تحميل رواية «المطارد» PDF
بقلم أمل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ المطارد بقلم أمل نصر.
رواية المطارد الفصل الأول 1 - بقلم أمل نصر
في بلدة صغيرة في أقصى الصعيد وقريبة من الجبل، و ليلة شتاء باردة لدرجة الصقيع، ملبدة بالغيوم الكثيفة، وموحشة بهذه الأصوات الصادرة من الذئاب الجائعة والباحثة عن طعامها، فتجعل من سكان القرية بعد صلاة العشاء مباشرةً أسرى منازلهم؛ كما تخلو شوارع القرية تقريبًا من المشاه إلا ممن خرج مضطرًا.. ملتزمين بحصن منازلهم مهما كانت ضعيفة متهالكة وقديمة، أو مصنوعة من الطوب الأخضر ولكن يكفي الدفء الأسري فيها، والأمان؛ رغم انه هو الاَخر اصبح مهددًا بفعل مجموعات من البشر استحلت الحرام وهددت أمن الأمنين!
وهنا في منزل سالم أبو محمد الطيني والمكون من طابقين، مثل بقية المنازل في القرية، وبداخل غرفتها كانت جالسة على طاولة قديمة صغيرة أعدتها كمكتب لإستذكار دروسها فتاة نحيفة.. عاقدة شعرها الحريري الأسود فوق رأسها وناظرة بعيونها التي تشبه القهوة في اللون إلى الفراغ, شاردة فيما شغل عقلها وحيره هذه الأيام، يدها تمسك بالقلم تتحرك وترسم دون إرادتها هذه الأعين المجهولة التي تطاردها في صحوها ومنامِها بشكل متكرر بدرجة ارعبتها.
لاتدري لماذا؟ وكيف؟ إضافة إلى أنها تجهل صاحبها، هي لم تكن أبدًا من الفتيات المرهفات الحس و المشاعر ممن يتمنين الدخول في علاقات غرأمية مع الشباب او ممن تتغزل في نجوم السينما و التلفاز الوسيمين فيعلقن صورهم على الحائط، ويهمن بهم وبأغانيهم واعمالهم، وبرغم طبيعة عملها كممرضة في الوحدة الصحية للقرية، رغم انها لم مازالت تدرس في شهادة التمريض، ولكن نظرا لجدارتها وتفوقها بالممارسة حصلت على فرصتها، بالإضافة لضعف امكانيات القرية وقلة المتعلمين بها.
تختلط يمنى يوميًا بالعديد من الأشخاص الغرباء، ولكنها لا تسمح لعواطفها أبدًا بالتدخل في عملها رغم طيبتها المفرطة واخلاصها الامتناهي في علاجهم.. مما يجعل هذا السؤال المحير يدور برأسها بغير هوادة، كيف تحلم بشخص غريب يناجيها ويرجوها بعيناه وكأنه يعرفها وتعرفه وكأنه يعلمها وتعلمه ؟ كيف تشعر بألمه ؟ كيف تتعلق روحها بمن لم يسبق لها رؤيته اطلاقًا على الحقيقة؟ ام انها تهذي وقاربت على الجنون ؟
– يابت ابوكي بيندهلك من فوق، مابترديش ليه؟
أجفلت منتفضة من هذا الصوت الأنثوي الصارم لتكمل المرأة بصياح:
– ما تردى يازفته سرحانه فى ايه؟
وضعت يدها على قلبها المرتجف وهى تحدثها :
– فى ايه بس يا أمي خضتيني؟
هتفت والدتها بوجه عابس:
– سلامتك ياختي من الخضة ابوكي ليه مدة طويلة بينده عليكي ، وانتي ولا كانك في البيت اساسَا، دا انا الصوت وصلني جوا في اؤضتي وانتي برضك ماسمعتيش، خبر ايه يابت؟ كنتى سرحانه فى ايه؟
قالتها نجية بتساؤل أربكها عند الرد، فلم تدري بماذا تجيبها مع هذ التخبط الذي ينتابها هذه الأيام وبكثرة؟ فخرج صوتها بتلعثم؟
– يعنى هاكون سرحانة في ايه بس ياما؟ عادي.
رددت نجيه خلفها بعدم تصديق:
– اممم عادى! طب أخلصىي قومي أعملي كوبايتين شاي وطلعيهم لعمك وأبوكي فوق على السطح.
أومأت برأسها تجيب بطاعة :
– حاضر.
صاحت عليها مرة أخرى بحزم:
– اخلصي يا يمنى! متتأخريش على ابوكي وعمك هو انتي لسة هاتفكري وتتمطعي مكانك؟
– قايمه اهو، على طول يا أمي والله .
قالتها وهي تنهض عن مقعدها بسرعة، مما جعل نجيه تتركها وتدلف إلى الداخل، تنفست يمنى صاعداً ثم همت لتذهب وتعد ما طُلب منها، ولكن قبل أن تتحرك وقعت عينيها على ماكانت ترسمه، لتجدها نفس العينان التي تراها في أحلامها منذ فترة .
فحدثتها يمنى وكأنها شئ ملموس وقالت:
– طب أقول لأمي أيه؟ أقولها إني بشوف واحد في منامي مش باين منه غير عنيه، وأنا اساساً معرفوش على الحقيقه؟ أكيد هتقول عليا مجنونة ! أكيد!
