#الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟!...)..
#الفصل_الستون_والأخير....
تلك الضربات المتتالية التي أصابت رحمها جعلتها تتلوى ألماً، فلم يعد بمقدورها التحمل، انطلقت صرخاتها المتألمة وندائها المتكرر بأسمه يصدح بالطابق الأسفل من اليخت، فسمعه "رحيم" الذي استغل غفلتها بين أحضانه ليتسلل فجراً للأعلى حتى يراقب غرفة القيادة ومسارات اليخت من أمامه ليتأكد بأن الامور على ما يرام، هرع للأسفل بفزعٍ حينما استمع لصوت صراخها المتكرر وكأن سوء قد أصابه قبل أن يصيبها، فتح الباب الجانبي لغرفتهما، ليدنو من الفراش وهو يتساءل بخوفٍ:
_في أيه؟!.
حاوطت بطنها بيدها وهي تجيبه ببكاءٍ حارق:
_مش قادرة، هموت من الوجع..
وأطلقت صرخة مداوية وهي تستطرد بوجعٍ:
_أنا بولد!...
شتت عقله فلم يعد يستعب ما يستمع اليه، فردد كلماتها على لسانه مجدداً ببطءٍ ليحاول فهمها:
_بتولدي!!..
بكت بانهيارٍ كلما أصبح الألم أشد قوة عن ذي قبل، فتشبثت بذراعيه وهي تصرخ دون توقف، حاوط خصرها بيديه وهو يخبرها:
_أهدي يا حبيبتي، متخافيش أنا هتصرف..
ضغطت بيدها على بطنها وهي تجيبه ببكاءٍ:
_هتتصرف ازاي وأحنا في عرض البحر!..
شعر بالضجرٍ من قراره الاحمق بتلك الرحلة الخاصة التي اختارها بذاك الوقت وخاصة بأنها بالشهر الأخير من حملها، رفع "رحيم" يديه على وجهها بحنان، وهو يجبرها على التطلع له، ليردد كلماته ببطءٍ وثقة:
_مش هسمح أنك يجرالك حاجة لا أنتِ ولا اللي في بطنك..
ثم شدد من ضغطه على يدها:.
_ارتاحي انا شوية وراجعلك..
هزت رأسها باستسلامٍ، ثم عادت لتتمدد بمساعدته على الفراش، اما هو فصعد لسطح اليخت ليبحث عن هاتفه، فما أن وجده حتى طلب رقم اخيه، ترقب أن يجيبه بصبرٍ كاد بأن ينفذ فما ان أتاه صوته الناعس حتى قال بلهجةٍ سريعة:
_"مراد" فوق واسمعني، "شجن" بتولد وأحنا على اليخت، هبعتلك الموقع حاول توصل باقصى سرعة بالطيارة..
***********
كانت كلماته مبهمة وخاصة بايقاظه بذاك الوقت، فتح عينيه على مصرعهما حينما استمع الشق الاخير من حديثه عن ولادة زوجته، فترك "مراد" فراشه ثم سحب قميصه الأبيض الموضوع على المقعد المجاور له ليخرج بخطواتٍ حذرة للخارج، حتى لا تستيقظ قصيرته ذات اللسان السليط على أثر صوته، فما ان خرج للشرفة حتى قال بتفهمٍ:
_متقلقش، أبعت انت الموقع وأنا دقايق وهكون عندك...
وقبل ان يغلق الهاتف، أردف:
_حاول تهدأ يا "رحيم"، انا مش هتأخر عليك..
وأغلق الهاتف ليهرول سريعاً لخزانته، جذب أول جاكيت التقطته يديه، ثم هرول سريعاً للأسفل، ليأمر حارسه الخاص بأن يجهز طائرته الخاصة في التو والحال..
******************
ما أن أنهى مكالمته مع أخيه حتى هبط سريعاً اليها، فوجد حالتها قد أزدادت سوء، كانت تعض بأسنانها على الملاءة البيضاء من جوارها، تكبت تلك الصرخات القاتلة، ولأول مرة يشعر" رحيم زيدان"بالعجز، لا يعلم ماذا يفترض به أن يفعل بتلك اللحظة، أن يرأها تتألم وتبكي بذات الوقت هو أمراً قاتل بالنسبة اليه، للحظة لعن ذاته بأنه من تسبب بذاك الوجع اللعين التي تجابهه وإن كان يموت شوقاً لرؤية ذاك الجنين الذي حمل ثمار عشقهما، فُرض عليه أن يعود لصلابته وثباته المعتاد وخاصة بذاك الموقف، ليتمكن من مساعدتها، أقترب "رحيم" منها، فرفع رأسها بين ذراعيه ليمسح عرقها النابض على جبينها، اعاد تلك الخصلة المتمردة من شعرها وهو يردد بألمٍ يضاهي ذاك الألم الذي تحاربه:
_خليكي قوية واتحملي، كلها دقايق وهنخرج من هنا أوعدك..
كورت يدها التي أبيضت من فرط ضغطها القوي، صوتها كبت، ليتحرر بصراخٍ مصحوب بتأوهاتٍ:
_آآه..آآآنا... مش هلحق المستشفى، أنا بولد!!..
فهم من كلماتها الاخيرة بأنها تشعر بأقتراب تشريف ابنه لتلك الحياة، لم يكن أمامه أختيارات لينقي ما يناسبه، رمشت بعينيها عدة مرات وهي تجاهد ذاك الاغماء الذي يكاد يبتلعها بجوفه أكثر من مرة، فلطمها بيديه برفقٍ على خديها، قائلاً بخوفٍ:
_خليكي معايا ، أنا هحاول أساعدك وأنتِ كمان لازم تساعديني....
دقائق متعثرة، قضتها بمجابهة ذاك الألم العصيب، ليختم بصرخةٍ مزلزلة، أتبعها صوت المولود، الحفيد الأول لطلعت زيدان، والابن الوحيد ل"رحيم زيدان"، أغلقت "شجن" عينيها باستسلامٍ لفقدان الوعي، والمشهد الذي ظلت تتمناه رأته قبل أن تنغلق عينيها،حينما رأته يحمل مولدهما الأول بين ذراعيه..
أرتعشت أصابعه وهو يحمله بين يديه، فكان يخشى أن يطبق اصابعه حول جسده الصغير فتتحطم عظامه الهاشة، نظرات مطولة تعلقت به لأكثر من عشر دقائق، مازال لا يستوعب بأنه شرف الحياة بقدومه، اتخذ وقتاً كبير حتى أستعاد واعيه، فلفه بأحد أغطية الفراش الموضوعة لجواره، ثم وضعه بالفراش ليعود سريعاً لمعشوقته، أنقبض قلبه رعباً حينما رأها فاقدة للوعي، حملها لصدره وهو يهزها بفزعٍ:
_"شجن"، حبيبتي فووقي!..
