجهٍ باكي، ازدرد ريقه بصعوبةٍ بالغة وهو يحاول استيعاب ما يراه، أكان هو اختيارها؟؟!..
وقف مقابلها وهي يتطلع لها بصدمةٍ لم تكسر بعد، فرددت بصوتٍ مرتعش:
_أنا مقدرش أكون لحد غيرك أنت، لأني بحبك أوي يا "مروان"..
احتضنها بعدم تصديق كونه اختيارها، فبكت بانهيارٍ، خرج صوته أخيراً وهو يردد:
_مكنش جوايا أمل انك ممكن تختاري حبنا يا" يارا"..
تشبثت به وهي تجيبه ببكاءٍ:
_معرفش ازاي كنت هعمل كده بس الحمد لله "مراد" فوقني في الوقت المناسب..
ابتعد عنها وهو يردد ببسمةٍ مشرقة:
_"مراد"!..
هزت رأسها، فقال ومازالت الإبتسامة مرسومة على وجهه:
_"مراد" شخص عظيم..
تعجبت لسماع هذا الجزء المتعلق بمدح "مراد"، فقال وهو يتمسك بيدها:
_متستغربيش يا" يارا" في حاجات كتيرة مكنتش قادر أفهمها وفهمتها..
ابتسمت بفرحةٍ، فأشارت إليه بمشاكسةٍ:
_طيب أيه، مش هتأخد خطوة جدية بقى..
_لا الخطوة دي عليا أنا..
استدروا سوياً تجاه الصوت القادم من خلفهما، ليظهر "ريان" من أمام أعينهم، تلون وجه "يارا" خجلاً، وخاصة حينما اقترب منهم "ريان" ليستكمل بابتسامةٍ هادئة:
_هكلم "مراد" يحددلنا معاد مناسب للجواز قبل ما تغيروا رأيكم..
اجابته "يارا" ببسمةٍ ساخرة لمعرفة مقصده من خلف كلماته:.
_أنا عن نفسي مستحيل هغير رأيي..
أشار لها باعجابٍ:
_هايل...
ثم تطلع لمروان بانتظار رأيه هو الأخر فوجده يطالعه بنظراتٍ متكتفة، مازال يشعر بالحرجٍ مما ارتكبه بحقه، أستأذنت "يارا" بالمغادرة لتستعد للزفاف، فوقف "مروان" مقابل أخيه بتوتر لاحظه الأخير ققاطع صعوبة حديثه حينما قال:
_متعتذرش على حاجة يا "مروان"، أنا مش زعلان منك أبداً..
احتضنته" مروان"بحب أخوي يشعر به تارة وتارة يشعر تجاهه بحبٍ أبوي لا يتناسب مع سن ريان، عاد هاتفه ليدق من جديد، فرفعه في لهفةٍ بددت حينما استمع للطرف الأخر الذي أخبره بأنه لم يرى "إياد" هو الأخر، لاحظ "مروان" توتره فتساءل باستغرابٍ:
_في أيه يا "ريان"؟..
رد عليه والخوف يصاحب لهجته المتقطعة:
_إياد مرجعش البيت من امبارح وقافل موبيله، مراته قلقانه عليه وأنا مش عارف اعمل ايه..
صمت قليلاً وكأنه متردد في قول ما يريد، فقال ما حجب على طرف لسانه:
_هتلاقيه رجع للزفت اللي كان بيشربه..
هز برأسه باعتراضٍ على ما قاله:
_مستحيل يعمل كده، في حاجة غلط.
وحك جبينه بانفعالٍ ثم قال:
_خد" فارس" وأقلب عليه الدنيا ومترجعش غير وأخوك في ايدك، فاهم؟..
أومأ برأسه في هدوءٍ ثم غادر على الفور، جلس ريان على المقعد المجاور له وعقله يكاد يتوقف من الخوفٍ.
**************
اللون الأبيض يرمز للنقاء، لونٍ مميز يليق بعروسٍ تزف بمحبةٍ لتحمل التفاءل لحياةٍ من أحبها وأختارها بعنايةٍ لتكون زوجة له، وقفت "فاطمة" تتأمل ذاتها بدمعةٍ فرح تلمع بحدقتيها اللامعة، عدلت "شجن" من طرحة الفستان لتشير لها بابتسامةٍ صافية:
_زي القمر يا روح قلبي، ربنا يسعدك يارب..
