تحميل رواية إليك يأوى الفؤاد بقلم ملك محمد pdf
بقلم ملك محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ إليك يأوى الفؤاد بقلم ملك محمد.
رواية إليك يأوى الفؤاد الفصل الأول 1 - بقلم ملك محمد
= بيان! إنتِ لسه بتسمعيه على الراديو؟
ابتسمت بيان وقالت:= أيوه… ليه؟
قالت أبرار بسرعة:= هو على التلفزيون حالًا!
اعتدلت بيان في جلستها، وقالت بعدم تصديق:
= بجد؟!
أبرار بحماس:
= آه والله، افتحي التلفزيون بسرعة قبل ما الحلقة تخلص!
قفزت بيان من مكانها، وخطفت الريموت، وهي تشعر بأن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها.
همست لنفسها بلهفة:
= معقول… أخيرًا هشوف براء؟!قفزت بيان من مكانها، وخطفت الريموت، بينما كانت دقات قلبها تتسارع بصورة لم تعهدها من قبل.
فتحت التلفزيون بسرعة، وبدأت تقلب بين القنوات بعينين تملؤهما اللهفة.
وأخيرًا…
وصلت إلى القناة.
ثبتت نظرها على الشاشة، لكن في اللحظة نفسها كان المذيع يبتسم وهو يقول:
= شرفتنا يا أستاذ براء… ونورتنا، وإن شاء الله يكون لنا لقاء قريب.
ثم ظهرت شارة النهاية.
ساد الصمت.
خفضت بيان الريموت ببطء، وزفرت بحزن.
= يا خسارة…حظي زي وشي
رن هاتفها مرة أخرى.
كانت أبرار.
ردت بيان بسرعة:
= أيوه؟
قالت أبرار بلهفة:
= شوفتيه؟
تنهدت بيان وقالت بإحباط:
= لا… والله ما لحقت غير آخر دقيقة. حتى شكله ما شفتوش .
سكتت أبرار لحظة، ثم قالت:
= طب عندك نت؟
رفعت بيان حاجبيها وقالت:
= آه… ليه؟
ابتسمت أبرار وقالت:
= أكيد الحلقة نزلت على النت. يلا دوري علي.
ابتسمت بيان لأول مرة منذ انتهاء الحلقة.
= عندك حق… استنيني.
فتحت هاتفها بسرعة، وكتبت اسمه في محرك البحث:
“براء أحمد”.
ظهرت عشرات النتائج أمامها.
توقفت أناملها للحظة، ثم ضغطت على أول فيديو.
ظهر وجهه على الشاشة لأول مرة…
تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها دون أن تشعر.
وهمست بصوتٍ خافت، وكأنها تحدث نفسها:
= هو… ده براء؟!ظهرت صورته على الشاشة لأول مرة.
تجمدت بيان في مكانها، وكأن الزمن توقف للحظة.
لم تكن تتخيله هكذا أبدًا…
كان يرتدي جلبابًا أبيض ناصعًا، تعلو وجهه لحية خفيفة مرتبة، وملامحه هادئة بشكل يبعث الطمأنينة. أما عيناه، فكان فيهما وقار غريب جعلها تنسى أن ترمش.
ظل صوته يملأ الغرفة، هو نفسه الصوت الذي رافقها ثلاث سنوات كاملة… لكن رؤيته كانت شيئًا آخر.
همست دون أن تشعر:
= سبحان الله…
رن هاتفها من جديد.
أبرار:
= لقيتي الحلقة؟
ابتسمت بيان وهي ما زالت تنظر إلى الشاشة.
= آه…
ضحكت أبرار وقالت بمكر:
= ها؟ شكله طلع زي ما كنتِ متخيلة؟
سكتت بيان لحظة، ثم قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
= لا… أحسن.
ضحكت أبرار بصوت عالٍ.
= يا سلام! واضح إنك انبهرتي.
احمرّ وجه بيان، وقالت بسرعة:
= بطلي كلام.
= أومال ساكتة ليه؟
تنهدت بيان وهي تعيد المقطع من أوله.
= عارفة يا أبرار… أنا بقالي تلات سنين بسمع صوته، وبكتب كل جملة تعجبني في دفتري… لكن عمري ما فكرت أسأل هو شكله إيه. كنت حاسة إن صوته لوحده كفاية.
ابتسمت أبرار وقالت:
= وربنا رزقك تشوفيه أخيرًا.
هزت بيان رأسها في هدوء، وعيناها لا تزالان معلقتين بالشاشة.
وفي تلك اللحظة، قال براء داخل الحلقة:
> “قد يغيّر الله حياتك بسبب كلمةٍ سمعتها في وقتٍ كنت تظن فيه أن كل شيء قد انتهى… فلا تحتقر أثر الكلمة الطيبة.”
ارتعشت أنامل بيان وهي أمسكت قلمها، وفتحت دفترها القديم الذي امتلأت صفحاته باقتباساته.
كتبت الجملة الجديدة تحت آخر سطر، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهمست:
= ولسه… لسه هكتب كلام كتير منك يا براء.أكيددد.
—
في اليوم التالي…
وقفت أبرار أمام باب بيت بيان، وخبطت كعادتها من غير حتى ما ترن الجرس.
فتحت أم بيان الباب، وما إن رأتها حتى ابتسمت.
= يا أهلاً ببنتي التانية… ادخلي، أكيد جاية تخربي دماغ بيان.
ضحكت أبرار.
= والله يا طنط أنا جاية أنقذها.
دخلت أوضة بيان من غير استئذان، فوجدتها قاعدة على السرير، والدفتر مفتوح قدامها، واللابتوب واقف على صورة براء.
رفعت أبرار حاجبها بمكر.
= ياااه… لسه بتتفرجي على الحلقة؟
ارتبكت بيان وقفلت اللابتوب بسرعة.
= لا… كنت بقفله بس.
أبرار قربت منها وخطفت الدفتر من قدامها في ثانية.
= هاتي هنا!
شهقت بيان وقامت تجري وراها.
= يا بنت ارجعي الدفتر!
أبرار جريت ناحية الصالة وهي بتضحك.
= يا طنط… الحقيني! بنتك هتضربني!
خرجت أم بيان وهي تضحك.
= سيبي البنت يا أبرار.
حضنت أبرار الدفتر وهي بتمثل العياط.
= لا… ده فيه أسرار دولة!
وأخيرًا قدرت بيان تخطفه منها، وضربتها بالمخدة.
= قليلة الأدب!
أبرار مسكت مخدة تانية.
= آه! بتضربي؟
وفجأة…
اتحولت الأوضة لمعركة مخدات.
ضحكهم كان مالي البيت كله، وكل واحدة بتحاول توقع التانية.