تجمدت تعابير وجهه الصارم، ليعاود ندائها من جديدٍ:
_"شجـــــــــــــــــن"!..
لا يكفيها ذلك الألم الذي عصف بها منذ الساعات الاولى من حفل زفاف "مروان" و"فارس"،لا بل كانت هناك حرباً أخرى لتتمكن من استرداد وعيها لتطمنه عليها، بصعوبةٍ بالغة تمكنت من فتح أجفانها الثقيلة، لتهمس بابتسامةٍ شبه شاحبة:
_جبت بنت ولا ولد!..
ابتسم بفرحةٍ، فطبع قبلة عميقة على جبينها، ومن ثم مرر يديه على طول شعرها المفروض من خلفها ليجيبها على مهلٍ ليحصل على اهتمامها كاملاً لما سيخبرها به:
_"زين"، جبتي "زين"..
ابتسمت لقبوله الأسم الذي اختارته له ثم غفت مجدداً بين ذراعيه، ضمها لصدره بقوةٍ، فتلك اللحظات مرت عليه كالعهد، قلبه كاد بأن يتوقف اكثر من مرة كمن يجري عملية خطيرة بالقلب ليصارع الحياة، يعلم بأن الطب تقدم كثيراً فانتشرت بالفترة الاخيرة الولادة القيصرية عن طريق التدخل الجراحي، فكان يظن بأن زوجته ستكون منهن، ولكنه تفاجأ بولادتها الغريبة وبذاك المكان، والصادم أيضاً بأنه من عاونها على الولادة بدلاً من وجود الطبيبة، اطمئن قلبه حينما أطمئن عليها، لذا نهض ليبحث لها عما ترتديه وخاصة بأن" مراد" قد اوشك بالوصول إليه، جذب "رحيم" جلباب أسود من الستان موضوع بخزانتها ثم ألبسها ليعود بعد ذلك بالحجاب الذي لفه بأحكام على شعرها، فما أن أنتبه لصوت الطائرة التي تحلق فوق اليخت حتى حمل الصغير بحرصٍ، ليصعد به للأعلى...
***************
هبط "مراد" للأسفل، ثم استخدم الدرج الصغير الجانبي، ليصل للطابق السفلي، ليجد "رحيم" يقترب منه وبدى أنه يحمل بين يديه الرضيع، وضعه "رحيم" بين يد الجوكر الذي تساءل باستغرابٍ فور رؤيته:
_أيه ده، هي ولدت!..
أشار له برأسه وهو يشير له باهتمامٍ:
_غطي وشه كويس الجو هوا، وأنا هجيب "شجن"..
وكاد بالهبوط للأسفل مجدداً ولكنه عاد ليضيف:
_" مراد"، اطلب حد من الحرس يجيب الدكتورة القصر..
ابتسم وهو يوزع نظراته بين أخيه والصغير، فأجابه مازحاً:
_واضح أنك اكتسبت خبرة جنب الاسلحة والذخيرة وبقيت دكتور نسا وتوليد!..
ابتسم الاخير ليرد عليه بسخريةٍ:
_أحنا جاهزين لأي مهمة صعبة!..
تعالت ضحكاتهم الرجولية، ليشير له "مراد" بتحذيرٍ بعدما تفحص غيمات السماء المنطفئة:
_ هات "أشجان" بسرعة، لان شكلها هتمطر..
هبط للأسفل سريعاً، فأنحنى ليحملها بين يديه، ثم صعد بها لمتن الطائرة ليتحرك "مراد" عائداً للقصر بعدما أمر بأحضار الطبيبة على الفور..
****************
حينما تحاوطك الخطايا فتهاجمك لتجردك من كل ذرة خير امتلكتها يوماً، يصبح الخير مبتور من قلبك قبل ان يبتر منك، وربما كل فترة تعاني من هواجس الخوف من لقاء الله عز وجل وأنت مدنس بالمعاصي، ولكن تلك اللحظة قد لا تستمر طويلاً إن حاربك الشيطان فيجعلك تتعمد تجاهل هذا الشطر المزعج، أما من صرح الله بتوبته يحاربه حتى أخر أنفاسه، كحالها لم يهبها الله فرصة لحياة أخرى فحسب، بل من عليها برجلٍ قلبه من ذهب، وعاد ليمنحها هدية ثمينة أخرى بأن رزقها منه بطفلة جميلة، وزعت "ريحانة" نظراتها بين "حازم" الذي يتمدد لجوارها وبين طفلتها التي ولدت بوقتٍ غير متوقع من شهرها السابع، ضمتها لصدرها ودموع الفرحة تنسدل في صمتٍ، ليترك لسانها ناطقاً بسعادةٍ:
_الف حمد وشكر ليك يارب..
****************
وصلت الطائرة لقصور عائلة "زيدان"، فبحث" مراد" عن مساحة واسعة أمنة للهبوط، ليهبط بها بحرافيةٍ حتى لامست عجلاتها الأرض الصلبة، انفتح بابها ليتدلل الدرج المتنقل للأسفل، فهبط "رحيم" حاملاً "أشجان" بين يديه، ليتجه لجناحه سريعاً تاركاً مهمة الصغير للجوكر الذي حمله ثم صعد به ليتجه لجناحه حتى يوقظ حنين لتتدبر أمر الصغير لحين أن تسترد "شجن" عافيتها..
**************
شعرت بالبرودة تنخر عظامها فعلمت بأنها تغفل بعيداً عن أحضانه، تحركت "حنين" بجسدها للجانب الأخر من الفراش بعينين مغلقة، بحثت عنه لتنام بين ذراعيه، فتحت عينيها حينما شعرت بالخواء من جوارها، فرددت بدهشةٍ:
_"مراد"!..
انحنت بجسدها تجاه المصباح القريب من الفراش، أشعلته لتجوب بعينيها الغرفة بأكملها، فشملت حمام الغرفة بنظرةٍ متفحصة فما أن وجدته فارغ حتى تملكها الخوف، هو من فعل بها ذلك، لغيابه المفاجأ عنها، جعلها تختبر الخوف القاتل كلما غاب عنها، ارتدت روبها القطني لتناديه بخفوتٍ:
_"مراد"!..
تدفقت الدموع من عينيها بعدما خيل لها بأنه تركها كعادته، فجلست على الأريكة باهمالٍ وهي تحدث ذاتها قائلة ببكاءٍ:
_ليه مصمم تجرحني المرة دي كمان وأكون لوحدي من غيرك!!..
انسدلت دموعها دون توقف، فتكورت على ذاتها بانكسارٍ..
ولج لداخل الجناح، فوضع الصغير بغرفة ابنته، ثم ولج لغرفتهما المجاورة، صُدم حينما وجدها تحتضن ذاتها وتبكي بانهيارٍ، اقترب منها بخطواتٍ متهدجة، فوضع يديه على قدميها، قائلاً بدهشةٍ:
_"حنين"!..
