رواية أنا هبقى مرات حضرته الجزء الرابع 4 بقلم نور اسماعيل أنا هبقى مرات حضرتهرواية أنا هبقى مرات حضرته الحلقة الرابعة
حين يشتبك القلب مع من يحب، لا يظلّ الشجار مجرد كلمات قيلت في لحظة ضيق، بل يتحوّل إلى شيءٍ أثقل من ذلك بكثير؛ إلى غمامةٍ كثيفةٍ تستقر فوق الرأس منذ الصباح، وإلى ضيقٍ غامض لا يعرف المرء له سببًا محددًا، رغم أنه يعرفه جيدًا في أعماقه. يصبح الاستيقاظ نفسه مرهقًا، وكأن الروح لم تنم أصلًا، وكأنها قضت الليل كلّه تتقلّب فوق جمرٍ لا يبرد. وهذا تحديدًا ما حدث مع وسام.
كان وسام، بطبيعته، أهدأ من أن تطيح به نوبة غضب عابرة، وأكثر رشدًا من أن يترك انفعاله يقوده حيث لا يريد. لقد سبق عمره بسنوات طويلة، أو هكذا كان يراه من حوله؛ رجلًا يعرف كيف يزن الأمور، وكيف يتأنّى في أحكامه، وكيف يمسك بزمام نفسه حتى في أكثر اللحظات توترًا. لم يكن متهورًا، ولا ممّن يتخذون قراراتهم تحت سطوة الغضب أو الجرح أو الكبرياء. ومع ذلك، كان خائفًا… نعم، خائفًا بحق.
لم يكن خوفه من الشجار ذاته، ولا من قسوة الكلمات التي دارت بينه وبين مي، بل من ذلك العناد المستقر في رأسها، العناد الذي يعرفه جيدًا، ويعرف أنه إن تُرك يتمدّد بينهما، فربما أفسد عليهما أشياء كثيرة. كان يعلم أنه قادر، لو أراد، أن يغيّر بعض طباعها، وأن يدفعها إلى الطريق الذي يراه أصلح، لكنه كان يعلم أيضًا أن مي، رغم حبها العميق له، ما زالت متشبثة بكبريائها على نحوٍ لا يسمح لها أن تنكسر بسهولة أمامه، أو أن تمنحه انتصارًا مجانيًا في معركةٍ ترى نفسها فيها صاحبة حق. وهذا ما جعله يقف حائرًا أمام السؤال الذي لم
يفارقه منذ الليلة الماضية: وماذا بعد؟ كيف سيتصرّف؟ وبأي وجه سيبدأ معها الحديث من جديد؟ كان يرتدي ملابسه على عجلٍ متباطئ، ذلك التناقض الغريب الذي يصيب الإنسان حين يكون ذهنه في مكانٍ آخر، حين دوّى هاتفه برنينٍ قطعه من شروده. نظر إلى الشاشة، ثم أجاب بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعيًا: وسام: الوو –: الو الأستاذ وسام عاصم؟ وسام: أيوة يا فندم –: عيادة الدكتور أسامة فؤاد وسام: أيوة مع حضرتك –: معاد حجز الكشف اللي حضرتك حجزته من
شهر بكرة إن شاء الله وسام: أنا فاكر.. شكرًا لحضرتك –: أوك يا فندم.. رقم الكشف 597 الساعة 8 مساءً وسام: إن شاء الله هنكون هناك –: أوك يا فندم، في انتظارك.. مع السلامة وسام: مع السلامة أغلق الهاتف، وعاد إلى ما كان يفعله، لكن شيئًا ما في صدره ازداد ثقلًا. أكمل ارتداء ملابسه، ارتشف قهوته على مهلٍ بلا مزاج، ثم غادر إلى العمل، وكأن اليوم بدأ يعلن عن نفسه بوصفه يومًا ليس كغيره، حتى وإن لم يكن قد كشف بعد عن كل ما يخبئه.
