أنا عبد الله البحراوي، عندي 45 سنة، خريج كلية آداب، لكن شغال نجار مسلح على قد حالي. يوم أشتغل ويومين أقعد من غير شغل، والحال زي ما ربنا كاتبه.
عندي أخ أكبر مني اسمه الشيخ ناصر، شغال في شركة مقاولات، وحياته مستقرة أكتر مني بكتير. أما أنا، فمتجوز بنت خالتي إلهام… أجمل بنت في العيلة كلها. والله ما ببالغ لو قلت إن كل اللي كان يشوفها كان يحسدني عليها. مش بس عشان جمالها، لكن عشان قلبها الطيب وحبها ليا. كانت ست جدعة، شايلة البيت معايا ومستحملة قسوة الأيام من غير ما تشتكي.
وربنا رزقنا ببنت واحدة اسمها حنان، في تالتة ثانوي. حنان كانت نسخة من أمها، الخالق الناطق. لدرجة إن أي حد شاف إلهام وهي في عز شبابها، أول ما يشوف حنان يقول: “دي إلهام وهي صغيرة!”… نفس الملامح، نفس العيون، وحتى نفس الابتسامة.
لكن حنان كان جواها تمرد كبير. كانت رافضة عيشتنا، وحاسة إن الدنيا ظلمتها. كانت دايمًا تتمنى تبقى في مكانة أعلى، تلبس أحسن لبس، وتسكن في بيت أحسن، وتعيش الحياة اللي كانت شايفاها عند غيرها.
وأهو الحمد لله، كنا عايشين ومستوريين، لكن المصاريف كانت تقيلة، والفلوس قليلة، وشغل اليومية كان دايمًا مخلي الحزن والهم قاعدين معانا على السفرة من غير استئذان.
ومش باعترض على قدر ربنا أبدًا، لكن الحرمان وحش… وحش أوي.
أنا من يوم ما فتحت عيني على الدنيا وأنا محروم من حاجات كتير. كل ما أحلم بحاجة، تروح مني قبل ما أوصلها. وكل ما أمد إيدي للفرحة، ألاقيها بتبعد عني خطوة.
لكن مهما كانت الظروف صعبة، ومهما كان الفقر قاسي، ده كله ما كانش مبرر ليا إني أعمل الغلطة اللي عملتها…
غلطة واحدة بس…
غلطة خلت حياتي تتحول لجحيم، وفتحت عليا أبواب ما كنتش أتخيل إنها موجودة.
غلطة خلتني أعقد صفقة مع شيطان…
صفقة دفعت تمنها أنا، ودفعتها مراتي، وبنتي، وكل اللي كانوا حواليا.
عايزين تعرفوا إيه اللي حصل؟
تعالوا أحكيلكم الحكاية من أولها…
الهام واللي كان
من تاليفي.
محمد منصور. منص
وقبل ما نبدأ الحلقة نوحد الله ونصلي علي خير خلق الله سيدنا محمد. وعلي بركة الله نبدأ
بسم الله توكلت علي الله. وهو رب العرش العظيم
وفي أول يوم من رمضان…
ومن داخل شقة أخويا الكبير الشيخ ناصر، اللي كان ساكن في نفس الشارع اللي ساكن فيه، كانت دايرة خناقة بينه وبين مراته حميدة.
وقالت حميدة وهي متضايقة:
– هو إحنا لازم كل أول يوم رمضان نروح نفطر عند أخوك؟ وكمان ناخد أكلنا معانا؟
ناصر بهدوء:
ما إنتِ عارفة إن عبد الله نفسه عزيزة، ومبيرضاش ييجي يفطر عندنا عشان مش هيقدر يرد العزومة
حميدة بضيق:
– يبقى خلاص بلاش نروح له. إحنا أولى بكل جنيه بيتصرف. إنت عندك بنت على وش جواز، والمصاريف مالية الدنيا.
ناصر وقد بدأ الغضب يظهر في صوته:
– حميدة، أنا حر في فلوسي. وعبد الله ده أخويا الوحيد، وظروفه صعبة. ده لو بإيدي كنت أفطره كل يوم في بيتي.
حميدة بسخرية:
– أهو ده اللي إنت شاطر فيه! لا وكمان بتحارب عشان تنزله يشتغل معاك في الشركة.
