الفصل 15 | من 48 فصل

رواية الوجه الآخر للمافيا ( أحفاد اليخاندرو 2 ) الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
32
كلمة
12,718
وقت القراءة
64 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، قَالَ: « لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا تَعَلَّمَ وِلْدَانُهَا الْقُرْآنَ» .


صلوا على نبي الرحمة .

_________________________

دخل القصر وهو يحملها بين يديه رافضًا أن تسير هي بنفسها، وذلك لتجنب أي ضعف أو اغماء قد يحدث لها، بعدما قضت فترة ليست بالقصيرة في المشفى تتناول عقاقير من شأنها إخماد نشاط جسدها، هذا دون ذكر أمر تسممها وما سببه لها من مضاعفات على جسدها .

كانت روما تضم عنق انطونيو وهي تستكين برأسها على كتفه، تتنفس براحة لشعورها بالأمان جواره وأن كل شيء بين أحضانه يختفي، فتحت عينها ببطء وهي تنظر حولها تستوعب أنهما وصلا للمنزل، وأن الجميع تقريبًا يجلس في البهو وينظرون إليهم.

نظرت جولي لمارتن وهي ترمق ما يحدث أمامها :

" انظر يا مارتن ذلك القبيح يتواقح أمام الجميع "

أبتسم مارتن بسمة ساخرة وهو يجيبها :

" يتواقح ؟! عزيزتي انطونيو الآن في أقصى مراحل احترامه للجميع؛ لأن وقاحته تلك التي تتحدثين عنها، أنا نفسي سأخجل من رؤيتها "

فتحت جولي عينها بصدمة وجوارها مارتن يضحك بقوة، بينما كان جايك يلتصق في روز وهو يختطف كل شيء من يدها، فكلما فكرت أن ترفع بعض الحلوى وتقدمها لمارتن أو آدم أو ماركوس، اختطفها من يدها وتناولها بعناد أمام مرأى الجميع، زفرت روز وهي تخرج دفترها الصغير الذي تستخدمه عادة لكتابة ما تريده، وخطت عليه بعض الكلمات، ثم رفعته في وجه جايك الذي قرأه بصوت خافت :

" توقف عن افعالك الطفولية جايك "

نظر جايك لها بصدمة وهو يشير لنفسه :

" أنا أقوم بأفعال طفولية ؟! أنا فقط جائع، توقفي عن ظلمك لي، أنتِ تتصرفين بلؤم معي منذ آخر لقاء بيننا "

رمقته روز بحنق وهي تتذكر حينما ذهبت لغرفته ومعها طعام وبعض الاسعافات لمعالجة جروحه والاطمئنان عليه، لكن بعد طرق طويل للغرفة لم تسمع منه ردًا؛ لذلك قررت الرحيل والمجئ لاحقًا، لكن ما كادت تلتفت حتى وجدت فجأة جسد يتكأ عليها بقوة، فتحت فمها بفزع وكادت تطلق صرخة عالية، لولا رؤيتها الفاعل والذي كان ذلك الأبله الذي ابتليت بحبه .

كانت روز ما تزال تتنفس بسرعة إثر صدمتها، لكن جايك لم يكن يرى ما فعل فهو بمجرد رؤيتها لها تتجه لغرفته جاء بسرعة وهو يدعي التعب، ثم اقترب منها ووضع يده على كتفها وأسند رأسه عليها وهو يقول بصوت مرهق مصطنع :

" اه أشعر بالدوار، اشعر بأن نهايتي اقتربت زهرتي، جسدي كله يأن وجعًا"

نظرت له روز ثواني وهي لم تستفق من الصدمة بعد، لكن فجأة تحولت نظراتها للحزن وهي تتحمل ثقل جسده عليها، والصينية على يدها، ثم فتحت الباب بصعوبة ودخلت للغرفة وهو ما يزال متعلقًا بها كالعلقة، وضعت الصينية على اول طاولة قابلتها، ثم استدارت وساندت جسده حتى الفراش، لكن ما كادت تضع جسده على الفراش حتى شعرت به يجذبها معه وهو يتأوه مرددًا :

" أنا احتضر، أشعر بموتي يقترب، أنا قادم يا امي "

فتحت روز عينها بتعجب من حديثه، كل هذا لأجل شجار مع ادم لم يتلقى به سوى لكمات قليلة ؟! هل يعقل أنه مريض ؟!

رفعت روز يدها سريعًا ووضعتها على رأسها تحاول معرفة إن كان مريضًا ام لا، لكن لم يكن به شيء، نظرت له بعيون ضيقة وهي تحاول تبين إن كان يكذب أو يخدعها، لكن هو لم يستسلم واستكمل ما يفعل مشيرًا للصورة جوار فراشه، والتي كانت رسمتها الأولى له في المشفى :

" اعطني رسمتي العزيزة أود الموت وهي بين أحضاني، ضعوها على قبري حين دفني "

صمت، ثم قال بهزيان مصطنع :

" اخي اريد اخي احضري لي اخي لتوديعه، انطونيو فقط لا تحضري جاكيري، فهو سيأتي ليشاركني فراش الموت ويزعجني في موتي، وبعدها يرقص على قبري فقط  "

ابتعدت عنه روز ببطء، ثم فجأة هبطت بيدها على كتفه بقوة، مما جعله ينتفض بقوة وهو يرمقها بحنق يفرك كتفه :

" ما بكِ يا فتاة ؟! أهكذا تعاملين رجلًا يحتضر ؟! أنتِ قليلة احترام "

اغتاظت روز من حديثه ومزاحه السخيف، ثم تحركت بعنف واقدام سريعة، ذكرته بالرسمة التي رسمها لها في دفتره ذات يوم وهي تسير بهذه الطريقة المضحكة، وجوارها يسير ذلك القط في الرسوم المتحركة، وكم اضحكته تلك الرسمة وهو يراهما متشابهين، والآن غضبها يدفعه للانفجار في موجة ضحك، راقب روز وهي تعود له حاملة دفترها وقد خطت عليها بضع كلمات صغيرة :

" جايك أنت مخادع احمق، لن احدثك مجددًا أيها المخادع "

وبعد هذه الكلمات اختفت من الغرفة تاركة إياه يحقق أمنيته في الضحك بقوة ......

فاقت روز من شرودها على صوت مايك الذي دخل للمنزل الآن وهو يرتمي بجسده على الأريكة مرددًا بتعب :

" يا ويلتي جسدي كله يبكي وجعًا وجوعًا، ألم تعدوا طعام ؟!"

ابتسمت روز وهي تنهض تشير لمايك أنها ستحضر الطعام للجميع، بينما نهض جايك تباعًا لها وهو يمسك يدها قائلًا بعناد :

" لا، لن تفعلي له شيء، لينهض ويحضر لنفسه "

نظرت له روز بتعجب، لتجده يقول بحنق وهو يرمق مايك الذي كان يبادله النظرات بسخرية :

" هيا قم وحرك جسدك أيها الكسول وابحث عن طعامٍ لنفسك "

أطلق مايك ضحكة ساخرة وهو يجيبه :

" الآن ايها الناكر تحدثني هكذا؟! وانا اول شخص اخبرك بأمرك أنت والصهباء، أنت شخص ناكر للجميل "

رمقت روز جايك بتأنيب، ثم تحركت بهدوء صوب المطبخ وخلفها جولي،  بينما جايك نظر للجميع بحنق وهو يجلس على الأريكة بضم ذراعيه وهو يردد بضيق شديد :

" حمقى  "

تحدث انطونيو بهدوء مخيف :

" من الحمقى جايك ؟!"

" الجميع عداك اخي "

____________________________

كانت بين يديه فاقدة لكل معالم الحياة، بوجهٍ شاحبٍ، وجسد بارد برودة تنافس برودة الأجواء حوله، ضمها مارسيلو لجسده أكثره وهو يحاول بث حرارة لجسدها، يهمس محاولًا أن يفيقها :

" هيييه راسيل افيقي، هيا افيقي "

لكن لم يصل له أي رد وكأن الحياة قد غادرت جسدها تاركة إياها تقبع بين يديه مجرد جسد فارغ .

نظر مارسيلو حوله يحاول التفكير بسرعة في حل لهذه الورطة، هل يحملها ويخرج للبحث عن أحد ينقذها، أم ينتظر أن تنتهي العاصفة في الخارج وبعدها يخرج؟! لكن بالتفكير في في الاختيار الثاني وجد أن انتظاره قد يطول، وعندها قد تفارق روحها الحياة؛ لذلك ابتلع ريقه وهو يقرر المغامرة والخروج بها من هنا، ابعد رأسها قليلًا عنه ثم نزع معطفه الصوفي ووضعه على جسدها حتى يمنحها ولو القليل من الدفء، ثم نهض وحملها، وقربها منه علها تنال بعضًا من دفء جسده .

نفخ انفاس دافئة عكس الأجواء حوله، ثم تحرك بها في حذرٍ شديد نحو الخارج وهو ما يزال يضمها إليه، دفع الباب بقدمه يخرج من المكان وهو يرى أن الأجواء حوله قد ازدادت شراسة .

تحرك في الجليد وهو يهمس باسنان مرتجفة من البرودة :

" أنا لا الومك على شيء راسيل، صدقيني عزيزتي هذا ليس خطأك كما قلت سابقًا، بل الأمر كله خطأي أنا "

صمت ثم أضاف وهو ينظر لها بهدوء :

" لو أنني اخرجت سلاحي وفجرت رأسك بمجرد عرضك أمر السفر، لما حدث كل هذا، لكن لا بأس فقط ننتهي من هذا وسوف اريكِ الجحيم "

أنهى كلماته وهو يرفع جسدها أكثر بعدما كاد يسقط من بين يديه بسبب شعوره بتجمد اطرافه، والألم انتشر في جسده بشكل كاد يجعله يرميها ارضًا ويركض لأي مكان، سمع تأوه يخرج من فمها وهي تلتصق به أكثر تهمس بصوت متعب :

" الجو بارد، الجو بارد، لِمَ الجو بارد بهذا الشكل ؟!"

نظر مارسيلو حوله للثلوج التي تنتشر في المكان كله بشكل جعله يشعر أنه سقط في عبوة قطن يردد بسخرية لاذعة  :

" آسف حبيبتي أطفأت المدفئة لتوفير الكهرباء، الفاتورة الشهرية جاءت آخر مرة اكبر من إمكانياتي "

حاولت راسيل فتح عينها بصعوبة بعدما أفاقت من غفوتها القصيرة جدًا وهي تردد :

" لِمَ خرجت من المخزن ؟! هل جننت ؟!"

