خبطت بيان على الباب بكل قوتها وهي بتصرخ:
= بابا… افتح! بالله عليك افتح!
لكن اللي وصلها من الناحية التانية كان صوته البارد:
= العربية هتتحرك الفجر… جهزي نفسك.
= أنا مش هسافر… أنا مش موافقة!
ساد الصمت لثوانٍ…
ثم سمعت صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، كأنه حسم الأمر وانتهى.
جريت ناحية الشباك، فتحته بسرعة، وبصت للشارع.
لأول مرة تحس إن المسافة بين الدور التالت والأرض كبيرة بالشكل ده.
دارت بعينيها في الأوضة كلها…
مفيش موبايل.
مفيش لاب توب.
حتى السماعات اللي كانت بتسمع بيها برنامج براء، أبوها خدها.
خبطت على الباب تاني، لكن المرة دي بصوت أهدى:
= ماما… ماما بالله عليكِ…
وقفت أمها قدام الباب من الناحية التانية، ودموعها نازلة في صمت.
رفعت إيدها على المقبض…
لكنها رجعتها تاني.
همست بصوت مكسور:
= سامحيني يا بنتي…
وأبعدت عن الباب.
في اللحظة دي…
عرفت بيان إنها بقت لوحدها.
قعدت على الأرض، وضمت رجليها لصدرها، وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط…
لكن دموعها غلبتها.
همست وسط شهقاتها:
= يا رب… لو في خير في اللي بيحصل ده، صبرني… ولو فيه مخرج، ابعتهولي من حيث لا أحتسب.
> مرت الساعات بطيئة…
ولا قدرت تنام، ولا حتى تغمض عينيها.
كل شوية تقوم تبص من الشباك، يمكن تلاقي حد تعرف تطلب منه المساعدة… لكن الشارع كان هادي بشكل يخوف.
عند أذان الفجر…
سمعت صوت مفتاح الباب.
قامت بسرعة، وقفت قدام الباب، وعينيها مليانة دموع.
دخل أبوها، وقال بهدوء:
= قومي… العربية مستنيانا.
هزت رأسها وهي بترجع لورا.
= مش هسافر.
بص لها نظرة طويلة، وقال:
= متصعبهاش على نفسك.
= أنا مش موافقة على الجواز ده.
رد بنفس البرود:
= موافقتك مش هتغير حاجة.
اتعلقت عيونها بأمها، اللي كانت واقفة ورا أبوها، ماسكة شنطة سفرها، وعينيها كلها دموع.
جريت عليها.
= ماما… قولي له… بالله عليكِ.
حضنتها أمها بقوة، لكن من غير ما تنطق.
همست بيان وهي بتبكي:
= إنتِ كمان سكتّي؟
نزلت دمعة من عين أمها، وقالت بصوت مكسور:
= ربنا يكتبلك الخير يا بنتي…
بعدت بيان عنها بصدمة.
حسّت لأول مرة إن مفيش حد واقف في صفها.
مسك أبوها شنطتها واتجه ناحية الباب.
= يلا.
خرجت وراه بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت حاسة إنها بتبعدها عن حياتها اللي عرفتها.
نزلوا السلم…
ركبت العربية في الكنبة الخلفية، وسندت رأسها على الشباك.
ومع أول حركة للعربية…
نزلت دمعة من عينها، وهمست:
= يا رب… أنا مش فاهمة ليه كل ده… بس متسبنيش لوحدي.
انطلقت العربية تشق الطريق في هدوء الفجر…
> وصلت العربية قدام بيت كبير في البلد.
نزل أبو بيان وقال بحزم:
= يلا.
كانت رجليها بتترعش، وكل خطوة بتحس إنها بتقربها من نهاية حلمها.
دخلت البيت، ولقت الرجالة قاعدين في الصالون، والستات في أوضة تانية.
سمعت واحدة من الستات بتقول بابتسامة:
= العروسة وصلت.
حسّت إن الكلمة خنقتها.
بعد شوية…
دخل شاب طويل، ملامحه هادئة، وعينيه باين فيهم التوتر.
أول ما وقع بصره على بيان، لاحظ دموعها.
سكت ثواني…
وبعدين بص لوالده وقال بهدوء:
= ممكن أتكلم مع حضرتك بره؟
خرجوا سوا.
أول ما الباب اتقفل، قال حذيفة بنبرة حاسمة:
= أنا مش موافق.
اتصدم والده.