—ما إن وصل إلى الشركة حتى سمع صوت المدير يناديه من بعيد، بصوتٍ يحمل شيئًا من الجدية التي لا تحتمل التأجيل. التفت وسام نحوه وأجاب على الفور: المدير: وسام! وسام: أيوة يا فندم المدير: النهارده معلش هطلب منك خدمة ضروري وسام: تحت أمر حضرتك المدير: أستاذ محمد المتخصص في تعليم الدفعة الجديدة مهارات الشغل في الشركة أخد إجازة، والنهارده معاد الكورس والدفعة كلها جاهزة، وأنت أجدر حد موجود وأقدم حد.. فاستأذنك تقوم إنت بالمهمة دي
وسام: بس.. أنا أوك أعرف شغلي طبعًا وأقدر أقدّم من خبرتي، بس الكورس مش عارف… أول مرة ألقيه يعني المدير: هههههه ارجع بذاكرتك لثمان سنين ورا يا سيدي.. شوية حاجات من الكورس الشهري للموظفين، هتعدّي، بس نعدّي المطب ده لأن المانجر ديركتور بيسألني وأنا مش لاقي غيرك وسام: أوك ولا يهم حضرتك… أنا هقوم بيه المدير: ماشي يا وسام.. أنا هطلب منهم يجهزوا وإنت حصّلهم وسام: أوك يا فندم
انصرف المدير بعدما ألقى فوق كتفيه مسؤوليةً جديدة في يومٍ لم يكن مستعدًا فيه لأي شيء، ولم يكد وسام يلتقط أنفاسه حتى ظهر شريف، كعادته، يحمل على وجهه تلك الملامح التي لا تبشر إلا بمزاحٍ ثقيل في توقيتٍ أسوأ. شريف: إيه ده! اللي أنا سمعته ده بجد؟ وسام: على إيه يا شريف على الصبح؟ أنا مش ناقصك شريف: إنت هتدي البيجنيج شو كورس! بختك يا ابن المحظوظة وسام: تعالى يا خويا اديه بدالي، ده أنا حتى مش فيّا دماغ خالص النهارده
شريف: ههههههه ولا أعرف.. وبعدين أنا بقالي خمس سنين هنا بس وسام: ولسه حمار وحياتك! شريف: على رأيك… هههه بقولك، الصاروخ الديناميكي هيحضر عشان هي من الدفعة الجديدة.. أبوس إيدك بلاش الرقة بتاعت أمك دي والسمسمة اللي إنت فيها دي قدامها، أحيه أبوك يا شيخ لا توحش في وشها وتبقى شبه ستي أطاطا كده في عينها o,O وسام: فايق يا شريف وأنا مخنوق.. اوعى عشان أروح شريف: إيه مالك؟ وسام: مافيش.. اوعى
تركه وسام ومضى، بينما بقي شريف يرمقه في دهشة. كان واضحًا أن شيئًا ما في وسام ليس على ما يرام، لكنه لم يكن في حالٍ تسمح له بالشرح أو حتى بالمزاح. —وفي مكتبٍ آخر، كانت الأجواء مشتعلة على طريقتها الخاصة. أصوات متداخلة، شكاوى متكررة، ومزاحٌ يحاول أن يخفف من وطأة العمل، بينما كانت مي تجلس وسطهم بجسدٍ حاضر وروحٍ شاردة في مكانٍ آخر تمامًا. سامح: على فكرة معظم برمجة الأجهزة دي زفت… لو سمحتم يا جماعة نشوف شغلنا كويس
غادة: يوووه يا سامح.. إزاي زفت يعني منة: على فكرة بقى.. مش غلطتنا.. دي غلطة الأجهزة نفسها سامح: آه الأجهزة بتستهبل غادة: خلاص يا سامح هنعيد تظبيطهم بس متقعدش تزعق كده والنبي على الصبح أمنية: هههههه فرحان بصوته ممدوح: جرى إيه يا بنات إنتوا هتستلموه ولا إيه؟ سامح: لا لسه مي هانم دورها مجاش ثم التفتوا جميعًا نحو مي، التي كانت تعمل بصمتٍ بارد، كأنها تحاول أن تعزل نفسها عن كل ما حولها. مي: سيبوا مي في حالها
سامح: مممممممم غريبة يعني، تبقى الدنيا والعة عند حد ومتسخنش غادة: إيه يا مي مالك؟ منة: تلاقيها متخانقة مع وسام أمنية: بجد؟ متخانقة فعلًا؟! ده إنتوا بتجهزوا للخطوبة يا بنتي مي: يووووووه.. أنا ماشية أمنية: مي.. يا مي!