ناصر باستغراب:
– وفيها إيه دي كمان؟ هو إنتِ مش عايزاني أشغله معايا ليه؟
حميدة:
– عشان يعرف إنت بتقبض كام، ويبص في القرش اللي داخل بيتنا.
ناصر وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
– يا شيخة حرام عليكي… عبد الله مش كده.
حميدة بحدة:
– لا كده… وأبوه كان كده.
شعر ناصر بالضيق، وأخذ نفسًا طويلًا وقال:
– اللهم إني صايم…
ثم أكمل:
– طيب ممكن تلمي الدور ده وتكملي تجهيز الأكل؟ المغرب قرب يأذن.
حميدة بتكشيرة واضحة:
– حاضر.
ناصر محاولًا تلطيف الجو:
– يا شيخة افردي وشك شوية… ده أول يوم رمضان.
لكنها اكتفت بنظرة ضيق ولم ترد.
—
وفي نفس الوقت…
داخل شقتي البسيطة جدًا، كنت أنا وإلهام وحنان قاعدين مستنيين أذان المغرب.
وكان قدامنا تلات أكواب بلح منقوع في المية، وطبق صغير فيه جبنة وطماطم.
بصت حنان للأكل، وبعدين بصت لأمها وقالت بضيق:
– يعني ينفع كده؟ أبقى صايمة طول اليوم، وفي الآخر أفطر على جبنة بطماطم؟ كان فيها إيه لو كنا فطرنا أول يوم رمضان فراخ زي الناس؟
بصيت لإلهام، ولقيت الحزن مالي عينيها، فحاولت أبتسم لبنتي وقلت:
– إن شاء الله ربنا يكرمني بشغلانة كويسة، وأجيب لك كل اللي نفسك فيه.
حنان هزت كتفها وقالت:
– إمتى بس؟!
ثم أكملت وهي تنظر ناحية الباب:
– وعمي ناصر؟ مش كان كل سنة بييجي أول يوم رمضان ومعاه أكل حلو؟ مجاش ليه السنة دي؟
وفجأة…
اتسمع صوت خبط على الباب.
ابتسمت إلهام رغم تعبها وقالت:
– بتسألي على عمك؟ أهو جه.
قامت بسرعة وفتحت الباب.
فدخل ناصر ومعاه مراته حميدة وبنته.
وبعد السلام والترحيب، حط ناصر الأكل اللي كان شايله على الترابيزة.
وفور ما الغطا اتشال، ظهرت صواني الفراخ المحمرة، والأرز، والبطاطس المحمرة.
وفي اللحظة دي لمعت عيون حنان من الفرحة، بينما شعرت أنا بغصة في قلبي.
بصيت للأكل وبعدين بصيت لأخويا وقلت بحرج:
– يا أخي… مش هتبطل تتعب نفسك كل سنة وإنت جاي لنا؟
ناصر ابتسم وربت على كتفي وقال:
– هازعل منك والله.
ثم أشار ناحية الأكل وأكمل:
– وبعدين دي حاجة بسيطة. ومية مرة أقولك: أوعى تتكلم معايا في أي حاجة أجيبها ليك. اليوم اللي هتفتح فيه الموضوع ده تاني، والله ما هدخل بيتك بعدها.
سكتُّ وأنا باصص لأخويا…
وفي اللحظة دي حسيت قد إيه ربنا رزقني بأخ سند، حتى لو الدنيا كلها ضاقت بيا.
فرحت حنان أول ما شافت الأكل، وبصت لعَمّها ناصر وهي مبتسمة وقالت:
– أهو ده الفطار بجد! أنا مش عارفة ليه ما طلعتش إنت اللي بابا!
في اللحظة دي، حس عبد الله إن الكلمة نزلت على قلبه زي السكينة.
بصلها بابتسامة مكسورة وقال:
– اعتبريني أبوكي يا حبيبتي…
سكتت حنان، بينما ناصر لمح الحزن اللي ظهر فجأة في عيون أخوه، فقال بحزم:
– اسمعي يا حنان، لو لفيتي الدنيا كلها من أولها لآخرها، مش هتلاقي أب يحبك ويخاف عليكي زي أبوكي.
خفضت حنان رأسها، وحست إنها جرحت والدها من غير ما تقصد.
فقامت بسرعة ورمت نفسها في حضنه وقالت:
– طبعًا ده أحلى بابا في الدنيا كلها… بس برضه لو يجيب لنا فراخ كل شوية يبقى أحلى وأحلى!