احتضنتها "فاطمة" ثم استدارت لتحتضن "حنين" التي بدورها ترتب مساحيق التجميل الخاصة بها بعدما انتهت من تزينها، لتشكرهما "فاطمة" قائلة:
_بالرغم من الحالة النفسية اللي كنتي فيها الا انك كنتي جانبي لأخر لحظة، وأنتي يا اشجان انا عارفة انك تعبانة وبرضه مش سيبتيني.
ربتت "شجن" بيدها على خصرها وهي تخبرها بعتابٍ:
_متقوليش كده يا "فاطمة"، احنا أخوات..
جذبتها" سارة "لتستدير اليها، فنثرت البرفنيوم على فستانها قائلة باعجابٍ:
_" يامن" هيبلم قدامك، قمر ما شاء الله..
ابتسمت بخجلٍ، فتداخلت "سلمى" بحديثهما المرح قائلة بغمزةٍ ماكرة:
_يا ستي لما يتقفل عليهم باب يبقى يبلم براحته..
تعالت ضحكاتهم وخاصة حينما حدجتها "فاطمة" بنظرةٍ قاتلة، انتبهوا جميعاً لصوت "نجلاء" حينما ولجت للداخل وهي تردد بانبهارٍ بنظراتٍ تفرقت بينهن جميعاً:
_بسم الله ما شاء الله، أيه الجمال ده كله، ربنا يحفظكم جميعاً من العين ياررب..
جذبتها "حنين" للمقعد المقابل للسراحة، قائلة بمشاكسةٍ:
_ايه ده يا نوجة، ده لبس و لفة طرحة في يوم زي ده..
جذبت "منة" بعضاً من مساحيق التجميل، بينما اسرعت "سما" لغرفتها لتنقي لها ما يليق بها، أما "يارا" فاختارت الحجاب المناسب بها، اقتربوا منها معاً شارت لهما وهي تردد بتحذيرٍ:
_اللي هتيجي جانبي هي حرة، انتوا اغلبكم حوامل وأنا هضرب مش هيهمني، انا لبسي عجبني كده ركزوا مع نفسكم.
تجاهلوا تعليماتها والتفوا من حولها ليشكلوا حلقة دائرية انتهت باللمسات الاخيرة التي وضعتها "شجن"، تطلعت" نجلاء" لذاتها بالمرآة بصدمةٍ حقيقية، فكانت كالفتاة التي لا تتجاوز عمرها الثلاثون عاماً، جسدها الرفيع منحها نفس الاطلالة الموحدة للفتيات من حولها، وضعت يدها أمام وجهها وهي تردد بضيقٍ:
_أيه ده الناس تقول عليا ايه، ده انا ابني اطول مني شيلي الهباب ده يا بت منك ليها..
أشارت لها "نغم" بابتسامةٍ مشرقة:
_زي القمر والله يا ماما "نجلاء"، بابا شكله هو اللي هيخطفك من الحفلة، مش كده ولا أيه يا بنات..
تعالت صيحاتهم المؤكدة على حديثها، فابتسمت" نجلاء" على حديثها، تعالى صوت طرقات متتالية على بابٍ الغرفة، ففتحته "يارا" لتجد "سليم" يقف أمامها، فرفع صوته لتستمع له العروس:
_يلا يا "فاطمة"؟..
لوهلةٍ توقف قلبها عن الخفقٍ، لا تداري وجع لهجر منزلها أم خوفاً من اقتراب خوضها لتجربةٍ جديدة، خرجت بخطواتٍ متثاقلة لتضع يدها بين يد" سليم"الذي وكله بمهام تسليمها لعريسها، خطف نظرة سريعة للداخل ليجد مبتغاه حينما وجد "ريم" مقابله تبتسم له بحبٍ، منحها ابتسامة عاشقة ثم انتصب بوقفته ليتحرك بها للأسفل، لتجده ينتظرها بنهايةٍ الدرج، يشيعها بنظراتٍ إعجاب فعروسه يجذب الأنظار بجمالها المشرق، استلم يدها من يد "سليم" ثم تحرك بها لسيارته فعاونتها "منة" على الصعود بفستانها المتدلي، صعدت كل فتاة بسيارة حبيبها ليلحق كلاً منهما خلف سيارة "يامن"، وقف" طلعت"ينتظر "نجلاء" بضيقٍ من تأخرها الملحوظ، فافتربت منه باسمة، ازاح عينيه عنها وهو يتفحص الدرج باستغرابٍ:
_هي "نجلاء" راحت فين؟..