رفعت وجهها الموضوع بين يدها، فرأته يقف أمامها، ازاحت دمعاتها العالقة باهدابها وهي تردد بفرحةٍ وعدم تصديق:
_"مراد"!..
ثم نهضت لتتعلق به بدموعٍ لحقت صوتها المتقطع:
_كنت فاكرة انك سبتني وسافرت تاني..
قربها اليه بحزنٍ من حالة الذعر التي زرعها بداخلها، فضمها هامساً بدفءٍ اجتاحها:
_أنا وعدتك أني عمري ما هبعد عنك تاني يا حنين..
رفعت رأسها لتتعمق بالتطلع لعينيه الزرقاء، فزمت شفتيها بتذمرٍ:
_أنت اللي عملت فيا كده على فكرة وبعدين أنت كنت فين بالوقت ده!..
تغاضى عن الجزء الاخير من سؤالها وأجاب عن ما قالته بالأول:
_كان غصب عني لكن دلوقتي مستحيل هرجع أبعد عنك تاني صدقيني..
بجديةٍ باحتة قالت:
_بجد يا "مراد" توعدني؟..
مرر يديه على طول ذراعيها بحركاتٍ دائرية:
_اديتك وعد مرة وأنا كلمتي سيف.
تلك النظرات المهلكة جعلت بسمتها تنضج بالحياة، ثوانٍ فدقائق ومازال كلاهما غارقاً، أفاقتة"حنين" من بساط أحلامها الوردية على صوت بكاء طفل صغير، يأتي من الخارج بجناحها، ضيقت عينيها في ذهولٍ جلي، فتركته وخرجت من الغرفة، قائلة بذهولٍ:
_أيه الصوت ده!..
تفحصت الردهة المطولة الفاصلة بين غرفتها وغرفة ابنتها، فلم تعثر على شيء، كادت بالعودة لمراد ولكن صوت البكاء مازال مسموع، فتحت باب غرفة ابنتها وهي تردد بتعحبٍ:
_ده مش صوت "مرين"!!..
شهقت في صدمةٍ حينما وجدت طفل رضيع بفراش ابنتها الصغير الذي لم يعد يليق بها، فصار الفراش الاكبر حجما يناسبها، تصنمت محلها بتلك المسافة الفاصله بينها وبينه، قطع شرودها حينما رأت مراد يحمله بين ذراعيه، كاد فمها أن يصل للأرض من فرط ما رأته برمة عينيها، انطلقت الشرارات تبعاً من نيران عينيها، فقالت باندفاعٍ:
__مين ده!! ، انت اتجوزت عليا يا مراد، أنا كنت حاسة انك لما كنت بتختفي كنت مدورها مع واحدة شمال ومن عملك الاسود هتلاقيها ماتت وهي بتولد المحروس وأنت جاي تترجاني علشان أربيلكم الواد بس ده على جثتي يعنيا أنت مش جايبني هنا مربية ليك ولعيالك!..
فرك بيديه جبينه وهو يجاهد للثبات الذي فقده منذ ان ولجت تلك المجنونة لحياته، تعصبت للغاية من صمته الغير مقبول بالمرة، فصرخت به بحدةٍ:
_ساكت ليه ما تنطق، ابن مين ده!..
التقط نفس عميق ثم زفره على مهلٍ، ليخرج عن طور صمته أخيراً:
_هو ابني فعلاً بس مع فرق بسيط ان أسم رحيم اللي هيتكتب بعد اسمه..
مررت الكلمات على أصابعها بالتدريج لتفهم ذاك اللغز الغريب المطروح من أمامها فما أن وعت لمقصده حتى قالت بدهشةٍ:
_ابن" رحيم"! ، هي "أشجان" ولدت أمته، وازاي مش تقولي؟!..
منحها نظرة قاتمة قبل أن يرد عليها بسخطٍ:
_هو أنتِ مدية فرصة لحد أنه يتكلم!..
وتركها وتوجه للمغادرة، وقبل ان ينعطف لغرفته استدار ليسترسل بنبرةٍ شرسة:
_ دماغك المتركبة شمال دي لو الأريل متعدلش هجيبه أرضي..
وتركها وغادر من أمامها، تلقائياً لفت يدها حول رأسها بخوفٍ، فرددت بتهكمٍ:
_متوحش!..
وكفت عن همساتها الجانبية لتقترب من الصغير، بابتسامة حنونة، اتجهت لخزانتها لتنقي ما قد يليق به، ومن ثم أعدت له الحليب الدافئ المناسب لسنه الصغير، ثم اقتربت منه لتحمله بعدما جهزت المياه الدافئة والقليل من الشامبو، ارتسمت ابتسامة ناعمة على وجهها حينما حملته بين ذراعيها لأول مرة، فشعرت بشيئاً غريب بداخل رحمها، وكأن صغيرتها قد تسعى للترحيب بنصفها الاخر الذي سبقها، اشارة غريبة غير ملحوظة تجاهلتها "حنين" وأخذت تنظف الصغير لتطعمه ومن ثم ابدلت ثيابها لتتجه لغرفة "أشجان"..
******************
نصف ساعة استغرقتها باتمام مهامها المتكاملة مع الصغير، ثم حملته وتوجهت لجناح"رحيم زيدان" بترددٍ وخاصة بأن الوقت مبكراً للغاية؛ ولكن قلقها عليها دفعها للمضي قدماً، طرقت الباب مرة ثم وقفت تنتظر الرد، لتجد "رحيم" من أمامها، تطلعت له "حنين" بخجلٍ شديد، فقالت بتوترٍ:
_أنا أسفة اني بقلقكم بوقت زي ده بس حقيقي مش هقدر أنام من غير ما اطمن على "أشجان"..
عاتبها بزعلٍ بدى بلهجته الحازمة:
_أنتِ تيجي في اي وقت يا حنين ومن غير أي مقدمات، وبعدين احنا منمناش اصلاً الدكتورة كانت جوه ولسه ماشية..
ثم فتح الباب على مصرعيه ليشير له بالولوج، فما ان دخلت حتى وجدت" مراد" يلحقها فولج هو الأخر للاطمئنان على زوجة أخيه، حاملاً ابنته الصغيرة بين يديه بعد ان أفاقت على صوت بكاء "زين"..
بخطواتٍ سريعة اتجهت لغرفة نومهما، فدنت من الفراش لتنتبه الاخرى للقادم، فرددت بابتسامةٍ شاحبة:
_"حنين"!..
وضعت حنين الطفل جوارها على الفراش الكبير ثم انحنت لتكون مقابلها، فقالت بدموع تتلألأ بعينيها:
_الف حمدلله على سلامتك يا حبيبتي، ومبارك ما جالك ما شاء الله زي القمر..
ابتسمت وهي ترد عليها بحبٍ صادق:
_الله يسلمك يا حنونة..