ضحك الجميع، حتى عبد الله رغم الوجع اللي جواه، وضم بنته لصدره بحنان.
وفي نفس اللحظة ارتفع صوت أذان المغرب، ففطرت العيلتين وسط جو مليان بالمودة والمحبة.
—
وعدّى شهر رمضان…
بحلوه ومرّه.
وربنا كرمني عن طريق أخويا الكبير ناصر، وشغّلني معاه في شركة المقاولات اللي بيشتغل فيها.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت بشوية أمان.
بقى عندي مرتب ثابت آخر كل شهر، وعرفت أصرف على بيتي ومراتي وبنتي من غير ما أفضل طول الوقت قلقان من بكرة.
وكانت إلهام فرحانة، وحنان بدأت تطلب حاجات بسيطة وأقدر أجيبها لها.
لكن الفرحة ما كملتش…
بعد حوالي ست شهور من شغلي في الشركة، وفي يوم وأنا في الموقع، حسيت بدوخة شديدة. الدنيا اسودّت في وشي فجأة، ووقعت على الأرض.
آخر حاجة فاكرها كانت صوت أخويا ناصر وهو بينادي عليّا بخوف.
—
ولما فتحت عيني، كنت في المستشفى.
وبعد يوم كامل من التحاليل والأشعات، دخلت على الدكتور.
كان ماسك الأشعات في إيده، ووشه كله حزن وقلق.
بص لي وقال:
– بص يا عبد الله… عندك فيروس نادر جدًا إنه يصيب إنسان.
عبد الله باستغراب:
– فيروس إيه يا دكتور؟ أنا مش فاهم حاجة.
الدكتور تنهد وقال:
– الفيروس ده مع أي مجهود زيادة أو نشاط بدني، بيسبب لك دوخة شديدة وإرهاق حاد، وده اللي خلاك تقع في الشغل.
عبد الله:
– يعني إيه الكلام ده؟
الدكتور بص له مباشرة وقال:
– بالبلدي كده… إنت مش هتقدر تشتغل زي الأول. الوقوف لفترات طويلة أو أي مجهود هيبقى صعب جدًا عليك.
ثم أكمل بصوت هادئ:
– جسمك هيضعف تدريجيًا، وهيبقى عندك خمول شديد، وكمان ممكن يأثر على قدرتك على الأكل والشرب بشكل طبيعي.
اتجمد عبد الله في مكانه، وحس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
وقال بصوت مرتعش:
– يعني… يعني أصرف على بيتي منين؟ أنا راجل أرزقي، لو ما اشتغلتش يوم ما آكلش.
تأثر الدكتور بكلامه وقال:
– مع الأسف يا عبد الله… حالتك محتاجة راحة، والشغل بالشكل اللي كنت بتشتغله بيه بقى صعب جدًا.
نزلت دمعة من عين عبد الله رغمًا عنه وقال:
– يبقى الموت أرحم لي…
الدكتور بسرعة:
– استغفر ربك يا راجل. متقولش كده. كل مرض وليه علاج بإذن الله.
عبد الله تعلق بالأمل وقال:
– يعني فيه علاج؟
الدكتور:
– أيوة، فيه علاج، لكن علاجه طويل ومحتاج متابعة مع دكتور متخصص.
عبد الله بتردد:
– وهيتكلف كام؟
سكت الدكتور لحظة ثم قال:
– كتير… هيتكلف كتير جدًا.
أطرق عبد الله رأسه للحظات وكأن جبلًا سقط فوق صدره.
فقال الدكتور محاولًا رفع معنوياته:
– دلوقتي ما تفكرش في الفلوس. أهم حاجة تبدأ العلاج بسرعة قبل ما الحالة تتأخر.
هز عبد الله رأسه وقال بصوت خافت:
– إن شاء الله…
ثم نهض بصعوبة، وأخذ الأشعات والتحاليل من فوق المكتب، وخرج من العيادة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت أثقل من أن يحملها.
—
وفي نفس الوقت…
كانت إلهام واقفة في المطبخ بتحضر الغدا، بينما حنان قاعدة في أوضتها بتذاكر.
وفجأة سمعت إلهام صوت باب الشقة بيتفتح.
فقالت من المطبخ وهي مبتسمة:
– حمد الله على السلامة يا عبد الله.