" أيتها الـ "

توقف مارسيلو وهو يمنع نفسه من سبها سبة هو متأكد أنها لم ولن تسمعها يومًا، ثم قال بصوت مغتاظ :

" لقد كنتِ ميتة في الداخل يا حمقاء، وخلت أنكِ تلفظين انفاسك الأخيرة فأردت أن أجد مشفى أو مكان لانقاذك "

نظرت له راسيل ثواني بتأثر من حديثه وانتبهت للمعطف الذي يضم جسدها بحنان :

" آسفة لم اشعر بنفسي، لقد سقطت في النوم من التعب "

" اصمتي راسيل، فهناك افكار في رأسي الآن تدفعني لسلخ جلدك وصنع معطف لنفسي منه "

فتحت راسيل عينها بصدمة وهي ترتجف رعبًا وبردًا، شعرت بمارسيلو يتوقف وهو يتنفس بقوة، فالبرودة وصعوبة السير في الثلج وايضًا حملها، كل ذلك جعله يشعر بأن طاقته على وشك خذلانه .

" يمكنك أن تنزلني أنا بخير "

نظر مارسيلو لها ثواني، ثم تحرك مجددًا دون كلمة وهو يردد بصوت هادئ بعض الشيء بعيد عن أي سخرية تمتع بها يومًا :

" لقد هدأت العاصفة، أتمنى أن نعثر على أي مكان يستقبلنا قبل أن تشتد مجددًا "

شعرت راسيل بالذنب مما يحدث :

" أنا آسفة، لم اقصد كل هذا "

" اششش لا بأس لا تعتذري، دعينا نخرج من هنا وبعدها اقتلك راسيل "

ابتسمت راسيل وهي تهز رأسها بحسنًا تستند برأسها على صدره وهي تقول بخمول وقد بدأت تشعر بالبرودة تجبرها على الغياب عن الواقع مجددًا:

" أنت ألطف مما تحاول إظهاره مارسيلو "

نظر لها مارسيلو قليلًا قبل أن يعود بعينه للطريق مرددًا :

" ها أنتِ ذا تسقطين في حبي متناسية تحذيري لكِ أنني لا أحب العلاقات التي تنشأ في العمل "

لم تجيبه راسيل وهي تسقط في غيبوبة قصيرة سريعة تاركة إياه يكاد يسقط ارضًا من التعب والارهاق، رفع عينه ينظر حوله للمكان يحاول البحث عن أي مكان قد يستقبلهما الآن، مكان مزود بالتدفئة، لكن تلك المنطقة التي كانت بها المحطة كانت منطقة اسواق فقط، والآن هم في منطقة سكنية؛ لذلك تحرك بأقدام هزيلة صوب اول باب قابله وطرقه، لكن لم يصل له أي رد، طرقه مرة أخرى وهو يحاول التماسك وايضًا لا رد، رفع جسد راسيل مجددًا بعدما كاد يسقط منه، ثم تحرك بعيدًا يبحث عن منزل آخر ينظر للمدافئ التي تعلو المنازل ليبحث عن المنزل الذي يخرج من أعلاه دخان فهذا يدل على وجود أناس به، وبالفعل توقف أمام منزل به إضاءة ودخان مدفأة، طرق الباب بعنف وقد بدأ يستسلم للوهن، مرت دقائق قليلة، حتى وجد سيدة تفتح له وهي تقول مختبأة بجسدها خلف الباب تظهر فقط رأسها :

" من ؟!"

همس مارسيلو بصوت واهن وقد وصلت البرودة لعقله يرمق السيدة من بين غيوم عينيه وهو يشير لراسيل التي أصبحت شفتيها بيضاء بشكل مرعب وجسدها اصبح كقطعة خشب لا روح فيها  :

" ساعديها رجاءً، تكاد تموت "

________________________________

كان يقف في بداية غرفة المسرح وهو يشاهدها تغمض عينيها وتقوم بحركات في الهواء، والشاب جوارها يقوم بحركات متناغمة معها، ثم يقترب منها ويمسك بيديها ويدور بها على الاحبال، كل ذلك أمام أعين فبريانو الذي كان ورغم برودته الظاهرية، يشعر بنيران تنشب في صدره، كانت عينه تتحرك معها ومع يد الشاب التي تضمها، غير مهتمًا بمن يصيح جواره وهو لا يصدق كيف اقتحم ذلك الغريب المسرح بهذا الشكل الهمجي .

تحرك فبريانو غير عابئًا بالصراخ حوله عن هويته، أو حتى اهتم بمن ركض صوبه لمنعه من التقدم للمسرح، رفع يده يدفع أحد الشباب الذين حاولوا منعه، ثم استدار له يهمس بنبرة مرعبة وبلغته الام، متجاهلًا أن لا أحد هنا يفهمه :

" اقسم إن اقترب أحد مني لمنعي، فسيلقى مني نفس ما سيلقاه ذلك الحقير المعلق "

أنهى كلماته وهو يدفع أحد الأجساد بقوة، ثم تحرك صوب المسرح وعيونه تطلق نيرانًا، صعد المسرح ينظر حوله متجاهلًا الجميع، يتحرك صوب الكواليس يبحث عمن يتحكم بتلك الحبال، بينما تحرك المدرب خلفه يصيح بصوت مخيف :

" أنت يا حضرة، أنت مين وداخل هنا بتعمل ايه ؟!"

استدار له فبريانو يقول بجدية وهو يبحث بعينه حوله عن الأداة الخاصة بالحبال :

" الحبال اللي متعلقين فيها دي بتنزلوها ازاي ؟!"

" نعم ؟! أنت مجنون؟؟ فين الأمن وازاي يسمحوا ليك تدخل هنا؟! روحي يا ريتا نادي الأمن يجي يجرجروا الاستاذ ده برة "

ركضت الفتاة المدعوة ريتا والتي كانت تتولى أمور الكواليس وهي تنتوي البحث عن الامن، وفي نفس الوقت عم الهرج والمرج في المسرح وتوقف العرض، وروبين تنظر للاسفل بتعجب وهي تنظر لرفيق رقصتها :

" هو فيه ايه تحت ؟؟"

هز الآخر كتفه بعدم معرفة وهو يجذب الحبال في اشارة على رغبته في النزول :

" معرفش أنا كنت مركز في العرض معاكِ "

نظر أسفله وهو يقول بصوت عالي يشير لأحد أعضاء الفرقة :

" هاني أقفل الاغاني، وخلي حد ينزلنا "

تحرك المدعو هاني يفعل ما قاله صديقه، بينما روبين في الاعلى شعرت بتوقف قلبها فجأة وهي ترى المدرب الخاص بها يلقى على المسرح وفبريانو يخرج من الكواليس وهو يقول بصوت مخيف :

" نزلوهم من فوق "

فتحت روبين عينها بفزع وهي ترى حالة فبريانو تلك، وتجمع الشباب حوله وهم يحاولون إخراجه بعنف، لكن هو قاوم وبعنف مطيحًا بهم ارضًا وقد هز صراخه المكان مخرجًا سلاحه :

" انزلوهم الآن"

صرخت روبين وهي تنظر للاسفل محاولة التحكم في ارتجاف يدها التي تمسك بالحبال جيدًا :

" استاذ معلش نزلني ارجوك، نزلني "

نظر المدرب لأحد الشباب نظرة بمعنى أن ينزلهم، لكن روبين صرخت على ذلك الشاب الذي تحرك نحو الرافعة :

" أنا بس، نزلني أنا بس، اوعى تنزل رامي "

نظر لها فبريانو نظرة مخيفة وهو يرى جسدها ينزل شيئًا فشيء، يردد  ساخرًا منها بالايطالية مستغلًا عدم فهمها له :

" حقًا روبين ؟! أتظنين أن تلك الحبال ستنقذه مني؟! رصاصات سلاحي يمكنها الوصول إليه بسهولة لعلمك، كما يمكنني أيضًا قطع الاحبال إن أردت "

في ذلك الوقت كان روبين قد وصلت للأرض وأخذت تفك الاحبال من حولها بمساعدة صديقة لها وهي تقول معتذرة من الجميع على الجنون الذي قام به فبريانو :

" بعتذر عن اللي حصل، هو مش قصده، أنا اسفة  "

أنهت كلماتها وهي تتحرك نحوه بعنف جاذبة إياه من يده وبقوة للخارج غير مهتمة لأي أحد، بينما هو طاوعها وسار خلفها، لكن لم ينس أن يلقي نظرة أخيرة على الشاب حتى يحفظ صورته في رأسه، وبعدها سار خلف روبين وهو يسمعها تعتذر للجميع بخجل من أفعاله الغير مسئولة بالمرة، يهجم على المكان ويضرب الجميع ويخرج سلاحًا ويهدد أحد الرجال هنا، أين يظن نفسه بحق الله ؟!

كانت عين روبين تشتعل غضبًا مما حدث وهي تشعر بفبريانو يسير خلفها بكل هدوء وكأنه لم يفتعل فضيحة في الداخل، سحبته لغرفة تبديل الثياب وللمرة الثانية، تستغل أنها فارغة في ذلك الوقت بسبب انكباب جميع الفرق على التدريبات، أغلقت الباب بقوة ثم استدارت لفبريانو وهمست بعيون دامعة غاضبة :

" ايه اللي عملته جوا ده ؟؟ كنت هتقتل المدرب، هتقتل بني ادم عادي كده ؟؟ اه صح نسيت أنك قتال قتلة "

لم يتحرك في فبريانو أي شيء وهو يستمع لحديثها بوجع من نظرتها له على أنه مجرد قاتل لا قلب له، ألم ترى ما فعلته به، هو منذ عرفها لم يقتل أحد إلا القليل فقط، واعتمد أن يصيبهم في أطرافهم، ورغم أنه من وجهة نظرة لم يخطأ أو يقتل بريئًا يومًا، إلا أن نظرتها الآن له جعلته يشعر بالدونية.

" هل هكذا تنظرين إلىّ روبين ؟!"