= يعني إيه؟
= البنت شكلها مجبورة… وأنا مستحيل أبدأ بيت بظلم.
في نفس اللحظة…
كانت بيان من جوه بتدعي وهي بتمسح دموعها:
= يا رب… انا مش بحبه .
> خرج حذيفة مع والده إلى فناء البيت، وأغلق الباب خلفه.
قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
= يا أبي… أنا مش موافق.
عقد الأب حاجبيه.
= يعني إيه مش موافق؟
= أنا معرفهاش… والبنت باين عليها إنها مجبرة. وأنا مش هظلمها ولا أظلم نفسي.
وقبل ما يكمل…
خرج الجد من المجلس، وكان رجلًا مهيبًا، يكفي حضوره ليعمّ الصمت.
قال بنبرة صارمة:
= حذيفة… الكلمة اتقالت، والفاتحة هتتقرأ النهارده.
رد حذيفة بثبات:
= يا جدي… الجواز عمره ما كان بالعافية.
اقترب الجد منه وقال:
= إحنا وعدنا الناس، ووعد الرجال دين. مش هينفع نرجع في كلامنا.
ضغط حذيفة على كفه بقوة، وقال:
= حتى لو على حساب حياتي؟
نظر إليه الجد طويلًا، ثم قال:
= هتفهم بعدين إن اللي بنعمله لمصلحتك.
سكت حذيفة…
لانه كان راسم حياته بطريقه تانيه لكن القدر كان رايه مختلف
.> دخل المأذون، وساد هدوء ثقيل في البيت.
كانت بيان قاعدة، وعينيها محمرة من كتر العياط، وإيديها بتترعش.
أما حذيفة… فكان واقف في مكانه، ملامحه جامدة، لكنه مش مرتاح.
بص لوالده مرة، ولجده مرة تانية، وكأنه لسه مستني حد يتراجع.
لكن محدش اتكلم.
قال الجد بحزم:
= خلصوا الموضوع.
أخد المأذون نفسًا هاديًا، وبدأ في إجراءات العقد.
كل كلمة كانت بتتقال، كانت بتحس بيان إنها بتكسر جزء جواها.
دموعها نزلت في صمت، وهي حتى مش قادرة ترفع عينيها.
وبعد لحظات…
انتهى عقد الزواج.
قال المأذون:
= بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
لكن…
لا بيان ابتسمت…
ولا حذيفة نطق بكلمة.
خرج الناس يباركوا، والفرحة مالية البيت…وبعدها الفرح انتهي كل واحد دخل اوضته وهو فرحان
إلا أوضة واحدة، كان ساكنها الصمت.
رفع حذيفة عينيه لأول مرة ناحيتها، وقال بهدوء:
= أنا عارف إنك مش راضية…
مسحت دموعها بسرعة، وقالت من غير ما تبصله:
= وأنا كمان عارفة إنك مكنتش عايز الجوازة دي.
سكت شوية، ثم قال:
= أوعدك بحاجة.
بصتله باستغراب.
قال
= ممكن أقعد؟
رفعت بيان عينيها ناحيته، وهزت رأسها بخفة.
قعد على طرف السرير، وساب بينهم مسافة.
ساد الصمت لثواني…
وفجأة قال:
= على فكرة… أنا مش موافق.
رفعت رأسها بسرعة، وقالت باستغراب:
= نعم؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
= يعني… متبصليش كده، أنا زيك بالظبط.
عقدت إيديها وقالت:
= ياختي بطّة… غصبوك يا حبيبتي؟
اتسعت عينيه، وبعدين انفجر في الضحك.
= بطّة؟! أنا اكبر واحد في عيلتي يتقالي بطه
ابتسمت من غير ما تحس.
= استحمل بقى.
هز راسه وهو بيضحك.
= واضح إن لسانك طويل.
= ايوه
حط إيده على قلبه وقال وهو بيمثل الخوف:
= يا نهار أبيض… ده أنا شكلي هعيش أيام سودة.
ضحكت وقالت:
= متقلقش… أنا مش مفتريه
بصلها وهو رافع حاجبه.
= لا؟ أومال اللي بيقولوا إن البنات لما بيتجوزوا بيتحولوا لوحوش ده إيه؟
ضحكت وقالت:
= لا دول أكيد كانوا متجوزين حموات.
ضحك بصوت عالي وقال:
= الحمد لله… افتكرت إنك من أول يوم هتطرديني من الأوضة.
ردت بسرعة:
= لا… هستناك يومين تلاتة.