وفي الآخر وقعوا الاتنين على السرير من كتر الضحك.
فضلوا يضحكوا لحد ما نفسهم اتقطع.
بصتلها أبرار وهي بتحاول تظبط نفسها.
= والله العظيم محدش هيستحمل جنانك ده غيري.
ضحكت بيان.
= وأنتِ اللي ملاك يعني؟
= أيوة… ملاك بإجازة.
انفجرت بيان في الضحك تاني.
وبعد شوية…
ساد الصمت.
أبرار لاحظت إن ابتسامة بيان اختفت فجأة.
قربت منها وقالت بهدوء:
= مالك؟
تنهدت بيان وهي بصّة للأرض.
= أبرار…
= نعم.
= عارفة… أول مرة أشوف براء بعد تلات سنين وأنا بسمع صوته.
سكتت لحظة، ثم أكملت.
= شكله فيه وقار… وكلامه بيدخل القلب.
ابتسمت أبرار.
= ربنا يبارك له.
هزت بيان رأسها، ثم وقفت قدام المراية.
بصت لنفسها شوية…
وبعدين قالت بصوت واطي:
= أنا مستحيل أبقى مناسبة لواحد زيه.
التفتت إليها أبرار.
= ليه؟
ابتسمت بيان ابتسامة باهتة.
= بصي هو لابس إزاي… وشكله ملتزم، وأنا أصلاً مش محجبة.
سكتت شوية، ثم كملت.
= أكيد واحد زيه نفسه في بنت محافظة، قريبة من ربنا… وأنا لسه عندي حاجات كتير محتاجة أصلحها في نفسي.
قربت أبرار منها، ومسكت إيديها.
= يا بيان… متقلليش من نفسك.
الهداية بإيد ربنا، وكلنا عندنا تقصير.
بس أوعي في يوم تغيري نفسك عشان شخص.
لو هتتحجبي… اتحجبي لله.
ولو هتقربي من ربنا… يبقى لله.
مش عشان براء ولا غيره.
دمعت عيون بيان.
= طب لو كنتِ مكاني؟
ابتسمت أبرار.
= كنت هبدأ بنفسي… خطوة خطوة.
وأول خطوة إني أبطل أبص لنفسي إني أقل من أي حد.
إنتِ مش وحشة يا بيان… إنتِ بس محتاجة تقربي من ربنا أكتر، وكلنا محتاجين ده.
سكتت بيان وهي بتبصلها.
ثم ابتسمت وقالت:
= تعرفي…
أنا محظوظة إن عندي صاحبة زيك.
أبرار قامت بسرعة وقالت وهي بتصفق.
= خلاص بقى… كفاية دراما.
يلا قومي.
= على فين؟
= هننزل نجيب آيس كريم ونتمشى.
وأوعي تقولي معندكيش فلوس.
ضحكت بيان.
= معنديش فعلًا.
أبرار طلعت خمسين جنيه من جيبها وحطتها في إيدها.
= النهارده أنا العازمة.
ابتسمت بيان، وقبل ما يخرجوا بصت مرة أخيرة على اللابتوب.
كانت صورة براء ما زالت على الشاشة.
ابتسمت ابتسامة هادئة، وقفلت اللابتوب بنفسها.
وهمست:
= دلوقتي… هبدأ أصلح نفسي عشان ربنا… والباقي كله ييجي في وقته.
—
نزلت البنتين من البيت، وكل واحدة ماسكة إيد التانية.
أبرار بصتلها وقالت وهي بتزقها بخفة:
= وشك ده لو فضل مكشر كده هحاسبك على كل دقيقة.
ضحكت بيان.
= والله انتي رخمة.
= وأفتخر.
وقفوا عند عربية الآيس كريم.
أبرار قالت للبياع:
= واحد شوكولاتة… وواحد مانجو للأميرة اللي جنبي.
بصتلها بيان باستغراب.
= عرفتي منين إني بحب المانجو؟
أبرار رفعت كتفها.
= يا بنتي ده أنا حافظاكي أكتر من نفسي.
ابتسمت بيان، وقالت وهي تاخد الآيس كريم:
= ربنا يخليكي ليا.
أبرار حطت دراعها على كتفها.
= ويخليكي ليا إنتِ كمان… إنتِ مش صاحبتي، إنتِ أختي.
فضلوا يتمشوا في الشارع ويضحكوا على أي حاجة، وكل شوية أبرار تقلد الناس اللي معدية، وبيان تموت من الضحك.
وفجأة…
واحد طفل صغير وقع منه كيس الحلويات.
قبل ما يبكي، جريت أبرار ولمّتله الحاجات من على الأرض.
بيان طلعت فلوس واشترتله كيس جديد.
الولد ابتسم وقال:
= ربنا يخليكم.
بصت أبرار لبيان وقالت وهي مبتسمة:
= عشان كده بحبك… قلبك أبيض.
…
في الليل…
رجعت بيان أوضتها.
فتحت درج مكتبها، وأخرجت دفترها القديم.
كان الدفتر مليان جمل كتبتها بخط إيدها.
ابتسمت وهي تقلب الصفحات…
ومن هنا بدأت الحكاية…
بيان، عندها 19 سنة، طالبة في كلية الإعلام، في الفرقة الثانية.
من وهي عندها 16 سنة، كانت بالصدفة بتقلب في محطات الراديو وهي بتذاكر.
وفجأة سمعت صوت هادئ بيقول:
> “الكلمة الطيبة قد تغيّر إنسانًا، فلا تبخل بها.”
وقتها رفعت رأسها من الكتاب.
أول مرة تحس إن حد بيتكلم بالطريقة دي.
من يومها…
بقت تستنى موعد البرنامج كل أسبوع.
كانت تقعد قبل الحلقة بعشر دقايق، وتحضر الدفتر والقلم.
وكل جملة تلمس قلبها… تكتبها.
من غير ما تعرف شكله.
ولا سنه.
ولا حتى صورته.
كانت تعرفه من صوته وبس.
…
أما أبرار…
فعندها 19 سنة، وبتدرس في كلية الاعلام.
عندها أخ أكبر اسمه يوسف، وأختين أصغر منها: ريم وليان.
وبيتها كله مليان هزار وخناق وضحك.
أما بيان…
فكانت وحيدة.
ما عندهاش إخوات.
لكن…
كان عندها أخ أكبر اسمه آدم.
كان أقرب شخص لقلبها.
كان ياخدها المدرسة، ويشتريلها شوكولاتة كل ما تزعل، ويقعد يسمعها وهي بتحكي عن يومها.
لكن قبل أربع سنين…
توفي آدم إثر حادث مفاجئ.
ومن يومها…
بقى في فراغ كبير في قلبها.
