في زمن من الأزمنة القديمة… زمن كانت فيه الأرض بتتنفس سحر، والليل مليان أسرار، والجن بيمشوا بين البشر من غير ما حد يحس بيهم.
كان اللؤلؤ والمرجان هم عملة المملكة، وكان السحرة والعرافين أصحاب مكانة لا تقل عن مكانة الأمراء والوزراء.
في الزمن ده، اتولد طفل اسمه حسان…
حسان بن ورد الزمان.
رغم إن أبوه الحقيقي كان الملك غيور، ملك المملكة كلها، إلا إن قوانين المملكة كانت غريبة وقاسية.
كانت ورد واحدة من جواري الملك المفضلات، ولما خلفت ولد، اتفرض عليها تسيب القصر فورًا.
ومن عادات المملكة إن ابن الجارية يتنسب لأمه، ويعيش بعيد عن القصر لحد ما يتم عشرين سنة كاملة.
وساعتها بس… الملك يعترف بيه قدام الناس كلها.
ولو كان أكبر أولاده الذكور…
يبقى هو الوريث الشرعي للعرش.
خرجت ورد من القصر وهي شايلة ابنها الرضيع اللي لسه مكملش يومين.
وفي نفس اللحظة، خرجت معاها أختها وعد.
وعد كانت جارية عند الأمير عدنان، أخو الملك غيور.
لكن حظها كان مختلف…
خلفت بنت اسمها راهشان.
وقوانين المملكة كانت أرحم على اللي تخلف ولد، وأقسى على اللي تخلف بنت.
فالجارية اللي تجيب بنت بتخرج من القصر للأبد…
من غير أي أمل في الرجوع.
وفي نفس ليلة ولادة ورد ووعد…
ولدت الأميرة جولنار، زوجة الأمير عدنان، ولدًا أطلقت عليه اسم ساهر.
ومن هنا…
بدأت الحكاية.
—
القلم
ورد وكهف الغريب
تأليف
محمد منصور
منص
وقبل ما نبدأ…
نوحد الله ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ.
وعلى بركة الله نبدأ.
بسم الله توكلت على الله، وهو رب العرش العظيم.
—
رغم إن ورد ووعد كانوا أخوات من نفس الدم…
إلا إن الكره كان ساكن بينهم من سنين.
ومن يوم ما دخلوا قصر الملك غيور، بقت كل واحدة فيهم عدوة للتانية.
والسبب؟
الحب…
الاتنين حبوا الملك غيور.
لكن قلب الملك اختار ورد.
ومن يومها والنار ولعت جوا قلب وعد.
خصوصًا لما ورد بقت الجارية المقربة للملك، وخلفت منه ولد.
أما هي…
فخلفت بنت.
واتكتب عليها تعيش باقي عمرها برا أسوار القصر.
وهي اللي كانت بتحلم إن ابنها يبقى ملك المملكة يومًا ما.
ومع خروج الأختين من القصر…
بدأ القدر يحرك أول خيوط لعبته.
—
أمام البوابة الكبرى للقصر الملكي…
وقفت ورد وهي ضامة حسان لصدرها.
ووقفت وعد جنبها شايلة راهشان.
رفعت وعد عينيها للقصر العملاق، والدموع متحجرة جواها.
وقالت لنفسها بحسرة:
“ياااه… لو كنت خلفت ولد… كان زماني هرجع هنا تاني، وابني يبقى ملك بعد غيور.”
وفجأة سمعت صوت ورد بيقول بسخرية خفيفة:
“ملي عينك من القصر كويس… أصل شكلك مش هتشوفيه تاني.”
التفتت وعد ناحيتها.
وكان في عينيها شر مخيف.
وقالت:
“ماتفرحيش أوي كده… اللي في حضنك لو مات… إنتِ كمان عمرك ما هترجعي القصر.”
شهقت ورد وضمت حسان أكتر لصدرها.
وقالت بخوف:
“اسكتي… ربنا يحفظه ويخليهولي.”
ابتسمت وعد ابتسامة شيطانية.
وقالت:
“نفسي أقول آمين… بس الدعوة دي مش هتتقبل.”
ثم قربت منها وهمست:
“ابنك هيموت يا ورد…”
ونظرت لكفيها.
“وعلى إيديا أنا.”
اتسعت عينا ورد من الرعب.
“إوعي تفكري تقربي من ابني!”
ضحكت وعد ضحكة باردة خلت جلد ورد يقشعر.
وقالت:
“أنا مش هقرب منه…
هو اللي هييجي لحد عندي بنفسه…
وهيتمنى رضاي.”
ثم نظرت لطفلتها راهشان.
ومسحت على شعرها.
وقالت بصوت مليان حقد:
“وبكرة تفكري كلامي…
لما راهشان تبقى الطُعم اللي أصطاد بيه حسان.”