لكن مفيش رد.
استغربت، ومسحت إيديها وخرجت من المطبخ.
فوجدت عبد الله قاعد على أقرب كرسي، وبيتنفس بالعافية، ووشه شاحب بشكل أخافها.
قربت منه بسرعة وقالت:
– ما رديتش عليا ليه؟ مالك يا عبد الله؟
رفع عينيه بصعوبة، وكان التعب مرسوم على كل ملامحه.
فجرت ناحيته إلهام وهي مرعوبة وقالت:
– عبد الله! مالك يا خويا؟ خوفتني عليك!
قال بصوت ضعيف متقطع:
– أنا… أنا بخير…
ثم أخذ نفسًا بصعوبة وأكمل:
– ساعديني بس… أدخل أوضتي…
وقبل ما يكمل كلامه، شعرت إلهام أن مصيبة كبيرة على وشك أن تدخل بيتهم…
فساعدته إلهام على النهوض، وأخذته ناحية أوضته. وبمجرد ما دخل، ارتمى على السرير وكأنه شايل جبال فوق كتافه.
جلست إلهام قدامه وهي ملاحظة الشحوب اللي مالي وشه، وقالت بقلق:
– خير يا عبد الله؟ الدكتور قالك إيه؟
ابتسم عبد الله ابتسامة باهتة وقال:
– الحمد لله على كل حال.
إلهام بلهفة:
– يعني إيه؟ ما تطمني يا راجل، قالك إيه؟
فسكت لحظة، ثم بدأ يحكيلها كل كلمة قالها الدكتور.
ومع كل كلمة كانت ملامح إلهام بتتغير، لحد ما دموعها نزلت غصب عنها.
وفجأة رمت نفسها في حضنه وقالت وهي بتبكي:
– معلش يا عبد الله… إن شاء الله هتخف وهتبقى أحسن من الأول.
بصلها عبد الله بحزن، ومد إيده يمسح دموعها وقال:
– مش باين عليها إني هاقوم منها على رجلي تاني.
شهقت إلهام وضمت وشه بين إيديها وقالت بسرعة:
– بعد الشر عليك! ما تقولش كده أبداً.
ثم حضنته بقوة وكأنها خايفة الموت يخطفه منها وقالت:
– ده أنا ما أقدرش أعيش يوم واحد من غيرك يا عبد الله.
وفي اللحظة دي دخلت حنان الأوضة.
فمسحت إلهام دموعها بسرعة، وابتعدت عن عبد الله علشان بنتها ما تحسش بحاجة.
وقالت حنان وهي داخلة:
– إيه يا بابا؟ إنت جيت إمتى؟
عبد الله حاول يبتسم وقال:
– لسه جاي حالاً يا حبيبتي.
جلست حنان قدامه وقالت:
– طيب… هات بقى العشرين جنيه.
عبد الله باستغراب:
– عشرين جنيه بحالهم؟ عايزاهم ليه؟
حنان بابتسامة واسعة:
– عشان طلعت الأولى في الامتحان اللي المستر عمله في الدرس. وإنت وعدتني لو طلعت الأولى هتديني عشرين جنيه، غير مصروفي طبعاً.
نظر إليها عبد الله طويلًا…
كأنه بيحفظ ملامحها جوه قلبه.
ثم فتح ذراعيه وضمها لحضنه فجأة، وبدأت دموعه تنزل رغمًا عنه.
وقال بصوت مكسور:
– هتوحشيني أوي يا حنان… خلي بالك من أمك.
ابتعدت حنان عنه وهي مستغربة:
– ليه يا بابا؟ إنت مسافر؟
تدخلت إلهام بسرعة وقالت:
– لا يا حبيبتي، بابا بيهزر معاكي بس. يلا روحي كملي مذاكرتك.
حنان بعناد طفولي:
– مش همشي غير لما آخد العشرين جنيه بتوعي.
إلهام بضيق وهي تحاول تنهي الموقف:
– روحي دلوقتي وأنا هاديكي اللي إنتِ عايزاه.
لكن عبد الله أمسك إيد بنته وقال:
– لا… محدش هيديكي العشرين جنيه غير أبوكي.
ثم أخرج آخر عشرين جنيه في جيبه.
آخر فلوس يملكها.
ونظر إليها للحظة قبل أن يعطيها لها.