وده كان السبب اللي خلاها تميل للعزلة، وتقضي وقتًا طويلًا مع الكتب والراديو.
…
في صباح اليوم التالي…
وقفت بيان قدام المراية، لابسة جينز واسع مع قميص بسيط، وربطت شعرها كعادتها.
خرجت وهي بتجري.
= ماما… أنا ماشية!
= طب افطري يا بنتي!
= هفطر في الجامعة!
قفلت الباب ونزلت السلم بسرعة.
أول ما خرجت من العمارة، لقت أبرار مستنياها.
أبرار بصتلها بضيق مصطنع.
= والله لو اتأخرتي دقيقة كمان كنت همشي وأسيبك.
بيان ضحكت.
= كدابة… عمرك ما تعمليها.
= أيوه صح.
مسكتها من دراعها.
= يلا قبل الدكتور ما يجلطنا.
…
طول الطريق كانوا بيضحكوا ويهزروا.
أبرار كانت بتحكي موقف حصل في بيتهم.
= تتخيلي أخويا يوسف امبارح دخل يفتح التلاجة… لقى أختي ليان كاتبة على علبة الجاتوه: “ممنوع اللمس… تحت حماية ريم.”
انفجرت بيان في الضحك.
= وعمل إيه؟
= أكلها كلها.
= يا نهار أبيض!
= وبعدين قالهم: “الحماية كانت نايمة.”
فضلوا يضحكوا لحد ما وصلوا الجامعة.
…
بعد المحاضرة…
خرجوا قعدوا في الجنينة.
أبرار سندت راسها على كتف بيان.
= تعرفي؟
بيان.
= نعم؟
= إنتِ نعمة في حياتي.
ابتسمت بيان.
= وأنا كمان… لولاكي كان زماني اتجننت.
سكتت أبرار شوية.
= عمرك حكيتِلي عن أخوكي.
اختفت الابتسامة من وش بيان.
بصت لقدام وقالت بهدوء:
= اسمه كان عمر.
كان أكبر مني بخمس سنين.
كان كل حاجة بالنسبالي.
كان هو اللي بيوصلني المدرسة، ويذاكرلي، ويشتريلي شوكولاتة من غير مناسبة.
كنت أول ما أرجع البيت أجري عليه قبل حتى ما أسلم على ماما.
ابتسمت وهي بتفتكر.
= كان دايمًا يقولي: “لو حد زعلك قوليلي.”
تنهدت.
= وفي يوم… خرج من البيت عادي جدًا.
قال لماما: “راجع على الغدا.”
لكن…
مرجعش.
اتعرض لحادث، وتوفاه الله.
نزلت دمعة من عينها ومسحتها بسرعة.
= من يومها البيت مبقاش هو البيت.
ولا أنا بقيت أنا.
مدت أبرار إيديها ومسكت إيد بيان بقوة.
وقالت:
= من النهارده… أنا أختك.
ولو احتجتي أخ… يوسف أخويا يبقى أخوكي.
ابتسمت بيان وسط دموعها.
= عارفة…
عشان كده بحبك.
…
رجعت بيان البيت وهي مرهقة.
رمت شنطتها على الكنبة، ودخلت أوضتها تغير هدومها.
وفجأة…
سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
عرفت من خطواته إن أبوها رجع.
خرجت تسلم عليه.
= السلام عليكم يا بابا.
رد باقتضاب:
= وعليكم السلام.
كان شكله مرهق، فقعدت ساكتة.
دخل هو الأوضة، وقفل الباب مع أمها.
استغربت بيان.
أبوها عمره ما كان يقفل الباب وهو بيتكلم.
عدت دقايق…
ولما خرج، بص لها وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
= يا بيان… جهزي هدومك.
رفعت عينيها باستغراب.
= ليه يا بابا؟
= هنسافر البلد بعد يومين.
اتوترت.
= دلوقتي؟ بس يا بابا عندي محاضرات.
قاطعها بنبرة مفيهاش نقاش:
= قولت هنسافر… يعني هنسافر.
هزت رأسها بسرعة.
= حاضر.
دخلت أوضتها وهي مستغربة.
أول ما قفلت الباب، خرج أبوها من الشقة عشان ينزل يصلي العشاء.
بصت أمها على باب أوضة بيان، واتنهدت.
دخلت المطبخ، ولسه ماسكة التليفون…
رن.
كان أبو بيان.
ردت بصوت واطي:
= أيوة.
قال بهدوء:
= كلمت الحاج محمود.
كل حاجة تمت.
الخطوبة هتبقى أول ما نوصل البلد.
العريس اسمه…
حذيفة.
سكتت الأم لحظة.
وقالت بتردد:
= بس… بيان لحد دلوقتي متعرفش حاجة.
رد الأب بحزم:
= هتعرف لما نوصل.
أنا أخدت الكلمة.
وأنا شايف إن ده الأصلح ليها.
وقفل المكالمة.
وقفت الأم مكانها، والتليفون لسه في إيدها.
بصت ناحية أوضة بيان…
وكانت دموعها محبوسة في عينيها.
أما بيان…
فكانت جوه أوضتها، قاعدة على سريرها، مبتسمة وهي بتكلم أبرار في التليفون، ومش عارفة…
إن بعد يومين بس…
حياتها كلها هتتغير
—
في المساء…
كان البيت هادئًا على غير العادة.
خرج أبو بيان من أوضته وقال بصوت جاد:
= يا بيان… تعالي، عايزينك.
بصت لأمها، فلاحظت إن ملامحها متوترة.
قعدت بيان قدامهم وهي مستغربة.
= خير يا بابا؟
تنهد الأب، ثم قال:
= بعد يومين هنروح البلد.
ابتسمت بيان ابتسامة خفيفة.
= ماشي… قولتلي.
هز رأسه وقال:
= مش ده بس.
سكت لحظة، ثم أكمل:
= فيه عريس متقدم لك… اسمه حذيفة.
هنروح عشان تقروا الفاتحة.
اتجمدت ملامح بيان.
بصت له كأنها مستوعبتش الكلام.
= نعم…؟
كرر بهدوء:
= حذيفه شاب محترم، وأنا وافقت.وهو قريبنا
صرخت بيان وهي بتبكي:
= أنا مش موافقة!
رفع أبوها صوته لأول مرة:
= وأنا قولت كلمتي!
جريت على أوضتها، لكنه لحقها قبل ما تقفل الباب.
مد إيده وقال:
= هاتي الموبايل.
بصتله بصدمة.
= لا…
= هاتيه.
بإيد مرتعشة سلمته الموبايل.
فتح الدرج، وأخد اللاب توب، وسماعاتها، وكل وسيلة تواصل كانت عندها.
ثم قال ببرود:
= من النهارده… مفيش جامعة، ولا خروج، لحد ما نسافر.