ثم اقتربت أكثر وهمست:
“وقبل ما ترجعي القصر بيوم واحد…
هكون خلصت عليه.”
وسابت أختها ومشت.
أما ورد…
ففضلت واقفة مكانها.
ضامة ابنها بقوة.
وقلبها بيتآكل من الخوف.
كأنها سمعت نبوءة مش مجرد تهديد.
—
وفي أعلى القصر…
كان الملك غيور واقف خلف نافذة حجرته.
بيتابع ورد وهي بتبتعد.
وقال بحزن:
“هتوحشيني يا ورد الزمان…”
ثم تنهد بحرقة.
“لولا قوانين المملكة…
ما كنتش خرجتك من القصر أبدًا.”
وقف الوزير خاطر خلفه وقال بسرعة:
“مولاي… إوعى حد يسمعك بتقول الكلام ده.”
رد غيور:
“بحبها يا خاطر.”
وسكت لحظة.
“ومش عارف هعيش من غيرها إزاي.”
ارتبك خاطر وقال:
“الكلام ده خطر يا مولاي.”
التفت له غيور بعصبية:
“زهقت من القوانين دي!”
وضرب بيده على حافة النافذة.
“قوانين ما بتعرفش يعني إيه قلب راجل بيعشق ست!”
قال خاطر:
“الحب مش مكتوب للملوك.”
صرخ غيور:
“قبل ما أكون ملك…
أنا إنسان!”
—
وفي الجناح الآخر من القصر…
كان الأمير عدنان واقف عند نافذته هو كمان.
وبيتابع ورد وهي بتختفي في الأفق.
وهمس لنفسه:
“اشتياقي ليكي هيزيد يا ورد الزمان…”
ثم أغمض عينيه.
“ولو كان بإيدي…
كنت خدتك بعيد عن الدنيا كلها.”
لكن فجأة سمع صوت زوجته جولنار خلفه.
“هتوحشك… صح؟”
اتجمد مكانه.
والتفت لها بسرعة.
لتبدأ بينهما مواجهة أشد خطورة من أي معركة بالسيوف.
لأنها كانت معركة غيرة…
ومؤامرة بدأت تتشكل في الظلام.
مؤامرة هتكون سبب في دماء كتير.
—
وبعد ساعات…
هبط الليل على المملكة.
لكن الليل ده ما كانش عادي.
كانت السماء سوداء بشكل غريب.
والنجوم مختفية.
وكأن مخلوقات الظلام مستنية حاجة هتحصل.
بكى حسان من شدة الجوع.
وكانت ورد مرهقة وجائعة.
وفجأة…
ظهر قدامها كهف غريب.
فوهته ضخمة.
وحوله رموز محفورة في الصخور بتلمع بلون أزرق مخيف.
كأنها مكتوبة بنار الجن.
شعرت ورد بالخوف.
لكن بكاء حسان كان أقوى من خوفها.
فدخلت الكهف.
وبعد خطوات قليلة…
تجمدت في مكانها.
لأنها شافت رجلًا مقطوع القدمين.
وعيناه مفقوءتان بطريقة مرعبة.
لكن الغريب…
إن حواليه طعام يكفي جيش كامل.
وجرار ماء ممتلئة.
ابتلعت ورد ريقها.
وقالت بتردد:
“ممكن… آخذ شوية أكل ومية؟”
رفع الرجل رأسه نحو صوتها.
وقال بصوت عميق هز جدران الكهف:
“مين إنتِ يا طالبة الطعام من غراب؟”
قالت:
“أنا ورد الزمان… وجعانة… ومعايا ابني الرضيع.”
سكت الرجل لحظة.
ثم قال:
“هاتي ابنك وتعالي اقعدي.”
وبعد دقائق…
كانت ورد بتأكل وترضع حسان.
وفجأة قال غراب وهو يتأمل الطفل:
“ما شاء الله…”
ثم سكت.
وأضاف:
“ابنك هيبقى صاحب شأن عظيم.”
تعلقت عينا ورد به.
لكن الكلمات اللي بعدها جمدت الدم في عروقها.
“ده لو ما ماتش.”
انقبض قلبها.
وقالت بخوف:
“ليه بتقول كده؟!”
ابتسم غراب ابتسامة غامضة.
وقال:
“لأن الموت بيدور حواليه من يوم ما اتولد.”
ثم أشار بيده إلى الظلام خلفه.
وفجأة…
ظهر قلم غريب في الهواء.
قلم ذهبي.
رأسه حاد كالسيف.
ومحفور عليه رموز بتتحرك وكأنها حية.
انبهرت ورد.
ومدت يدها نحوه.
وفي اللحظة اللي لمست فيها القلم…
اهتز الكهف كله.
وانطلقت صرخة مرعبة من أعماق الجبل.
صرخة لم تكن لإنسان…
ولا لجن…
بل لشيء أقدم وأخطر من الاثنين معًا.