المعاقة والدم ............... الجزء الاول من الفصل الثانى
انسحبت رانيا دون أن تنطق بكلمة ، وخرجت من البيت ، استمرت فى المشى حتى وصلت لمزارع البرتقال التى يمتلكها والدها ، جلست تحت الشجر ولفت شالها على كتفها جيدا من البرودة التى شعرت بها ،
رفعت رأسها تتأمل الأشجار والبرتقال المعلق بها ، وسألت نفسها سؤال واحد ،
... معقول دى تبقى نهاية كل اللى حلمت بيه ، الحب والحضر الدافى ، واللمسة الجميلة الحنينة ، فى الآخر ترسى على واحد قلبه حجر ، سايب مراته العيانة وبنته المشلولة وداير يدور على عروسة ..
ثم ابتسمت بسخرية وقالت .. داير ايه بقى ، دا انتى اللى هتروحيله لحد عنده ، بيضة مقشرة ، وامك اللى عايزة تقدمك بنفسها ....
أغمضت عينيها وسندت رأسها للخلف على جزع الشجرة وهى لا تصدق أن يصل الحال بها لهذه الدرجة ثم تردد فى عقلها جملة والدتها التى قتلها وهى مكانها ،،، داخلة فى الستة وعشرين سنة ومحدش بقى يتقدملك. ...
هل ستوصلها هذه الأسباب يوما لأن تتقبل مثل هذه المواقف ،
استمر الحال بها هكذا ، شد وجذب بينها وبين نفسه لاكثر من ساعة حتى انطلق أذان المغرب وقد ان أوان العودة ، فالظلام يعم المزارع بسرعة ،
فى نفس اللحظة التى قامت فيها لتتخذ طريقها للعودة ، ظهرت زينب من بعيد وهى تجرى فى اتجاه رانيا ،
زينب فتاة فى عمر رانيا تقريبا ، متزوجة من أحد المزارعين ولديها طفل ، حظها من الجمال قليل ، لكنها طيبة القلب ومقبولة الملامح ، تعمل عند الحاج حسن كخادمة خاصة لرانيا فقط ، خصصها لها والدها منذ أن دخلت رانيا كلية الطب ، لتقوم على خدمتها وراحتها .
... إيه ياست رانيا ، دوختينى عليكى ...
... أنتى ايه اصلا اللى مقعدك لحد دلوقتى ، مروحتيش ليه ...
... كنت هروح ، لولا الحاج قاللى أخرج وراكى اشوفك فين ، والبتاع الصغير اللى بتشيليه فى ايدك ده مبطلش زمامير من ساعة ما خرجتى ، والست رجاء فى البيت ومستنياكى ...
ابتسمت رانيا من طريقة زينب فى الحديث خاصة عندما تذكر التيليفون المحمول ، فرانيا من أوائل الفتايات اللاتى حملن هاتف محمول فى البلد ، حتى أن معظم الريفيين لا يعلمون عنه شيئا ، فلم يكن قد انتشر بعد ،
... كل ده حصل اول ما خرجت ...
... ايوة والله ...
... طيب ياستى ...
... روحى انتى لحالك وانا هروح ..
...ماشى ، بس همشى معاكى لحد البيت عشان الحاج ميزعقليش. ...
... ماشى ، يلا ...
...............................................
... جوجو ، وحشتينى ...
... كدابة ، لو بوحشك كنت جيتيلى ، انا اللى على طول بجيلك ...
... متزعليش ، انا بس مدايقة شوية اليومين دول ...
.. كنتى تعالى و بالمرة تغيرى جو ...
.. اغير جو ايه ، ده بيتك بعد المزرعة على طول ، على أول الطريق ، هو ده مفهومك عن تغيير الجو ...
... اهو احسن من الحبسة هنا ...
... والله انا زهقت ، قوليلى بقى ، ايه اللى جابك ومن غير العيال كمان ، لا لا ، اكيد أمك اللى اتصلت بيكى ، صح ...
... هى بس قلقانة عليكى مش اكتر ، بس انتى عارفة طريقتها ...
وقفت رانيا أمام المرآه وهى تعيد تسريح شعرها الناعم الأسمر وهى تقول
... أنتى بتهزرى يارجاء ، انتى عارفة هى عايزة ايه ...
... عارفة وحكتلى ، بس عادى يابنتى ، يعنى انتى شايفة نفسك العروسة المختارة ، أسمعى كلامها وروحى ، غيرى جو زى ماانتى عايزة ، واتفسحى واشترى هدوم ، انتى من ساعة ما خلصتى الكلية وانتى مخرجتيش وبعدين دى الفيوم ، حد يطول جوها دلوقتى ...
جلست رانيا على حافة السرير ووضعت قدم فوق الأخرى وقالت
... اللى بتقوليه وجهة نظر برده ، ويمكن انا محتاجة السفر والخروج ، لكن مش دلوقتى ، يمكن بعدين ، مستحيل اسمح أن اهين نفسى واهين أبويا بالشكل ده ، مجرد سفرى دلوقتى وحضورى حفلة زى دى ، معناها انى موافقة على المهزلة دى وانى رايحة عشان اعرض نفسى فى سوق النخاسة بتاعهم ده ، لو ماما ترضاها ، فأنا لا ، وده آخر كلام عندى ...