وقفل الباب عليها بالمفتاح.
وقعت بيان على الأرض وهي بتعيط
قعدت في ركن الأوضة وهي منهارة.
وفجأة…
سمعت أبوها بيقول لأمها من برا:
= جهزي شنطتها… إحنا مش هنسافر بعد يومين.
سكت ثانية، وكمل:
= إحنا هنسافر… بكرة الفجر.
أما بيان…
فكانت لسه مش عارفة إن الوقت اللي فاضلها عشان تغيّر حياتها…
بقى ساعات بس.
رواية إليك يأوى الفؤاد الفصل الثاني 2 - بقلم ملك محمد
خبطت بيان على الباب بكل قوتها وهي بتصرخ:
= بابا… افتح! بالله عليك افتح!
لكن اللي وصلها من الناحية التانية كان صوته البارد:
= العربية هتتحرك الفجر… جهزي نفسك.
= أنا مش هسافر… أنا مش موافقة!
ساد الصمت لثوانٍ…
ثم سمعت صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، كأنه حسم الأمر وانتهى.
جريت ناحية الشباك، فتحته بسرعة، وبصت للشارع.
لأول مرة تحس إن المسافة بين الدور التالت والأرض كبيرة بالشكل ده.
دارت بعينيها في الأوضة كلها…
مفيش موبايل.
مفيش لاب توب.
حتى السماعات اللي كانت بتسمع بيها برنامج براء، أبوها خدها.
خبطت على الباب تاني، لكن المرة دي بصوت أهدى:
= ماما… ماما بالله عليكِ…
وقفت أمها قدام الباب من الناحية التانية، ودموعها نازلة في صمت.
رفعت إيدها على المقبض…
لكنها رجعتها تاني.
همست بصوت مكسور:
= سامحيني يا بنتي…
وأبعدت عن الباب.
في اللحظة دي…
عرفت بيان إنها بقت لوحدها.
قعدت على الأرض، وضمت رجليها لصدرها، وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط…
لكن دموعها غلبتها.
همست وسط شهقاتها:
= يا رب… لو في خير في اللي بيحصل ده، صبرني… ولو فيه مخرج، ابعتهولي من حيث لا أحتسب.
> مرت الساعات بطيئة…
ولا قدرت تنام، ولا حتى تغمض عينيها.
كل شوية تقوم تبص من الشباك، يمكن تلاقي حد تعرف تطلب منه المساعدة… لكن الشارع كان هادي بشكل يخوف.
عند أذان الفجر…
سمعت صوت مفتاح الباب.
قامت بسرعة، وقفت قدام الباب، وعينيها مليانة دموع.
دخل أبوها، وقال بهدوء:
= قومي… العربية مستنيانا.
هزت رأسها وهي بترجع لورا.
= مش هسافر.
بص لها نظرة طويلة، وقال:
= متصعبهاش على نفسك.
= أنا مش موافقة على الجواز ده.
رد بنفس البرود:
= موافقتك مش هتغير حاجة.
اتعلقت عيونها بأمها، اللي كانت واقفة ورا أبوها، ماسكة شنطة سفرها، وعينيها كلها دموع.
جريت عليها.
= ماما… قولي له… بالله عليكِ.
حضنتها أمها بقوة، لكن من غير ما تنطق.
همست بيان وهي بتبكي:
= إنتِ كمان سكتّي؟
نزلت دمعة من عين أمها، وقالت بصوت مكسور:
= ربنا يكتبلك الخير يا بنتي…
بعدت بيان عنها بصدمة.
حسّت لأول مرة إن مفيش حد واقف في صفها.
مسك أبوها شنطتها واتجه ناحية الباب.
= يلا.
خرجت وراه بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت حاسة إنها بتبعدها عن حياتها اللي عرفتها.
نزلوا السلم…
ركبت العربية في الكنبة الخلفية، وسندت رأسها على الشباك.
ومع أول حركة للعربية…
نزلت دمعة من عينها، وهمست:
= يا رب… أنا مش فاهمة ليه كل ده… بس متسبنيش لوحدي.
انطلقت العربية تشق الطريق في هدوء الفجر…
> وصلت العربية قدام بيت كبير في البلد.
نزل أبو بيان وقال بحزم:
= يلا.
كانت رجليها بتترعش، وكل خطوة بتحس إنها بتقربها من نهاية حلمها.
دخلت البيت، ولقت الرجالة قاعدين في الصالون، والستات في أوضة تانية.
سمعت واحدة من الستات بتقول بابتسامة:
= العروسة وصلت.
حسّت إن الكلمة خنقتها.
بعد شوية…
دخل شاب طويل، ملامحه هادئة، وعينيه باين فيهم التوتر.
أول ما وقع بصره على بيان، لاحظ دموعها.
سكت ثواني…
وبعدين بص لوالده وقال بهدوء:
= ممكن أتكلم مع حضرتك بره؟
خرجوا سوا.
أول ما الباب اتقفل، قال حذيفة بنبرة حاسمة:
= أنا مش موافق.
اتصدم والده.
= يعني إيه؟
= البنت شكلها مجبورة… وأنا مستحيل أبدأ بيت بظلم.
في نفس اللحظة…
كانت بيان من جوه بتدعي وهي بتمسح دموعها:
= يا رب… انا مش بحبه .
> خرج حذيفة مع والده إلى فناء البيت، وأغلق الباب خلفه.
قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
= يا أبي… أنا مش موافق.
عقد الأب حاجبيه.
= يعني إيه مش موافق؟
= أنا معرفهاش… والبنت باين عليها إنها مجبرة. وأنا مش هظلمها ولا أظلم نفسي.
وقبل ما يكمل…
خرج الجد من المجلس، وكان رجلًا مهيبًا، يكفي حضوره ليعمّ الصمت.
قال بنبرة صارمة:
= حذيفة… الكلمة اتقالت، والفاتحة هتتقرأ النهارده.
رد حذيفة بثبات:
= يا جدي… الجواز عمره ما كان بالعافية.
اقترب الجد منه وقال:
= إحنا وعدنا الناس، ووعد الرجال دين. مش هينفع نرجع في كلامنا.
ضغط حذيفة على كفه بقوة، وقال:
= حتى لو على حساب حياتي؟
نظر إليه الجد طويلًا، ثم قال:
= هتفهم بعدين إن اللي بنعمله لمصلحتك.
سكت حذيفة…
لانه كان راسم حياته بطريقه تانيه لكن القدر كان رايه مختلف
.> دخل المأذون، وساد هدوء ثقيل في البيت.
كانت بيان قاعدة، وعينيها محمرة من كتر العياط، وإيديها بتترعش.