نهضت مي بالفعل، وكأنها كانت تبحث عن أي ذريعة للهروب من الأسئلة، ثم خرجت من المكتب، قادت سيارتها واتجهت إلى شقة شقيقتها سهر. كانت مختنقة إلى حدٍّ لم تعد معه قادرة على البقاء وحدها، وكانت في حاجة ماسّة إلى حضنٍ آمن، أو إلى أذنٍ تسمعها دون أن تحاكمها. —أما وسام، فكان قد وقف أمام الدفعة الجديدة من الموظفين، ممسكًا بالقلم، يكتب على السبورة عنوان المحاضرة: فن التعامل مع عميل شركتنا ثم بدأ الشرح.
ما إن بدأ يتحدث حتى بدا شخصًا آخر تمامًا؛ واثقًا، ثابتًا، يعرف ما يقول وكيف يقوله، كأن التوتر الذي يسكنه منذ الصباح قد تراجع خطوة إلى الخلف، تاركًا لخبرته القديمة أن تتصدر المشهد. كانت العيون كلها معلقة به، والأقلام تتحرك سريعًا فوق الأوراق، يدوّنون ما يقوله من قواعد وأسس، وهو يجيب عن أسئلتهم بطلاقة، ويضرب لهم الأمثلة من واقع المواقف التي مر بها، ويشرح لهم كيف يمكن لخطأٍ صغير في التعامل أن يفسد علاقة شركةٍ كاملة بعميلٍ واحد.
مرّ الوقت لطيفًا على نحوٍ غير متوقع، موزعًا بين الشرح والأسئلة وبعض المواقف الطريفة التي كان يسردها، فيضحك الجميع. كان في حضوره ما يفرض الاحترام دون تكلف، وما يجذب الانتباه دون أن يطلبه. كل ذلك، بينما كانت شيرين لا ترفع عينيها عنه.
كانت شيرين من ذلك النوع الذي يلتفت إليه الجميع فور دخوله المكان؛ جمالٌ صارخ، وملابس لافتة، وطريقة نظرٍ مدروسة، وحركاتٌ تعرف جيدًا أثرها على من حولها. الجمال الذي كان وسام يسميه في داخله، بسخرية خفية، جمالًا بلاستيكيًا؛ جمالًا مصقولًا أكثر مما ينبغي، يلمع من الخارج دون أن يترك في النفس أثرًا حقيقيًا. كانت محطّ أنظار أغلب الموجودين، وربما كانت تعرف ذلك وتستمتع به، لكن وسام لم يكن منجذبًا لهذا النوع أصلًا. لم يكن هذا ما يهزّه، ولا ما يستوقفه. كان مكتفيًا بمي، حتى في خصامهما؛ فالخصام لا يعني الكراهية، ولا يطفئ ما استقر في القلب.
وحين انتهت المحاضرة، بدأ الجميع في جمع أوراقهم ومغادرة القاعة، إلا شيرين، التي تأخرت عمدًا. أنزلت ساقها التي كانت تعقدها فوق الأخرى، وعدّلت جيبتها القصيرة، ثم تقدمت نحوه بخطواتٍ واثقة. شيرين: عرفت إنك عريس جديد.. شكلنا كده دفعة وشها حلو عليك وسام: الحمد لله.. قريت فاتحة وكتب الكتاب كمان أسبوع شيرين: فعلًا يا بختها بيك ثم اقتربت أكثر وقالت بنبرةٍ تحمل ما يكفي من الجرأة لإرباك أي رجل: شيرين: اختارت راجل!
غادرت بعد ذلك، بينما ظل وسام في مكانه لحظةً مشدوهًا، لا من الإعجاب، بل من فرط الحرج. كانت الجرأة الزائدة من هذا النوع تربكه، وتضعه في موضع لا يحبّه. لم يكن يريد أن يخلق مشكلة في العمل، ولم يكن مرتاحًا أصلًا إلى الأسلوب الذي لمّحت به، لكنه أدرك في الوقت نفسه أن عليه أن يضع حدودًا واضحة منذ البداية، حتى إن اختار أن يفعل ذلك بهدوء. صلة زمالة… لا أكثر.