لوت شفتيها بغضبٍ، فتعالت ضحكاته وهو يشير لها بعدم تصديق:
_مش ممكن أنا افتكرتك واحدة من البنات والله..
أجابته في ضجرٍ:
_مش هتبطل بكش أبداً، بقيت جد ولسه شايف نفسك شاب عشريني.
قال من وسط سيل ضحكاته:
_والله أنا خايف حد يطلبك مني على اساس اني أبوكي!!..
شاركته الضحك ثم هبطت لجواره، فاسرع الحارس بفتح ابواب السيارة لكليهما..
***********
هبطت "شجن" بصحبةٍ "حنين"، فشعرت بدوار خفيف يهاجمها، تمسكت" حنين" بيدها وهي تسألها بقلقٍ:
_أنتِ كويسة يا "أشجان"؟..
اجابتها بتعبٍ:
_حاسة انا دايخة أوي وحاسة أني مفيش أعصاب خالص.
اقترحت عليها سريعاً:
_لو تعبانة نخلينا أفضل..
أشارت له باعتراضٍ، معللة سببها:
_" فاطمة" هتزعل، خليكِ بس جانبي وان شاء الله اليوم هيعدي..
قالت بحدةٍ وقد تعمدت الضغط على كلماتها:
_أنا كده كده هركب معاكي مش هسيبك متقلقيش..
فهمت مغزى حديثها فقالت بترددٍ:
_ما تحاولي تسمعيه يا "حنين" آآ..
بترت كلماتها حينما صاحت بانفعالٍ:
_مش عايزة اتكلم في الموضوع ده يا "أشجان"، علشان خاطري بلاش تفتحيه تاني..
امتثلت لرغبتها:
_زي ما تحبي، المهم تكوني جانبي لحسن أنا تعبانة بجد.
اجابتها ببسمةٍ ساخرة:
_كلنا لها يا اختاه، مصدقت خلصت من"مرين"، تطلعلي ام اربعة وأربعين اللي جاية على غفلة دي..
تعالت ضحكات"شجن"، فقالت بمرحٍ:
_ما يمكن يطلع واد بتأنثي ليه؟!..
ردت عليها بابتسامةٍ رقبقة وهي تمسد بيدها على بطنها:
_لأ، قلبي بيقولي انها بنت..
كادت بأن تجيبها ولكنها تفاجأت بسيارة" رحيم" من أمامها، فأسرع "حازم" بفتح باب السيارة الخلفي لتجده يجلس بالخلف، ويمنحها نظرة عشق تغمرها من رأسها حتى قدميها، هبطت "حنين" جوارها فكادت بالصعود جوار "شجن"، تفاجئت بقبضةٍ قوية تجذبها خارج السيارة، فاذا به يقف أمامها ليشير لها بحزمٍ:
_هتركبي بعربيتي..
بعناد كبير جذبت يدها من بين يديه لتشير له بغضبٍ:
_ايدك متلمسنيش تاني، فاهم؟..
وقف"مراد" مقابلها وجهاً لوجه، فقال بهدوءٍ يتمسك به بصعوبةٍ:
_"حنين" خلينا نتكلم أفضل في مكان هادي..
ابتسمت في سخريةٍ وهي تعقب على ما قال:
_نتكلم في ايه؟! ، معتش في بينا اللي نتكلم فيه..
فرك جبينه بعصبيةٍ بالغة، فزفر وهو يستطرد بغضبٍ:
_لا في اللي نتكلم فيه، في حاجات كتيرة انتي متعرفهاش..
صرخت بانفعالٍ وقد سرت دمعاتها كالشلال:
_اعرف أيه، انك قتلت ابويا!!! ، إنك بعد ما كنت أماني بقيت السبب في خزني وتعاستي، أنا عارفة ان أبويا مكنش ملاك ويمكن مكنش بيحبني بس مفيش واحدة في الدنيا مهما كان ابوها تعرف ان ابوها اتقتل ومتتحطمش والاصعب من كل ده اني اعرف ان القاتل يبقى جوزي!..
والتقطت انفاسها لتستكمل بشكٍ:
_كان لازم أعرف من أخر لقاء بينكم انك كنت ناويله على الشر، كان لازم افهم أنك انسان اناني مفكرتش غير في نفسك وبس، مفكرتش تحطني في حساباتك، مفكرتش انا هيكون احساسي ايه لما أعرف انك قتلت ابويا!!.