" أنا لم اعد اعلم كيف انظر إليك فبريانو، غادر ارجوك "

اقترب منها فبريانو وهو يراها تحاول منع دموعها من السقوط، ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يقول :

" روبين هل تتذكرين يوم أخبرتك أنني لم اجدك لاتركك؟! أنا ليس لدي استعداد للعودة لما كنت عليه، لا اريد أن أعود إلى ذلك الفبريانو الذي كان يعيش بلا هدف، صباحه كمساءه "

صمت ثم قال وهو يخرج هاتفه يقول بجدية :

" وبما أنك معطتنيش فرصة اشرحلك وحكمتِ من نفسك، فأنا مضطر إني أخذ منك الفرصة دي بالغصب "

نظرت له روبين من بين دموعها وهي تشعر بالوجع لكلماته، تعشقه وتتألم لأجله، لكن هي لا تستطيع، لا تستطيع العيش رفقة رجل يعطي نفسه حق أخذ حياة شخص آخر برئ، شخص يمتهن القتل بكل دم بارد .

وعند تلك النقطة انفجرت في البكاء وهي تركض للخارج، رافضة أن تستمع له، خوفًا أن يخدعها مجددًا، لكن وقبل أن تخطو للخارج، كان هو الأسرع وهو يجذبها بقوة نحو صدره يكتفها مانعًا إياها من الحركة وهو يخرج هاتفه ينظر في عينها بقوة :

" ليس هذه المرة، أنا تركتك سابقًا حتى لا اجبرك على شيء، لكن انتهينا روبين "

أنهى كلماته وهو يجري اتصالًا ويفتح المكبر، كان ظهر روبين مستند على صدره وهي تحاول الفكاك منه رافضة أن تستمع له، وبكائها يزداد كلما سمعت منه كلمة، حتى سمعت فجأة صوت انثوي يصدح جوار اذنها، ولم يكن أي صوت انثوي، بل كان صوتًا مألوفًا لها وبشدة، همست بعدم تصديق وهي تستدير له فجأة :

" جاسي؟! "

كان يسلط عينه عليها وهو يتحدث ببرودة وكأنه تحول فجأة لدراجون راميًا فبريانو المستفز جانبًا :

" مرحبًا جاسي"

وصل لمسامع روبين التي لا تعلم ما علاقة فبريانو باختها، صوت جاسي:

" سيدي "

انتبهت حواس روبين لما يحدث وسبب مناداة جاسي لفبريانو بسيدي، لكن ما سمعته لاحقًا جعلها تفتح عينها بصدمة :

" جاسي هل يمكنك القول من أنا؟!"

" ماذا ؟!"

" افعلي ما قلته عميلة ١٠٣ "

وصل لمسامع روبين صوت اختها وهي تتحدث بانضباط وبرودة غريبة عليها وهي من كانت دائمًا المشتعلة الغاضبة :

" أنت العميل ٩٩ مخابرات سيدي، والملقب بدراجون وقائد الوحدة ٤٠ والتي اكون أنا أحد أفرادها "

" حسنًا جاسي شكرًا لكِ "

وبهذه الكلمات أنهى فبريانو المكالمة، ثم انحنى قليلًا لروبين يهمس جوار أذنها :

" أنا لا أمتهن القتل روبين، ولا انحدر من عائلة مجرمين كما قالت روزيلا، هذا فقط ما نريد نحن للجميع أن يظنه، أنا أعمل ضابط بالمخابرات، ومالك الذي قابلتيه هو قائدي الغير مباشر، أنا لستُ سيئًا لهذه الدرجة روبين "

أنهى كلماته وهو يترك يد روبين ببطء ثم ابتعد عنها وهو ينظر لها نظرة أخيرة، واقترب منها مجددًا بتردد يرى نظرات الصدمة مازالت تزين عينها، قبلها بحنان على جبهتها، ثم همس لها بصوت حنون :

" إن كنت سيئًا في أحد الجوانب ارنبي الوردي، فهو حبك، أنا سيء جدًا في حبك "

وبهذه الكلمات اختتم فبريانو اللقاء وهو يتحرك للخارج تاركًا روبين تنظر في أثره بصدمة، تجلس ببطء على أحد المقاعد ودموعها تهبط دون شعور، وقد شعرت فجأة بأنها لا تعلم شيئًا بأنها حمقاء كما يخبرها الجميع، مسحت دموعها وهي تدفن وجهها في يدها تتأوه بتعب مما يحدث معها .

________________________________________

" مارتن ابتعد عن هؤلاء الحمقى وتحدث في مكان أكثر هدوئًا "

هكذا تحدث جاكيري بحنق وهو لا يستطيع سماع صوت مارتن بسبب الضوضاء جواره، حيث الجميع، نفخ بضيق وهو يمسح وجهه باشتياق لمثل تلك الجلسات، يود فقط أن ينتهي من كل هذا ويأخذ رفقة ويعود لأحضان عائلته الغالية .

وصل له صوت مارتن واضحًا :

" كنت اخبرك أنني وصلت لتسجيلات ذلك اليوم الذي أخبرتني عنه، هل تريد مني أن ابحث لك عن التسجيل، ام ارسلهم جميعًا لك وتبحث أنت؟!"

كان مارتن يأخذ أذنه في البداية احترامًا لرغبته، حتى لا يرى شيئًا قد لا يود جاكيري لأحد أن يراه .

تحدث جاكيري من الجانب الآخر بجدية :

" لا مارتن، ارسل لي فقط التسجيل الذي يخص ما حدث، لا اريد البحث بنفسي، أنت تعلم أن صبري قليل، ولن احتمل أن ابحث في كل هذا "

هز مارتن رأسه وكأن جاكيري يراه، ثم انتبه لاقتراب جولي منه وهي تقول مشيرة للخارج بصوت خافت :

" هيا مارتن للطعام "

هز مارتن لها رأسه وهو يلقي لها بسمة حنونة، ثم قال بجدية :

" حسنًا جاكيري، اعطني فقط ساعات قليلة وستجد كل شيء أمامك، بالتوفيق يا اخي، ننتظر عودتك "

ابتسم جاكيري بحنان وهو يهمس مرهقًا :

" اه يا مارتن لكم اشتاق للمنزل والجميع، حسنًا اذهب الان وانتهي من الأمر، انتظر منك القادم "

اغلق جاكيري المكالمة وهو ينهض من فراشه يحمل ثيابه التي سبق وجهزها، ثم تحرك صوب المرحاض حتى يغسل كل ارهاقه مما حدث، في نفس الوقت الذي دخلت به رفقة للغرفة وهي تحمل صينية طعام تنظر في جميع أنحاء الغرفة باحثة عنه، تود مصالحته، تحركت تضع الصينية على الطاولة ثم جلست على أحد المقاعد، متنهدة بتعب من أفعال جاكيري، فهو منذ رأى ما فعلت بشعرها وهو جن جنونه ولم يتحدث لها، هي لم تعلم أن تلك ستكون ردة فعله، ظنت أنها ستنال إعجابه بهيئتها الجديدة، لكن جاكيري يفاجئها بردة فعله كالعادة .

مرت دقائق، حتى سمعت صوت غلق الماء تبعه خروجه من المرحاض، وهو يجفف شعره، لكن فجأة توقف وهو يراها تجلس أمامه مبتسمة بسمة لطيفة، وكاد أن يبادلها البسمة بأخرى، لولا رؤيته لشعرها الذي أفسد مزاجه وهو يقول بحنق مضيقًا عينه :

" أيتها الشريرة "

نظرت له رفقة بعدم تصديق أنه حتى الآن ينعتها بالشريرة، نهضت من مكانها وهي تتجه له للتحدث معه بجدية، لكن بمجرد اقترابها منه حتى التصق في الخزانة خلفه وهو يشير لها أن تعود بفزع مصطنع :

" لا ابتعدي عني ولا تلمسيني بتلك اليد التي قتلت صغاري أيتها القاتلة، واخرجي من غرفتي فأنا لا اقبل بقاتلة بها "

أطلقت رفقة شهقة عالية وهي ترفع طرف شفتيها بتشنج قائلة بصوتٍ عالٍ حانق :

" أنا قاتلة عشان غيرت تسريحة شعري، والاستاذ اللي بيقتله كل يوم اتنين على الريق يكون ايه ؟! بياع عرق سوس ؟!"

أنهت حديثها ثم ترجمته له بلغته حتى يفهمها، وبنفس اللهجة الحادة الساحرة قالت :

" إن كان هناك قاتل هنا فهو ليس أنا عزيزي، تحاول الابتعاد عن يدي!! حسنًا جاكيري سوف ارحل من هنا ولن ترى وجهي مجددًا حتى تتقبلني كما أنا "

راقبها جاكيري وهي تتحرك صوب الباب بنظرات غاضبة حادة، لكن لم يرأف بها أو بحالها، فهو حتى الآن ورغم مزاحه غاضب وبشدة من فعلتها، فهي تظنه يمزح عندما اخبرها أنه عاشق لخصلاتها الثائرة .

كانت رفقة تتحرك صوب الباب بخطوات غاضبة، لكن وعلى حين غرة استدارت وركضت صوب جاكيري بشكل باغته، وانقضت عليه تمسكه بيدها التي يدعي أنها يد قاتلة تقول بتشفي :

" انظر لقد لوثتك القاتلة الآن، أنت أيضًا قاتل جاكيري "

صرخ جاكيري وهو يحاول ابعاد يده عنها وكأنها تحمل مرضًا معديًا، يصيح بأعين مفتوحة وهو ينظر ليدها التي تمررها عليه عنادًا به :

" لا ابعدي تلك اليد عن جسدي الطاهر "

وأمام باب الغرفة كان يقف اسكندر وهو يرمق الاثنين ببلاهة وفم
مفتوح باتساع، يحاول معرفة ما يدور داخل رأس هذين الاثنين، يتساءل كيف يجتمع اثنين بمثل تلك الحماقة في علاقة واحدة، ألا وجود لأحد يفكر منهما كما الناضجين؟! كلاهما مجنون ؟!

تحرك اسكندر من أمام باب الغرفة وهو يضرب كف بكفٍ وقد شعر بقرب إصابته بمرض قلبي إن استمر في الوقوف .