………………
صعدت يمنى إلى السطح بعدما أعدت الشاي كما طلبت منها والدتها لأبيها وعمها الساهران رغم البرودة في هذا الوقت المتأخر من الليل وقد قاربت الساعة على الواحدة صباحًا، رغم برودة الليل والظلام المخيف في معظم الانحاء حولهم، أشفقت يمنى على اباها، حينما وجدته جالس أمام النار التي أشعلها مع أخيه يونس لتعطيهم بعض دفئها وحراراتها؛ ألا يكفى للرجل شقاء النهار في عمله وزراعة الأرض، ليُحرم من النوم ليلاً ويقضي معظمه في حراسة المنزل ايضًا!
– يمنى تعالى يا بابا.
قال سالم بعد أن أجفل لرؤيتها وهي تتقدم نحوهم، فخاطبها ايضًا عمها يونس وهو يفرك بيديه أمام النار:
– توك واصله! دا احنا بقالنا فترة مستنين يابنت أخويا.
– معلش ياعمي، بس والنعمة أنا قومت على طول أول أما قالتلى أمي.
قالتها وهي تناول الاثنان كاساتهم من الشاى
يونس وهو يرتشف من الكوب الزجاجي ويتلذذ بمذاق الشاي
– تسلم أيدك يابت يا يمنى، كوباية عنب، تعمر الدماغ بصحيح.
قال سالم هو الاخر:
– جات في وقتها، خليها تدفينا شوية في الليلة اللي ما راضية تعدي دي، صوت الديابة مع السقعة الشديدة، دا غير الغيام اللي مغطي النجوم، وحاجب ضي القمر؛ حاجة تقبض القلب.
يونس وهو يتطلع برأسه حولهم في جميع الأنحاء:
– اهي الليالي دي بتبقى عيد للحرامية.
أومأ سالم برأسهِ يوافق أخيه الرأى بغصة مريرة في حلقهِ وقال:
– انت هتقولي ! يعنى مش كفاية التعالب اللى بتنزل ليلاتى تاكل الطيور من داخل بيوتنا كمان يطلعلنا أولاد الحرام دول ويسرقوا البهايم إللى ساترانا أحنا وعيالنا! منهم لله حرموا علينا النومة في قلب بيوتنا.
جلست يمنى بجوارهم أمام النار تستمع بتركيز، وأكمل يونس.
– امال لو تعرف أني سمعت من جماعة صحابى من يجى يومين كده أنهم شافوا ديب نازل من الجبل.
خرج صوت سالم بنبرة جزعة:
يانهار أسود، دا تلاقيه جاع وملاقاش أكل في منطقته، استرها علينا يارب استرها.
هم يونس بالرد، ولكن أوقفه هذا الصوت القوي والذى أجفل الثلاثة منتفضين .
تكلم سالم، وهو يتناول ببندقيته لينهض بسرعة ليتفقد الوضع من سور السطح:
– ياساتر يارب! ضرب النار دا جاي منين! :
– دا لازم الحرامية نزلوا البلد تاني، دي باينها ليلة مجندلة من اولها، الواحد كان قلبه حاسس:
قالها يونس وهو ينهض أيضاً مع أخيه، ليتفقدا الطريق المؤدي للجبل والمنازل والطرقات المتفرقة على مرأى أبصارهم.
أردفت يمنى بخوف وهي تقف على مسافة قريبة منهم:
– يابويا تعالى أنزل شوية، وأعملوها دوريات انت وعمى.
سالم وهو ممسك بسلاحه بحذر وعينيه تنظر بعيداً بترقب وتركيز:
– انزلي أنتي يا يمنى وأتأكدي من قفل الشبابيك والأبواب كويس.
همت لتجادل أباها ولكن مع انطلاق سيل الطلقات النارية مرة ثانية اللجمها الخوف عن الحديث، فصمتت تنظر بالقرب منهم بقلق:
– ياساتر يارب، صوت الضرب مش راضي يوقف هو أيه اللي حاصل بالظبط؟
قالها يونس وهو ينظر لأخيه الكبير سالم برعب جلي والذى بادله الاَخر نظرته بقلقٍ بالغ.
– ربنا يستر يايونس، دا انت بينك صدقت لما قولت عليها ليلة مجندلة من اولها.
يمنى وهي تنتفض من الخوف خرج صوتها بارتعاش:
– يا بويا أرجوك تنزل أنت وعمي دلوقتي، وبعدين اطلعوا على ما يسكت ضرب النار دا
شوية، في الليلة اللي ما راضية تعدي دي !
نَهر سالم ابنته بعد أن أجفل لرؤيتها، ثانيةً يخاطبها بنبرة حانقة :
– أنتِ لسه جاعدة مكانك يا يمنى؟ أخلصي يابت انزلي وأعملي اللي جولتلك عليه.
– لكن يابويا..
– اخلصي يا يمنى وأكدي كويس على قفلهم.
قالها سالم بقوة وحسم، فأذعنت يمنى مضطرة ونزلت الدرج بخطواتٍ مثقلة وذهنهاً مشتت خوفاً وإشفاقاً على أبيها وعمها الشاب، وبداخلها تردد في الأدعية الحافظة حتى ينجي الله الاثنان:
…………………….