أخذتها حنان وهي في منتهى السعادة، ثم قبلت رأسه وقالت:
– ربنا يخليك ليا يا أحسن أب في الدنيا.
وخرجت من الأوضة وهي فرحانة.
أما عبد الله فرفع عينيه للسقف وقال بصوت خافت:
– يارب…
—
جلست إلهام بجواره وقالت:
– لازم نشوف دكتور متخصص في المرض ده.
عبد الله بسخرية موجوعة:
– وهنجيب فلوس العلاج منين؟ الدكتور قال إن العلاج غالي جداً.
إلهام فكرت لحظة ثم قالت:
– هاروح لابن عمي سامي… أكيد يعرف حد يقدر يساعدنا.
وفجأة تغيرت ملامح عبد الله.
واشتعل الغضب في عينيه.
وقال بعصبية:
– إنتِ قولتي إيه؟ سامي؟!
إلهام:
– أيوه… سامي.
عبد الله بانفعال:
– لو سامي ده آخر راجل في الدنيا كلها، مستحيل تروحي تطلبي منه مساعدة.
تنهدت إلهام وقالت:
– هو إنت لسه مش قادر تنسى اللي حصل زمان؟
عبد الله بغضب:
– أنسى إيه؟! أنسى إني دخلت أتجوزك على إنك بنت بنوت، وفي ليلة الدخلة عرفت الحقيقة؟
إلهام أغمضت عينيها بألم وقالت:
– كفاية يا عبد الله… كفاية.
ثم أكملت ودموعها تنزل:
– أيوه… غلطت. وسلمت نفسي لسامي وأنا فاكرة إنه جوزي ومستقبلي. لكنه طلع أسوأ مما كنت أتخيل. ولما عرفت حقيقته طلبت الطلاق قبل الفرح بيوم واحد.
ثم نظرت له مباشرة وقالت:
– ولما حبيتك خفت أخسرك. عشان كده خبيت عليك الحقيقة.
وصمتت لحظة قبل أن تكمل:
– ولما عرفت كل حاجة، إنت اللي اخترت تسامحني وتكمل معايا. ومن يومها وأنا عايشة معاك على الحلوة والمرة، وعمري ما اشتكيت.
ثم أمسكت يده وقالت:
– وأنا دلوقتي مش رايحة لسامي عشان نفسي… أنا رايحة عشان أنقذك.
عبد الله أدار وجهه بعيدًا.
لكنها أكملت:
– سامي بقى غني جداً وعلاقاته واسعة. يمكن يقدر يوصلنا لدكتور أو يساعدنا في العلاج.
ثم ارتمت في حضنه وهي تبكي:
– أنا مش هقف أتفرج عليك وإنت بتضيع من بين إيديا. أنا بحبك يا عبد الله… وعايزاك تكمل معايا بقية عمري.
فتح عبد الله فمه ليتكلم.
لكنها وضعت يدها على شفتيه وقالت:
– ما تقولش حاجة.
ثم أكملت:
– أنا هاروح لسامي ومعايا أمي. مش هكون لوحدي. لو قدر يساعدنا يبقى خير وبركة، ولو ما قدرش هنشوف طريق تاني.
وأخذت نفسًا عميقًا وقالت:
– بس أهم حاجة… إنك تفضل معايا.
نظر إليها عبد الله طويلًا ثم قال:
– مهما حصل… أشرف لي أموت، ولا أمد إيدي لمساعدة من واحد زي سامي.
إلهام مسحت دموعها وقالت باستسلام:
– خلاص… اللي إنت عايزه. بس أنا مش هبطل أدور على علاج ليك.
—
وبعد أسبوع…
كانت حالة عبد الله بتسوء يوم بعد يوم.
أما الشيخ ناصر، فكان بيلف ويسأل هنا وهناك عن دكتور شاطر تكون مصاريفه معقولة.
وفي يوم…
كان قاعد في شقة عبد الله مع إلهام ووالدتها إحسان.
وقالت إلهام برجاء:
– يا ناصر… صدقني ده الحل الوحيد.
ناصر تنهد وقال:
– ما أنا اتكلمت مع عبد الله في الموضوع ده. لكنه رافض تمامًا. إنتوا عارفين دماغه ناشفة قد إيه.
إحسان هزت رأسها وقالت:
– بصراحة يا ابني، أخوك مش شايف مصلحته.
