رواية أنا هبقى مرات حضرته — الفصل 1 — بقلم نور اسماعيل
في مساءٍ هادئٍ تتلألأ فيه النجوم كحباتٍ من الفضة المنثورة على بساط السماء، كانت سيارة وسام متوقفة فوق مرتفعٍ صغير يطل على الأفق الرحب. استلقت مى فوق غطاء السيارة الأمامي، تحدّق في السماء بعينين حالمتين، بينما جلس هو إلى جوارها يشاركها التأمل ذاته. بدا المشهد وكأنه مقتطع من أغنيةٍ رومانسية حالمة؛ روحان تحلقان بين النجوم، وتنسجان من الضوء أمنياتٍ ومن الخيال أحلامًا لا تنتهي.
مى: هنعمل خطوبة كبييرة اوى ، كل الناس لازم تحكى عن يوم خطوبتنا ده
لازم يكون ف حجات متعملتش مع حد تانى ،واحنا كمان نلبس دبل محدش لبسها قبل كده
ولازم مندخلش القاعة داخلة عاديه ،
وسام: (قطعها) اومال ندخل ازاى يعنى ؟ بنجرى !!
مى: بقولك ايه ! انت تسيبنى اخطط ليوم خطوبتنا ده براحتى ، مش كفايه انى وافقت عليك بالعافيه
وسام: لا وليه بالعافيه احنا فيها (بيعمل نفسه بيقوم)
مى: ايه يابنى بهزر.. كل حاجة قفش كده ده انت غريب
وسام: طيب ياستى بالمناسبة انا كنت هقولك ع اقتراح
مى: اقتراح ايه ؟
وسام: هو مش اقتراح ، هو حاجة كده هتكون افضل لينا يعنى
مى: ايه يا ويسو قلقتنى
وسام: احنا نكتب كتاب ع طول ، عشان بعد كده لما اخرج معاكى ابيع الشقه بتاعتى ونختار واحدة تانية .. او لو اتأخرنا فيوم واحنا بنجيب حجات شقتنا تكونى ساعتها مراتى
لان بصراحة الخروج الكتير حتى لو كنا مخطوبين هيجيب لك الكلام
ما إن أنهى حديثه حتى أشرقت ملامحها بفرحةٍ عارمة، وانفجرت سعادتها كما تنفجر الزهور بعد أول قطرة مطر.
مى: (فرحت اوى وباسته فخده) ياخراااااااااااااشى! حمش حمشنه يا نااااااااس
وسام: يامجنونة يابنت العاقلين اتلمى احنا فالشارع
مى: (بتبصله بصه حب جمييله) للدرجة دى بتحبنى وبتغير عليا ؟
وسام: لا هتجوزك شفقه ياهبله طبعا بحبك وبموت فيكى كمان
هو ايه الى كان خلى قدرى اتجوز واحدة مناخوليا زيك غير انى بحبها
مى: حبيبي يا ويييييييس اموت فيك بئى
وسام: طب يلا بينا بئى
مى: ليه بئى
وسام: عشان كفايه كدا بئى .. يلا يا مشمش يلا يا حبيبى
مى: (عملت نفسها مبوزة) طيب طيب
غادرا المكان وقلباهما يرفرفان بخفة العصافير، وقد امتلأت روحيهما ببهجةٍ صافية لا يعكرها شيء. أوصلها وسام إلى شقتها، وأدخلها بنفسه إلى الداخل مطمئنًا عليها، ثم عاد إلى شقته وهو يحمل في صدره دفئًا يكفيه لأيام.
ومع إشراقة الصباح، استيقظ وسام يستعد ليوم عملٍ جديد، لكنه فوجئ بوالده مستيقظًا على غير عادته، وقد بدت على وجهه علامات السهر والإنهاك.
وسام: صباح الخير يابابا (بيبوس ايده)
الاب: صباح النور يابنى ..
وسام: صاحى ليه من بدرى كده يابابا ؟
الاب: والله كنت قلقان شويه وصدرى ماسك عليا قلت بلاش اصحى والدتك واعمللى كوباية ينسون
شعر وسام بالقلق على والده، فاقترب منه بعينٍ يملؤها البر والاهتمام.
وسام: طب انا هعملك الينسون مع القهوة بتاعتى يا بوب .. ماشى
الاب: مانا خلاص عملته وشربته كمان ، اجهز انت عشان شغلك
وسام: حاضر يابابا
الاب: صحيح يا وسام ، ليلى بنت عمتك جاية انهاردة فرحلة الساعه 7
وسام: مانا عارف يابابا توصل بالسلامة ، ان شاء الله هروح اجيبها من المطار
الاب: طيب يابنى اسيبك انا
وسام: ماشى يابابا
أكمل وسام استعداداته ثم غادر إلى عمله، لكن قبل نزوله، وكعادته التي لم يتخلَّ عنها يومًا، كتب كلمتين صغيرتين لمى على ورقةٍ ووضعها أسفل باب شقتها، ثم انصرف مبتسمًا.