بينما في الداخل استطاع جاكيري الفكاك من يد رفقة وهو يلقي بها على فراشه، ثم اقترب منها وهو يقول بصوت مخيف هامس :

" لقد تخطيتِ جميع الحدود التي وضعتها لكِ سابقًا رفكة، والآن لن امرر لكِ فعلتك تلك دون عقاب، وعقاب قاسي أيضًا "

نظرت له رفقة بشك وهي تردد :

" هل تمزح جاكيري ؟! أي عقاب هــ "

ولم تكمل حديثها بسبب شعورها بأصابع جاكيري تزغزغها بعنف، لتنطلق ضحكات رفقة عالية وهي تتحرك بقوة تحاول الفكاك من بين يديه، وهو لا يرحمها، ليسمع صوت رفقة وهي تقول من بين أنفاسها اللاهثة :

" لا توقف، أنا اسفة، سوف أعيد شعري كما كان اقسم، توقف جاكيري ستنقطع انفاسي "

كانت تتحدث من بين ضحكاتها، ليضحك عليها جاكيري وهو يقترب منها مقبلًا وجنتها بقوة مرددًا لها بحب :

" انظروا لحبيبتي المطيعة "

نظرت له رفقة ببسمة قبل أن تستغل قربه وتمسك وجهه جاذبة خديه وهي تقول بمزاح :

" انظروا لحبيبي المجنون "

ضحك جاكيري وهو يتسطح جوارها يضمها إليه وهو يهتف مقبلًا وجنتها بحنان :

" سماع هذا اللقب منكِ تحديدًا يسعدني يا فتاة "

ضحكت رفقة بقوة وهي تدفن نفسها في أحضانه مرددة بحب شديد :

" جاكيري "

" اممم "

" أنا أحبك كثيرًا، لا تغضب مني، أنا فقط ظننت أنك ستحب أن أغير من هيئتي قليلًا "

" رفكة حبيبتي أنا سأحبك بأي شكل وأي هيئة، وما فعلته كان فقط مزاحًا معكِ، إن اردتِ الاحتفاظ بهذا الشعر أنا لا أمانع، فأنا احببت رفكة بكل ما فيها واتقبل رفكة بكل ما فيها، لكن لا استطيع القول أن شعرك المجعد يمتلك مكانة كبيرة في قلبي، فقد كان هو أول ما تلمحه عيني منكِ عندما علمت أنكِ فتاة، هو اول ما سقطت بعشقه، لكن لا بأس سأحاول التأقلم مع هذا لأجل رفكة فقط "

ابتسمت رفقة بسمة واسعة وهي تضع رأسها على صدرها مرددة بحب :

" وأنا لا اريد الاحتفاظ بهذا، سوف أعيد القديم، فهو شاركنا العديد من الذكريات جاكي "

ضحك جاكيري وهو يستمع لاسم تدليله من بين شفتيها :

" حسنًا الآن أنا مضطر لمنع أي أحد من نطق جاكي من بعدك، فلا أظن أن هناك من يمكنه سرقة قلبي بنطقه مثلك "

صمت قليلًا وهو يراقب نظراتها المحبة ليقول بحنان وهو يتلمس وجنتيها بلطف :

" رفكة لقد اقتربنا من نهاية تلك القصة عزيزتي، ونحن الآن على أعتاب بداية جديدة، بداية تضمن بين سطورها، رفكة وجاكي فقط "

____________________________

كان انطونيو ينحني قليلًا على أذن روما وهو يهمس لها بصوت خافت محب :

" أنا مللت من صحبة هؤلاء الحمقى، ما رأيك أن نتركهم ونصعد للغرفة ؟! "

ابتسمت روما بسمة صغيرة وهي تنظر حولها تحاول التأكد أن لا أحد ينظر إليهم، ثم اردفت بخجل من تصرفات انطونيو:

" انطونيو بحق الله توقف الجميع ينظر إلينا "

نظر لها انطونيو، ثم استدار فجأة للجميع، ليبعدوا أعينهم عنه برعب، وينظروا في جهات بعيدة عنهم خوفًا من غضب انطونيو، عاد انطونيو بنظره لروما، ثم اقترب هامسًا لها بخبث :

" ما رأيك في شهر عسل غير ذلك الذي أفسدته واتسون الغبية"

نظرت له روما بحنق وقد تذكرت فجأة تلك الفتاة :

" اه تلك الغبية، لقد أفسدت اجمل ايام حياتي "

أطلق انطونيو ضحكة عالية جعلت أعين الجميع تعود له بفضول يسمعونه وهو يقول بتسلية :

" لا تقلقي هي لم تفسد حياتنا نحن فقط، يبدو أنها أفسدت حياة عزيزنا فبريانو "

تحدث مايك الذي لم يكن يفهم عمن يتحدثون أو ماذا يحدث هنا، لكنه قال بتنهيدة :

" على الاقل لديكما حياة لتفسدها، وانا المسكين إن جاءت إلىّ لن تجد ما تفسده "

ولم يكد يكمل حديثه حتى وجد زجاجة مياه تصطدم في وجهه بعنف، مما جعله يصرخ وهو يسب صاحب الزجاجة والذي لم يكن سوى مارتن الذي ارتفع صوته :

" تبًا لك يا حقير، اقسم أن كل ما يحدث معنا بسبب حديثك هذا "

رمقه مايك بحدة وهو يبادله الصراخ :

" لقد كدت تصيبني بالعمى يا حقير، كيف كنت سأصمم الثياب للجميلات ها ؟!"

أبتسم مارتن بسخرية وهو يستمع لصوت جولي جواره تهمس له :

" مارتن، هل مايك مصمم مشهور حقًا أم أنه يمزح معنا ؟!"

" للاسف بنية العينين هو كذلك، ذلك الاحمق "

ابتسمت جولي بسمة صغيرة وهي تقول بصوت منخفض وخجل :

" إذًا هل يمكنه تصميم فستان الزفاف خاصتي ؟؟ اريد أن اصمم واحدًا كما كنت اتخيله "

استدار لها مارتن نصف استدارة ثم قال بجدية وحنان :

" تريدين ذلك ؟!"

هزت رأسها ببسمة، ليبادلها هو آخرى :

" إذن سأخبره أن يصنع لكِ اجمل فستان زفاف، وبعدها اقطع يده حتى لا يصمم مثلها لأحد غيرك "

" يا احمق يكفي أن تخبرني أنك تريده فستانًا فريدًا مميزًا وانا لن اصمم مثله"

هكذا تدخل مايك في الحوار بينهما وهو يصيح بحنق شديد، بينما كانت اعين روما تدور على وجه مارتن بغموض، وهناك بسمة صغيرة ترتسم على فمها .

اقتربت روز من الجميع في ذلك الوقت وهي تشير لهم على السفرة التي تتوسط المكان، وهناك بسمة لطيفة تنير وجهها، وخلفها يقف جايك ينظر للجميع بشر وكأنهم اخذوا للتو شيئًا يخصه .

تحرك الجميع مع روز صوب السفرة وهم يتحدثون احاديث جانبية لا علاقة لها ببعضها، تقدم مارتن من المقعد المجاور لخاصته، يسحبه لجولي التي ارتسمت على فمها بسمة واسعة وهي تهمس له بحب :

" أنت لطيف مارتن "

انحنى مارتن قليلًا بالقرب من أذنها بعدما جلست وهو يهمس :

" أنا لستُ لطيفًا  في العادة، أنا فقط لطيف لأجل جولي "

نظرت له جولي ببسمة واسعة، بينما هو غمز لها بمشاكسة .

كتم ماركوس ضحكته على حديث فيور والتي اقتربت منه وهي تهمس :

" أين جدك الوسيم عم ماركوس، أنا لا أراه في الجوار؟!"

نظر ماركوس لانطونيو وهو يقول كاتمًا ضحكته :

" صحيح انطونيو، أين هو جدي؟! لم أره منذ عدنا من المشفى آخر مرة ؟؟"

تحدث مايك وهو يتناول بعض الطعام أمامه :

" جدك يا فتى لا يطيق الجلوس في المنزل دون سيلين، أنا أشعر بوجعه وهو يراها في كل مكان، يتخيل طيفها يركض خلفنا بعكازها، إن جدك يتألم الآن، ولا أظن أن ألمه سينتهي أو هو سيعود إلا عندما نعيد له روحه يا اخي ....سيلين "

انتهى مايك من كلماته والجميع ينظر له ببلاهة، بينما هو رمقهم بتعجب لنظراتهم تلك :

" ماذا ؟! هل اكذب الآن؟! جدك لم يطأ المنزل منذ رحلت سيلين، ولا ادري لما يكابر حبه، أعني أنا لا امانع أن يتزوجها وينجب لنا عمًا صغيرًا و.."

تدخل ماركوس في الحديث وهو يمنع أخيه من إكمال كلماته :

" تجاهل سؤالي رجاءً، هذا يكفي "

تنهد انطونيو وهو يضع الطعام أمام روما بحنان وصوته خرج بجدية :

" جدك ذهب لاجتماع طارئ مع بعض الرجال، لقد حدثني منذ يوم تقريبًا وأخبرني أنه سيعود قريبًا، بعدما ننتهي من الطعام سوف اتحدث إليه لاطمئن على سير الأمور بشكل صحيح "

صمت الجميع عقب كلمات انطونيو، في نفس اللحظة التي رأى الجميع ادم يدخل للمكان وخلفه هايز، بعدما رحلوا منذ ساعتين تقريبًا في نصف الجلسة لرؤية الصغير ايان، تحرك ادم صوب الطاولة وهو يلقي بالتحية على الجميع، وجواره هايز التي كانت غاضبة لأنه لم يسمح لها بالعودة للمنزل والبقاء به .

" إذن آدم كيف حال الصغير ؟!"

رفع آدم عينه لمايك وهو يجيب ببسمة صغيرة :

" هو بخير مايك، أخبرنا الطبيب أنه استفاق في الصباح لثواني قبل أن يعود لغفوته مجددًا، وهذا أمر مبشر في الحقيقة، وقريبًا سيجري الجراحة الثانية "

هز مايك رأسه وهو يلقي بعض الكلمات المواسية لهايز التي كانت تبتسم للجميع بسمة صغيرة، بينما انطونيو كانت عينه تمر على الجميع حوله ولا أحد يدري فيما يفكر .....

____________________________

كانت النظرات المتبادلة بين الاثنين أشبه بحرب طاحنة اجتمع بها جيشين لدولتين ذواتا بأسٍ شديد، والاثنين وقفا أمام بعضهما البعض في ارض المعركة، وكل واحدٍ منهما ينتظر أن يبدأ الآخر بالهجوم .

