الفصل 4 | من 7 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
13
كلمة
1,880
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

رواية الهام واللي كان الجزء الرابع 4 بقلم محمد منصور الهام واللي كانرواية الهام واللي كان الحلقة الرابعة ومن داخل شقة ناصر، كانت حميدة واقفة في المطبخ بتحضّر الغدا، ووشها مليان ضيق وهم. وفجأة اتفتح باب الشقة، ودخل ناصر وهو مرهق بشكل واضح، وملامحه كلها تعب وانكسار. بصّت له حميدة وقالت بسخرية: –لقيت شغل طبعًا؟ … ولا زي كل مرة؟ ناصر ما ردش، وقعد على الكرسي وهو بياخد نفسه بالعافية. قامت حميدة من مكانها وراحت

وقفت قدامه وقالت بحدة: –كان لازم تعمل فيها عنترة وتقف في وش صاحب الشغل عشان أخوك؟ ما هو لما طرد أخوك، طردك وراه… ارتحت كده؟ رفع ناصر عينيه ناحيتها وقال بغضب مكتوم: –بقولك إيه… أنا مش ناقصك دلوقتي. ابعدي عن وشي الساعة دي. حميدة عقدت دراعاتها وقالت بعناد: –لا، مش هابعد… واللي عندك اعمله. ناصر بص لها بنظرة مخيفة وقال من بين سنانه: –حميدة… لكنها ما خافتش، وقالت: –لا يا شيخ ناصر. أنت

بنفسك اللي كنت بتقول لي: يوم ما أقصر معاكي في الأكل أو الشرب اتكلمي. أهو دلوقتي أنت مقصر، ومن حقي أتكلم. تنهد ناصر وقال: –بإذن الله هلاقي شغل… وكل حاجة هترجع زي الأول. ضحكت حميدة ضحكة مليانة مرارة وقالت: –الأول؟! هو فيه حد بيشغل حد اليومين دول؟ كان مالنا إحنا ومال عبد الله واللي حصله؟ ضرب ناصر بكفه على الطاولة وقال بعصبية: –لمّي نفسك! وسيبي عبد الله في حاله. كفاية اللي هو فيه. حميدة ردت بسرعة:

–هو فيه حد جاب الخراب لبيتنا غيره؟ ما إحنا كنا عايشين مرتاحين والدنيا ماشية. من يوم ما دخل حياتنا وإحنا حالنا في النازل. لا شغل ولا فلوس ولا راحة بال. ناصر بص لها بغضب وقال: –كفاية ندب بقى… أنا فيا اللي مكفيني. قالت وهي تهز رأسها: –ندب؟ أنا بحاول أفوقك. زمان قالوا: اللي يصعب عليك يفقرك. وقف ناصر فجأة وقال: –يعني أخلع الرحمة من قلبي؟ يعني أتفرج على أخويا وهو بيموت وما أساعدوش؟ ثم سكت لحظة، وامتلأت

عيناه بالحزن قبل ما يقول: –اسمعيني كويس… لو كان ليكي أخ، وحصله نص اللي حصل لعبد الله، وكنتِ تقدري تساعديه، كنتِ هتعملي إيه؟ أنا هافضل جنب أخويا لآخر نفس فيه… حتى لو هافضل من غير لقمة آكلها. ثم أكمل بصوت مكسور: –وكفاية كلام عليه بقى… ارحمي ضعفه شوية. ودخل أوضته وأغلق الباب بعنف. صرخت حميدة من وراه: –صدقني… عبد الله ده لو مات، كلنا هنرتاح! اتجمد ناصر مكانه للحظة، ثم قال وهو بيبص للسقف:

–يا رب… اللي يكره له الخير، ما يشوفوش أبدًا. وأغلق الباب خلفه. لكن اللي ما كانوش يعرفوه… إن عبد الله كان واقف برا الشقة طول الوقت، سامع كل كلمة. كانت الدموع نازلة على خده في صمت مؤلم. إيده على قلبه وقال لنفسه: –أنا بقيت حمل تقيل على كل اللي حواليا… حتى أقرب الناس ليا. ثم رفع عينيه للسماء وقال بصوت مرتعش: –يا رب… ريحني.