تنفيذًا لقرار أبيها بدأت يمنى بغرفة أخواتها البنات سمر و ندى شقيقاتها الصغار، اقتربت من فراش كل واحدة منهن، تعيد عليها الغطاء وهي نائمة وبعدها توجهت للنافذة الخشب، وأغلقتها باٍحكام ثم خرجت لغرفة أخيها الصغير وجدته نائماً هو الاَخر، فعلت معه نفس الشيء وكررت كذلك بجميع نوافذ المنزل والابواب ولم يتبقى غير المطبخ والذي ما إن دخلته لتقفل نافذته الوحيدة، وهمت بأشعال الضوء وجدت كفاً غليظة وكبيرة تطبق على انفاسها وذراعاً تشل حركتها، حاولت الصراخ والمقاومة لكنها لم تفلح، مع هذه القوة الجسمانية الضخمة لتفاجأ بصوته الخفيض الأجش يقول:
– أهدي ما اسمعش نفسك، انا مش قاصد أاذيكي، لكن لو جبرتيني هاعملها، إهدي كده واسمعي الكلام، لو هديتي هفكك بس لو صوتك طلع هخلص عليكى حالاً.
زامت بصوتها من تحت كفه وهي تحاول عبثًا الإفلات، مما أضطره للزمجرة وهو يضغط بذارعيه عليها ليسيطر على حركتها أكثر، مع مراعاته لضعف جسدها الهزيل، فقال بنبرة حانقة من تحت أسنانه :
– الله يخرب بيت ابوكي ياشيخة، انا مش عايز اللمسك غلط لتفكري بيا حاجة عفشة، اهدي شوية عشان يدي ماتخونيش وبعدها انتي اللي هاتندمي :
هدأت قليلًا وهي تستوعب معنى كلماته ومقصده، فاستغل هو سكون حركتها قليلًا ليقول بتهديد :
– شاطرة وجدعة انك فهمتي، ممكن بقى ياحلوة تستوعبي كمان بقية الكلام عشان افك يدي عنك، ولا ناوية لسة تتعبيني؟
أومأت له برأسها خوفاً مع ازدياد وتيرة أنفاسها المضطربة برعب، بعد لحظات قليلة من شعوره بسكون حركتها واطمئنانه قليلًا بطاعته، رفع كفهِ عن فمِها وفك ذراعِه عنها بحذر وبطء، تسمرت محلها غير قادرة على الألتفاف وهي تجاهد لعدم إظهار رعبها وجسدها ينتفض من رأسها لأخمص قدميها، وجهها للحائط وصوت تنفسها يكاد أن يخرج للخارج المطبخ، سمعت صوته من الخلف يأمرها:
– لفي جسمك عشان تشوفيني .
كانت تشعر بتخشب جسدها وبالشلل اصاب رقبتها حتى للألتفاف، نحو رؤية هذا الرجل المجهول، الواقف خلفها وحرارة انفاسه تلفح عنقها من الخلف ، حاولت التحرك ولكنها فشلت، ويبدوا انه شعر بما أصابها، سقط قلبها من الرعب حينما فاجأها بوضع كفيه الكبيرتان فوق اكتافها وصوته الرخيم همس بأذنها :
– ياريت تكملي بهدوئك دا ورزانتك كدة على طول عشان لاتتعبيني ولا اتعبك يابت الناس ماشي .
انهى جملته الأخيرة ليدير جسدها بأكمله اليه، وهي كالمغيبة تتحرك معه، مستسلمة صامتة بخوف، تجهل ما ستراه وما سيفعله معها هذا الغريب والأفكار البشعة برأسها تصور لها أسوء السيناريوهات، فهي وحدها يقظة في البيت، والجميع نائمون، عدا عمها وابيها الجالسان فوق السطح، وهما لن يشعروا بها أو يأتوا لنجدتها سوى اذا صرخت، ولكن كيف تفعل وقد هددها؟
شهقت مصدومة وتوسعت عيناها بشكل مخيف حينما رأته أمامها، بطوله الفارع وملابسه السوداء، ملثم الوجه بشال من الصوف الذي يشبه شال عمها يونس، لا يظهر منه غير هاتان العينان العميقتان بلونهم البني ونظرتهم الحادة والقادرة على قتلها خوفًا، تحاوطها رموش سوداء طويلة للغاية، هذه العينان تعلمهم جيدًا، رسمتهم قبل ذلك في اوراقها عدة مرات، لا تعلم عددهم، وذلك لأنها هي نفسها ما تراودها هذه الأيام في أحلامها هذه
الايام بشكل متكرر ومستمر!
رواية المطارد الفصل الثاني 2 - بقلم أمل نصر
ـ’انتَ مين؟
سؤال بسيط خرج منها بعفوية ودون أن تفكر، وكأنها نسيت الظرف المقيت، وعادت لأحلامها وهاتان العينان العميقة والغريبة بنظرتها الحادة، والتي تحولت لمخيفة بعد سماع السؤال فصرخ فيها بصوت خفيض من تحت اسنانه:
– انتِ مالك أنتي انا مين وصفتي إيه؟ انتي تجاوبي وبس، هو انا جاي اتعرف بيكي؟.
عادت للواقع المخيف وهي تومئ برأسها إذعاناً خوفًا منه:
– أنتي بقى البت الممرضة؟
سأل هو بخشونة ، اهتزت هي حدقتيها بريبة وتوجس قبل أن تجيبه بإرتباك:
أنا لسه بدرس يعني ، بس في نهائى تمريض.
لوح بيده امامها وهو يقول بتهديد:
– طب اسمعى الكلام دا كويس, أنتي هاتطلعي معايا دلوك على طول من غير نفس ولا صوت، انا مش هائذيكي ، انا بس هاخدك تعالجيني وأرجعك بعدها سليمة من غير ما امسك بأي سوء.