ثم خطفت نظرة سريعة لابنها لتضيف بتعبٍ:
_استلمتي مهمته بدري اوي، تعبناكي معانا..
قالت بعتابٍ:
_بقى كده، لا يا ستي مفيش تعب ولا حاجة أنا زعلت بس لاني كنت عايزة اكون جانبك بالوقت ده، ده انا اتفاجئت من مراد بولادتك..
كبتت ضحكة كادت بأن تنفلت منها لتصطحب معه وجع، قائلة بمرحٍ:
_ولا أنا كنت أعرف وحياتك انا اتفاجئت لقيت نفسي بولد وكنا في اليخت..
لطمت صدرها تلقائياً وهي تضيف:
_يا خبر طيب وعملتي أيه!.
ضحكت "اشجان" بصوتٍ مسموع لتتأوه بعدها بألمٍ، فقالت بعد سيطرة تامة بذاتها:
_لا موضوع كبير هحكيهولك بعدين..
قطع الحديث المطول بينهما "مراد" الذي طرق بأصابعه عدة مرات، لينتبهوا لقدومه، فولج حينما منحته "شجن" اذن الدخول، جلس"مراد" على أقرب مقعد بعيد عنهما ليضع ابنته الصغيرة "مرين" على قدميه، قائلاً بابتسامةٍ مشرقة :
_حمدلله على سلامتك يا "أشجان"..
ردت عليه بمحبةٍ وعينيها تتطلعان للصغيرة بحنانٍ:
_الله يسلمك..
ثم استطردت بعتابٍ:
_أيه اللي مصحيكي بالوقت ده يا ميري!..
أجابها" مراد" وهو يعيد خصلات شعر الصغيرة عن عينيها، فتلك الفتاة لم ترث عين أبيها الزرقاء فحسب بل وشعره الطويل والغامض بالامر بأن وشخصيتها المجهولة، شبيهة أبيها كما يزعمون:
_صحت علشان تتطمن عليكي هي كمان.
ابتسمت "شجن" وهي تخبره بحبٍ:
_دي روح قلبي والله..
ثم أشارت بيدها لحنين، فأقتربت من زوجها لتحمل الصغيرة عنه، ثم توجهت لشجن التي طبعت قبلة عميقة على خديها الاحمر الشبيه بحبات الكرز الشهي، ولج" رحيم" هو الأخر، فانحنى بجسده تجاه الفراش ليحمل الصغير بين يديه، ثم جلس جوار اخيه يتأمله بسعادةٍ واضحة، مرر "مراد" أصابعه على وجهه وهو يغازله قائلاً بمرحٍ:
_شرفت قصر أل "زيدان" يا عمهم، يلا بقا أكبر علشان أخدك ادربك كده وأخليك أسد في نفسك..
ضحك "رحيم" بصوته كله، فهمس لاخيه بمكرٍ:
_تفتكر هيستحملنا ولا هيبقى خرع..
مشط الجوكر بعينيه المكان من حوله، فوجد أشجان تتحدث مع زوجته، فقال بخبثٍ:
_الواد ده مش هياخد في ايدنا غلوة، فالمفروض اننا نتقل عليه ونفهمه كل حاجة واحدة واحدة..
زم شفتيه بعدم رضا:
_لا مش عايزه خرع بقولك..
وضح له بانزعاجٍ:
_مهو هيتعلم بس واحدة واحدة عليه الواد لسه ابن يوم!.
سحب نظراته لابنه الصغير فقال بعد تفكيرٍ عميق:.
_على رأيك أما يكبر شوية هيبقى لينا كلام تاني..
فتذكر حمل "حنين"، فأخبره بابتسامةٍ شيطانية:
_مش يمكن حنين تجبلك ولد وندربهم الاتنين مع بعض!..
رد عليه بابتسامةٍ واسعة تكاد تصل للأذن:
_لا"حنين" هتجيب بنت ان شاء الله وده من رحمة ربنا بيهم لانه عارف اني مكنتش هرحمه مش بعيد ادخله الجيش ١٠سنين..
وضعت "حنين" ابنتها أرضاً، فاستخدمت يدها وقدميها لتتحرك حتى وصلت لابيها، فتحرك لسانها ناطقاً بطفولية:
_أبا... ب...
انتبه كلاً منهما اليها، فناول "رحيم" ابنه لمراد ثم حملها بين يديه، ليطبع عدد من القبلات المتفرقة على وجهها، هامساً بخبثٍ:
_لا يا روحي متزعليش، فكك من ابوكي أنا اللي هعلمك كل حاجة بنفسي وهنشوف أبوكي رده ايه!..
عبث "مراد" وهو يتذكر وجود الاب الأخر لبناته فأن كان سيتحكم بذاته عن تعليم فنون القتال عنهن فيوجد الأخطر منه، تمنى لو يتمكن من زرع هذة الفنون بهن ولكنه لن يحتمل رؤية احداً من بناته تخدش او تتعرض للأذى في سبيل التدريب الشاق، وكأن القدر وصم لكل طفل المدرب الخاص به، فالجوكر يحمل ابن رحيم والاسطورة يحمل بنته، فعلم الآن من سيكون المدرب الخاص لكلاً منهما..
انتبهوا سوياً لصوتٍ "حنين" حينما قالت:
_طيب يا حبيبتي انا هسيبك ترتاحي وبكره هجيلك اطمن عليكي ان شاء الله..
أمسكت "شجن" ليدها، ثم قالت برجاء:
_لا متسبنيش يا "حنين" انا محتاجالك..
وزعت حنين نظراتها الخجلة بين زوجها ورحيم، الذي نهض ليزح عنها هذا الحرج حينما قال:
_خليكي معاها وأنا هبات في أي اوضة بره الجناح..
نهض "مراد" هو الاخر، فوضع الصغير بسريره الصغير، ثم حمل ابنته ليشير له بجديةٍ:
_أوضة ايه اللي هتنام فيها، أنت هتنام معايا بجناحي ومن غير كلمة زيادة..
لحق به وهو يردد ببسمةٍ مشاكسة:
_المرادي مش اجبار، هنام في اوضة واحدة وجنب بعض بالاختيار..
تعالت ضحكات "مراد" الرجولية، وهو يهمس له بغمزة :
_متقلقش هتنام بالجنب اللي يريحك...
******************
تباهت الشمس بردائها الذهبي، وخاصة بذاك اليوم المميز، فغطت العالم باشعتها المشرقة، لتتسلط على اعمدة القصور الخمس..
بداخل قصر "ريان عمران" وبالأخص بغرفة "إياد"، دفعت المقعد بيدها حتى السور الخارجي، فتحمل على ذراعيها الممدود حتى نهض ليعبئ رئتيه بالهواء العليل، وضعت"سارة" اطباق الطعام الشهي على الطاولة المستديرة، فعاونتها "صباح" بودٍ، حتى "يارا" أتت بالمشروبات لتسكبها بالأكواب الستة المتفرقة، هبط "ريان" متعجلاً للذهاب لعمله، فخطف قبلة سريعة على يد زوجته وهو يخبرها بصوته المنخفض:
_تسلم أيدك يا روحي..