ناصر:
– يمكن… بس ده أخويا، وهو موصيني بحاجة ولازم أحترم رغبته.
إلهام بإصرار:
– يبقى مفيش حل غير إني أروح لسامي من وراه وأخليه يساعدنا.
ناصر بسرعة:
– أوعي تعملي كده. لو عبد الله عرف، هتبقى مصيبة ومشكلة إحنا في غنى عنها.
إلهام بانهيار:
– أعمل إيه طيب؟! أسيبه يموت قدام عيني؟!
ثم أكملت وهي تبكي:
– ده بقى لا بياكل ولا بيشرب زي الناس. كل يوم بيضعف أكتر من اللي قبله.
سكت ناصر للحظات، ثم قال بحزم:
– لا… إن شاء الله هلاقي حل.
ثم أدخل يده في جيبه، وأخرج مبلغًا من المال، ومده لإلهام.
– خدي الفلوس دي وخليها معاكي.
أخذتها إلهام بخجل وقالت:
– والله يا ناصر إنت متعب نفسك معانا أوي.
ابتسم ناصر وقال:
– عيب عليكي الكلام ده.
ثم نظر ناحية أوضة أخوه وقال:
– ده أخويا الوحيد… ولو ما وقفتش جنبه في شدته، أبقى ما استاهلش إنه يناديني أخوه.،،،،
ومر شهر كامل…
وكانت حالة عبد الله بتسوء بشكل مخيف.
كل يوم كان بيخس أكتر من اليوم اللي قبله، ووشه بقى شاحب، وعينيه غرقانة في التعب والوجع.
أما إلهام وناصر، فكانوا بيلفوا على الدكاترة والمستشفيات في كل مكان.
وكل ما يلاقوا دكتور متخصص في مرض عبد الله، كانت الصدمة تبقى في تمن العلاج.
أرقام كبيرة فوق طاقتهم بكتير.
ولأجل عبد الله، باعت إلهام تقريبًا كل حاجة ليها قيمة في الشقة.
باعت دهبها…
وباعت الأجهزة اللي تقدر تستغنى عنها…
وحتى الحاجات اللي كانت فاكرة إنها مستحيل تفرط فيها.
لكن رغم كل ده، الفلوس كانت بتخلص، وحالة عبد الله كانت بتسوء أكتر.
—
وفي يوم…
كان عبد الله نايم بعد نوبة تعب شديدة.
اقتربت منه إلهام وهي تتأمل ملامحه المنهكة.
كانت بتبص له وكأنها خايفة تكون دي آخر مرة تشوفه بالشكل ده.
ثم انحنت وقبّلت رأسه في هدوء.
وأخذت الأشعات والتحاليل الخاصة بيه.
وبصت ناحية حنان وقالت:
– خلي بالك من أبوكي يا حبيبتي لحد ما أرجع.
حنان بقلق:
– رايحة فين يا ماما؟
إلهام حاولت تبتسم وقالت:
– مشوار صغير وهارجع على طول.
ثم خرجت من الشقة.
—
وبعد وقت قصير…
كانت واقفة قدام قصر سامي.
قصر ضخم وفخم، يختلف عن بيتها البسيط زي الفرق بين السما والأرض.
رفعت عينيها تتأمل القصر للحظات.
وفي قلبها ألف صراع.
صراع بين كرامة جوزها…
وبين خوفها عليه.
صراع بين وعد قطعته لعبد الله…
وبين خوفها من إنها تصحى يوم وتلاقيه مات بين إيديها.
تنهدت بحسرة وقالت بين نفسها:
– الله يلعن الظروف اللي حوجتني لواحد زيك يا سامي.
ثم مسحت دموعها بسرعة.
واتجهت ناحية الباب الكبير.
مدت إيديها وهي مترددة.
كان لسه قدامها فرصة ترجع.
ترجع بيتها وتحترم رغبة جوزها.
أو تدخل…
وتكسر الوعد اللي ادته لعبد الله.
وقفت للحظات طويلة…
وقلبها بيدق بعنف.
كأنها واقفة على باب هيغير حياتها كلها.
ثم وضعت يدها على الجرس…
وأغمضت عينيها… وقررت اية بقي
تفتكرو هتدخل وتفتح ابواب الجحيم عليها وعلي عيلتها ولا هترجع مكان من جت
الصح تعمل اية
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!