شحب وجهها كالأموات وهي تستوعب فحوى كلماته فهتفت باعتراض:
– اجي معاك فين؟ هو أنت اتجنن…
لم يمهلها لتكمل فيسمع صوتها من اهل المنزل، أطبق بكفهِ مرة ثانيةً على فمها، ودفعها للخلف يهدر عليها جازًا على أسنانه:
– انا مش منبه ماسمعش حسك، ولا انك تعملي معايا اي حركة قرعة تنبهي بيها اهلك، ولا يكونش عايزاني ااذيكي .
أومأت برأسها ودماعاتها هطلت على كفه المطبقة بقوة على فمها، تنفس بخشونة قبل ان يعيد طلبه منها:
– هاتيجي معايا وتعالجيني زي اي فرد من البلد تاخدي اجرتك وترجعي قبل أي حد من اهلك ما يصحى ويحس بيكي ؟
حركت رأسها رافضة، فازدات حدة أنفاسه وهو يرمقها بغضب حارق، ثم مالبث ان يدفعها نحوه كي يسيطر على حركتها مرة وهو يسحبها من ذراعها و صوته يخرج بتوعد :
– أنا كنت عارف من الأول إن هاتتعبيني، بس انا قولت اعمل الي عليا!
حاولت بكل قوتها ان تقاومه بشراسة لتنزع نفسها من هذا المجنون، او حتى يسمع أحد من أهلها صوتها فينجدها، ولكنها لم تفلح أبدًا امام القوة البدنية الهائلة له، وهي صغيرة وجسدها ضعيف، سمعت منه صوت تأوهً بألمٍ يكتمه وهو يخرج بها من باب المطبخ الخشبي ، ولكنه استمر بسحبها للخروج من المنزل وكأنها تُساق لمنصة الإعدام، حتى يأست واصبحت دموعها تتدفق بغرازة من هذا المصير المجهول، ولكن؛ مع سماع هذا الصوت الدافئ القوي، الذي أتى فجأة دون مقدمات، سكنت حركتها مع توقف خطواتهِ هو الاخر!
– سيبها بدل ما أخلص عليكَ .
قالها سالم أبيها وهو مصوب بندقيته على رأس الملثم، توقعت منه تركها في الحال ولكنه ظل ممسكاً بها وهو ساكن دون حركة.
كرر أبيها بصوت أشد وأقوى :
– بقولك سيبها ياعديم الشرف يابن ال…. بدل ما أفرغ رصاص بندقيتي كلها فيك.
أفلتها فجأه وتركها، ليلتفت نحو أبيها، ينظر إليه بتحدى ووعيد وهو يومئ له بسبابتهِ ناحية صدره :
– بقى أنا ابن ال…… وعديم الشرف، انت قد كلامك ده؟
سالم وقد تراجع خطوات قليلة ومازال مصوب البندقية بوجه الغريب قال بازدراء:
– لا أنت عايزني اسقفلك وأنا شايفك بتسحب بنتي وتخطفها!
ظل ساكناً، دون أن ينطق بكلمة ولكنه كان ينظر لسالم بكل تحدي.
– انت مين ياض؟ اكشف وشك خليني اشوفك.
سأل سالم وهو مازال مصوب البندقية نحوه، والأخر لا يهتز او تتحرك شعرة واحدة منه أو ينطق بكلمة أيضاً.
صرخ عليه سالم بصوت قوي أيقظ جميع من في المنزل قائلاً:
– أكشف وشك ياض ولا اكشفهولك؟
هنا فقط تكلم وهو يلوح بيده, بصوت خفيض ومريب قال:
– حاول بس انك تتجرأ، وتمد أيدك ناحيتي عشان اقطعهالك!
تبسم سالم لهذا الغريب قائلًا بسخرية ؛
– دا انت كمان بجح ولسانك طويل! دا غير انك مستعفي ومستقوي قلبك قدامنا، قولي ياض هو انت شارب ولا مبلبع حاجة قبل ماتيجي عندينا وتورينا طلعتك البهية دي؟
اهتزاز راس الغريب أظهرت ابتسامة ساخرة باتساع بلا مبالاة رغم تلثم نصف وجهه، ليزداد الحنق بقلب سالم الذي كان يزئر بغيظ ونفاذ صبر منه، كل هذا أمام يمنى المستند بظهرها على الحائط ترتجف من الخوف، ودموعها تهطل بصمت وهي تراقب الاثنان وكأنها ترى مشهد سينمائي أمامها وهي بعالم آخر، التفت فجأة على صوت والدتها الذي صدر من الخلف :
-ايه الدم ده؟
قالت نجيه بجزع وهي تنظر إلى الحائط الخارجي للمطبخ بعد أن استيقظت وخرجت من غرفتها.
انتقلت نظرات الثلاثة ناحيتها وبقعة الدم الكبيرة في الحائط, عادت يمنى للواقع، وهي ترفع كفيها دون تفكير لتجد آثار الدماء بهما فأنتقلت بأنظارها إلى هذا الغريب الواقف أمامهم بكل ثبات وجلبابه مغرق بالدماء ناحية ذراعهِ الايسر والكتف، ومع ذلك لم يهتز بحركة واحدة حتى!
صاح عليه سالم بعدها بجنون.
– أنت أيه حكايتك ياجدع انت؟ رد عليا! بدل ما أنت واقف كده زي الحيطة وساكت.
رد أخيرا الرجل الغريب فقال بهدوء .
– حكايتي ملكش دعوة بيها، أما بقى حكاية إني أخطف بنتك فأديك عرفت السبب؛ عشان تطلعلي الطلقة اللى في كتفي وتطهرلي الجرح, يعني أنت دلوقتي تسيبها تطلع معايا ولو أنت عايز تيجي معاها يبقى اخلص عشان تنزلوا قبل الفجر.