تحدث الرجل وهو يجلس على مقعد وثير أمام المقعد الذي قيد به اليخاندرو :

" أنت لا تساعد في هذا سيد اليخاندرو "

هز اليخاندرو كتفه هزة صغيرة وهو يردد بعدم اهتمام :

" ومن اخبرك أنني أود المساعدة من الأساس ؟؟"

ابتسم الرجل له بسمة صغيرة وهو يحرك وجهه ينظر للمكان حوله، ثم انحنى قليلًا يستند بيديه على ركبتيه يهمس بصوت خافت يحاول :

" صدقني ما تحاول ادعائه الآن لن يفيدك "

" أي ادعاء هذا يا صغير ؟! اتظنني مثلك ؟!"

تحدث الرجل أمامه بحاجب مرفوع :

" مثلي ؟!"

" نعم مثلك، منذ احضرتني لهنا وأنت تدعي الخطورة، لكن صدقني لولا قوة تحملي، لكنت انفجرت في الضحك من تصرفاتك البلهاء تلك، حتى حفيدي الاصغر بين الجميع أكثر خطورة منك ومن رجالك كلهم، أنت تبدو ابلهًا "

نظر له الرجل ثواني دون رد فعل وعلى حين غرة رفع يده ولكم اليخاندرو بعنف شديد ارجع رأس الآخر للخلف، ولم يكد الرجل يسحب يده جواره مجددًا حتى كان جسده ممدًا أسفل قدم اليخاندرو، بعدما دفع مقعد الرجل بعنف شديد، وبعدها ضرب معدته بعنف مستخدمًا قدمه وهو يهمس بشكل مستفز :

" أنت يا فتى لم تذق يومًا طعم الاحترام، حتى حفيدي الثالث أكثر احترامًا منك "

نظر له الرجل الذي يتسطح ارضًا بشر وعيونه تنطق بكل ما يدمره، نهض ببطء وهو يتحدث بشكل مخيف يضغط على معدته :

" جعلتني الآن متشوق لمقابلة أحفاد والتعلم منهم سيد اليخاندرو "

ابتسم له اليخاندرو بسمة صغيرة وهو يراقبه يخرج من الغرفة :

"حسنًا أنا حاولت صرف نظرك عن الأمر، لكن يبدو أن إصرارك أكبر مما توقعت، لا بأس احضرهم فأنا مللت البقاء هنا على أية حال"

_______________________________

ضوضاء عالية تخترق مسامعه، جعلته يسب بصوت عالي وهو يتقلب في فراشه جاذبًا الغطاء أعلى وجهه، لكن صاحب الضوضاء لم يكتفي بضوضاءه، بل وصلت به الوقاحة لجذب الفراش من على وجهه وهزه بعنف، انتفض مارسيلو في جلسته وهو يصرخ بجنون :

" ماذا ألا يستطيع أحد النوم في هذا المنزل ؟!"

عادت راسيل للخلف بفزع من صراخه، مما أسقطها ارضًا بعنف بسبب ارتدادها العنيف، رفعت نظرها ترمق مارسيلو بغيظ وضيق :

" أي منزل هذا ؟! تتحدث وكأنك في منزلك "

نظر مارسيلو حوله بتيه وهو يحاول تبين مكانه، لكن كل ما ظهر له هو أساس غريب وجدران غريبة، حرك عينه للأرض حيث تستقر راسيل التي ماتزال تتمتم معتاظة من أفعاله .

" أين نحن ؟! "

" حقًا ألست أنت من احضرنا هنا يا سيد ؟!"

رمقها مارسيلو بعيون ضيقة وهو يحاول تذكر ما تتحدث عنه، حتى ضربته فجأة ذكراه وهو يحملها أمام أحد المنازل وهي بين يديه تلفظ أنفاسها الأخيرة، قبل أن تفتح له إحدى السيدات الباب ووقتها لم يشعر بشيء .

فرك مارسيلو خصلاته وهو ينظر حوله مرددًا :

" منذ متى ونحن هنا ؟!"

نظرت له راسيل وهي تستند على يديها بعدم اهتمام :

" يوم  تقريبًا "

فتح مارسيلو عينيه بصدمة وهو يصرخ منتفضًا من مكانه :

" ماذا ؟!  يوم ؟!"

هزت راسيل له رأسها وهي تنفخ بضيق تقص عليه ما حدث منذ الصباح حتى الآن:

" عندما استيقظت وطدت سيدة كبيرة جواري تخبرني أنك سقطت مغشيًا عليك بسبب البرودة الشديدة خاصة أنك لم تكن ترتدي ثياب مناسبة "

قالت كلمتها الأخيرة بصوت خافت آسف على ما تعرض له بسببها، ثم ابتلعت ريقها وهي تكمل :

" ومن وقتها وانا هنا جوارك بعدما احضرنا لك طبيب واخبرنا أن لا شيء نقلق عليه "

نظر له مارسيلو، ثم حرك عينه لثيابه وهو يقول بعدم فهم :

" وهذه الثياب ؟!"

" أنها ثياب حفيد السيدة صاحبة المنزل "

هز مارسيلو رأسه وهو يتنهد، ثم مسح وجهه يحاول ترتيب أفكاره، ينظر لها من بين أصابعه وهو يقول بجدية :

" أعطني هاتفك راسيل، فقد تعطل خاصتي "

مدت راسيل يدها للحقيبة المعلقة برقبتها منذ استيقظت، ونزعت منها هاتفها واعطته له، امسكه مارسيلو ورمقه قليلًا وهو يحاول تذكر أي رقم لأحد أفراد عائلته، ثواني فقط حتى أخذ يضغط على بعض الأزرار بسرعة .

صمت قليلًا يستمع للجانب الآخر ينتظر ردًا، حتى وصل له صوت ناعس يقول بحنق :

" أقسم أن كان الأمر الذي اتصلت بي لأجله لا يستحق، لاقتلنك مهما كنت "

كان ذلك صوت جايك الذي وصل ناعسًا بعدما أجاب على هاتفه دون حتى النظر للرقم ومعرفة من يتصل به، لكن انتفض وهو يستمع لصوت مارسيلو الذي وصل له عبر الأسلاك يخبره بعض الكلمات المقتضبة، ثم اغلق الهاتف وأعطاه لراسيل التي لم تفهم شيئًا من حديثه، وكأنه كان يتحدث بشيفرة ما .

تحرك مارسيلو من الفراش وهو ينظر للخارج من النافذة يقول بجدية :

" هيا سوف نذهب لذلك الرجل إلى منزله ونحاول أن نصل منه لحل بشكل ودي، وبعدها نعود للبلاد "

نهضت راسيل بسرعة من جلستها وهي تركض صوبه تتمسك في ذراعه بشكل جعله ينظر ليدها ثواني، قبل أن يعود لعينها يرمقها بتعجب شديد، لكن راسيل نظرت بعيدًا عنه وهي تهمس :

" فقط حتى نخرج ارجوك "

ضيق مارسيلو عينه بشك من حديثها وهو يستشعر وجود خطأ، ورغم ذلك تحرك للخارج، متجاهلًا تعلقها به، كطفلة تتعلق بوالدها حين المرور بمجموعة من الكلاب المخيفة .

تحرك مارسيلو على الدرج الخاص بالمنزل والذي كان يتضح الثراء في جميع أركانه، وبمجرد وصوله للطابق الاسفل سمع صوت رجالي يتحدث بنبرة خشنة :

" إذن لقد استيقظت سيد مارسيلو ؟!"

ابتسم مارسيلو بسمة سمجة وهو يقول بنبرة مستفزة :

" لا لم أفعل "

ابتسم له الشاب الذي كان يقف أمامه والذي بدا له في عمر مارتن تقريبًا، أي يكبره ببضعة أعوام.

تحركت عين الرجل على راسيل وهو يقول ببسمة صغيرة :

" ارى وجهك مشرقًا الآن آنسة راسيل "

لم تكد راسيل تبدي أي ردة فعل على حديثه حتى شعرت فجأة بقشعريرة تمر على جسدها، ويد مارسيلو تضم خصرها بتملك وصوته يصدح بهدوء شعرت به يخفي الكثير خلفه :

" من اخبرك أنها آنسة؟! "

نظر له الرجل بعدم فهم ليقول مارسيلو ببسمة سمجة :

" لم نتعرف بشكل ملائم، أنا مارسيلو فوستاريكي، وهذه السيدة راسيل فوستاريكي....... زوجتي "

بُهت وجه الشاب وهو ينظر لهما بتفاجئ، ثم تحولت ملامحه للضيق فجأة وهو يشير للطاولة جواره :

" تشرفت بكما سيد مارسيلو، ارجوكما تفضلا فقد أعدت جدتي الطعام، هي سوف تلحق بكما "

انهى حديثه وهو يتحرك للخارج يقول دون النظر لهما :

" أنا لدى اعمال مهمة، وإلا لكنت شاركتكم الطعام، استأذنكما "

راقب مارسيلو خروجه وهو يقول بصوت حاد :

" هل ازعجك ؟!"

هزت راسيل رأسها بسرعة وهي تقول بهدوء :

" لا سيدي لم يفعل "

نظر له مارسيلو ثواني بغموض قبل أن يتحرك صوب الطاولة وهو ينظر لها ببسمة قائلًا :

" يبدو الطعام شهيًا "

ودون حتى أن ينتظر الجدة، انقض على الطعام وهو يتناوله بشراهة كبيرة جعلت راسيل تفتح عينها بصدمة مما يفعل، لكن هو لم يهتم وهو يتناول الطعام باستمتاع مرددًا :

" هيا تناولي الطعام قبل أن نذهب من هنا، علينا أن ننتهي من هذا كله ونعود، فقد ضقت بهذه البلاد "

________________________

نهضت ببطء من جواره، تتأكد أنه نائم، ثم تحركت من الفراش تحمل هاتفها، وهي تنظر كل ثانية وأخرى للخلف بجدية، تشعر بضربات قلبها تضرب صدرها، لدرجة خشيت أن تُسمع الجميع ويستيقظون، أغمضت عينها وهي تقف أمام غرفتها تضغط على هاتفها بقوة وتتحرك صوب الخارج، حتى وصلت لخارج القصر وهي تضع الهاتف على اذنها تتحدث عبره ببرود شديد :

" أنا الآن في الخارج، ما الذي تريده الآن؟!"

وصل صوت ديفيد عبر الهاتف وهو يقول بهدوء وحنان مصطنع :

" آه هل تسببت في استيقاظك جميلتي ؟!"