—وفي بيت سهر، كانت مي تحتضن كوب الكابتشينو بين يديها كأنها تستمد منه بعض الدفء، بينما تفرغ ما في صدرها من حنقٍ وضيق، وتحكي لشقيقتها كل ما جرى بينها وبين وسام بالأمس، كلمةً كلمة، وانفعالًا بانفعال. استمعت سهر إليها حتى النهاية، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لا تخلو من الحسم: سهر: يا حبيبة قلبي، طبيعي يعمل كده.. مش هتبقي مراته؟ مي: ده عايز يتحكم فيّا على الآخر يا سهر ويمحي شخصيتي، إيه وأنا فين من ده كله؟
سهر: ده مش تحكم يا مي، وسام راجل شرقي وملتزم دينيًا، مش غريبة طلبه ده على الإطلاق. ده هيبقى جوزك، فاهمة يعني إيه جوزك؟ يعني حبيبك اللي تاخديه في حضنك، وباباكي اللي يحن عليكي، وصديقك اللي يسمعك، وابنك اللي تبقي مسؤولة عنه! كل حاجة فيكي ملكه.. إنتِ نفسك بتاعته.. إنتِ عمرك شفتي حاجة بنمتلكها ليها رد فعل؟ مي: إحنا بنمتلك جمادات مبتتحركش.. فون ولا لاب ولا أي نيلة سودة، لكن أنا إنسان وليّا كبريائي.. ولازم يحترم ده
سهر: أنا مش شايفة إنه جرح كبرياءك في حاجة، بالعكس ده كان جنتل جدًا معاكي وسابك فترة تبقي براحتك لحد ما تقرري إنتِ وتعملي اللي هو عايزه… بس إنتِ معملتيش، فحب يقولك هو مي: الأول قال بعد الفرح… لا لا لا خليها كتب كتاب مش شبكة بس.. لا لا تلبسيه من أول كتب الكتاب! إيه! هنلعب؟ بتمهدلي عشان أتدبس سهر: وليه تعملي حاجة كده كده هتنفذيها بعد مشكلة وخناق وبعد… ما تعمليها وتريحي دماغك طالما كده هتتعمل وكده هتتعمل يا بنتي مي:
بيدبحلي القطة حضرته سهر: ولا قطة ولا حاجة.. فكري كده هتلاقي إنك غلطانة… طب استني كده! نهضت سهر، ودخلت إلى الغرفة المجاورة، ثم عادت تحمل طرحتين أنيقتين، بدتا في يديها كاقتراحٍ ناعم، لا كأمر. مي: إيه دول؟
سهر: إيهاب جوزي وهو في العمرة جاب لي دستة طرح وقال لي وزعي على حبايبك… زي ما إنتِ شايفة، جمال جدًا.. إنتِ عارفة إن وشهم حلو أوي، كل حد أخد منهم يا إما مكانش محجب واتحجب، يا إما لبستها وكان وشها حلو خلاص… وفضلوا الاتنين دول، معرفش بقى من نصيب مين… شكلهم من نصيب… جربي، مش هتخسري حاجة
ترددت مي لحظة، ثم مدّت يدها وأخذت واحدة منهما. راحت تتأملها بصمت، ثم رفعت عينيها إلى سهر، كأنها لا تنظر إلى قطعة قماشٍ وحسب، بل إلى فكرة كاملة لا تزال تقف على بابها مترددة بين القبول والرفض.