هز سالم راسه واصدر ضحكة ساخرة وهو يقول:
– أنت مجنون ولا حاصل في عقلك حاجة؟ بقى عايزني أطلع أنا وبنتي معاك الجبل؟
– قولتلك هرجعكم قبل الفجر.
قالها الآخر بقوة فرد سالم بصوتٍ أعلى وأشد وهو يلوح ببندقيته
– أخلص أنت وغور من وشي, أنا صبري نفد وكلمة تانية وهفرغ بندقيتي كلها فيك وأنت اساساً ملكش دية.
وبدون سابق إنذار شد هذا الغريب البندقية من سالم وباغته بضربة في رأسه جعلته يترنح وقبل ان يسقط أرضا كانت البندقية في يد الغريب الملثم, ترافقه صرخات يمنى ووالدتها نجية، كل هذا حدث في ثوانٍ بسيطة.
وضع سالم يده على رأسه يأن الماً والآخر ينظر إليه من علو بظفر وانتصار قبل أن يقول بتشفي:
– ها ايه رأيك بقى؟ تحب افرغها انا دلوك فيك؟
رمقه سالم بكره وغضب، وزوجته تندب على خديها وبجوراها التصقت يمنى تعاود البكاء، فزفر الرجل الغريب بضيق وهو يردف بتعب:
– اسمعني كويس، أنا مش هأذى بنتك ولا أضرها، أنا هاخدها بس تعالجني، وبقولهالك تاني اها، لو عايز تيجي معاها تعالى وأنا هرجعكم قبل الفجر.
رد سالم وهو يحاول رفع نفسه عن الارض:
– دا على جثتي أن اخليها تطلع الجبل، اموتها احسن ولا تطلع معاك!
هدر عليه الآخر بصوت جمهوري بعد أن فقد إتزانه
– وانا بقولك هاخدها يعني هاخدها، انا ياقاتل يا مقتول النهاردة.
تدخلت نجية ببنهم هاتفة بحلٍ وسط:
– طب خلاص يابني، أقعد أنت هنا وأحنا هنعالجك ونطلعلك الرصاصة.
– آه, وتجيبولي البوليس ياخدني وانا على سريري دا أنا مأمنش أديكم ضهري!
قال الأخيرة بصراخٍ فى نجية ليستغل سالم هفوته ويمسك بالبندقية ويحاول تخليصها من يدِه أو إسقاطه أرضاً, ولكنه تماسك قبل أن يسقط،
فغلت بداخله النيران ليصوب نحو
سالم، بالبندقية نحو صدره، قبل أن يردف بغضبٍ مكبوت:
-متخلنيش أئذيك، أنت راجل كبير وأنا مش عايز أيتملك عيالك، يظهر ان الزوق منفعش معاكم بس انت اللى جبته لنفسك، اخلصي يابت انجري جدامي
هدر الأخيرة في يمنى التي أخذت تبكي بعويل.
فصاح نحوها أبيها بتهديد ووعيد:
– أياكِ تتحركي يا بت من مكانك، لاحسن اقطع خبرك.
فصرخ الرجل الملثم بصوتٍ وحشي:
– يعنى انت بتتحداني؟ طب أنا هاخدها من غير….
قطع جملته هذه المرة، حيث وقع صريعاً على الارض مضرجاً في دمائه بعد أن تلقى ضربة قوية على رأسه من الخلف بدون سابق إنذار.
قال سالم وقد تهللت أساريره.
– تسلم ايدك يا يونس، جيت في الوقت المناسب، قبل ما واد المحروق ده ما ينفذ تهدديه ويسحب البت مني، وقال ايه قال عايزها تعالجه، قبر يلمه.
بصق يونس من فمهِ أرضاً قبل أن يردف:
-معلش ياخويا ان كنت أتأخرت عليك، بس أنا استنيت وأنا مداري بعد مانزلت اطمن عليك لما غبت عني، قولت آخده على خوانه احسن واد الرفضي ده.
-يا مري لاحسن يكون مات ولا حصلتله حاجة عفشة يابوي؟.
خرجت من يمنى بصراخ وهي تنزل أرضاً لتفحصه.
رد يونس بقرف وهو لا يبالي:
– مايموت ولا يغور في داهية حتى، هو احنا هنزعل عليه كمان!
صاحت يمنى بأمل:
– دا لسه فيه الروح يابوي! يعني احنا ممكن نلحقه لو سرعنا بس في علاجه.
قال يونس وهو ينظر بإزدراء ناحية يمنى وهذا الغريب الملقى في الأرض جثة هامدة.
– نلحق مين يابت؟ أحنا كمان هنعالج مجرمين؟ ياللا يا سالم ياواض ابوي، شيل معايا خلينا نرميه بره البيت واد الحرام ده، وأن شاء الله حتى الكلاب ياكلوه، هو احنا ناقصين بلاوي .
كانت نجية وهى تهز برأسها حزناً وهي تنظر نحو الغريب الملقى على أرضية منزلها دون حراك ولا صوت، ينزف الدم من رأسه بالإضافة الى الدماء التي تنزف من اصابة ذراعه واغرفت جلبابه فقالت بأسى :
– ياحسرة أمك عليك! كان أيه بس اللي رماك في السكة الوحشة دي بس يابني؟ حرام عليك يا أبو محمد دا مهما كان برضو روح.