" لا بأس ديفيد كل هذا يثقل ميزانك عندي "

وصل لها صوت ديفيد الذي قال بعدم اهتمام للهراء الذي تتحدث به :

" اصرفي الحراس من أمام البوابة الشرقية للقصر "

ضغطت روما على شفتيه بغضب شديد وهي تتحرك صوب البوابة الشرقية تتحدث في الهاتف بعنف :

" ما الذي تخطط له ديفيد ؟! اقسم إن اذيت أحدهم سوف ترى مني ما لا يسرك "

" اهدأي يا جميلة أنا فقط اريد الحاسوب الذي سرقه رجال عائلتك مني بكل وقاحة، أنا فقط استعيد ما هو ملكي من البداية "

أنهى حديثه ثم قال بجدية :

" فقط اصرفي الحراس وهنا ينتهي دورك "

توقف روما على بُعد صغير من البوابة الشرقية وهي تتنفس بصوت عالي، ثم تحركت نحو البوابة وهي تقول بصوت فزع بعض الشيء :

" هناك ...هناك صوت تبادل نيران يأتي من الجهة الجنوبية للقصر "

التفت الجنود بفزع لذلك الصوت خلفهم، ليجدوا انها لم تكون سوى زوجة اكبر رجال هذا المنزل، تحرك أحد الحرس جهتها وهو يقول بعدم فهم :

" أي اصوات تلك، لا شيء يصلنا "

" ماذا تقصد ؟! أنا سمعت من النافذة صوت تبادل نيران، كما أنني بحثت عن انطونيو في كامل القصر ولم أجده، أخشى أن يكون في اشتباك مع أحدهم "

نظر أحدهم للباقيين قبل أن يأمرهم بعينه أن يتبعونه تاركين البوابة فارغة، وكل ما في رأسهم أن هناك هجوم على القصر، وفي هذه الحالة فقط مسموح لهم بمغادرة أماكنهم حسب أوامر سيدهم، راقبت روما رحيلهم، ثم تحركت بخطوات هادئة صوب القصر من البوابة الخلفية وهي تتحدث في الهاتف بصوت خافت :

" تم الأمر ..."

______________________________

دخلت لولو الغرفة الخاصة بحفيدتها وهي تقول بسعادة بالغة :

" روبين، اهلك جايين كمان يومين، جاسي لسه قافلة معايا وقالتلي أنهم جايين كــ"

توقفت عن الحديث وهي ترى حفيدتها التي تجلس على النافذة الخاصة بغرفتها تشرد في السماء ولا تنتبه لها، ضربت لولو بعكازها، ثم قالت بحنق :

" يابنتي بتعملي في نفسك كده ليه ؟! هتدمري نفسك عشان كلب ولا يسوى ؟! يا شيخة اللهي تــ"

انتفضت روبين من جلستها وهي تقاطع لولو بفزع :

" لا يا لولو اوعي تدعي عليه "

رفعت لولو حاجبها ورفعت طرف شفتيها في تزامن ساخر مع حاجبها وهي تردد متشنجة :

" يا ضنايا يابنتي، وده من امتى يا حبيبتي ؟! مش ده الواطي الكداب الخاين اللي مش عايزة تسمعي سيرته تاني ؟؟"

لوت روبين شفتيها بحنق وهي تضع رأسها على قدمها تهمس بصوت منخفض :

" اعمل ايه يا لولو يعني أنا بحبه، هو أنا كده ابقى مهزقة ؟!"

ضحكت لولو وهي تنظر للنافذة جوارها :

" ابقي خليه هو يقولك يا مهزقة"

لم تفهم روبين شيء من حديث لولو إلا عندما وصلها صوت جوارها يهمس بنبرة حنونة :

" لا ارنبي الوردي أنتِ لطيفة رقيقة حبيبتي "

انتفضت روبين برعب وهي تستدير فجأة للنافذة المفتوحة جوارها تراقب فبريانو الذي كان يجلس على فرع الشجرة العتيقة التي تلتصق بنافذتها بشكل يكاد يجعلها تدخل للغرفة، فتحت روبين عينها بصدمة، هي حتى لم تسمع صوت تسلقه أو تنتبه لشيء، استفاقت وهي تستمع لصوت لولو خلفها :

" اهو سمحتلك تدخل البيت، فين بقى حقي  ؟!"

كانت لولو تتحدث وهي تنظر بعيون مترقبة لفبريانو الذي انتزع حقيبة ظهره وأخرج منها حقيبة صغيرة، ثم قذفها لـ لولو يقول بجدية :

" هذا نصيبك لولو "

ابتسمت لولو بسعادة وهي تقول اثناء تحديقها في الحقيبة :

" بيبي بلو ؟!"

" لا، لم أجد ذلك اللون الذي طلبتيه، فاحضرتك لكِ واحدة حمراء "

ابتسمت لولو بسعادة وهي تغادر الغرفة وكأنها حازت للتو أثمن هدايا عمرها :

" حمراء حمراء هو أنا كنت طايلة، واخيرًا هكمل المسلسل المكسيكي، ربنا مايحوجنا لروبين ولا حد "

كانت روبين تتابع خروجها بصدمة واعين مفتوحة، تردد بصدمة :

" بعتيني بسماعة يا لولو ؟! "

" ونص كيلو لب"

استدارت روبين لفبريانو ترمقه بعدم فهم، لتجده يقول ببسمة سمجة :

" سماعة ونص كيلو لب، ولبانة بالنعناع، دي الراجل عطاها ليا هدية مع اللب "

أطلقت روبين ضحكة ساخرة وهي تقول :

" عطاها ليك هدية ؟! صحيح مش كل من تعلم لغة بقى من أهل البلد، اللبانة دي بقيت فلوسك يا اهبل "

رمقها فبريانو بعدم فهم ثواني، قبل أن يهز كتفه بلا اهتمام وهو يضع على النافذة جوارها، علبه تشبه خاصة لولو لكن تلك وردية وهو يقول ببسمة :

" احضرتها لكِ وردية لتناسب ارنبك الوردي"

صمت يراقب زيها الذي كان اخضر اللون على شكل تمساح، يعلو رأسها وجه تمساح فبدت كما لو أن رأسها تقبع داخل فمه، همس فبريانو بخبث :

" أصبحتِ خطيرة روبين "

نظرت له روبين بعدم فهم، ليشير هو إلى زيها، لكنها لم تهتم به وهي تقول بجدية :

" أنت فاكر إني هنسى كل حاجة بالسماعة دي ؟!"

أخرج فبريانو من حقيبته حقيبة بلاستيكية كبيرة مليئة بالحلوى والمثلجات يضعها على النافذة جوارها، ثم نظر لها يترقب وكأنها يخبرها ( والآن؟؟) .

ضحكت روبين بسخرية وهي تقول :

" حقًا فبريانو ؟! هل تراني حمقاء لهذه الدرجة ؟!"

صمتت ثم نظرت له وهي تقول بصوت متعب :

" أنت خلتني احس شعور وحش، خلتني أتأكد من كلام الكل اني هبلة، ومش بفهم حاجة، يعني أنت سبق وقولت للولو أنك ظابط وقاتل وكلام كتير أنا فكرته هزار، لكن كل ده طلع بجد، أنا بقيت قاعدة افتكر أنت قولت ايه تاني وأنت بتهزر لاحسن يكون بجد مش هزار "

تنهدت وهي تمسح وجهها بتعب :

" حتى لو أنت ظابط، بس أنا لسه حاسة بشعور وحش جوايا يا فبريانو، طبعًا ده دون ذكر اللي عملته يوم ما اتخطفت مع اللي اسمها موزريلا دي"

ابتسمت بسمة مغتاظة ثم همست:

" بتمط ؟!"

لم يبدو أن فبريانو فهم ما ترمي إليه، لكن هي لم تهتم وهي تكمل سخريتها :

" بتمط في ايدك كده صح ؟! سايب الشيدر ورايح للموزريلا اللي من غير طعم عشان بس بتمط، اقول ايه معندكش ريحة الذوق "

زفر فبريانو بضيق وهو يقول بجدية لينهي ذلك الأمر :

" روبين انا كنت مضطر لفعل ذلك حتى اشتت انتباهها لحين يأتي الرجال ويخرجوكِ من المكان وبعدها انتهي أنا منها "

بكت روبين وهي لا تتحمل تلك الذكرى :

" أنت قولتلها إني مش حبيبتك "

" بجد؟! وهو مين اللي كان قال كده الاول ؟؟ "

بكت روبين أكثر وهي تجذب قبعة الزي الخاص بها أكثر حتى تخفي وجهها تقول بصوت عالي من وسط بكائها :

" أنت اللي ضحكت عليا الاول، مرة تقولي بستاني، ومرة تقولي راجل اعمال، ومرة قاتل، ومرة ظابط "

مسحت دموعها وهي تقول بحنق :

" مع أنك أساسا تنفع ممثل يا فبريانو "

زفر فبريانو وهو يقول بجدية :

" اقسم أنني كنت سأخبرك بكل شيء بمجرد الانتهاء من تلك المسرحية الهزلية"

رفعت روبين عينها له بعدم فهم وهي تردد :

" أي مسرحية تلك ؟!"

نظر لها فبريانو ثواني دون أي ردة فعل، قبل أن يقفز من الشجرة للنافذة بشكل افزعها وهي تتمسك به في قوة كبيرة خشية أن يسقط، لكن هو منحها بسمة واسعة وهو يقول يمسك وجهها بين كفيه في حنان شديد :

" هل تريدين مني أن اخبرك بكل شيء من البداية ؟!"

نظرت روبين لعينه، ثم هزت رأسها ببطء تتحدث بوجع :

" لا اريد أن أشعر أنني حمقاء فبريانو، ولا اريد الشعور بالذنب كلما نظرت لوجهك وتذكرت عدد من سبق وقتلت"

" سأخبرك بكل شيء، لكن فقط عديني ألا يعلم أحد ما سأخبرك به روبين، لا أحد، لا أحد يعلم ما سأقوله سواي أنا وعائلتي، وأنتِ ...."

هزت روبين رأسها بسرعة وهي تنظر له بترقب، ليس لفضول، ولكن لتريح قلبها من جهته، لتنظر في وجهه وهي لا تشعر أنه شخص سيء، ليعود في نظرها فبريانو اللطيف .

"حسنًا الأمر بدأ منذ كان جدي شاب في بداية حياته ......"