فتح بقه بصدمة وهو بيضحك.
= الله! يعني فيه أمل أعيش يومين؟
هزت كتفها وقالت:
= على حسب سلوكك.
ضحك وقال:
= طيب الحمد لله… هحاول أبقى مؤدب.
سكت شوية، وبعدين قال بهدوء:
= بصراحة… بما إننا بقينا في الأمر الواقع… خلينا نتعامل كويس مع بعض. لا أنا هظلمك، ولا إنتِ تظلميني.
بصتله شوية، وبعدها هزت راسها.
= اتفقنا.
مد إيده وهو بيبتسم.
= هدنة؟
بصت لإيده ثواني، وبعدها صافحته وهي بتبتسم ابتسامة خفيفة.
= هدنة.
سحب إيده وهو بيبتسم وقال:
= الحمد لله… أول اتفاق رسمي بينا.
ابتسمت بيان بخفة.
= إن شاء الله يكون الأخير.
حط إيده على قلبه وقال بصدمة مصطنعة:
= الله! يعني من أولها كده؟
قالت وهي بتحاول تكتم ضحكتها:
= أنا بحذرك من بدري.
هز راسه وقال:
= طيب سؤال مهم.
= اتفضل.
= بتحبي الشاي ولا القهوة؟
بصتله باستغراب.
= إيه العلاقة؟
رفع كتفيه.
= ولا أي علاقة… بس بما إننا قاعدين ساكتين قولت أفتح أي موضوع.
ضحكت وقالت:
= قهوة.
ابتسم وقال:
= خلاص… أول خلاف بينا.
= ليه؟
= أنا بعشق الشاي.
ردت بسرعة:
= خلاص اشرب شاي.
= وإنتِ اشربي قهوة.
بصوا لبعض ثانيتين… وانفجروا هما الاتنين في الضحك.
قالت وهي بتمسح دموع الضحك:
= إحنا بنضحك على إيه؟
قال وهو بيهز كتفه:
= والله معرف… يمكن عشان لو مبقيناش نضحك هنعيط.
سكتوا لحظة.
ثم قال بهدوء:
= على فكرة… أنا عندي طلب.
بصتله باستغراب.
= إيه؟
= متخافيش مني.
عقدت حاجبيها.
= يعني؟
= يعني… اعتبريني واحد ساكن معاكي في البيت لحد ما ربنا يفرجها. لا هضغط عليكي، ولا هضايقك، ولا هعمل أي حاجة إنتِ مش مرتاحة لها.
نزلت عينيها للأرض، وقالت بصوت هادي:
= شكرًا.
ابتسم وقال:
= العفو… وبعدين أنا أصلاً غلبان.
رفعت حاجبها.
= غلبان؟
= آه… لو أمي دخلت دلوقتي ولقتني قاعد بضحك، هتقول إني نسيت إن لسه متجوز.
ضحكت وقالت:
= شكلك بتخاف من والدتك.
وسع عينيه وقال بسرعة:
= أخاف؟! لا طبعًا.
وسكت ثانيتين، ثم همس:
= بس متقوليلهاش إني قولت كده.
ضحكت بصوت أعلى.
وفي نفس اللحظة…
خبط الباب
وقفوا الاتنين وبصوا ناحية الباب…
اتفتح الباب …
دخلت والدة حذيفة وهي شايلة صينية عليها كوبين عصير.
أول ما شافتهم بيضحكوا، وقفت مكانها.
بصت لبيان من فوق لتحت، وبعدين حطت الصينية على الترابيزة بعنف خفيف.
وقالت ببرود:
= العصير.
رد حذيفة بابتسامة:
= تسلمي يا أمي.
لكنها مردتش عليه، وكانت عينيها كلها على بيان.
قالت بنبرة جافة:
= البيت هنا ليه نظام… وأتمنى أي حد جديد يحترمه.
فهمت بيان إن الكلام موجه ليها.
هزت رأسها بأدب.
= حاضر يا طنط.
ردت :
=طنط . قولي يا ماما… طالما بقيتي للاسف مرات ابني.
قالتها بقسوه.
خرجت من الأوضة وقفلت الباب.
ساد الصمت.
تنهد حذيفة وهو بيحك رقبته بإحراج.
= معلش…
بصتله بيان باستغراب.
= بتعتذر ليه؟
= عشان أمي ساعات أسلوبها بيبقى ناشف شوية.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
= عادي…
هزت رأسها وقالت وهي بتحاول تغير الموضوع:
= سيبك.