أما حذيفة… فكان واقف في مكانه، ملامحه جامدة، لكنه مش مرتاح.
بص لوالده مرة، ولجده مرة تانية، وكأنه لسه مستني حد يتراجع.
لكن محدش اتكلم.
قال الجد بحزم:
= خلصوا الموضوع.
أخد المأذون نفسًا هاديًا، وبدأ في إجراءات العقد.
كل كلمة كانت بتتقال، كانت بتحس بيان إنها بتكسر جزء جواها.
دموعها نزلت في صمت، وهي حتى مش قادرة ترفع عينيها.
وبعد لحظات…
انتهى عقد الزواج.
قال المأذون:
= بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
لكن…
لا بيان ابتسمت…
ولا حذيفة نطق بكلمة.
خرج الناس يباركوا، والفرحة مالية البيت…وبعدها الفرح انتهي كل واحد دخل اوضته وهو فرحان
إلا أوضة واحدة، كان ساكنها الصمت.
رفع حذيفة عينيه لأول مرة ناحيتها، وقال بهدوء:
= أنا عارف إنك مش راضية…
مسحت دموعها بسرعة، وقالت من غير ما تبصله:
= وأنا كمان عارفة إنك مكنتش عايز الجوازة دي.
سكت شوية، ثم قال:
= أوعدك بحاجة.
بصتله باستغراب.
قال
= ممكن أقعد؟
رفعت بيان عينيها ناحيته، وهزت رأسها بخفة.
قعد على طرف السرير، وساب بينهم مسافة.
ساد الصمت لثواني…
وفجأة قال:
= على فكرة… أنا مش موافق.
رفعت رأسها بسرعة، وقالت باستغراب:
= نعم؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
= يعني… متبصليش كده، أنا زيك بالظبط.
عقدت إيديها وقالت:
= ياختي بطّة… غصبوك يا حبيبتي؟
اتسعت عينيه، وبعدين انفجر في الضحك.
= بطّة؟! أنا اكبر واحد في عيلتي يتقالي بطه
ابتسمت من غير ما تحس.
= استحمل بقى.
هز راسه وهو بيضحك.
= واضح إن لسانك طويل.
= ايوه
حط إيده على قلبه وقال وهو بيمثل الخوف:
= يا نهار أبيض… ده أنا شكلي هعيش أيام سودة.
ضحكت وقالت:
= متقلقش… أنا مش مفتريه
بصلها وهو رافع حاجبه.
= لا؟ أومال اللي بيقولوا إن البنات لما بيتجوزوا بيتحولوا لوحوش ده إيه؟
ضحكت وقالت:
= لا دول أكيد كانوا متجوزين حموات.
ضحك بصوت عالي وقال:
= الحمد لله… افتكرت إنك من أول يوم هتطرديني من الأوضة.
ردت بسرعة:
= لا… هستناك يومين تلاتة.
فتح بقه بصدمة وهو بيضحك.
= الله! يعني فيه أمل أعيش يومين؟
هزت كتفها وقالت:
= على حسب سلوكك.
ضحك وقال:
= طيب الحمد لله… هحاول أبقى مؤدب.
سكت شوية، وبعدين قال بهدوء:
= بصراحة… بما إننا بقينا في الأمر الواقع… خلينا نتعامل كويس مع بعض. لا أنا هظلمك، ولا إنتِ تظلميني.
بصتله شوية، وبعدها هزت راسها.
= اتفقنا.
مد إيده وهو بيبتسم.
= هدنة؟
بصت لإيده ثواني، وبعدها صافحته وهي بتبتسم ابتسامة خفيفة.
= هدنة.
سحب إيده وهو بيبتسم وقال:
= الحمد لله… أول اتفاق رسمي بينا.
ابتسمت بيان بخفة.
= إن شاء الله يكون الأخير.
حط إيده على قلبه وقال بصدمة مصطنعة:
= الله! يعني من أولها كده؟
قالت وهي بتحاول تكتم ضحكتها:
= أنا بحذرك من بدري.
هز راسه وقال:
= طيب سؤال مهم.
= اتفضل.
= بتحبي الشاي ولا القهوة؟
بصتله باستغراب.
= إيه العلاقة؟
رفع كتفيه.
= ولا أي علاقة… بس بما إننا قاعدين ساكتين قولت أفتح أي موضوع.
ضحكت وقالت:
= قهوة.
ابتسم وقال:
= خلاص… أول خلاف بينا.
= ليه؟
= أنا بعشق الشاي.
ردت بسرعة:
= خلاص اشرب شاي.
= وإنتِ اشربي قهوة.
بصوا لبعض ثانيتين… وانفجروا هما الاتنين في الضحك.
قالت وهي بتمسح دموع الضحك:
= إحنا بنضحك على إيه؟
قال وهو بيهز كتفه:
= والله معرف… يمكن عشان لو مبقيناش نضحك هنعيط.
سكتوا لحظة.
ثم قال بهدوء:
= على فكرة… أنا عندي طلب.
بصتله باستغراب.
= إيه؟
= متخافيش مني.
عقدت حاجبيها.
= يعني؟
= يعني… اعتبريني واحد ساكن معاكي في البيت لحد ما ربنا يفرجها. لا هضغط عليكي، ولا هضايقك، ولا هعمل أي حاجة إنتِ مش مرتاحة لها.
نزلت عينيها للأرض، وقالت بصوت هادي:
= شكرًا.
ابتسم وقال:
= العفو… وبعدين أنا أصلاً غلبان.
رفعت حاجبها.
= غلبان؟
= آه… لو أمي دخلت دلوقتي ولقتني قاعد بضحك، هتقول إني نسيت إن لسه متجوز.
ضحكت وقالت:
= شكلك بتخاف من والدتك.
وسع عينيه وقال بسرعة:
= أخاف؟! لا طبعًا.
وسكت ثانيتين، ثم همس:
= بس متقوليلهاش إني قولت كده.
ضحكت بصوت أعلى.
وفي نفس اللحظة…
خبط الباب
وقفوا الاتنين وبصوا ناحية الباب…
اتفتح الباب …
دخلت والدة حذيفة وهي شايلة صينية عليها كوبين عصير.
أول ما شافتهم بيضحكوا، وقفت مكانها.
بصت لبيان من فوق لتحت، وبعدين حطت الصينية على الترابيزة بعنف خفيف.
وقالت ببرود:
= العصير.
رد حذيفة بابتسامة:
= تسلمي يا أمي.
لكنها مردتش عليه، وكانت عينيها كلها على بيان.
قالت بنبرة جافة:
= البيت هنا ليه نظام… وأتمنى أي حد جديد يحترمه.
فهمت بيان إن الكلام موجه ليها.
هزت رأسها بأدب.
= حاضر يا طنط.