التفتت يساراً ويميناً بخجلٍ، ثم قالت بابتسامة عشق:
_الف هنا على قلبك يا حبيبي..
اقترب ريان من أخيه ليعاونه على الجلوس، فأسنده من كتفيه الايمين، فأنضم لهم "مروان" هو الاخر ليعاونه على الجلوس، جلست الفتيات جوار أزواجهن، ليتناولن كلاً منهما الطعام بجو من المرح والغزل وثالثهما العشق الذي بدد القلوب..
************
عاونت "حنين" " أشجان" على أن تبدل للصغير ثيابه لاعتبارها أكثر خبرة منها، فتركتها تبدل ثيابها هي الاخرى بمفردها وخاصة بأن ولادتها مختلفة عن الجراحة فهي قادرة على الوقوف والخطى بمفردها، ولجت "نجلاء" للغرفة بصحبة "ريم" و"نغم"، باحثة عنها وهي تردد بقلق:
_صحيح اللي سمعته من البنات ده! ، شجن ولدت امبارح وأنا كنت فين!..
اجابتها "حنين" قائلة بمرحٍ:
_كنا كلنا بنحلم احلام وردية يا نوجة، وبعدين الحاجات دي مفهاش زعل، يعني الولية كانت بتولد تقول للواد استنى لما اعرف العيلة اني بولد!..
تعالت ضحكات "ريم"، فدنت من شجن لتحتضنها وهي تتحدث لزوجة أبيها:
_عشان تعرفي أننا بنحبك اد أيه، أول ما حنين بلغتنا جنالك وش الصبح اهو..
حملت" نجلاء"الصغير من "نغم" التي تقدمه لها، لتجيب ريم بابتسامة واسعة:
_انتِ روح قلبي دايماً يا ريمة..
احتضنت "نغم" اشجان وهي تهنئها بمولودها الاول، فدعت لها الاخرى بأن تسر برؤية جنينها بمشيئة الله، أستأذن "طلعت زيدان" بالدخولٍ بلهفةٍ لرؤية حفيده، فقال وعينيه تبحثان عنه:
_حمدلله على سلامتك يا بنتي..
اجابته باحترامٍ وقد غطت بحجابها خصلات شعرها:
_الله يسلمك يا عمي، أتفضل..
اقتربت منه "نجلاء" بالصغير، فوضعته بين لائحة يديه وهي تردد بفرحةٍ:
_سمي..
ردد بانصياعٍ والدموع تتلألأ بعينيه لرؤياه:
_بسم الله الرحمن الرحيم، ما شاء الله تبارك الرحمن قمر...
سألتها "ريم"بفضولٍ:
_هتسميه أيه يا "أشجان"؟..
ردت عليها باسمه المختار:
_" زين"!!..
قال "طلعت" وهو يطبع قبلاته على جبين الصغير:
_"زين رحيم زيدان"..
مسحت "نجلاء" دمعاتها سريعاً، وهي تراقب فرحته بسعادةٌ أدمعت عينيها، تود رؤيته يبتسم هكذا لأخر عمرها...
************
جذبت "حنين"،" نغم" و"ريم" للخارج وهي تردد جملة واحدة كل دقيقة:
_عايزاكم في مهمة قومية، ماليش غيركم خليكم عارفين ده..
زفرت "نغم" بضيقٍ، فقالت وهي تتبعها:
_ماشين وراكي من ساعتها وكل ما بنسالك بتقولي مهمة قومية، ما تفهمينا يا بنتي سحلنا وراكي ليه!..
أطبقت يدها حول معصمها واليد الاخرى حول معصم "ريم"، فولجت للجناح الخاص بها، ثم اغلقت الباب سريعاً لتشير لهما ببسمةٍ مرتبكة:
_ولا حاجة، القصة وما فيها أننا حضرنا الفطار وبنستنى" رحيم" و"مراد" ينزلوا يفطروا ومحدش نزل..
أجابتها "ريم" باستغرابٍ:
_طيب وفيها أيه ما تستنوهم ينزلوا زي كل يوم..
أخرجت "حنين" المفتاح العالق بالباب الاسود الضخم الخاص بالجناح ثم قالت وهي تقف على عتبته:
_ما احنا بنعمل كده، بس الموضوع وما فيه انهم نايمين في اوضتي وأنا عايزة ادخل أغير هدومي ولو مراد اللي نايم لوحده كنت دخلت عادي لكن ده مش هينفع فدي مهمة مين بقا؟..
واستطردت كلماتها بعدما خرجت من الجناح لتغلق الباب عليهن سريعاً، ثم اغلقته بالمفتاح لترفع صوتها من الخارج قائلة:
_مهمتكم يا اختي انتي وهي على الأقل أنتوا أخوات لكن أنا هدخلهم بصفتي أيه؟!.
ابتلعوا ريقهم بخوفٍ شديد، فقالت"نغم"بغضبٍ:
_"حنين" أفتحي الباب متهزريش.
أجابتها من الخارج:
_مبهزرش والله ادخلوا صحوا أخواتك علشان يفطروا، مش هتخرجوا من هنا غير كلكم فاهمين!..
زفرت "نغم" بضيقٍ:
_مجنون وأد كلامها..
ردت "ريم" بخوفٍ وعينيها تتنقل على باب الغرف من أمامها:
_وبعدين هنعمل ايه، ده انا حتى نسيت شنطتي في أوضة "أشجان"، كنت ممكن أرن على "سليم" يجي يخرجنا..
مصمصت شفتيها بسخريةٍ:
_يادي "سليم" اللي محياره معاكي ومحتارة تعملي بيه أيه!..
ثم أشارت بيدها وهي تستطرد حديثها:
_ويعدين فيها ايه لما نصحيهم، هما على فكرة اتغيروا..
واجلت حبالها الصوتية بقوة مصطنعة:
_توكلنا على الله، بينا.
لحقت بها فتركتها تستكشف الغرف حتى وجدت المنشودة، فولجت من خلفها للداخل، ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ حينما وجدت كلاً منهما مستلقي على ظهره بحركةٍ متشابهة، فأشارت لها "نغم" بالاقتراب من "مراد"، فأومأت برأسها، لتتجه للاتجاه الاخر من الفراش، أما" نغم" فوقفت جوار "رحيم"، رفعت اصابعها للاعلى لتشير لريم بالعد التنازلي الذي سينتهي بالعدد الثالث وبالفعل، أخذت تعد على أصابعها حتى العدد ثلاث فقامت كلاً منهن بنخز أصابعهما بكتفيهم العارية، فتح كلاً منهما عينيه، النوم مستيقظ لأي حركة خاصية اكتسبوها بالاجبار من سمات عملهم، انكمشت ملامح"مراد"وهو يردد بنومٍ:
_" ريم"!..