... براحة بس متزعليش ، عندك حق ، انا هروح لماما وافهمها كدة ، ويارب تقبل الكلام ...
... وحتى لو مقبلتش ، تعمل اللى هى عايزاه ...
...................................................
... يعنى جبتك ياعبد المعين ، منفعتيش فى حاجة ...
... يعنى اعملها ايه ياماما ، دماغها مقفلة ، وبصراحة بقى انتى الغلطانة ...
... أنا ؟
... ايوة طبعا ، مكانش لازم تقوليلها اصلا ، وقدام بابا كمان ، كان كفاية تقوليلها أن انتوا معزومين على الحفلة عادى ، كانت هتفرح بالسفر وهتروح معاكى ...
... اهو اللى حصل بقى ..
... اصبرى بقى لحد ما دماغها تفك ...
... اصبر ايه ، دا يكون الواد اتجوز وخلف كمان ...
... والله انا اللى عليا عملته ، وانتى عارفة رانيا ، دماغها انشف من الحجر ، وبابا موافق على رأيها ، يعنى مفيش فى أيدينا حاجة نعملها ....
...........................................
مر أكثر من أسبوع على هذا الحوار ، تجنبت فيه رانيا الحديث مع والدتها تماما ، رغم محاولات رضا اثنائها عن ذلك ، لكن ما كان منها من حديث أظهر ما يخفيه عقلها من ناحية رانيا وهذا ما أصاب رانيا بالحزن الشديد ،
كان روتينها اليومى عبارة عن العمل المستمر فى العيادة التى أقامها لها والدها فى أحد جوانب المزرعة ، لتشغل فيها وقتها ، ولم تكن تعود للبيت إلا للأكل أو النوم ، حتى والدها كانت تقابله أثناء مروره على المزرعة ، ويكون ذلك أكثر من مرة فى اليوم .
..............................................
وفى مكان بعيد تماما عن المكان الأول ، تحديدا فى فيلا رشاد سلام ،
كان يجلس محسن فى شرفة غرفته يحتسى قهوته الصباحية ويطلع على بعض الأوراق الخاصة بعقود جديدة ،
محسن رجل وسيم وجذاب ، ليس بمعنى الوسامة المفهوم ، إنما تركيبة شكله من الوقار الواضح والغنى والسلطة يعطيه جاذبية معينة ،
، دخلت والدته وهى تستند على ممرضتها، وألقت التحية الصباحية عليه ،
اقتربت منه حتى ساعدتها ممرضتها لتجلس على الكرسى المقابل لكرسيه ثم انصرفت الممرضة ،
كان يتحدث اليها وهو يكمل مراجعة أوراقه وكأنه غير مهتم بالموضوع من الأساس ،
... الحفلة بكرة بقى زى ما اتفقنا ...
... أنتى لسة مصممة على اللى فى دماغك ده ...
... طبعا يامحسن ، ما انت عارف اللى فيها ، انت الأمل فى الزرية اللى هتشيل اسم ابوك ياابنى ، وانت عارف ظروف اخوك كويس ، هنستنى لحد امتى ، دا انت عندك 37 سنة ...
... وهوايدا و أميرة ، هتعملى...
... أنا مش بتجنى عليهم يامحسن ، هوايدا وخلاص السرطان قضى عليها ، مفيش أمل منها ، هتحمل ازاى ، ولسة مش هستنى موتها ، بقالها شهر ونص فى المستشفى، والله واعلم بقى ،
واميرة نفس الحال ، مش نافعة فى حاجة ، وكل الدكاترة قالوا مفيش أمل فى علاجها ، هتقضى طول حياتها كدة على كرسى بعجل مبتتحركش ، وادينا حاطينها فى مركز تأهيل وبنجيبها فى المناسبات ، مع انى بقول انه ملوش لازمة نجيبها اصلا ، هنعمل ايه احنا اكتر من كدة ...
ثم أدارت المرأة وجهها للحديقة وهى تتمتم بصوت منخفض
... كان موتهم هم الاتنين ارحم ...
ابتسم محسن نصف الابتسامة ، ثم وقف بعدما شرب آخر رشفة فى فنجاله وهم خارجا وهو يقول ... عايزة الصراحة ، انا نفسى قفلت من الستات اصلا ، فإدعى ربنا أن فى بنت من عليتكوا دى تعجبنى ، مع انى أشك ، انا ماشى ، سلام ...
خرج محسن من باب الفيلا ، وزوج من العيون المثبتة تتابعه حتى ركب سيارته ، بعدها تنحدر دمعة أو اثنين من نفس العينين كحال كل يوم من الأيام القليلة التى تقضيها فى هذا البيت .
يتبع
........................................
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!