قالت الأخيرة لزوجها الذى ظهر على وجههِ التأثر فتشجعت يمنى لتبدى رأيها قائلة:
– يا بويا هو من الأول كان غرضه العلاج واحنا شوفنا بنفسنا صدق كلامه من الأصابة الكبيرة اللي في دراعه، خلينا نعالجه ونكسب في ثواب وبعدها ربنا يعدلها، دا مهما كان برضوا روح زي ما قالت امي، حتى لو كان مجرم!
صمت سالم وهو يدقق النظر في الرجل فقال بتراجع :
– ايوة بس يابتي، دا غريب عننيا واحنا منعرفش ايه المصايب اللي جررها وراه، قبل ما ياجي هنا عندينا ، وكمان كان عايز يخطفك قدامي بقلب ميت، من غير ما يجدر اني راجل وعندي شرف .
تكلمت نجية برجاء :
– بس دا شكله ابن ناس ياسالم وباينه عامل زي الغريق اللي بيتعلق بقشاية لما جه عشان ياخد بتك من قلب بيتنا عشان تعالجه.
هتف يونس وكانه فقد تعقله:
– هو انتوا بتتكلموا كيف كده بسهولة وبساطة وكأن اللي مرمي على الأرض ده شهيد ولا حد قريبكم، في ايه؟ اصحوا، دا واحد مجرم ويستاهل القتل والشنق كمان، هو اللي يهجم على بيوت الناس كمان في قلب الليل، يتقال عليه روح يا مرة اخوي انت وبتك؟
هتفت نجية ترد عليه:
– واه يا يونس، احنا بنعمل كدة بس عشان ربنا، مش عشان المخلوق، حتى لو كان مايستاهلش.
– ساكت ليه؟ أوعى تكون هتمشي مع كلام الحريم اللى مافيهاش عقل دى يا “سالم “!
قالها يونس بصياحٍ فى أخيه الذى وقف حائراً بينهم لايدرى ماذا يفعل!
رواية المطارد الفصل الثالث 3 - بقلم أمل نصر
كيف يحدث هذا؟ ولماذا؟ وما الرابط الذي يجمع بينهم ليحدث!
زفرت يمنى بقوة وتهدلت أكتافها بإحباط وهي لا تجد إجابة لهذه الأسئلة التي تتكرر بعقلها كلما نظرت في هذه الورقة التي رسمتها سابقاً لتلك الأعين وقارنتها بعينيه أمامها إنها تقريباً هي!
نزلت بعينيها على صفيحة وجهه، علها تتذكر إن كانت رأته بمكانٍ ما لايبدوا أبداً هذا هو الشخص الذى كان قبل ساعات قليلة يتشاجر مع أبيها ويريد اختطافها ولا يشبه أحداً من سكان قريتها أو رأته قبلاً في أي مكان إنه حتى لايشبه المجرمين! منحوت الوجه ذا بشرة حنطيه، مستقيم الأنف، ملامح جميله لمجرم!
ترى ما الذي أرتكبه من جرائم ليصاب بهذه الطلقة في كتفهِ؟
– يوووووه.. أنا هفضل كده اسأل واتعب في نفسي عالفاضي.
قالتها “يمنى” وهي تحدث نفسها وتشيح بنظرها عنه، لتشهق منتفضة بعد ذلك؛ حينما وجدت يده الغليظة أطبقت على معصمِها بقوة.
– انتى بتعملى ايه؟
قالها بحدة ونظرة مخيفة اربكتها عن الرد، خصوصاً مع قرب المسافة بينهما ، فخرج صوتها بتقطع:
– ااا… سيب أيدى طيب.. خليني أرفع نفسي الأول عشان اعرف ارد عليك.
تنفست براحة وهي تبتعد عنه حينما ترك يدها تدلكها باليد الأخر، اما هو فانشغل عنها وعيناه تطوف الغرفة ثم نزلت على جسده, ليرى نفسه في غرفة غريبة عنه، ومستلقى على فراش مريح وقد بدلت ملابسه لاخرى مختلفه ونظيفة, ذراعهِ الايسر والكتف محاطين بالأربطة الطبية، حاول أن ينهض فصرخ بألم بمجرد رفع رأسه..
– خلي بالك .. انت كده هاتئذي نفسك.
قالت يمنى وهي تمنعه بيدها، أغمض عينيه لدقائق وهو يئن من الألم الموجع الذي شعر به برأسه, وهي كانت تنظر إليه بترقب وتوجس، ثم ما لبث أن ارتفعت عيناه اليها ليهدر عليها بصوت ضعيف ولكنه مخيف قائلاً:
– أنتوا عملتوا فيا ايه بالظبط؟ وانا ايه اللي جابني هنا من الأساس؟
انتصبت في وقفتها وهي تبادله النظرة بتحدي قبل أن تردف:
– عملنا فيك ايه يعني ؟ عالجناك وطلعنالك الطلقة اللي كانت في كتفك ولبسانك جلابية جديدة بدل إللي كانت غرقانه دم.
– بعد ماضربتوني على نفوخي وكنتوا هتموتوني ؟
قال بحنق وغضب اثار حفيظتها مماجعلها ترد بقوة:
– ياريت حضرتك تفتكر، إنك كنت جاي تخطفني يعني أبويا وعمي كانوا بيدافعوا عن شرفهم!