أسرعت بالحديث بجسدٍ يرتجف خوفاً:
_أنا ماليش دعوة والله، "حنين" اللي قافلت علينا الباب وقالت لازم نصحيكم..
ابتسم وهو يتأمل حالة الذعر المسيطرة عليها، فنهض ليقترب منها وهو يردد بمرحٍ:
_طيب اهدي أهدي، هو انا بقولك مين اتسبب في موت خالتك!!!..
جلس "رحيم" على الفراش باستقامة، فالتقط قميصه الملقي لجواره، ارتداه وهو يتطلع لنغم الثابتة من أمامه وكأنها لم تفعل شيئاً، فقالت بثباتٍ:
_الفطار جاهز..
نهض عن الفراش ليقترب منها، فلف يديه حول كتفيها وهو يخبرها بابتسامة:
_وأنا ميت من الجوع، يلا..
اتبعته للخارج فسألها باهتمامٍ:
_"يوسف" فين، مجاش معاكي؟!.
أجابته بابتسامة مشرقة:
_لسه مكلمني من شوية وقال بيحضر مفاجآة لشجن بمناسبة البيبي..
ثم أضافت:
_الف مليون مبروك يتربى في عزك يا حبيبي..
احتضنها رحيم بحبٍ وهو يجيبها:
_عقبال ما تقومي بالسلامة ان شاء الله..
خرجت ريم بصحبةٍ "مراد" هي الاخرى، فقالت بانزعاجٍ:
_تفتكر حنين هتفتح الباب ولا هتعمل فينا ايه تاني!..
اتسعت بسمته وهو يشير لها بسخريةٍ:
_الباب مكنش مقفول أصلا، هي عملت كده علشان الابتسامة على وشوشنا دي.
ثم قال بمكر:
_مش انتي اتبسطتي وأنتي بتصحيني!..
انفجرت ضاحكة فشاركها الابتسامة ليلحق بهما للاسفل، لينصموا جميعاً على طاولة الطعام ، بجو من البهجة والسعادة وخاصة بعد أن انضم اليهم "يوسف"..
*******************
جلست بالغرفة تنتظر صديقتها بالوصول للمشفى، كان" يامن" لجوارها، يديه تحتضن يدها، شعر بارتجافها بين يديه، فانحنى على مقعدها قائلاً بضيقٍ:
_"فاطمة" مفيش داعي لوجودنا هنا، صدقيني الموضوع مش فارق معايا..
أجابته بابتسامة رسمتها لتمنحه الراحة:
_بس أنا اللي هيفرق معايا...
احتضنها وهو يربت على ظهرها بحنانٍ ، ليهمس لها بعشقٍ جوار اذنيها:
_أنا هكون جانبك مش هسيبك!..
تمسكت بقميصه من الخلفٍ وكأنه تخبره بالا يتركها، دقائق مبسطة ووصلت صديقتها الطبيبة، لتخبرها بأنها على أتم الاستعداد، ابدلت ثيابها لتتجه للغرفة ويديه مازالت ملتصقة بيدها، كان لجوارها منذ بداية الجراحة لنهايتها، كان يقف جوار رأسها، يشتتها بحديثه المرح وكلماته المعسولة، لم يكن يحبذ ان يخضع حبهما لمثل هذا الاختبار ولكنه يمتلك اليقين بأنها معضلة وستمر مثلما مر الكثير من العوائق..
انتهت الجراحة وبالفعل تم فض الغشاء المطاطي بنجاحٍ، لتنتقل بعدها لغرفة عادية، فما أن انتهت الممرضة من تغطيتها حتى ولجت الطبيبة، لتخبرها بضحكة رقيقة:
_حمدلله على سلامتك يا دكتورة فاطمة..
أجابتها بتعبٍ بدى بصوتها:
_الله يسلمك يا "دنيا"، بشكرك على واقفتك جانبي..
عاتبتها بمحبةٍ:
_متقوليش كده ده احنا عشرة عمر، بس انتي اللي اختارتي تدخلي قسم اطفال وتبعيني..
ابتسمت وهي تجيبها:
_ما انتي عارفاني بموت في الاطفال..
القت على مسمعها اقتراح افتراضي، فقالت بمزح:
_طيب اتجدعني أنت بس وهاتيلنا حتة عيل..
انتقلت نظرات" فاطمة" ليامن الذي طالعها ببسمة مكر، فاصطبغ وجهها بحمرةٍ الخجل، سحبت عينيها لباب الغرفة حينما فتح لتجد أخيها من أمام عينيها، دنا منها "جان" وهو يضع باقة الزهور البيضاء على الكومود من جوارها، ليتساءل باهتمامٍ:
_الجميل أخباره ايه؟..
بصوتٍ هزيل اجابته:
_الحمد لله بخير يا حبيبي..
جلس على المقعد القريب منها، فتساءلت بلهفةٍ:
_طمني على سلمى بقت كويسة، وخالد عامل ايه؟..
رد عليها بصوته الرخيم:
_بخير الحمد لله، شيدي انتي بس حيلك واخرجي..
قالت باستياء:
_كان نفسي والله احضر سبوعه بس كله خير..
ابتسم وهو يخبرها ما حدث من قرارات حاسمة:
_لا هتحضري، لان "طلعت زيدان" أمر بنفسه ان حفلة استقبال "خالد" هتكون مع زين ابن "رحيم"..
رفعت حاجبها بتعجبٍ:
_هي اشجان ولدت!..
اومأ برأسه قائلاً:
_امبارح..
قطعت الممرضة جلستهما حينما اقتربت من المحلول الموضوع بوريدها، فنهض" جان "ليشير ليامن بالانسحاب معللاً:
_ما تيجي ننزل نشرب قهوة ونسبها ترتاح شوية..
أشار له هو الاخر:
_ياريت، تعال..
وهبط كلاً منهما للاسفل..
************
يوم يليه الاخر دون أي جديد الا من أقصوصة العشق التي نبضت بقلب" علي" تجاه "فاطمة"، رغم انه يعلم بالمشاكل التي سيواجهها مع والدته الا انه سيعافر لاجل ذاك، طوال الفترة الماضية لم تجدي حالة" فطيمة" أي تحسن، ورغم ذلك مازال يصمم على معالجتها والخوض في ماضيها لمعرفة ما واجهتها ليجعلها هكذا، لذا اخبر "يارا" برغبته بمعالجتها فوافقت على امل أن يحقق هو ما فشلت القيام هي به، فأقنعت "مراد" بأن سفرها مع علي هو الصائب لحالتها النفسية،فسمح له بذلك وأخبره بأنه سيكون على تواصل دائم به لمعرفة تطورات حالتها بنفسه، وإن اضطر الامر سيسافر اليهما كل فترة للاطمئنان عليها، لذا سافرت"فطيمة" مع "علي" لانجلترا، بلد العشاق التي ستشهد أقصوصة عشق فريدة من نوعها...(نوڤيلا صرخات أنثى «فطيمة»)......