—وفي اليوم التالي، كان وسام يجلس في عيادة الدكتور أسامة فؤاد، بينما كان الطبيب يفحص والده ويطالع الأشعة، ويحاول أن يخفي في ملامحه ما لا يريد قوله قبل أن يتأكد. جلس وسام إلى جوار أبيه، متماسكًا في الظاهر، لكن قلبه منذ الليلة الماضية لم يعرف السكون. وبعد أن انتهى الطبيب من الكشف على الأب، رفع بصره إلى وسام وقال: الدكتور: اتفضل يا أستاذ وسام اقعد وسام: خير يا دكتور؟ عاصم: أيوة يا دكتور
الدكتور: والله الكشف المبدئي والأشعة الفورية دي مبتقولش غير حاجة واحدة وسام: إيه يا دكتور؟ كان السؤال قد خرج من فمه مرتجفًا، كأنه يستشعر المصيبة قبل أن يسمعها. نظر إليه الطبيب نظرةً جادة، ثم قال العبارة التي انقسم عندها كل شيء إلى ما قبلها وما بعدها: الدكتور: ورم خبيث في المعدة… في المرحلة التانية كمان
ولوهلة، بدا وكأن الجملة لم تصل إلى أذن وسام كاملة، أو لعلها وصلت دفعةً واحدة فأصابت روحه في مقتل. وقف من مكانه بتوترٍ عنيف، ثم ارتجف جسده دفعةً واحدة، ارتجافة طفلٍ صغير ضلّ عن أمّه وسط الزحام. اتسعت عيناه اتساعًا مفزعًا، وانهمرت دموعه بغزارة كأنها كانت محتبسة خلف بابٍ هشّ ينتظر هذه الكلمة لينكسر. جلس وقام في اللحظة نفسها، كمن فقد القدرة على استيعاب ما يسمع أو الثبات على كرسيه. أما الأب، فقد أطرق رأسه إلى الأرض،
ولم يخرج من فمه سوى: عاصم: الحمد لله… الحمد لله كان الرجل يتلقّى صدمته بطريقته؛ بالاستسلام لله، والاحتماء به، والتسليم لأمره حتى وهو لا يعرف ما ينتظره بعد ذلك. لكن وسام لم يكن قادرًا على هذا القدر من الثبات. كان يلهث، يعرق، ويحاول أن يمسك بخيطٍ عملي واحد وسط هذا الخراب المفاجئ. وسام: ط.. طيب.. إمتى نعمل العملية حضرتك؟ طب نعمل إيه حضرتك؟ عاصم: مافيش حاجة يا وسام يا ابني… كل حاجة من ربنا خير
الدكتور: أنا معاكم وقت ما تكونوا مستعدين ثم كتب ورقةً سريعة، وهو يشرح بلهجة الطبيب الذي لا يملك ترف التخفيف المبالغ فيه: الدكتور: يتحضر، وتكلمني وتقول لي أوك، وتروحوا المستشفى الصبح ونعملها، وإن شاء الله هيقوم بالسلامة. إحنا لازم نتحرك بسرعة.. هتتعمل عملية استئصال في البداية عشان نبتدي الكيماوي. دي مرحلة تانية، يعني إحنا متأخرين جدًا
خرج وسام من العيادة وهو يحمل الأشعة والأوراق، لكن الحقيقة أنه كان يحمل فوق كتفيه ما هو أثقل من الورق بكثير. طوال الطريق، لم يرفع رأسه تقريبًا، كانت عيناه محمرتين، ودموعه لا تكاد تتوقف، بينما الصمت يلتف حوله ككفن. كان أبوه ينظر إليه بين الحين والآخر، يربت على كتفه، ثم يعود ليتمتم بالحمد والدعاء، كأن الأب، وهو المريض، يحاول أن يواسي ابنه لا العكس.
وصلا إلى البيت، وصعدا معًا. وما إن دخلا الشقة حتى أخبر الأب ابنه أنه سيأخذ السيارة ويلف بها قليلًا. لم يفكر وسام، لم يزن، لم يرتب، لم يخطط. تحرك مدفوعًا بذعره، بحاجته إلى حضنٍ واحد يعرف أنه لن يخذله، وباندفاعٍ يشبه الغرق. خرج من بيته، وصعد إلى شقة مي، وضغط جرس الباب. فتحت مي الباب.
كانت قد فرغت لتوّها من الصلاة، ترتدي الطرحة والإسدال، ووجهها ما زال يحمل أثر الوضوء وسكينة اللحظة، لكن تلك السكينة تكسّرت في الحال حين رأت ملامحه. لم يكن هذا هو وسام الذي تعرفه؛ كان وجهه شاحبًا على نحوٍ أفزعها، وعيناه غارقتين في الدموع، وأنفاسه مضطربة كأنها خرجت من سباقٍ طويل مع الفاجعة. مي: وسام.. مالك يا حبيبي؟!
لم يجبها بالكلمات أولًا، بل مد يده إليها كالغريق الذي وجد أخيرًا ما يتمسك به. قبض على يدها، ثم هبط إلى الأرض دون أن يشعر بنفسه، وكأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمله، وانفجر صوته من بين شهقاته المقطوعة بصعوبة، وهو يقول: وسام: بابا… عنده… سرطان! •••••• …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!