– أنا ماكنتش هائذيكى ولا أعملك حاجة وحشة
قال ببساطة مما جعل يمنى تنظر إليه بدهشة فاغرة فاهها لدقائق قبل ان تتدارك نفسها في الرد:
– هو أنت إزاى بتتكلم كده ببساطة عن حاجة كبيرة زي دي؟ لدرجادي سمعة بنات الناس والكلام في عرضهم حاجة سهلة ورخيضة قوي كدة عندك؟
يبدوا ان كلماتها البسيطة له ، اصابت هدفِها في عقله مما جعل ملامح وجهه تتغضن بالحزن، وعيناه يشيحهها بعيدا عنها،فحاول النهوض ثانية دون ان يرد عليها، فصرخ بألم أكبر متأوهًا بحرقة:.
– يا استاذ, يا حضرة, ماتحركش راسك دي خالص لو عايز إصابتك تخف.
قالتها يمنى بإشفاقٍ عليه من الألم وهي محرجة من التقرب منه كي تمنعه من النهوص، ولكنها فوجئت به يضحك رغم ألمه وهو يردف من بين ضحكه:
– استاذ! وحضرتك! بقالي سنين ماسمعتش الألقاب الحلوة دي!
لاتدري لما شعرت ببعض السعادة حيمنا رأت ضحكته الجميلة وقد أنارت وجهه الوسيم والعابس دائمًا، حتى لو كانت صادرة بألم؟ هزت برأسها لتجلي عنها هذه الأفكار الغريبة عنها، فقالت و هي ترتد بأقدامها للخلف:
– طيب أنا كده بقى اطمنت عليك هاسيبك ترتاح وتكمل نوم دلوقتي وابقى أشوفك بعدين، على فكرة أنا مدياك مسكن قوي ، فحاول متحركش راسك تاني، عشان ياخد مفعوله كويس في جسمك وماتتعبش.
وكأنه لم يسمعها ولم يشعر بخروجها واغلاق الباب، فقد ظل على وضعه ناظرًا امامه في الفراغ، ولم يطرف بعينيه حتى، تنهد بألم ليشرد إلى أحزانه وما وصل اليه الاَن، بعد أن فقد كل شيء، حاله وماله، والأسرة والمستقبل، ليصل الى حالته الاَن وهو مجرم مُطارد، يتعالج في بيت الأغراب وقد شفقوا على حاله؛ بعد أن هددهم بكل خسة وندالة، وهو يشرع بخطف ابنتهم لعلاجه في لحظة يأس تملكته حينما ضاقت به السبل ولم يعرف أن يذهب بإصابة كتفه الخطيرة، وهو غريب عن القرية ولا يعلم بأهلها، انتبه فجأة لهذه الورقة التي وجدها على غطائه، يبدو انها وقعت منها دون قصد!!
…………………………….
خرجت من غرفة المصاب الغريب، كي ترى أبيها والذي كان جالسًا في ردهة المنزل، مطرق الرأس ومستنداً بمرفقيه على أرجله،
وزوجته نجيه بجواره والتي بمجرد رؤيتها ليمنى سألتها متلهفة:
– ها يابنتي ايه الاخبار؟ وعامل ايه دلوقت؟
ردت يمنى وهي تجلس أمامهم في الكرسي المقابل لهم:.
– الحمد لله ياأمي، هو فاق وحالياً صاحي واكيد بكرة إن شاء الله يتحسن اكتر من الأول .
رفع سالم رأسه هو الآخر ليسألها :
– يعني هيقدر يمشي على رجله؟ لو قولنالوا خد بعضك وامشي بعد ماخدت اللي انت عايزوا وعلجناك .
تحركت راسها باعتراض:
– لا يابويا ماينفعش، ضربة المخ كانت جامدة قوي دا مايقدرش يحرك راسه حتى!
– ياكش كان مات.
صدرت من يونس وهو خارج من غرفته نحوهم بعد ما سمع اَخر حديثهم.
مسح سالم على وجهه بكف يده بتعب وكلماته تخرج بصعوبة:
– ماخلاص يا يونس ياخوي، هو احنا مش هانفضها خالص بقى من الكلام في الموضوع ده؟
رد يونس بحدة:
– لا يا سالم مش هنخلص، كان مالنا أحنا بس بالمصايب دي, حد عارفوا مجرم ولا ابن حرام؟ أدي اخرة مشورة الحريم!
نظرت إليه نجية بامتعاض ثم مالبثت أن تنهض من امامهم جمعيًا وهي تقول :
– انا قايمه اسخن له حاجه يتقاوت بيها، ماهو ماينفهش نسيبه كدة وهو اتصفى من جسمه دم كتير .
فغر يونس فمه قليلًا بدهشة قبل ان يرد:
وكمان هاتأكليه يامراة أخويا، والله عال مانحجزلوا بالمرة أوضة بمنافعها، مدام الخدمة فندقية بالشكل ده..
تجاهلته نجية وهي تدلف لدخل المطبخ.
لم تخفي يمنى ضيقها من تهكم عمها، نهضت من جواره لتتجنب الجدال معه وتكفل سالم بالرد على اخيه:
– يعنى هتيجى عاللقمه يا” يونس” نسيبه يموت من الجوع يعني ! .
ضرب يونس بكفه على فخذته بغيظ:
– لا طبعًا مايصحش ياواد ابوي، احنا نعالجه، ونوكله ونشربه ونعلفه كمان بالمرة، ماهي خربانة خربانة.
زفر سالم بقلة حيلة وهو ينفض جلبابه ليشيح بوجهه للناحية الأخرى، لايدري متى سوف يكف أخيه عن تقريعه بسبب هذا الغريب، الذي اضطرًا لعلاجه، بدافع انساني حينما وجده بين الحياة والموت وليس رضوخًا لرغبة زوجته وابنته، هو لو بيده لكان بلغ الشرطة عنه وانتهى من مشكلته، ولكن الخوف من المجهول منعه، فهو لايدري اي مصيبة قد قام بارتكابها هذا الغريب، وما خلفيته؛ ان كان لص ام قاتل مأجور وخلفه عصابة.