ومضت ساعات العمل هادئةً على غير المتوقع.
كان الجميع يعلم أن منى حصلت على إجازة بسبب زواجها، لكن شريف كان يحمل خبرًا جديدًا سيقلب مجرى الحديث رأسًا على عقب.
شريف: الواد ويسو الى مجنن البنااااااااااات
وسام: (بيكتب حاجة ع جهاز قدامه) نعم ياسيدى
شريف: ايه اخبارك انت والوتكة !
رفع وسام رأسه فورًا، ونظر إليه نظرة استنكار.
وسام: انت ياد يا هباب انت قولتلك ميت مرة متقولش عليها وتكة .. دى هتبقى مراتى يا برج التخلف
شريف: خلاص ياعم متنزوقش.. المهم ايه اخبارك معاها ؟
وسام: الحمدلله ماشى الحال اهو هنحدد معاد كتب الكتاب ممكن بعد 10 ايام كده
شريف: ايووووووة كده يا ويسوووووو كده انت صاحبى وحبيبى وجدعنه
وسام: يلا شد حيلك عشان نشوف فرح مين الى هيكون قبل التانى ، انا ومى الاول ولا انت وامنية
شريف: متفكرنيش .. لسه قافشين ع بعض من شويه
وسام: ليه بس !
شريف: الهانم .. خرجت امبارح وراحت سينما مع ابن خالتها من غير ماتقولى ولما اكلمها تقولى ده زى اخويا يا كوكو متكبرش الحكاية
كوكو ايه وبتاع ايه يا شيخة ابو شكلك
ابتسم وسام وهز رأسه بخفة.
وسام: مممم لا معاك حق .. بس هى لو كانت قالتلك مانت كنت مش هتوافق بردو
شريف: طبعآ
وسام: لا مش طبعآ لازم تبقى سايبلها مساحة من الحرية عشان متتخنقوش من بعض بدرى بدرى
شريف: ههع هع انا لازم اوريها العين الحمرا والخضرا والبرتقانى عشان تخاف منى
مش كفاية من ساعه ارتباطنا مبكلمش قطة فالشارع
وسام: لا يا شيخ احسن انها مربياك ايه رائيك بقى
شريف: طيب ياعم اما نشوف الست مى المستكاوى هتعمل ايه معاك
وسام: كل خير ان شاء الله
شريف: صحيح قولتلك ان البت منى شكلها كده مش هتيجى تانى الشغل
وسام: ايه ده ؟! ازاى
شريف: اه والله مبلغه بتطويل الاجازة وبيقولو احتمال متجيش تانى
وسام: مع انها كانت مصرة متسبش الشغل
شريف: يلا احسن يارب متجيش خالص .. يارب تموت اساسا ويجيبولنا واحدة وتكة كده زى الفل تطرى الجو
وسام: والهى وهما بيعينوها امنية تقفشك تطين عيشتك ويلا بقى ياض عشان نكمل شغل
شريف: هههههههههههه
وفي السماء، وعلى متن طائرةٍ قادمة من ألمانيا إلى القاهرة، كانت ليلى ابنة عمة وسام تشق طريقها عائدةً إلى الوطن.
كانت ليلى الابنة الوحيدة لعمة وسام، ولم تطأ قدماها القاهرة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام. حضرت يومًا جنازة والدتها، وودعتها إلى مثواها الأخير، ثم عادت سريعًا إلى ألمانيا لتستكمل رحلة الماجستير التي كانت قد بدأت فيها.
واليوم عادت وقد أنهت الماجستير بنجاح، وبدأت تخطو أولى خطواتها في طريق الدكتوراه. لكن خالها عاصم أصر على نزولها والإقامة معهم، فلا يعقل أن تبقى وحيدةً في منزلٍ غاب عنه الأب منذ سنوات، ثم لحقت به الأم منذ ثلاثة أعوام.
وبعد إلحاحٍ طويل، وافقت أخيرًا.
غير أن الأقدار كانت تنسج خيوطها في الخفاء.
ففي الطائرة نفسها كانت دنيا، خطيبة وسام السابقة، عائدة هي الأخرى بعد سنواتٍ طويلة من الغياب. ومن عجيب المصادفات أن المقعدين جاءا متجاورين.
كانت ليلى تضع سماعات الأذن وتعمل على حاسوبها المحمول حين التفتت إليها دنيا.
دنيا: ممكن بعد اذنك تحركى الاب شويه كده عشان هنام
ليلى: اوك حاضر
دنيا: ميرسى ليكى
رفعت ليلى رأسها، وما إن وقعت عيناها على وجهها حتى اتسعتا دهشة.
ليلى: (بتبص باستغراب) ايه ده ! دنيا !!
ازاى جمبى وماخدتش بالى
دنيا: استنى … ليلى بنت عمة وسام
ليلى ازيك
دنيا: عاملة ايه ياليلى ..