خرج "رحيم" من سيارته سريعاً خشية من أن تتصعد الامور فيما بينهما أكثر من ذلك، فوقف جواره ليتداخل قائلاً:
_"مراد" لا ده وقته ولا مكانه!..
تجاهل ما قاله ثم جذب يدها بهدوءٍ:
_تعالي معايا.
حاولت أن تحرر قبضتها من بين يديه ولكنها لم تستطيع، فصاحت بعصبيةٍ بالغة:
_سيب ايدي بقولك مش هتحرك معاك في اي حتة..
رفع "رحيم" يديه على كتفيه، فحرر "مراد" يدها، ثم شملها بنظرةٍ أخيرة ليردد بوعيدٍ:
_ماشي يا "حنين"..
وتركها وغادر لسيارته، ففتح" رحيم" باب السيارة لتستقر بجوار زوجته، اما هو فصعد جوار "حازم"، ارتمت" حنين"باحضانٍ أشجان، تبكي بقهرٍ، قلبها يؤلمها على الفجوة التي حدثت بينها وبين زوجها، لأول مرة تتصعد الامور فيما بينهما لتلك الدرجة، فرت دمعة هاربة من عين "شجن" وهي تحاول أن تجعلها تهدأ قليلاً، تابعهما "رحيم" بالمرآة الأمامية بحزنٍ، فقال بصرامةٍ:
_لو هتقلبوها نكد هوقف العربية وهنزلكم انتوا الاتنين هنا..
ابتعدت عنها "حنين" سريعاً ثم ازاحت دموعها، فهمست بضيقٍ:
_انت على طول متعصب كده، أنا بحس اني بخاف منك أكتر من جوزي، ما تسيبنا نفضفض شوية يا ابليس...
تطلعت لها "شجن" بصدمة ثم انفجرت ضاحكة لتشاركها "حنين" الضحك وكأن لم يكن، ابتسم "رحيم" رغماً عنه وردد بهمسٍ ساخر:
_"مجانين"!..
*****************.
بين نغمات الطرب الهادئ تمايلت "فاطمة" بين ذراعيه بفستانها الأبيض، ولجوارها كانت تتمايل "سلمى" بين يد "جان" بخفةٍ، حتى "سما" صعدت على المنصة لترقص مع "آدم" ولأول مرة، أما "سليم" ففضل أن يرقص مع زوجته بالأسفل جوار الطاولة الملتصقة بالمسبح، كان الحفل رائع لا ينقصه شيئاً سوى وجود "فارس" و"مروان"، فكانت الفتيات يبحثن عنهما بضجرٍ، أما "ريان" فأنشغل عن "سارة" بتتبع الأخبار من "فارس، مروان" ، أما "شجن" فكانت تجلس لجوار "حنين" وعينيها تتعمق بالتطلع لمن يقف مقابلها، يغمز لها بعشقٍ من وقتٍ للأخر، اما الجوكر فقد حسم الأمر بتنفيذ المخطط المتفق عليه مع "رحيم" الذي بعث برسالةٍ لحارسه الخاص ففي أقل من خمسةٍ دقائق انطفئت الأنوار عن الحفل وحينما عادت بعد دقيقة واحدة كانت "حنين" قد اختفت من جوارها ، فزعت "شجن" ونهضت عن مقعدها وهي تبحث عنها بخوفٍ، فجذبها "رحيم" للجلوس مجدداً ليجلس من جوارها قائلاً بثباتٍ:
_متخافيش، "حنين" في المكان اللي المفروض تكون فيه..
اشارت له بتفهمٍ ثم تطلعت جوارها بتوترٍ من أن يهاجمها الدوار مجدداً، فقال بهدوءٍ:
_حاسة بأيه!..
تطلعت إليه ببلاهةٍ فكانت تظن بأنها تبرع بتمثيل دورها ولكنه شعر بها، فقالت باستسلامٍ وهي تضع يدها بيديه:
_خرجني من هنا، حاسة اني مش قادرة اخد نفسي..
تطلع ليدها المتمسكة به بابتسامةٍ ساحرة، فمسد بيديه على يدها وعينيه تخطف النظرات اليها، ليردد بهمسٍ أشعل رغباتها:
_وأخدك لأخر الدنيا بس لو فضلتي ماسكة ايدي كده مش هتحرك من جانبك أبداً..