ردت :
=طنط . قولي يا ماما… طالما بقيتي للاسف مرات ابني.
قالتها بقسوه.
خرجت من الأوضة وقفلت الباب.
ساد الصمت.
تنهد حذيفة وهو بيحك رقبته بإحراج.
= معلش…
بصتله بيان باستغراب.
= بتعتذر ليه؟
= عشان أمي ساعات أسلوبها بيبقى ناشف شوية.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
= عادي…
هزت رأسها وقالت وهي بتحاول تغير الموضوع:
= سيبك.
مد إيده ناحية كوب العصير وقال:
= طيب اشربي قبل ما أمي تدخل تاني وتفتكر إننا زعلناها.
ابتسمت وقالت:
= حاضر.
رفع كوبه وقال وهو بيبتسم:
= نخب أول يوم جواز… أغرب جوازة في التاريخ.
ضحكت وهي رفعت كوبها.
= فعلًا… أغرب جوازة.
خبطوا الكوبايتين في بعض بخفة.
وفي اللحظة دي…
اتكب كوبايه بيان عليه
فضل باصص ثواني
وهي فطست علي نفسها من الضحك
:انا اسفه والله
قال وهو متعصب=شكلك يا بطه ماما مش علمتك ازاي تمسكي الكوبايه
:خلاص انا قلت اسفه ادخل خد دش
=حاضر يافندم تحبي حاجه تانيه
:عشان مصلحتك بدل ما تفضل زي اللوحه لابس جلبيه في فرحك
=ومالها الجلابيه وحشه ده انا شكلي قمرر
ضحكوا الاتنينفي صباح اليوم التالي…
فتحت بيان عينيها على صوت طرقات خفيفة على الباب.
= اتفضلي.
دخلت بنتين، واحدة شكلها في أولى جامعة، والتانية أصغر منها بسنتين تقريبًا.وولد صغير
أول ما شافوا بيان، ابتسموا.
قالت الكبيرة وهي بتمد إيديها:
= أنا مريم… أخت حذيفة.
وقالت الصغيرة بحماس:
= وأنا سارة… وأخيرًا اتعرفنا عليكي.
ابتسمت بيان لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت.
= تشرفت بيكم.
قربت سارة منها بسرعة، وقعدت جنبها.
= هو صحيح أخويا رخم؟
ضحكت بيان.
= لسه معرفش.
دخل حذيفة في اللحظة دي، وقال وهو عامل نفسه متضايق:
= أهو بدأوا يوقعوا بيني وبينك.
ردت سارة وهي بتضحك:
= لا إحنا بنحذرها بس.
قعدوا يهزروا شوية، ولأول مرة حسّت بيان إن في البيت ناس خفيفة على القلب.
لكن…
بعد الفطار…
كانت بيان قاعدة مع مريم وسارة بيضحكوا في الجنينة.
وفجأة…
دخلت الخادمة بسرعة.
= يا مدام… في ست برة بتقول إنها والدة بيان.
وقفت بيان بسرعة.
= ماما!
جريت ناحية الباب.
حضنت أمها بقوة.
= وحشتيني أوي.
ابتسمت أمها وهي بتمسح على شعرها.
= إنتِ عاملة إيه يا حبيبتي؟
وقبل ما ترد…
ظهر صوت بارد من وراهم.
= أميره
لفت أم بيان وشها…
وأول ما شافت أم حذيفة، اختفت ابتسامتها.
أما أم حذيفة، فاتجمدت ملامحها.
قالت أم بيان بدهشة:
= إنتِ…؟
ردت أم حذيفة بحدة:
= أيوة… أنا.
بصت بيان بينهم باستغراب.
= هو… إنتوا تعرفوا بعض؟
محدش رد.
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت أم حذيفة بسخرية:
= الزمن غريب… مكنتش أتخيل إن بنتك هتبقى مرات ابني.
ردت أم بيان وهي بتحاول تتمالك نفسها:
= وأنا كمان مكنتش أتخيل.
قالت أم حذيفة وهي بتبصلها بغضب قديم:
= بعد اللي عملتوه فينا… لسه ليكم عين تيجوا هنا؟ مش جوزك كان فيه بينه وبين جوزي صحوبيه واتفضت اكتر من عشرين سنه ايه اللي فكركوا بينا لا ومش بس كده كمان ابني ملقتوش غير ابني بس مش هسكت
اتسعت عيون بيان.
= ماما… هي بتتكلم عن إيه؟
لكن أمها قالت بسرعة:
= مش وقته.
ضحكت أم حذيفة ضحكة ساخرة.
= طبعًا… كالعادة هتهربي من الحقيقة.
اتعصبت أم بيان.
= أنا مهربتش… وإنتِ عارفة كويس مين اللي ظلم التاني.
ارتفع صوتهم…
لحد ما خرج حذيفة وأبوه على الصوت.
قال حذيفة بقلق:
= في إيه؟
بصتله أمه وقالت باقتضاب:
= تقولي ولا اقول انا
الفصل الثالث
رواية إليك يأوى الفؤاد الجزء الثالث 3 بقلم ملك محمد
إليك يأوى الفؤادرواية إليك يأوى الفؤاد الحلقة الثالثة
قال حذيفة بقلق:
= في إيه انا مش فاهم؟
فتحت أمه فمها تتكلم، لكن الجد ضرب الأرض بعصاه بقوة.
= بس!
سكت الجميع.
بص الجد لأم حذيفة بنظرة حادة.
= الموضوع ده اتقفل من سنين… ومحدش هيفتحه تاني.
حاولت تتكلم، لكنه قاطعها بحزم:
= قولت كفاية.
عضّت على شفايفها في غيظ، وسكتت.
أما بيان، فبقت تبص بينهم بعدم فهم.
= حد يفهمني… فيه إيه؟
قال الجد بهدوء:
= لما ييجي وقته هتعرفي… دلوقتي الموضوع انتهى.
وفي اللحظة دي…
سمعوا صوت موتور قوي وقف قدام البيت.
لفّ الجميع ناحية الباب.
ابتسمت سارة وهي بتجري.
= أحمد جه!
وقامت مريم بسرعة.
= أخيرًا وصل.
خرج حذيفة وهو بيبتسم لأول مرة.
أما بيان، فوقفت مكانها من باب الفضول.
دخل شاب طويل، لابس جاكيت أسود، وعلى رأسه خوذة موتوسيكل مخبية وشه كله.
كان شايل مفاتيح الموتوسيكل في إيده، وسلّم على أبوه وجده.
= السلام عليكم.
= وعليكم السلام يا أحمد.
بص لحذيفة وربّت على كتفه.
= مبارك يا عريس.
ابتسم حذيفة.
= الله يبارك فيك.