________________________________

انتفضت لورا بعنف للخلف وهي تسمع صوت ضرب مديرها على المكتب أمامه، فتحت عينها بفزع تراقب حركاته من خلف مكتبه وهو يتجه نحوها، وها هي للمرة الثانية تكسر الرقم القياسي في عدد المرات التي دفعت فيها مديرها للتخلي عن عرشه الملكي .

عادت لورا للخلف أكثر وهي ترى اقتراب مدير المجلة منها يهمس من بين أسنانه :

" ألا تتحدثين الإيطالية آنسة لورا ؟!"

" بلى افعل سيدي "

ابتسم المدير بسمة بلاستيكية قبل أن يصرخ في وجهها بصوت تكاد تقسم أن جميع من في المجلة استمع له :

" إذن لِمَ لم تفهمي حديثي السابق عن كم أنا غير مهتم بمشاكلك مع عالم الحيوان ؟! ما شأني أنا وشأن متابعي المجلة بسبب صراخ الحيتان في المحيط ؟!"

سعلت لورا بقوة وهي تحاول ابعاد وجهها عن وجهه الذي يكاد يطلق نيران لها، ثم ابتلعت ريقها وهي تجيبه مصطنعة الهدوء :

" سيدي هذه أمور علمية مهمة، لا يجب أن يقتصر دور المجلة على الأمور السخيفة كالازياء وغيرها "

" وماشأنك أنتِ بمجلتي ؟؟ ثم لا أحد يهتم بما تكتبين عنه، إن كنتِ مازلتِ متعلقة بدراستك القديمة، لِمَ لا تبحثين لنفسك عن عمل بها ؟!"

رفعت لورا عينها له ثواني قبل أن تقول بصوت خرج عاديًا، لكن داخلها كان يصرخ وجعًا على آخر أحلامها التي تخلت عنها لأجل والديها :

" لم يوافق والدىّ على الأمر سيدي، ورأوا أن العمل بما درسته في علوم الحيوان لن تفيدني شيء؛ لذلك ها أنا هنا احقق حلمهما في أن أصبح كاتبة مقالات معروفة "

قالت آخر كلماتها ببسمة مقهورة ودموعها على حافة السقوط، تكره المدير وتكره المجلة وتكره العمل بها، وللحقيقة هي تكره نفسها أيضًا، ها هو ذلك الرجل المقيت يضغط بقوة على جرح سبق وخاطته، لكن الآن أدركت أنها لم تنظف جرحها من القيح قبل أن تخيطه، ومجرد ضغطه صغيرة عاد نفس الألم السابق، بل وزاد عليه الألم للضعف.

عاد المدير لمكتبه بهدوء وهو يشعر بطاقته نفذت بسبب وقوفه وصراخه ذلك، ثم استند على ظهر مقعده ونظر لوجه لورا ثواني قبل أن يقول :

" حسنًا يؤسفني أنني لا أستطيع مساعدتك في ذلك الأمر آنسة لورا "

صمت يراقب وجهها الذي كان يحاكي الموتى، ونظراتها الشاخصة بعيدًا عنه، وكأنها إن نظرت لعينه ستنهار :

" سأمنحك اليوم فقط حتى تجمعي أغراضك آنسة لورا وتسلمي لي استقالتك"

هنا وكفى، دموعها ليست بهذا الضعف لتستسلم لجسارة جفونها، ها هي تهدم أسوار جفونها منطلقة لاحتلال خدها، لتثبت للورا كم هي قوية، و تثبت للعالم كم أن لورا  ضعيفة .

هزت لورا رأسها بهدوء، ثم تحركت بهدوء صوب الخارج دون كلمة واحدة، تسير كالاموات، تخلت عن حلمها وتخلت عن شخصيتها وتخلت عن كل شيء لأجل هذه الوظيفة التي حصل والدها بصعوبة عليها، وها هي تخسر ما تخلت عن كل شيء لأجله .

كانت تسير في ممرات المجلة وهي تبكي دون صوت، دموعها تهبط فقط والجميع حولها ينظر لها ما بين شفقة وتشفي، ويبدو أنهم استمعوا لصوت تقريع المدير لها .

اقترب موسى بسرعة من لورا وهو يتألم على تلك الصغيرة التي منذ مجيئها وهو يراها كأخته الصغيرة التي اضطرت للزواج بعيدًا عنه :

" لورا هل أنتِ بخير ؟!"

لم تجب لورا وهي تزداد في البكاء تمسح دموعها بعنف، تكمل سيرها في الممرات وهناك فكرة واحدة تقفز برأسها في تلك اللحظات، هي خسرت الكثير بالفعل، ولا ضير من خسارة اخيرة، خسارة تنهي بها كل ذلك الألم.

ومن بين افكارها السوداء انبثق شعاع نور صغير في نهاية الممر متمثل على شكل رجل يبتسم لها وهو يرفع حقيبة بلاستيكية في الهواء، يلوح بها لها .

وكان ذلك الرجل هو نفسه مايك الذي نهض صباحًا مع رغبة ملحة في رؤيتها؛ لذلك خرج وأحضر بعض الحلوى وقد انتوى الذهاب معها للشاطئ مثل تلك المرة وتناول الحلوى ونسيان العالم، وها هو لم يكد يخطو الممر الذي يقبع فيه مكتبها، حتى وجدها تسير في نفس الممر صوبه، رفع الحقيبة التي بيده يلوح بها ببسمة واسعة وسعادة، سرعان ما تلاشت وهو ينتبه لدموعها .

وبمجرد أن رأت لورا مايك حتى سمحت لصوت بكائها بالارتفاع، وهي تركض صوبه بسرعة كبيرة ملقية نفسها في أحضانه تنهار باكية، وكأنها بذلك تعلن ترقية مايك من مجرد منقذ صغير في بعض المواقف، لبطل كبير في حياتها .

فتح مايك عينه بفزع وهو يترك الحقيبة لتسقط ارضًا، ثم ضم لورا وهو يتحدث بفزع :

" ما الذي حدث ؟! ما بكِ لورا هل فعل لكِ أحد شيء ؟!"

كان يتحدث وعينه تمر على الجميع حوله الذين كانوا يراقبون ما يحدث بفضول كبير لمعرفة من ذلك الذي تعانقه لورا، لكن زاد ضمه للورا أكثر متجاهلًا الجميع وهو يسمع صوتها الباكي يهمس بتقطع :

" لا اريد البقاء هنا، ارجوك، لا اريد البقاء، أخرجني من هنا مايك "

وكم تألم قلب مايك لرؤيتها تبكي بهذا الشكل، ربت على ظهرها بحنان جعلها تزداد في البكاء، ثم أبعدها بلطف وهو يمسك يدها بقوة متحركًا للخارج، لا يعير أحدًا أي اهتمام .

راقب موسى رحيل لورا بهذا الشكل وعيونه تدمع بقوة على حالتها، لكن رؤيته لها مع ذلك الرجل الذي تحررت أمامه وتحدثت، جعله يستريح بعض الشيء وهو يدعو لها في قلبه أن تتخطى كل أحزانها تلك، وأن يكون ذلك الرجل هو الترياق الذي كانت لورا تبحث عنه منذ سنوات .

مسح موسى دموعه وكاد يتحرك لمكتبه، لولا أنه لمح ماليكا تنزل هاتفها بعدما كانت ترفعه في الهواء وكأنها تصور شيئًا ما مبتسمة بخبث شديد، ثم تحركت صوب مكتبها، عض موسى شفتيه بغيظ وهو يتوعد لها في نفسه، إن اقتربت من لورا سيريها من الجحيم الوانًا .........

توقفت سيارته بالقرب من الشاطئ، هبط منها متجهًا صوب مقعدها يفتح لها الباب، لكنه تفاجئ من رؤيتها سقطت في النوم، نظر لها بصدمة وهو يتذكر أنها كانت منذ دقائق فقط مستيقظة، كيف سقطت في النوم بهذه السرعة ؟!

ولم يدري مايك أن تلك كانت وسيلة لورا الوحيدة للهروب من كل اوجاعها، فيدو أن جسدها سئم الوجع، وعينها ملت البكاء؛ لذلك تدخل العقل وقرر منح الجميع راحة .

جلس مايك القرفصاء جوارها وهو ينظر لملامحها بحزن على كل ذلك الوجع الذي يسكن ملامحها، تنفس بتعب وهو ينهض يمد يده لتعديل وضع المقعد، حتى يناسب نومتها وتكون أكثر راحة من هذا، ثم ترك الباب مفتوحًا حتى يدخل لها نسيم البحر وجلس ارضًا جوار الباب الخاص بها، يشرد أمامه يفكر في حالتها وسببها، ينظر كل ثانية وأخرى عليها كلما شهقت أثناء نومها، شهقات صغيرة كما لو كانت تبكي، وكم اوجعه قلبه أن تعاني كل هذا، شرد يتذكر أول مقابلة لهما عندما انهارت في مكتبه وتناولت بعض الحبات، هل يعقل أنها تعاني مرضًا يسبب لها كذلك ؟!

ولم يتح رنين الهاتف الفرصة لمايك أن يفكر في إجابة لسؤاله، أخرج هاتفه وهو ينظر لتلك الرسالة التي وصلت له مرفقة ببعض الصور، وقد كان مضمون الرسالة هو ( أظن أن تلك الصور ستنال اهتمامك ) فتح مايك الصور بعدم فهم ليجدها صور لـ لورا تعانق رجلًا بقوة وتدفن وجهها في رقبته بشكل حميمي، وصدمة مايك لم تكن لأجل هذه الصور، بل لأن ذلك الرجل هو نفسه، وتلك الصور تم التقاطها قبل قليل عندما انهارت لورا في أحضانه باكية، وظهرت له وكأنها صور حميمية، تعجب مايك من غرض تلك الرسالة، لِمَ يرسل أحدهم رسالة كتلك بها صور لنفسه؟! هل هو معتوه من ارسلها ؟!

لكن فجأة استوعب مايك الأمر وهو يدرك الآن أن تلك الصور لم تُرسل لمايك، بل أُرسلت لمافو، حيث انتبه أن الرسائل وصلت على الرقم الذي خصصه لأعماله كـ مافو، هذا يعني أن من أرسل الرسائل يظن أنها ستغصب مافو، ظنًا أن مافو في علاقة مع لورا............

______________________________

منزل كبير تصدح منه موسيقى عالية، وأصوات ضحكات أعلى، وهناك العديد والعديد من البالونات التي تتطاير في الأجواء، والزينة التي تكاد تخفي معالم الحديقة الخاصة بذلك المنزل.