كان جاي عند ناصر عشان يقعد معاه شوية، لأنه ما بقاش قادر يرجع شقته. الشك كان بياكل قلبه… وكان مقتنع إن إلهام باعت نفسها لسامي عشان توفر له العلاج. لف ورجع من غير ما يخبط على الباب. نزل الشارع وهو تايه، يمشي بلا هدف، بلا مكان يروحه، وبلا أمل. الساعات عدّت، والتعب بدأ ينهش في جسمه من جديد. مفعول المسكن خلص، والدوخة رجعت أقوى من الأول. وقبل ما يقع في الأرض، شاور لتاكسي. وقف التاكسي بسرعة، وركب عبد الله في المقعد الخلفي.

التفت السواق ناحيته وقال: –رايح فين يا أستاذ؟ بص عبد الله من الشباك للحظة طويلة، ثم قال بصوت خافت مليان وجع: –وديني أي مكان… أي مكان بعيد. —وبعد ثلاث ساعات… رجعت إلهام للشقة بعد ما دورت عليه عند ناصر وعند أصحابه وكل الأماكن اللي ممكن يكون راحها. فتحت الباب بسرعة وهي معاها بنتها حنان. أول ما دخلت صرخت: –عبد الله! … عبد الله إنت رجعت؟ جريت على كل أوضة في الشقة، وقلبها بيتقطع من الخوف. لكن الشقة كانت فاضية.

رجعت لحنان وقالت بقلق: –أبوكي من ساعة ما خرج من المستشفى ما رجعش البيت، ولا راح عند عمك ناصر. تفتكري راح فين؟ ردت حنان ببرود غريب: –هيكون راح عند واحد من صحابه… متخافيش عليه. استغربت إلهام وقالت: –إنتِ مالك باردة كده؟ وكأن الموضوع مش فارق معاكي! قالت حنان وهي متجهة لأوضتها: –أنا تعبانة يا ماما… داخلة أنام. دخلت الأوضة وقفلت الباب.

وقفت قدام المراية، وأخرجت السلسلة الذهب اللي سامي كان اداها لها، ولبستها وهي بتبتسم بإعجاب. وفجأة تردد في أذنها صوته: –أحلى سلسلة لأحلى بنت في الدنيا كلها. وفي اللحظة دي دخلت إلهام الأوضة فجأة وقالت: –حنان… أنا نازلة أدور على أبوكي في المستشفيات. تيجي معايا؟ اتخضت حنان وخلعت السلسلة بسرعة وخبتها في إيدها. لكن إلهام لاحظت. اقتربت منها وقالت بشك: –بتخبي إيه في إيدك؟ ردت حنان بتوتر:

–هو إنتِ مش المفروض تخبطي قبل ما تدخلي؟ قالت إلهام بحدة: –أخبط؟ من إمتى الكلام ده؟ –من يوم ما كبرت. ابتسمت إلهام بسخرية وقالت: –كبرتي أوي كده؟ ثم أمسكت يدها بالقوة. حاولت حنان تقاوم، لكن إلهام فتحت كفها بالعافية. وفجأة ظهرت السلسلة الذهب. تجمدت ملامح إلهام. وقالت بصوت مخيف: –جبتي السلسلة دي منين؟ ارتبكت حنان: –دي… دي… فجأة نزل القلم على وشها. –انطقي! وبعد ثوانٍ قليلة، حكت حنان كل حاجة. كل كلمة قالها سامي.

كل مقابلة بينهم. كل الهدايا. وكل الأسرار. كانت إلهام بتسمع، والغضب بيزيد جواها لحظة بعد لحظة. قبضت على السلسلة بقوة حتى كادت تكسرها وقالت: –برضه سامي… مش ناوي يسيبني في حالي. ثم نظرت أمامها بعينين مليئتين بالغضب: –حسابك تقل معايا أوي يا سامي… بس ألاقي عبد الله الأول، وأطمن عليه… وبعدها هيكون ليا معاك حساب تاني خالص. —وبعد أسبوع كامل… داخل أحد المستشفيات، كانت إلهام واقفة ومعاها ناصر. ملامحها شاحبة من السهر والبكاء.

وقالت وهي تكاد تنهار: –وآخرتها إيه يا ناصر؟ أسبوع كامل بندور على عبد الله… في المستشفيات والأقسام وكل مكان… وكأنه فص ملح وداب. حاول ناصر يهديها: –إن شاء الله هيكون بخير. مسحت دموعها وقالت: –أنا خايفة يكون جراله حاجة… ويموت وهو فاكر إني خونته. خفض ناصر رأسه في صمت. ثم قالت بحزن: –مش عارفة أعمل إيه… عبد الله ضايع، وحنان بقت مستعدة تعمل أي حاجة عشان تجيب اللي نفسها فيه. تنهد ناصر وقال:

–حنان محتاجة حد يحتويها قبل ما تضيع منكم. ثم أكمل: –وربنا يسهل ونلاقي عبد الله الأول… وبعدها يبقى لكل حادث حديث. رفعت إلهام عينيها للسماء والدموع تلمع فيهما، وهمست: –إنت فين يا عبد الله؟ … وسايبني لوحدي ليه؟ ومرّ على اختفاء عبد الله حوالي ستة شهور كاملة، واتبدلت أحوال كل الناس اللي كانوا يعرفوه.