****************
بتلك الايام الماضية تحسنت صحة "إياد" كثيراً حتى صار يخطو بذاته دون الاعتماد على أحداً، حتى "فاطمة" استردت جزء كبير من عافيتها ولملم ذاك البعد الجسدي بينها وبين زوجها شتات الماضي، فكانت فرصة كبيرة للتقرب من بعضهما البعض، لذا عاد قلبها ليتقبله من جديد، عاد ليخفق رغبة بالتقرب منه، فما أن سمح بذلك حتى تقاربا، مزقوا صفحة الماضي المفجع ولم يبقى سوى سطور العشق الفارغة التي ملاها الشوق والحنين، سمحتله بالاقتراب ومنحته الفرصة، فعوضها عما فقدته من شغف اللقاء والقرب منه، جعلها تذوب بين أحضانة، تردد حبها علني مثلما يردده هو، حتى صار عالمهما واحد...
******************
حركت الطبيبة الجهاز على بطنها برفقٍ، فرأى "مراد" بوضوحٍ ما تحمله باحشائها، ابتسم بفرحةٍ وهو يتابع ويستمع لصوت نبضات القلب فشعر بأنه اتصل بقلبه، كالوريد، ضغط بأصابعه على يد "حنين" المتشبثة به، ليقبلها وهو يردد بعشقٍ:
_بأحبك...
بادلته الابتسامة ببسمة ترسمها بالكد وعينيها مليئة بالآف الكلمات، رأها مراد بوضوحٍ فأراد الخروج من هنا سريعاً ليعلم ما تود قوله، انتهت الطبيبة من اخبارهما بالارشادات اللازمة وضرورة تناولها الفيتامينات وغيرها من أكلات صحية مفيدة لها وللجنين، فخرجوا سوياً لينجرف "مراد" بالسيارة بمكانٍ هادئ أمام النيل، فاستدار بجسده تجاهها، ثم التقط يدها ليمرر أصابعه بحلقاتٍ دائرية قشعر جسدها لأجلها، فقال بصوته الرخيم:
_مالك، مش حاسس أنك مبسوطة ليه؟..
لازمت الصمت، فخمن هو سبب خوفها فرفع بيديه ذقنها وهو يناديها:
_"حنين"، بطلي تفكري في أني هبعد عنك والكلام ده، أنا جانبك ومعاكي لحد أخر نفس خارج مني..
ابتسمت وهي تتطلع له مطولاً، فمازحها قائلاً:
_حفظتي ملامحي ولا لسه؟!.
قالت باسمة:
_حفظتها من زمان بس ده ميمنعش احفظها تاني عشان اللي في بطني تيجي شكلك زي "مرين"..
قال بابتسامة حالمة وعينيها تجوب بطنها المنتفخة بعض الشيء:
_" مارال"، هنسميها كده..
ضيقت عينيها بذهولٍ:
_اسم غريب. معناه أيه؟!..
أجابها بعجرفةٍ:
_يعني الغزال، اسم جديد ومش منتشر وصاحبة الاسم بتتمتع بشخصية طيبة القلب وقوية، سريعة البديهة وذكية، بتحب الحياة الحرة بعيداً عن القيود..
أعجبت كثيراً بمعناه، فقالت:
_كل مرة بتختار اسم مميز عن اللي قبله..
احتضنها ثم استرخى بمقعد السيارة للخلف، فاغلق عينيه تأثراً بالهواء النقي الذي يلفح وجهه، بارتباكٍ نادته وكأن وقت الافصاح عما يجول بخاطرها قد حان فقالت:
_"مراد"..
أجابها بنعاسٍ:
_أممم..
قالت بتوترٍ ملحوظ:
_أنت مش زعلان اني هجبلك بنت لتاني مرة!..
فتح عينيه على مصراعيه بصدمةٍ من قولها لذلك، فابعدها عنه وهو يتطلع لها بحدةٍ اتبعته بلهجته الحازمة:
_أيه اللي بتقوليه ده يا "حنين"، أنا بجد مصدوم اني بسمع الكلام ده منك!!..
قالت بارتباكٍ وهي تنظر لذراعيه الموضوعة حول كتفيها:
_أنا فرحانة اني هخلف منك لتاني مرة ومش فارقة معايا بنت ولا ولد، بس أنا خايفة تكون انت زعلان يا" مراد".
أجابها بغضبٍ:
_بلاش هبل، أزعل ايه، أنا طاير من الفرحة ان هيجيلنا بنت، أنا فعلاً بعشق البنات ومؤمن أنهم لما يتربوا كويس بيبقوا أفضل من الولاد مية مرة، البنت ربنا بيخلقها وجواها حنان وحنية تكفي عالم بأكمله، ربنا انعم عليا بنعمتين ازاي ازعل!..
ابتسمت بفرحةٍ وراحة، فلفت يدها حول عنقه لتحتضنه بقوةٍ، رغم عصبيته الشديدة مما قالته الا انه لف يديه حولها ليبادلها الاحتضان، ومن ثم تطورت الامور بينهما ليغابى سوياً بلحظاتٍ سريعة اقتباسا بها رحيق الغرام المزروع بغصونٍ متشابكة..
***********
انقضت تلك المدة المحددة واتى اليوم المنشود، اقيمت حفلة استقبال لابن "رحيم زيدان" و"جان زيدان" بترتيبات من أرقى ما يكون، امتلأ القصر باكمله ببلايين ملونة باللونين اللبني والأبيض، وقفت الفتيات تعلقها بفرحة والاخريات يناولن أزواجهن الزينة، تعالت الموسيقى الخاصة بالاطفال الموليد بالقصر بأكمله، لتنتطلق الكاميرات بالتقاط الصور المميزة لعائلة "زيدان" باكملها، سلطت الكاميرات باكملها على الدرج المتوسط قصر "طلعت زيدان"، حيث هبطت" صباح"أولاً حاملة ابنها جان الصغير مرتدياً زي أبيض مثل باقي الاطفال بعد اتفاق صريح من الفتيات، ومن ثم هبطت "حنين" بفراشتها الصغيرة "مرين" التي ترتدي فستان أبيض كعروس تزف بليلة زفافها، ومن بعدهما هبطت "سلمى" بابنها "خالد"، لتلحق بها" شجن" بابنها "زين" ذاك الطفل الغامض ذو المصير المجهول..