سحبت يدها بخجلٍ، فنهض ليمسك بذراعيها، خطت جواره بضعة خطوات ثم توقفت عن المضي وهي تتمسك بجبينها بألمٍ، انحنى ليضع ذراعيه اسفل ساقيها ثم حملها بين يديه ليتحرك بها لسيارته، جلست بالمقعد الامامي وهي تجاهد الاغماء الشديد الذي يهاجمها، فأغلقت عينيها باستسلامٍ لنوم تمنت ان تحظى به لتتخلص من آلامها، دقائق معدودة وشعرت بالهواء الطلق يغلف جسدها، امسك بيديه بصدمةٍ حينما حرر حجابها عنها، كادت بأن تعنفه فمازالت بالسيارة كيف له ان يفعل ذلك، ولكنها تفاجأت بالمياه تحاوطها من جميع الاتجاهات، فتطلعت امامها لتجده يخبرها بابتسامته المهلكة:
_ارتاحي، أنا جانبك..
منحته بسمة مشرقة فتركت يديه تحرر حجابها لتسلقى على قدميه ليتحرك بهما التخت بين المياه، فغفلت سريعاً بين ذراعيه براحةٍ..
**************
انتهى الحفل سريعاً برغبةٍ "يامن"، فكاد بالصعود بها للأعلى ولكن التف الشباب من حوله ليمرحوا قليلاً، وبعد ساعة كاملة من الرجاء والتوسل سمحوا له بالصعود ولكن بشرطٍ أن يحملها بين يديه حتى غرفته التي تقطن بالطابق الثاني، وبالفعل حمل" يامن"، "فاطمة" ليصعد لها للاعلى وسط اجواء مثيرة من التصقيفات العالية، ولج لغرفته فتركها أرضاً ثم اغلق باب غرفته وهو يردد بابتسامة واسعة:
_عايز حد يقرصني علشان أصدق انك معايا هنا!..
ابتسمت "فاطمة"، فقالت بمرحٍ:
_لو مش مصدق أخد بعضي وأمشي..
وكادت بتحرير مفتاح باب الغرفة، فجذبها اليه قائلاً بسخريةٍ:
_حيلك حيلك دخول الحمام مش زي خروجه يا حلوة..
تعالت ضحكاتها على كلماته المرحة، فتلاشت ضحكتها خجلاً حينما اقترب منها ليطبع قبلة صغيرة على وجنتها وهو يردد بعشقٍ:
_الف مبروك يا حبيبتي..
اجابته على استحياءٍ:
_الله يبارك فيك..
ثم قالت بارتباكٍ:
_فين الحمام..
أشار لها بعينيه على حمام الغرفة، فالتقطت اسدالها ثم ولجت للداخل، اغتسلت ثم توضأت وجلست بالداخل بترددٍ من الخروجٍ، طرق"يامن" على الباب قائلاً ببسمةٍ ماكرة:
_أطلعي يا "فاطمة"، بلاش جبن.، انا مش بعض حد.
فتحت الباب لتشير له بضيقٍ:
_حد قالك اني خايفة أطلع انا بس بأخد على الأجواء هنا..
استند بجسده على الحائط ليجيبها بسخريةٍ:
_بتأخدي على الاجواء في الحمام؟..
ابتلعت ريقها بارتباكٍ فاسرعت لسجادةٍ الصلاة قائلة بتهرب:
_يلا نصلي..
ابتسم على خجلها الملحوظ، فاقترب ليصلي بها أمام ومن ثم جذبها برفقٍ لفراشه ليقتل خجلها الزائد منه، تارة فتارة يحاول سحبها لعالمه...
****************
حملها للداخل، ويديه تقيد حركات يدها واليد الأخرى تكمم فمها، اغلق باب مكتبه بقدميه ثم تركها برفقٍ لتقف امام عينيه، صرخت به" حنين" بشراسةٍ:
_انت بتعمل أيه، انت فاكر اني كده هسمعك!..
وأقتربت من باب الغرفة في محاولةٍ مستميتة للخروج، دفعها للخلف بقوةٍ وهو يصيح بعصبيةٍ بالغة:
_مفيش خروج من هنا يا "حنين" لحد ما المشكلة اللي بينا دي تتحل، فاهمه؟..