مد إيده ناحية كوب العصير وقال:
= طيب اشربي قبل ما أمي تدخل تاني وتفتكر إننا زعلناها.
ابتسمت وقالت:
= حاضر.
رفع كوبه وقال وهو بيبتسم:
= نخب أول يوم جواز… أغرب جوازة في التاريخ.
ضحكت وهي رفعت كوبها.
= فعلًا… أغرب جوازة.
خبطوا الكوبايتين في بعض بخفة.
وفي اللحظة دي…
اتكب كوبايه بيان عليه
فضل باصص ثواني
وهي فطست علي نفسها من الضحك
:انا اسفه والله
قال وهو متعصب=شكلك يا بطه ماما مش علمتك ازاي تمسكي الكوبايه
:خلاص انا قلت اسفه ادخل خد دش
=حاضر يافندم تحبي حاجه تانيه
:عشان مصلحتك بدل ما تفضل زي اللوحه لابس جلبيه في فرحك
=ومالها الجلابيه وحشه ده انا شكلي قمرر
ضحكوا الاتنينفي صباح اليوم التالي…
فتحت بيان عينيها على صوت طرقات خفيفة على الباب.
= اتفضلي.
دخلت بنتين، واحدة شكلها في أولى جامعة، والتانية أصغر منها بسنتين تقريبًا.وولد صغير
أول ما شافوا بيان، ابتسموا.
قالت الكبيرة وهي بتمد إيديها:
= أنا مريم… أخت حذيفة.
وقالت الصغيرة بحماس:
= وأنا سارة… وأخيرًا اتعرفنا عليكي.
ابتسمت بيان لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت.
= تشرفت بيكم.
قربت سارة منها بسرعة، وقعدت جنبها.
= هو صحيح أخويا رخم؟
ضحكت بيان.
= لسه معرفش.
دخل حذيفة في اللحظة دي، وقال وهو عامل نفسه متضايق:
= أهو بدأوا يوقعوا بيني وبينك.
ردت سارة وهي بتضحك:
= لا إحنا بنحذرها بس.
قعدوا يهزروا شوية، ولأول مرة حسّت بيان إن في البيت ناس خفيفة على القلب.
لكن…
بعد الفطار…
كانت بيان قاعدة مع مريم وسارة بيضحكوا في الجنينة.
وفجأة…
دخلت الخادمة بسرعة.
= يا مدام… في ست برة بتقول إنها والدة بيان.
وقفت بيان بسرعة.
= ماما!
جريت ناحية الباب.
حضنت أمها بقوة.
= وحشتيني أوي.
ابتسمت أمها وهي بتمسح على شعرها.
= إنتِ عاملة إيه يا حبيبتي؟
وقبل ما ترد…
ظهر صوت بارد من وراهم.
= أميره
لفت أم بيان وشها…
وأول ما شافت أم حذيفة، اختفت ابتسامتها.
أما أم حذيفة، فاتجمدت ملامحها.
قالت أم بيان بدهشة:
= إنتِ…؟
ردت أم حذيفة بحدة:
= أيوة… أنا.
بصت بيان بينهم باستغراب.
= هو… إنتوا تعرفوا بعض؟
محدش رد.
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت أم حذيفة بسخرية:
= الزمن غريب… مكنتش أتخيل إن بنتك هتبقى مرات ابني.
ردت أم بيان وهي بتحاول تتمالك نفسها:
= وأنا كمان مكنتش أتخيل.
قالت أم حذيفة وهي بتبصلها بغضب قديم:
= بعد اللي عملتوه فينا… لسه ليكم عين تيجوا هنا؟ مش جوزك كان فيه بينه وبين جوزي صحوبيه واتفضت اكتر من عشرين سنه ايه اللي فكركوا بينا لا ومش بس كده كمان ابني ملقتوش غير ابني بس مش هسكت
اتسعت عيون بيان.
= ماما… هي بتتكلم عن إيه؟
لكن أمها قالت بسرعة:
= مش وقته.
ضحكت أم حذيفة ضحكة ساخرة.
= طبعًا… كالعادة هتهربي من الحقيقة.
اتعصبت أم بيان.
= أنا مهربتش… وإنتِ عارفة كويس مين اللي ظلم التاني.
ارتفع صوتهم…
لحد ما خرج حذيفة وأبوه على الصوت.
قال حذيفة بقلق:
= في إيه؟
بصتله أمه وقالت باقتضاب:
= تقولي ولا اقول انا