أما بيان، فكانت بتحاول تشوف ملامحه، لكن الخوذة كانت مخبية وشه بالكامل.
قال أحمد وهو طالع السلم:
= هطلع أغير هدومي وأنزل.
واختفى.
تنهدت بيان.
= حتى وشه مشفتوش.
ضحكت سارة.
= أصل أحمد مبيحبش يقلع الخوذة غير فوق.
—
في المساء…
كانت بيان قاعدة في أوضتها، سرحانة وهي باصة من الشباك.
رغم كل اللي حصل… كان فيه حاجة واحدة نفسها فيها.
خرجت من الأوضة، ولقت مريم وسارة قاعدين في الصالة، ومعاهم أخو حذيفة الصغير.
أول ما شافها جري عليها.
= إزيك يا مرات أخويا!
ضحكت.
= الحمد لله… انا شفتك قبل كده إنت اسمك إيه؟
نفخ صدره.
= أنا يوسف… بس كله بيناديني “جو”.
= جو؟!
= أيوه… عشان أنا جامد.وواد مسمسم وكده
قالت مريم وهي بتضحك:
= متصدقيهوش… ده جامد ده قرفنا وفضحنا.
اعترض يوسف بسرعة.
= إشاعات يا جماعة… كله إوشاعات.
ضحكت بيان وقعدت معاهم.
وبعد شوية قالت بتردد:
= هو… عندكم راديو؟
ابتسمت سارة.
= عندنا طبعًا… بتحبي تسمعي الراديو؟
هزت بيان رأسها.
= أيوه… كنت متعودة أسمع برنامج كل أسبوع.
قامت مريم وجابت راديو صغير.
= اتفضلي.
أخدته بيان وشغلته، وفضلت تقلب بين المحطات.
وفجأة…
ابتسمت.
= هي دي.
خرج الصوت الهادئ اللي كانت تعرفه وتحفظه.
همست:
= الحمد لله…
كان صوت براء مالي المكان.
ابتسمت من غير ما تحس، وفضلت تسمع الحلقة بكل تركيز.
أما يوسف فبصلها باستغراب.
= هو إيه اللي شدك كده؟
ابتسمت.
= بحب البرنامج ده جدًا.
قالت مريم:
= الأستاذ براء؟
هزت رأسها.
= بقالي تلات سنين بسمعه… صوته بيريحني.
بصت سارة لمريم، وابتسموا لبعض في صمت.
ولما خلصت الحلقة، قفلت الراديو وهي حاسة براحة افتقدتها من زمان.
—
بعدها بدقائق…
كان يوسف واقف قدام المراية وماسك علبة ماسك للبشرة.
بصلها بخبث.
= يا سطا…
بصتله باستغراب.
= نعم؟
= تيجي نعمل ماسك؟
انفجرت في الضحك.
= يا سطا؟! انت بينزلوك تشتغل علي مكروباص
= أيوه… سعات بس بريستيجي ميسمحش
ضحكت.
= تمام يا سطا… يلا.
بعد عشر دقايق…
كانوا الاتنين قاعدين وشهم كله ماسك.
دخلت سارة، وشهقت.
= يا نهار أبيض!لا اله الا الله مين ضربكوا كده ايه الاحمر ده
رفع يوسف إيده بفخر.
= بنهتم ببشرتنا.
ضحكت مريم.
= أنتوا شكلكم يخوف.
بصت بيان ليوسف.
= يسطا… شكلك عامل زي الايموجي الغضبان
رد بسرعة.
= بصي على نفسك الأول.
بصت في المراية، وانفجرت ضحك.
= يا خراب بيتنا!
وفي اللحظة دي دخل حذيفة.
وقف مكانه مصدوم.
= هو… إيه اللي على وشوشكم ده؟!
رد يوسف بمنتهى الثقة.
= الجمال له تمن يا عريس.وعروستك لازم تتذوق
حط حذيفة إيده على دماغه.
= أنا داخل أشرب مية… واخرج القي البليتشو اللي علي وشكو ممسوح.
ضحكوا كلهم.
—
بعد شوية…
طلعت بيان أوضتها، وفتحت موبايلها، واتصلت بأبرار.
أول ما ردت…
= بيان!!
دمعت عيونها.
= وحشتيني أوي.
= إنتِ عاملة إيه؟ حد ضايقك؟
ابتسمت.
= الحمد لله… كويسة.
وحكتلها عن البيت، وعن مريم وسارة، وعن يوسف والماسك.
فضلت أبرار تضحك.
= يعني أول يوم جواز… عملتي ماسك مع أخو جوزك؟!
ضحكت بيان.
= والله هو اللي جرجرني.
سألتها أبرار بعدها:
= وحذيفة؟
سكتت بيان لحظة.
= محترم… وبيحاول يهون عليا.بس الجامعه مش عارفه اعمل ايع
ابتسمت أبرار.
= الحمد لله… ربنا يطمن قلبك.بالنسبه للجامعه هقولك علي كل جديد
=طيب شكرا يا ابرار
قفلت المكالمة وهي حاسة براحة بسيطة.
—
وفي صباح اليوم التالي…
صحيت بيان بدري، ونزلت تتمشى في جنينة البيت.
كان الجو هادي، والنسمة لطيفة.
وفجأة…
سمعت صوت موتوسيكل قوي داخل من البوابة.
لفت وشها.
شافت أحمد نازل من على الموتوسيكل، ولسه لابس الخوذة.
ركن الموتوسيكل، ونزل بهدوء.
وقف ثواني…
ورفع إيده ناحية الخوذة.
أما بيان…
فكانت بتبص من بعيد، من غير اهتمام كبير.
لكن…
أول ما فكها، ورفعها عن وشه…
اتجمدت مكانها.
اتسعت عيناها بصدمة.
وقلبها بدأ يدق بعنف.
همست بصوت بالكاد خرج منها:
= براء…؟!
….
الفصل الرابع
رواية إليك يأوى الفؤاد الجزء الرابع 4 بقلم ملك محمد
إليك يأوى الفؤادرواية إليك يأوى الفؤاد الحلقة الرابعة
اتسعت عيناها، وهمست دون أن تشعر:
= براء…!
كان هو…
نفس الوجه الذي رأته في الحلقة.
ونفس الصوت الذي صاحبها ثلاث سنوات كاملة.
شعرت أن قلبها يخفق بسرعة، وهي تحاول تستوعب المفاجأة.
لاحظ حذيفة وقوفها، فقال بهدوء:
= يا بيان… ده أخويا أحمد.
التفت أحمد إليها، وأومأ برأسه في أدب.
= السلام عليكم.
خفضت بيان بصرها، وردت بهدوء:
= وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم انشغل أحمد مع إخوته، بينما ظلت بيان واقفة للحظات، لا تكاد تصدق ما حدث.