الباشمهندس يحيى اتصل بالشيخ ناصر أكتر من مرة، وطلب منه يرجع الشغل تاني. والغريب إنه ما رجعوش عامل عادي زي الأول، لأ… ده رقّاه وبقى المشرف بدل أسامة، في خطوة غريبة جدًا خلت ناصر محتار ومش فاهم سبب الكرم المفاجئ ده. أما إلهام، فكان كل أول شهر يوصلها مبلغ خمسة آلاف جنيه من شخص مجهول. حاولت تعرف مين اللي بيبعت الفلوس دي، لكن من غير أي فايدة.

وبالنسبة لحنان، فمع مرور الأيام بدأت تنسى إن ليها أب أصلًا. فرحت بالفلوس والحياة الجديدة، واتعرفت على شاب من عيلة غنية جدًا. تعلقت بيه بسرعة، ولما إلهام رفضت الجواز قبل ما يعرفوا مصير عبد الله، دخلت حنان في خناقات ومشاكل كتير مع أمها. وفي النهاية، اتجوزت الشاب من ورا أمها رغم إنها كانت لسه قاصر، وانتقلت تعيش معاه في فيلته الفخمة، وكانت حاسة إنها ملكت الدنيا كلها… غير عابئة بغضب أمها أو دموعها. —وفي صباح أحد الأيام…

سمعت إلهام خبط على باب الشقة. فتحت الباب، ولقت محضر من القسم واقف قدامها. سألها: –هنا بيت السيدة إلهام حافظ السيد؟ ردت باستغراب: –أيوه، أنا إلهام… خير؟ لقيتوا جوزي؟ خفض المحضر عينيه وقال: –جوزك يا ست إلهام بعتلك ورقة طلاق. وكأن صاعقة نزلت فوق رأسها. ناولها قسيمة الطلاق. إيدها بدأت ترتعش وهي بتقرا اسم عبد الله وتوقيعه. وقّعت للمحضر على الاستلام، وأول ما مشي، انهارت على الأرض وهي تبكي بحرقة. وقالت وسط دموعها:

–يعني بعد كل ده يا عبد الله؟! –‏ أنا استنيتك ست شهور… كل يوم أفتح الباب على أمل ترجع. –‏ كنت بدعي ربنا أطمن عليك ولو حتى لدقيقة. –‏ وفي الآخر تبعتلي ورقة طلاق؟! ثم احتضنت الورقة وهي تبكي: –أنا استاهل منك كل الوجع ده؟ –‏ حرام عليك يا عبد الله… –‏ حرام عليك يا واجع قلبي… —وفي نفس الليلة… داخل مزرعة كبيرة ومعزولة في الفيوم… كان عبد الله جالس وسط حديقة واسعة، وقد استعادت ملامحه جزءًا كبيرًا من عافيته.

بجانبه كان يجلس سامي والدكتور صادق. ابتسم سامي وقال: –مبروك يا عبد الله… حالتك بقت مستقرة بنسبة تمانين في المية، والفيروس سيطرنا عليه تمامًا. فاضل جرعة واحدة بس، وبعدها هتبقى سليم مية في المية. سأل عبد الله: –والجرعة دي هاخدها إمتى؟ رد الدكتور صادق وهو ينظر إلى سامي: –لما تنفذ اللي الدكتور سامي هيطلبه منك. ابتسم سامي وقال: –أنا عملت اللي عليا… دلوقتي جه دورك تعمل اللي عليك. سكت عبد الله لحظة ثم قال:

–قبل ما أوافق على أي حاجة… عايز أعرف إنت عرفت إزاي إني مريض؟ ضحك سامي وقال: –هيفرق معاك؟ –أيوه… هيفرق. تنهد سامي وقال: –المهم تعرف إن إلهام ما قالتليش حاجة. فلمعت عينا عبد الله فجأة وقال بلهفة: –بجد؟! أومال عرفت منين؟ قال سامي: –إلهام هي السبب… بس بشكل غير مباشر. عقد عبد الله حاجبيه وقال: –مش فاهم. فأكمل سامي: –في ليلة من الليالي، إلهام راحت قصري بنفسها. كانت شايلة تحاليل وأوراق طبية. كاميرات المراقبة صورتها.