………………………
فتحت نجية باب الغرفة لآخره حتى تستطيع إدخال صينية الطعام, مما جعله يستفيق منتبها لها وهي تدخل وتلقي السلام:
–
حمد لله عالسلامة .
أومأ بعينه مرحباً قائلًا بضعف:
– الله يسلمك ياخالة، هي الساعه كام دلوقتي؟
نجية وهى تضع الصنية على طاولة صغيرة وتقربها من سريره :
– الفجر قرب يأذن، قوم، قوم كلك لقمة عشان تصلب طولك.
رمق الطعام بطرف عينه ثم اشاح بوجهه قائلًا بصعوبة:
– خدي وكلك ياخالتي واطلعي، انا ماليش نفس لوكل ولا شرب حتى.
قالت نجية وهي تتناول طبق شربة من فوق الصنية وتقربه منه:
– عادي ياولدي ان تبقى نفسك مسدودة عشان اللي حصل معاك، بس انت لازم تاكل حاجة تسند قلبك .
هتف هو بانزعاج :
– الله يرضى عنك سيبني، ما انا قولتلك مش عايز .
استمرت بمحايلة وهي تقرب الملعقة منه :
– ياولدي بقولك عشان صحتك، ثم ان دي حاجة خفيفة، دي شربة خضار.
– لا أنا هاقوم أمشي كفاية عليا كده.
تشنج قائلًا بحرج وهو يحاول أن ينهض مما جعله يصرخ متأوهاً
– ااه.. اه يامخي .
صاحت نجية وهي تحاول بيدها الضعيفة إعادت ِرأسه المصابه للوسادة ثانية قائلة:ً
– ليه بس كده يابني؟ مش قالتلك يمنى بتي ماتتحركش من مكانك؟
تأوه بصوتٍ عالي من الألم
– اااه ….اااه.
لم تتحمل رؤيته يتألم فاخذت تنادي على ابنتها بصوت مرتفع:
– بت يايمنى، تعالي يابتي هنا عايزاكي.
فأتت الأخرى سريعاً مجفلة على صرخة والدتها:
– مالك يا أمى بتندهي ليه؟ ودا بيصرخ ليه دا كمان؟
نجية وهي تربت على كتفه لتهون عليه الألم:
– تعالي شوفيه يابنتي ! أصله قام فجأه من فرشته وكان عايز يمشي
اقتربت يمنى منه وهو يتأوه بصوته العالي فخاطبته وهي تزفر بضيق:
– أنا مش مأكده عليك ماتحركش نفسك عشان ماتتأذيش؟ هاديك حقنة تهدي الألم شويه معاك وتنام بعدها، وأنتِ
شيلى الأكل ده يا أمى.
قالت نجية بحزن :
– ياعينى عليك يابنى أنت هاتتحمل ايه ولا ايه بس؟
يمنى وهي تغرز الحقنة في المحلول المعلق:
– مش وقت ندب دلوقتي يامٌا شيلي الأكل ده، أنا هقعد هنا جمبه شويه واراعيه على ما يصحى.
– حاضر يابنتي
قالتها نجيه ثم رفعت صنية الطعام عن الطاولة وخرجت بها. فجلست يمنى على كرسي قريب منه.
……………………………
أشرق الصباح بأنواره وتجلت نعم المبدع بهذه الأصوات الجميلة للعاصفير المغردةِ على غصون الأشجار القريبة من المنزل،.تسبح للرحمن في سيمفونية رائعة منظمة بقدرة القادر وحده.
استيقظ هو على هذه الأصوات وانتظر دقائق ليستوعب أين هو!
طاف بعنيه فى الغرفة الغريبة، يعيد تذكرها مرة أخرى ويستعيد ماحدث له في الساعات الاَخيرة، وجدها أمامه، جالسة ورأسها مائلة على طرف الكرسىِ وهى فى سبات نومٍ عميق، انتهز الفرصة ليتحقق من ملامحها الجميلة التى تشبه فى أفعالها الملائكة قولاً وفعلاً لا يدرى كم مر عليه من الوقت وهو يُشبع أنظارهِ منها ولايمل.
تحركت رأسها بحركة لا إرادية جعلتها تستيقظ من النوم ، تثائبت وهى تمسح بكفيها الاثنين على وجهها ، وفردت ذراعيها وبدأت في الاستيقاظ ولكنها شهقت مفزوعة تنكمش على نفسها خجلاً حينما رأته أمامها بهذه الأعين المتربصة وطيف ابتسامة ماكره على وجهه فأردفت بخجل:
– صباح الخير، هو أنت من امتى صاحى بالظبط؟
إزدادت ابتسامتة عبثيه على وجهة دون أن يتكلم. فغيرت السؤال قائلة:
– طب انت كويس؟ ولا حاسس بحاجة واجعاك .
ظل على سكوته المريب مع هذه الابتسامة السمجة المزعجة.
مما جعلها تمل فهمَت تنهض وتتركه، ولكنه أستوقفها:
– استني عندك دقيقة .
وقفت مضطرة تستمع لها ولكنها أجفلها وهو يخرج الورقة من تحت غطائهِ ويسألها بلؤم:
– أي دى؟
وكأن دلوًا من الماء البارد سقط على راسها، فتحت فمها وأغلقته عدة مرات لا تجد إجابة سوى
– ها!