كان براء…
الذي حفظت كلماته في دفترها سنوات، يقف الآن أمامها.
لكنها أسرعت تستغفر الله في سرها، وهمست:
= اللهم أصلح قلبي، واجعل حبي للصالحين يقربني إليك.
أخذت نفسًا عميقًا، ودخلت البيت.
في تلك اللحظة، جرى يوسف ناحية أحمد، وعيناه معلقتان بالموتوسيكل.
قال وهو يمد إيده للمفتاح:
= يا أحمد… هات بقى، لفّة واحدة بس!
رفع أحمد حاجبه، وضم المفاتيح في كفه.
= لفّة واحدة؟! إنت كل مرة تقول لفّة واحدة، وفي الآخر بترجعلي الموتوسيكل على آخر نقطة بنزين.
اعترض يوسف وهو بيضحك:
= والله المرة دي هبقى مؤدب.
ضحكت سارة وقالت:
= مؤدب؟! ده آخر مرة رجعته والتراب مغطيه من فوق لتحت.
رد يوسف بسرعة:
= دي كانت تجربة ميدانية.
ضحك أحمد، ثم حط المفاتيح في جيبه وقال:
= خلاص… لما تكبر وتبقى معاك رخصة.
يوسف عقد دراعيه وقال باعتراض:
= يعني هفضل أشوفه من بعيد؟
ربت أحمد على كتفه وهو بيبتسم.
= أيوه… من بعيد خالص.
انفجر الجميع في الضحك، بينما كانت بيان تتابعهم في صمت.
ابتسمت من غير ما تحس…
لأول مرة تشوف براء بعيدًا عن الميكروفون.
كان طبيعيًا جدًا وسط أهله، يضحك ويهزر، لكن هيبته وهدوءه ما اتغيروش.
—
وقت الغداء…
كانت السفرة متجمعة، وكل أفراد البيت قاعدين.
الجد في صدر السفرة، وبجواره والد حذيفة، بينما جلست مريم وسارة ويوسف، وأحمد كان بيتكلم مع أبوه عن الشغل.
أما الكرسي الخاص ببيان…
فكان فاضي.
بصت أم حذيفة ناحية الكرسي، وقالت ببرود:
= هي فين؟
ردت مريم:
= طلعت أوضتها يا ماما.
قالت أم حذيفة وهي بتنهيدة ساخرة:
= من أولها دلع؟ الأكل بيتحط مرة واحدة، مش كل واحد ياكل على مزاجه.
قال حذيفة بهدوء:
= يمكن تعبانة شوية.
بصتله أمه بضيق.
= تعبانة من إيه؟ هي عملت إيه يعني من الصبح؟
اتكلم يوسف بسرعة وهو بيحاول يخفف الجو:
= يمكن مستحية يا ماما.
ردت أم حذيفة بحدة:
= المستحية متستخباش في أوضتها. البيت ده له نظام، واللي يدخله يمشي على نظامه.
حاول أحمد يغير الموضوع، فقال بهدوء:
= يا أمي… ممكن فعلًا تكون محتاجة ترتاح.
رمقته أمه بنظرة حادة.
= وإنت مالك بتدافع عنها ليه؟
ساد الصمت على السفرة.
أما حذيفة، فقام من مكانه.
= هشوفها.
ردت أمه بسرعة:
= سيبها، لما تجوع هتنزل لوحدها.
لكنه طلع السلم من غير ما يرد.
وقف قدام الباب، وخبط بخفة.
= بيان…
فتحت الباب بعد لحظات.
أول ما شاف وشها…
عرف إنها كانت بتعيط.
قال بقلق:
= إنتِ كويسة؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
= الحمد لله… مجرد صداع.
بصلها لحظة، لكنه ماحبش يضغط عليها.
= طيب… انزلي كلي أي حاجة.
هزت رأسها بالنفي.
= ماليش نفس.
تنهد وقال:
= براحتك… ولو احتجتي أي حاجة، أنا موجود.
ابتسمت بخفة.
= شكرًا.
نزل حذيفة، وقفلت الباب وراه.
وما إن اختفى صوته…
حتى جلست على الأرض، ودفنت وجهها بين كفيها، وانهمرت دموعها من جديد.
—
حلّ الليل…
سادت السكينة أرجاء البيت.
أخرجت بيان هاتفها، واتصلت بأبرار.
ما إن سمعت صوتها حتى انفجرت في البكاء.
اتخضت أبرار.
= بيان! مالك؟ حد ضايقك؟ حذيفة عملك حاجة؟
قالت بسرعة وهي تمسح دموعها:
= لا… والله حذيفة محترم جدًا.
تنهدت أبرار براحة.
= أومال بتعيطي ليه؟
قالت بصوت متقطع:
= فاكرة براء؟
= أيوه…
= طلع أخو حذيفة.
ساد الصمت.
ثم قالت أبرار بصدمة:
= إيه؟!
= والله هو… شوفته النهارده.
أنا مش مصدقة اللي حصل.
قالت أبرار بهدوء:
= طيب وهو يعرف إنك من زمان بتسمعيه؟
= لا.
= وهيفضل ميعرفش.
سكتت أبرار، ثم قالت:
= طب إيه اللي وجع قلبك بالشكل ده؟
أجهشت بيان بالبكاء.
= خايفة من قلبي يا أبرار…
أنا كنت معجبة بكلامه، ولما شوفته اتلخبطت.
مش عايزة أظلم حذيفة…
ولا أغضب ربنا.
قالت أبرار بحزم:
= يبقى متفتحيش للشيطان باب.
إنتِ دلوقتي زوجة حذيفة.
والرجل ده بيعاملك بما يرضي الله، وبيحاول يحتويكي.
فاحفظي الجميل ده، وجاهدي قلبك، وربنا هيعينك.
سكتت بيان لحظات…
ثم قالت وهي تمسح دموعها:
= عندك حق.
ربنا يثبتني.
= آمين يا حبيبتي.
قفلت بيان المكالمة.
قامت فتوضأت، وصلت ركعتين طويلتين.
وبعدما سلّمت…
رفعت يديها إلى السماء وهي تبكي:
= اللهم لا تجعل في قلبي تعلقًا إلا بك… وأصلح قلبي، واصرف عني كل ما لا يرضيك.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة، ثم اعتدل في جلسته وهو يجيب:
= السلام عليكم.
جاءه صوت مدير القناة على الطرف الآخر:
= يا أستاذ براء… عندنا ضيفة بكرة في البرنامج، وهنحتاج حضرتك تقابلها قبل التصوير بساعة.
سأله أحمد:
= مين الضيفة؟
رد الرجل:
= اسمها…
بيان.
بيان مين ؟
….