هبط آدم من سيارته وهو يتحرك نحو الباب الخاص لهايز يفتحه بسرعة لها، ثم مدّ يده لها يمنحها بسمة رائقة، جعلتها تشرد في ملامحه بحب وهي تسلمه يدها بكل طواعية، تخرج من السيارة تبتسم له بحب .

غمز لها ادم وهو يخلل أصابعه في خاصتها بحميمية، ثم تحرك نحو الحفلة التي جاء إليها فقط لأجل تلك الجميلة التي تتأبط ذراعه، لا ينسى حتى الآن مظهره وهو يراها تطل عليه بمثل هذه الزينة وذلك الفستان الذي لم يرها سابقًا ترتدي مثله، وقد كانت روما هي المشرفة الاولى عليها لتخرجها بهذه الهيئة، وهذا لا يمنع أنه سبق ووقع بعشق هايز البسيطة اللطيفة .

دخل ادم رفقة هايز للحفل الذي تنظمه رفيقتها القديمة حسب اقوالها، يلمح بعينه جميع اصدقاء الجامعة، كانت أغلب الأعين مسلطة عليهم والجميع ينظر لهم بشكل جعله يظن أنهم هبطوا لتوهم من المريخ .

راقب ادم فتاة طويلة الجسد بشكل مبالغ، رشيقة القوام تتجه لهم وهي تفتح ذراعيها ببسمة واسعة تقول بسعادة ظاهرة :

" هايز حبيبتي، لا اصدق أنكِ اتيتِ "

ابتسم هايز لها وهي تسحب يدها ببطء من يد آدم وانطلقت صوبها تضم رفيقتها بحب كبير، تكاد تبكي من شوقها لتلك الرفيقة التي كانت تمثل لها عالمًا باكملًا قبل أن ترحل وتتركها وحدها بلا رفيق أو صديق .

كان آدم يراقب ما يحدث ببسمة حنونة، لكن فجأة شعر بمن يربت على كتفه وصوت مألوف يصدح خلفه :

" آدم، واخيرًا خرجت من مخبأك "

استدار ادم ببطأ، قبل أن ترتسم بسمة صغيرة على فمه وهو يعانق رفيقه، يربت على ظهره هامسًا :

" اشتقت إليك كثيرًا "

عاتبه صديقه بلطف :

" حقًا ؟! إن كنت اشتقت إلىّ لكنت حاولت التواصل معي "

ابتسم له ادم بسمة صغيرة وهو يلقي بنظرة سريعة على هايز التي كانت ماتزال تتحدث مع رفيقتها وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمها، ثم عاد بنظره لصديقه الذي انتبه لنظراته ليقول بخبث :

" اه في النهاية اخترت هايز ؟؟ أليست تلك الفتاة التي كانت تلاحقك ؟!"

اسود وجه ادم فجأة وقد اختفت بسمته، ثم قال بجدية مرعبة وهو يمسك ذراع صديقه يجذبه بعيدًا عن كل تلك الضوضاء، حتى توقف به في أحد الأركان يقول بجدية :

" جيد أنك ذكرت الأمر، فأنا كنت سأفاتحك به على أية حال "

" أي أمر تقصد ؟!"

احتدت عين ادم وهو يقول بشر :

" هل سبق واعطيتك رسالة لتوصلها إلى هايز؟؟"

على الجانب الآخر كانت هايز مندمجة في الحديث مع رفيقتها بسعادة كبيرة، لكن قاطع سيل ذكرياتهما صوت عالي ينادي صديقتها، استأذنت منها الأخيرة وهي تخبرها أنها ستعود سريعًا .

وعلى بُعد صغير من هايز كانت تقف نفس الفتاة زميلة هايز والتي قابلتها في مدينة الملاهي سابقًا وصرخ آدم في وجهها، كانت تقف رفقة صديقاتها وهي تقول ببسمة واسعة :

" اه الأمر يسير كما خُطط له يارفاق، بقيت فقط الخطوة الأخيرة "

نظرت لها إحدى الفتيات بتردد :

" مورا لِمَ لا تنسين الأمر ؟! أعني لقد احبها آدم تزوجها والآن لديهما طفل صغير، فقط انسي الأمر ولا تفتعلي مشاكل أكثر "

استدارت لها الفتاة فجأة وهي ترمقها بشر :

" إن كنتِ خائفة فارحلي "

صمتت الأخرى وهي تنظر ارضًا تراجع نفسها، ثم رفعت رأسها تحركها ببطء وبعدها ابتعدت بهدوء عن الجميع، تاركة مورا ترمقها بغضب وهي تقول صارخة في الجميع :

" هل يود أحدكم الرحيل أيضًا ؟!"

نظرت الباقيات لبعضهن البعض ثم قالت احداهن :

" نحن معك مورا، أنتِ تعلمين أننا لا نتخلى عن بعضنا البعض "

ابتسمت مورا وهي تهز رأسها ثم قالت وهي تتحرك مبتعدة عنهما :

" جيد، الآن الخطوة الثانية "

تحركت مورا بخطوات رشيقة صوب إحدى الأركان التي كان يقف بها منظم الحفلة وهي تمد يدها بذاكرة إلكترونية مرددة ببسمة مغوية :

" تفضل عزيزي، هذه هي الذاكرة التي ستعرضها "

ابتسم منظم الحفل وهو يأخذ منها الذاكرة ثم قال بجدية :

" حسنًا، سوف تُعرض في الوقت الذي اتفقت به مع صاحبة الحفل "

أعطته مورا بسمة صغيرة، ثم تحركت بعيدًا عنه وهي تقول بانتصار :

" لا بأس عزيزي، خذ كل وقتك "

_______________________________________

خرج مارتن من القصر وجولي خلفه يقول بتحذير وهو يشير لها :

" اقسم إن علمت أنكِ أنتِ من أخفيتِ الحاسوب سوف تلقين مني عقاب لن يعجبك جولي "

صعدت جولي السيارة وهي تقول بحنق :

" أخبرتك أنني لم افعل به شيئًا منذ أخبرتني أنه يحوي اشياء خطيرة، وانا لم اقترب منه، ثم أنت أخذته واخفيته في مكتب القصر ولم تخبرني حتى أين وضعته، لربما أخذه انطونيو "

تحرك مارتن بسيارته وهو يقول بتنهيدة :

" حسنًا سوف نعلم عندما نصل للشركة، والآن جولي لن اعيد حديثي و..."

قاطعته جولي وهي تكرر على مسامعه التعليمات التي جعلها تحفظها فقط ليوافق على اخذها للعمل معه :

" لن اتحرك من المكبت، ولن اتحرك في المكتب، سأجلس بكل هدوء جوارك العب في حاسوبك، ولن افتح ملفات خاصة بالعمل، ولن أنشأ حساب على الـ Facebook مرة ثانية "

ابتسم مارتن وهو يقول بتصحيح :

" بل مرة سادسة "

" نعم، لن افعل،  أنا في الأساس لم اعد أحب تلك الأمور، أعني أن تكون مجبرًا على مشاركة المعجبين أمور كثيرة، هذا أمر مرهق، كما أن متطلباتهم مرهقة، البعض يطالبني بالظهور في بث مباشر والبعض يطالبني بعمل لقاء كبير لهم "

نظر مارتن لها نظرة جانبية وهو يقول بسخرية :

" نعم أن يكون لديك أكثر من ١٠ متابعين، لهو أمر مرهق حقًا "

" بل أكثر من ٥٠ مارتن، آخر صفحة اغلقتها لي كانت تحتوي ٥٤ متابع "

أنهت حديثها وهي تضم يديها لصدرها تهمس باعتراض :

" أنت أصبحت متحكم بشكل لا يطاق، أصبحت تضيق الخناق علىّ مارتن "

ضحك مارتن بسخرية :

" حقًا ؟! هل كنت لافعل أيًا من هذا، إن كنتِ تتصرفين بطبيعية؟! يا فتاة لقد كدتِ تفشين اسرار العائلة بأكملها في اخر حساب انشأتيه "

ابتسم جولي وهي تنظر له ترفرفر برموشها :

" اقسم أنني لم اقصد، فقط سألني أحد المتابعين عن افضل مكان يشتري منه أسلحة "

" فـ قمتِ بالاشارة لانطونيو "

ضحكت جولي بصوت عالي :

" حسنًا قصدت هذا، لربما كان شرطيًا متخفيًا ويلقي القبض على انطونيو ونتخلص من ذلك الرعب الذي نعيشه في المنزل حين رؤيته "

هز مارتن رأسه بيأس وهو يردد :

" صدقيني المرة القادمة، لن استطيع منعه عنكِ جولي؛ لذلك توقفي عن محاولة اخراج وحوشه "

ضحكت جولي وهي تلقي رأسها على كتفه مرددة بحب :

" لا أخشى انطونيو ولا وحوش انطونيو، طالما أن فارسي الحبيب في ظهري "

نظر لها مارتن بحنان وهو يقبلها قبلة سريعة على خدها هامسًا :

" لاخر نفس بنية العينين "


وأمام القصر كانت تقف سيارة سوداء بعيدة بعض الشيء عن محيط الكاميرات التي تحيط بقصر آل فوستاريكي، وبها بعض الرجال والذين هم نفسهم من اقتحموا القصر مساء الأمس وعادوا صباحًا للتأكد من نجاح خطتهم، أخرج أحدهم هاتفه بمجرد رؤيتهم لسيارة مارتن تتحرك خارج القصر  وعينه تراقب حركة سيارة مارتن التي وضع بها جهاز تتبع ومستشعر حركات.

" مرحبًا سيدي لقد تحركت السيارة "

على الجانب الآخر كان ديفيد يدور بمقعده وهو يردد بجدية :

" هل نفذتم ما اتفقنا عليه ؟!"

ردد الرجل من الطرف الآخر  بجدية :

" نعم سيدي، هو الآن يقود سيارة بلا مكابح، فقط دقائق ونسمع خبر اصطدام سيارته و"

صمت الرجل ليتحدث ديفيد ببسمة منتصرة :

" ونودع النصف الأيسر من عقل آل فوستاريكي .............."

_________________________

ليس من الضروري أن يكون كل صوتٍ عالٍ هو صوت إنفجار، لربما هو صوت دقّ آخر مسمار في نعشك .......

واحذر فبمجرد أن تخطو لهم، فالجحيم آتيك من كل بابٍ .


دمتم سالمين
رحمة نبيل . 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...