صراخه، طريقته الجديدة بالحديث جعلتها ترى نسخة متطابقة لرحيم زيدان في بدايةٍ عهده، معشوقها الحنون قتله بتلك اللحظة العصيبة، ابتلعت ريقها برعبٍ تحاول اخفائه خلف لهجتها الساخرة:
_مش هستغرب ده منك لأنك بالنهاية أخوه..
للمرة الثانية تستنزف طاقته، ورغم ذلك حاول جاهداً ليتحكم بذاته، فاقترب منها، لتبتعد عنه سريعاً حينما شعرت بالغيثان جراء رائحة البرفنيوم القوية التي يضعها، تألم قلبه ظناً من انها تمقت الاقتراب منه، فخلع جاكيته ليجذب سلاحه المندث خلف ظهره ثم وضعه من امامها، صعقت للغاية حينما راته يخرج سلاحه فرددت بسخريةٍ:
_أيه هتقتلني ولا ده تهديد!..
اقترب منها بصمتٍ قاتل، ليجبرها بوضع السلاح بين لائحة يدها ثم رفعه ليكون مقابله، انسحبت الدماء من عروقها، فحاولت سحب يدها وهي تصرخ بفزعٍ:
_"مـــــــراد"!..
ابتسم بألمٍ، فتجاهل ندائها المتكرر؛ ليتطلع لعينيها مردداً بهمسٍ:
_أنا قتلت أبوكِ وأنتي تقدري تاخدي حقك مني..
وضغط بيدها على السلاح قائلاً بعنفٍ:
_اضغطي على الزناد يا "حنين" وانهي المهزلة دي..
بكت بانهيارٍ خشية من ان يلامسه الرصاص رغماً عنها، فحاولت جاهدة سحب يدها، ضغط بيديه ليعلو صوت الرصاص المكان، فانثقب قلبها بحسرةٍ، وهي تتطلع اليه بعينين متحجرة، لتردد بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_"مـــــــــــــــــــراد"!..
***************
ابتعد عنها بملامحٍ واجمة، فأضاء الضوء المجاور للفراش فألتقط السجائر لينفثها بعصبيةٍ بالغة، احكمت الغطاء حولها وهي تتطلع إليه بخوفٍ وعدم فهم لما تمر به، ردد "يامن" بغضبٍ:
_أنا مش عارف في أيه بالظبط..
تشنج جسدها من أثر البكاء الحارق، فزفر بضيقٍ، اطفأ السجار لجواره ثم هدأ قليلاً، ليقربها لأحضانه قائلاً بهدوء مصطنع:
_متزعليش يا حبيبتي، أكيد انتِ متوترة بس، يلا نامي وريحي أعصابك..
بكت بين أحضانه حتى غلبها النوم، أما "يامن" فظل يصارع شيطانه طوال الليل يحاول اقناع ذاته بأنه مخطئ فمن المحال ان تكون قد مارست علاقة جمعتها بإياد من قبل، ولكن ماذا لو كانت هذة الحقيقة وخاصة بأنها أردت أن تعود اليه فاستخدمت "يامن" كوسيلةٍ حتى تجعله يغار عليها، وحادثة الاغتصاب ليست الا اشتياق بينهما فلعب تلك اللعبة القذرة للفتك به، ودليل أخر اختفاء اياد بليلة الزفاف بالتحديدٍ، كل تلك الخيوط تراقصت بعقله طوال الليل فجعلته كالبركان الثائر، ربما سيعمى عن الحقيقة وربما سيحطم بيديه علاقة لم تبدأ بعد، ولكن ترى ما المجهول؟!!!..
.... يتبع...... #الأقوى_قادم...... #الجوكر_والاسطورة5...... #بقلمي_ملكة_الإبداع...... #آية_محمد_رفعت..........
ملحوظة هــــــــــــامــــــــــــــــة...
مراد ممتش ولا انصاب والله يا جماعة 😂علشان بس متقلبوهاش نكد في الكومنتات ده هو عامل خطة علشان هدف معين هتعرفوه الحلقة الجاية قولت بس اعرفكم لتقلبوها ميتم، يلا اياكش بعد الفصل الطويل اللي اخد اليوم كله ده القى ريفيوهات وشخلعة حلوة يمكن افكر ادلعكم كمان الفصل الجاي 😂💔، يلا تصبحوا على الف خير..
#Aya...
********____________*********
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!