هبطوا جميعاً ليشير لهما المصور بالالتفاف حول الاطفال بعدما وضعوهم على الطاولة بالغربال المزركش، انضم "رحيم" لمعشوقته ليطوفها بذراعيه ومن ثم التف حول الطاولة العملاقة، ومن خلفه "مراد" الذي يحمل صغيرته بين يديه وباليد الاخرى يحتضن حنين التي اشعلت شمعة كبيرة واخذت تلهو كالطفلة الصغيرة وهي تصرخ بمرح:
_حلقاتك برجالاتك يارب يعيش يارب يعيش..
تعالت ضحكات مراد وهو يراقبها بدون جدوى، فابتسم "رحيم" وهو يلتقط ابنه ليحمله بين ذراعيه ومن ثم قربه من محبوبته قائلاً بمكرٍ:
_عقبال ما نخويه ولا رأيك ايه؟!.
حدجته بنظرة نارية، فتعالت ضحكاته الرجولية باستمتاع لرؤية غضبها، احتضنت "شجن" اخيها قائلة بتذمرٍ:
_جاي متاخر ليه يا يوسف..
اجابها وهو يخرج السلسال الجلدي الذي يحمل اسم المولود ليضعه حول رقبته:
_الطريق كان زحمة وواقف بس ولا يهمني في الاخر جينا..
تعالت الضحكات بينهما، فسلمت عليها نغم ثم انضمت ليوسف، فاقترب منهما "فارس" و"مروان" لينولهم مروان شمعة، ثم اشعلها فارس بالقداحة مشيراً لهما بمرح:
_اللي يدخل من الباب ده يولع شمعة ويلف لفتين، يلا يا حلوة منك ليه..
اشار لهما يوسف:
_كده، ماشي يا عيل منك له..
لحق يوسف بمراد ورحيم، فراقب مروان الباب، ليشير لرفيقه:
_المتر شرف أهو..
اشار بيديه بحماس:
_فرجت اوي..
اقترب منهما "يامن"، فناولوه الشموع هو وفاطمة، ومن ثم دفعوهم على الطاولة، كانت الضحكات مسيطرة على العائلة باكملها مما يفعلوه مروان وفارس من مشاكسات منحت للاجواء رونقاً، ابتعد" فارس" ليجد جان يقف بالخارج يتبادل المباركات والتهنئة من اصدقائه فجذبه للداخل بقوة، ثم دفعه على قارس قائلاً بسخرية:
_لقيت ده بره، ولعله وخليه يدور..
تحرك فكيه ناطقاً بعصبية:
_يولع لمين ده انتوا ليلتكم سودة..
اتى "ريان" من خلفه ليلتقط شمعه من اخيه وهو يوجه حديثه لجان المتعصب بابتسامة واسعة:
_ولع ولف وفكها يابو العريس ده الليلة هنهيص مش كده ولا ايه يا شباب..
تعالت الصيحات فيما بينهما فاتى آدم من خلفه ليلتقط الشمعة هو الاخر، قائلاً بسخرية:
_فنولع ونلف ونغني كمان ويارب يـــا ربنا يكبر ويبقى ادنا ويجي يعيش وسطنا وسط الحبايب..
تعالت ضحكات جان، فقال وهو يراقب آدم الذي التقط يد سما ليدور بهما من خلفهم:
_عوض عليا عوض الصابرين ياررب..
_جان مش هتلف معايا ولا ايه!!.
كلمات متذمرة قالتلها "سلمى" فتبددت بسمته، ليغمز له ريان بمرحٍ وبكلماته المعتادة فيما بينهما:
_البس عشان خارجين..
امسك يدها وهو يجيبها بابتسامة واسعة:
_نلف منلفش ليه..
أتت سارة هي الاخرى وهي تخبر مروان بتذمر:
_هو الشمع ليكم انتوا بس ولا ايه!..
منحها مروان شمعة وهو يجيبها بمشاكسة:
_حد يقدر على زعلكم، خدوا كل الشموع المهم انكم تفرفشوا لنتدشدش أحنا..
أشار له يامن بغمزة ساخرة:
_كده فهمت الكار..
صعق فارس حينما وجد سليم يقف من امامهم، فوضع القداحة من يديه على الطاولة، ثم تطلع له فوجده يتطلع لما يحمله مروان، فاسرع اليه لينتشل منه الشموع ثم وضعها جوار القداحة وهو يضيف بخوف مصطنع:
_احنا كبار على الحاجات دي متعصبش نفسك يابو نسب..
فاسرع تجاه منة ليحملها بين ذراعيه ويدور بها حول الطاولة فكاد ان يسقط بها مراراً وسط ضحكات الشباب والفتيات، ابتسم "سليم" وهو يلتقط الشموع والقداحة بغرور، ليتجه لريم الغاضبة ثم قدم لها ما بحوزته قائلاً بتعجرف:
_شوفتي السيطرة جبتلك كل اللي معاهم..
تبدل حزنها لسعادة فاشعلتهما ثم اخذت تدندن مع الاغاني فالتفوا جميعاً من حول الطاولة بفرحة غمرت القلوب قبل ان تمس الوجوه..
اعلى الدرج وقف "طلعت زيدان" يوزع نظراته بين الوجوه، ابنائه وابناء أخواته بفرحة، عاش عمراً ليختبر تلك السعادة التي غمرت الجميع بوحدتهم، ولجواره "نجلاء" التي تربت على كتفيه كالحصن القوي، قبل يدها وضمها لصدره ليقفوا بالاعلى يرقبون حماس الشباب وفرحتهم المتبادلة بين الوجوه بأكملها، ليته تمكن من اصلاح ما اتلفه أبيه، وان كان متاخراً ولكنه بالنهاية تمكن من ذلك.....
تمكن من زرع الوحدة بين ال عائلة "زيــــــدان" !..
................ تمت بحمد الله............
٩/١١/٢٠٢١م.....
#الجوكر_والاسطورة...
ختمنا السلسلة بفضل الله وبعد تعب عام ونصف، بتمنى من حضراتكم تشاركوني برأيكم بريفيو او كومنتس، وان شاء الله الخاتمة هتنزل كمان ساعة هتكون عبارة عن مشهد ختامي خاص بالرواية المنفردة اللي هتكون خاصة ببنات مراد وابن رحيم والبطل الغامض اللي هيظهر بالخاتمة، وان شاء الله هشوفكم بكره في لايف على البيدج الساعة٤عصراً هرد فيه على كل اسئلتكم المتعلقة بالسلسلة، بتمنى من اي قارئ بيتابع بصمت انه يتفاعل على الفصل الاخير ويحط رأيه لانه يهمني، وبالنهاية بشكركم على سعة صدركم بتحملكم ليا على تاخيري والظروف اللي وجهتني اكتر من مرة وانتوا تحملتوني والنهاردة اقدر اقولكم بكل محبة تمت بحمد الله عند ١٠٠فصل...
دمتم بسعادة من الرحمن..
#Aya.. 💙
*******______*********
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!