ليلى: الحمدلله ، تمام وانتى
دنيا: بفضل الله تمام
ليلى: ايه الى وداكى المانيا يابنتى ؟
دنيا: ابدآ (اتربكت) شغل
ليلى: اها ربنا معاكى .. انا كمان خلصت الماجستير وناقشته ونجحت فيه والحمدلله
دنيا: مبررروك ياقمر عقبال الدكتوراه
ليلى: سورى من ساعه م نزلت فوفاة ماما وانا مقصرة فحقكم مش بسال عليكم
اخبارك انتى ووسام ايه ..
وما إن ذُكر اسم وسام حتى خفت بريق عيني دنيا، وارتجف شيءٌ عميق داخلها.
دنيا: وسام! (عيونها دمعت) احنا سيبنا بعض من زمان اوى يا ليلى
ليلى: ايه !! ازاى كده ده انتو بتموتو فبعض .. انا فاكرة ساعة وفاة ماما انكم كنتو بتحضروا فشقتكم
دنيا: (بتبص الناحية التانية) محصلش نصيب
شعرت ليلى بالحرج من سؤالها، فتداركت الأمر سريعًا.
ليلى: مممممم سورى يا دندن ربنا يديكى الاحسن وهو كمان ..
دنيا: ميرسى يا ليلى
ليلى: بس وشك تعبان اوى وخسانه وضعفانه جدآ ، ولا انا عشان بقالى كتير مش شوفتك
دنيا: لا عادى .. ضغط الشغل
ليلى: دونا هاتى رقمك عشان اكلمك ، انا هقعد عند خالو فترة
لازم اشوفك اوك
دنيا: ان شاء الله
حطت الطائرة رحالها أخيرًا، وبدأ الركاب في النزول.
كان وسام ينتظر ليلى في صالة الوصول، وما إن لمحها حتى رفع يده ملوحًا لها. لكن قبل أن تكتمل ابتسامته، وقعت عيناه على دنيا.
تجمد لثوانٍ.
سكنت ملامحه.
ثم استعاد رباطة جأشه سريعًا، وارتدى قناع الهدوء وكأن شيئًا لم يكن.
ليلى: وييييييييييس حبيبي (بتسلم عليه)
وسام: حمدلله عالسلامة ياقمر
أما دنيا فقد ارتبكت بشدة، وحاولت عبثًا أن تخفي ذلك. فبعض المشاعر مهما مر عليها الزمن، تبقى حيةً تحت الرماد.
ليلى: ايه يا وسام مش هتسلم ع دنيا ؟! انتو كنتو مخطوبين وفركشتو مش قاتلين لبعض قتيل
مد وسام يده في هدوء، فصافحت دنيا يده الباردة المرتجفة. التقت العيون للحظةٍ قصيرة، لحظةٍ حملت ما عجزت عنه الكلمات، لكنه سرعان ما أشاح بوجهه بعيدًا وقال:
حمدلله عالسلامة.
وفي تلك اللحظة نفسها، وعلى بُعد أميالٍ منهم، كانت مى تستعد للانصراف من عملها، قبل أن تنتفض فجأةً وكأن إحساسًا غريبًا قد وخز قلبها.
مى: ااااااااى !!
منة: ف ايه ؟
مى: حاسة انى خدت ع قفايا مرة واحدة ع خوانه
منة وغادة والباقى: هههههههههههه طب يلا ياختى
انطلق وسام بسيارته وبرفقته ليلى، دون أن يلتفت خلفه ولو مرة واحدة، بينما ظلت دنيا تراقبه من بعيد.
امتلأت عيناها بالدموع.
ورفعت يدها ببطءٍ إلى موضع المصافحة، وكأنها ما زالت تحتفظ بحرارة تلك اللحظة العابرة.
وفي الطريق تبادلا الأحاديث عن الأحوال والأخبار وأعوام الغياب، حتى وصلا إلى العمارة وصعدا السلم وهما يمازحان بعضهما البعض.
وفي تلك الأثناء كانت مى قد عادت إلى المنزل، وبدّلت ثيابها، وجلست تعبث بحاسوبها في الصالة.
وفجأة…
وصل إلى سمعها صوتٌ تعرفه جيدًا.
تجمدت في مكانها.
إنه صوت وسام.
لكن…
كان يضحك مع امرأة!
نهضت كالسهم، وهرولت نحو الباب، وألصقت عينها بالعين السحرية.
فرأت وسام يحمل الحقائب، وعم سليمان يصعد بالبقية، بينما كانت ليلى تضحك وتضرب كفًا بكف.
وفي أقل من ثانية، اندفعت مى إلى الخارج بثيابٍ غير مرتبة، وشعرٍ منكوش، وفردة شبشبٍ واحدة في قدمها، وقد اشتعلت الغيرة في عينيها كالنار.
مى: الله الله … يعنى انت تحلملنا بفرحنا امبارح ، وجايبلى العروسة عالجاهز انهاردة !!!