–‏ ولأنها أصلًا كانت بتكرهني، استغربت وجودها عندي. –‏ فخليت رجالي يراقبوها ويعرفوا هي كانت جاية ليه. وسكت لحظة قبل أن يكمل: –وعرفت إنها كانت بتدور على أي دكتور ينقذك. –‏ ساعتها كلمت الدكتور صادق، وبعتّه على عنوان حماتك، وطلبت منه ما يقولش إنه جاي من طرفي. اتسعت عينا عبد الله وامتلأتا بالدموع. وقال بصوت مكسور: –يعني… إلهام بريئة؟ –‏ يعني ظلمتها؟ رد سامي: –بريئة فعلًا… –‏ لكن خلاص، هيفيدك بإيه تعرف الحقيقة دلوقتي؟

انخفض رأس عبد الله في حزن شديد. فقال سامي: –عايز تعرف حاجة تانية؟ أجاب عبد الله بمرارة: –أي حاجة تانية أعرفها دلوقتي ملهاش معنى. ابتسم سامي ابتسامة غامضة وقال: –يعني جاهز ننفذ اتفاقنا؟ رفع عبد الله رأسه وقال: –جاهز. فتح سامي الحقيبة التي أمامه وأخرج عدة أوراق. ووضعها أمام عبد الله قائلًا: –أول حاجة… تطلق إلهام. تنهد عبد الله بحزن: –خلاص… طلقتها. وزمان الورقة وصلت لها. ابتسم سامي ووضع ورقتين أخريين أمامه.

–ممتاز… يبقى فاضل تمضي على دول. أخذ عبد الله الورقتين وبدأ يقرأ. وفجأة تغير لون وجهه. وقال بصدمة: –إيه ده؟! ثم قرأ بصوت مرتعش: –اعتراف إني قتلت واحدة اسمها لميس خالد الحديدي… –‏ والورقة التانية عقد جواز بتاريخ قديم لنفس الست! ورفع عينيه نحو سامي وقال: –أنا مش فاهم حاجة! اعتدل سامي في جلسته وقال ببرود: –ومش لازم تفهم. ثم أكمل: –إنت جيتلي من ست شهور والمرض كان بيقتلك. –‏ كنت بتبوس إيدي ورجلي عشان أنقذك.

–‏ واتفقنا إن أنا أعالجك… مقابل إنك تنفذ أوامري. وأشار بإصبعه نحوه وقال: –ولو رفضت… الجرعة الأخيرة مش هتاخدها. –‏ وساعتها الفيروس هيرجع ينشط من جديد، ومش هتعيش كتير. ابتلع عبد الله ريقه بصعوبة وقال: –بس إحنا اتفقنا إني أبعد عن إلهام وبس. –‏ وإني أسيب حياتها. –‏ وأنت وعدتني ترجّع ناصر شغله وتساعد حنان. –‏ وده حصل فعلًا. ثم أكمل: –لكن ما اتفقناش إني أتجوز واحدة… –‏ ولا أشيل قضية قتل! ابتسم سامي ابتسامة مرعبة وقال:

–ومين قالك إنك هتقتل؟ نظر له عبد الله باستغراب شديد: –أومال الاعتراف ده معناه إيه؟ اقترب سامي منه وقال بهدوء مخيف: –معناه إن لميس هتموت… –‏ بس مش على إيدك. شهق عبد الله وقال: –يعني حد تاني هيقتلها… –‏ وأنا أشيل الجريمة؟ ابتسم سامي وقال: –بالضبط. وقف عبد الله مذعورًا: –دي قضية إعدام! وهنا انفجر سامي في الضحك. وقال وهو ينظر إلى عبد الله والدكتور صادق: –الحكومة عمرها ما هتعدم واحد ميت… تجمد عبد الله في مكانه.

واتسعت عيناه من الرعب. أما الدكتور صادق، فبدا عليه الذهول هو الآخر. بينما استمر سامي في الضحك… ضحكة طويلة… باردة… ومرعبة… وكأنها كانت بداية كارثة أكبر بكتير مما يتخيل أي حد… ــــــــــــــــــ انتهت الحلقة… فهل عبد الله وقع في فخ أكبر من مرضه؟ ومن هي لميس خالد الحديدي؟ ولماذا يريد سامي أن يجعل عبد الله ميتًا على الورق؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...