في هذه الليلة الكاحلة ، وقف الرائد “ياسين” قدام باب شقة ما في القاهرة ، وبص للشريط الأصفر اللي لافف حوالين الباب وتمتم بصوت واطي كله حسرة:
– رقم 20.. الضحية رقم 20 يا بلد، وبرضو لسه بنلف في ساقية ملهاش آخر!
ياسين كان المحقق الرابع اللي يمسك القضية دي. خمس شهور مابينامش، مبحلق في صور الضحايا لحد ما حفظ ملامحهم أكتر من ملامح وشه في المراية، بس من غير أي فايدة. دخل الشقة بخطوات بطيئة، وبص للنقيب “مراد” اللي كان واقف جوا وشايل أوراق المعاينة و باين عليه التعب.
ياسين بص له وقال بنبرة مخنوقة:
– إيه الوضع عندك يا مراد؟ الجيران حسوا بإيه؟
مراد اتنهد بصوت مبحوح و رد:
– الوضع سيء جداً يا فندم.. البنت هنا بقالها أكتر من يومين، ومحدش حس بيها غير لما الجيران اشتكوا من الريحة وبلغوا.
في وسط الأجواء المشحونة دي، حط مراد الأوراق على جنب، ومد إيده ببرود ورفع كوباية الشاي اللي كانت قدام الجـ.ـثة على الترابيزة، وقربها من مناخيره وشمها، وبعدين لوى بوزه وقال:
– بس شكل البنت دي مكانتش بتعرف تعمل شاي أصلا.. ريحته تقرف!
لف ياسين بجسده كله كالإعصار، وعينيه بتطلع شرار وصاح بغضب مكتوم:
– نعم؟! أنت بتستظرف يا مراد؟! إحنا في مسرح جر.يمة يا رو.ح أمك!
مراد رجع خطوة لورا بسرعة وحط الكوباية مكانها وهو بيبلع ريقه:
– بنلطف الأجواء يا فندم.. الضغط هيموتنا قبل ما القا.تل يوصل لنا.
فجأة، قطع الصمت المشحون ده صوت رنة موبايل ياسين.. نغمة عالية ورخمة هزت هدوء الشقة. ياسين بصل للموبايل بضيق وقفل الرنة بسرعة من غير ما يرد وحطه في جيبه.
مراد لمح الشاشة و بص بفضول، فقال بابتسامة مستفزة:
– مين الغراب المحترم اللي منور شاشة سيادتك في وقت الفقر ده يا باشا؟
ياسين لفله ببطء وعيونه بتطلع شرار ، و قال بهدوء ممـــ.ـيت:
– مراتي !
مراد ركبه سابت في مكانها، عدل وقفته في ثانية وضرب تعظيم سلام بالمقلوب:
– إحم.. العتب على النظر يا فندم! المدام منورة في عز القرف.. قصدي في عز النور والبهجة دي! خطوة عزيزة وألف ألف مليون مبروك لسعادتك!
ياسين بص لمراد بقرف قاتل وسكت تماماً، ونفخ بضيق وهو بيبعد عنه عشان يكمل فحص في الصالة.
مراد تابع بتلقائية ، و قال :
– والله أنت مستكتر النعمة يا فندم! حد يطول يا ياسين باشا؟ ده أنا لو مكا..
قاطعه ياسين وهو بيقرب منه وعينيه بتطق شرار وزعق بحدة:
– أنت يا ابني معندكش دم؟! إحنا قدام جـُ.ـثة! قدام قتــ.ــيل! اتهد بقا وخلينا نشوف الشغل!
بلع مراد ريقه وسكت تماماً، بينما ياسين نفخ و قرب من الكنبة تاني واتفحص تفاصيل الأوضة بعين خبيرة من غير ما يلمس حاجة:
– نفس الأسلوب يا مراد؟ مفيش ولا غلطة كالعادة؟
مراد هز راسه بحرق دم وشاور على الأرض:
– ولا الهوا يا باشا! البيت مترتب كأنها كانت مستنية ضيف غالي، مفيش أي آثار للمقاومة، مفيش كسر في الباب.. كأنه دخل، قتـ.ــل، وخرج وهو بيقفل الباب وراه بالراحة.. القا.تل ده مش بني آدم، ده مجنون و شيطان!
قال ياسين بعصبية وهو بيبص في كل حتة:
– يعني هو هو نفس الجحـ.ـــش كل مرة؟ مش كدا ؟!
مراد انفجر في الضحك فجأة.
فبص له ياسين بحدة ، ملامحه اتشنجت وعروق رقبته ظهرت وهو بيقرب منه:
– أنت بتضحك على إيه؟! قدامنا جرا.يم قتـ.ــل! ، دا إحنا حتى مش عارفين أي خيط عنه!
مراد حاول يكتم ضحكته ورفع إيديه بأسف:
– لـامؤاخذة يا سيادة الرائد.. بس من الهم يا باشا، هم يضحك والله!
لف ياسين رأسه بغيظ ينظر لـ “سلمى” وللجـ.ـثة، فاستغل مراد الفرصة وبرطم بصوت واطي جداً:
– هم يا جمل.. هيهيهي.
التفت له ياسين في جزء من الثانية وعينيه بتتوعده، فـ اعتدل مراد في وقفته العسكرية وقال بسرعة:
– خلاص والله.. خلاص يا فندم سكت اهو!
فقال مراد بإرهاق مكملًا كلامه:
– أيوة يا فندم نفس اسلوبه! ونفس طريقة القتـ.ــل! ونفس الغموض! هموت وأعرف هو بيعمل كدا ليه كل ده؟ وإيه وجه الاستفادة؟ دا حتى مسرقش اى حاجة من اى ضحية قبل كدا!
ياسين مشي ببطء حوالين الكنبة، وعينيه بترصد الجثـــ.ـــة، لاحظ إن راس الضحية “سلمى” كانت مايلة بزاوية محددة. جز على سنانه وقال:
– هو مش عايز فلوس يا مراد، دا قا.تل مختل! ….. هو عايز يوصل لنا رسالة، هو بيتحدانا كلنا وبيتحدى جهاز الشرطة كله.. خمس شهور وأنا مابنمش، وكل ما أقول مسكت طرف الخيط، ألاقيه بيخنقني بيه في جر.يمة جديدة إبن الـ ### ده!
قال مراد :
– المعاينة المبدئية بتقول إن الوفاة حصلت فجر أول امبارح.
ياسين التفت لـمراد بحدة مفاجأة:
– جمعلي كل كاميرات المراقبة في الشارع ده والشوارع اللي وراه، مش عايز سنتيمتر واحد يهرب مننا، حتى لو هنراجع تسجيلات الـ 48 ساعة كلهم، واللي بلغ يتجاب فورا! …. لازم نلاقي حاجة، القاتل ده في الاول وفي الآخر رغم إجرامه فهو بشر! أكيد غلط في حاجة وهو مش واخد باله! بس المرة دي مش زي كل مرة يا مراد.. المرة دي مفيش تراجع حتى ، يا إما هو يا إما استقالتي!
تنهد ياسين ، ثم قال بنفاذ صبر :
– جرا إيه يا مراد؟ هي فين الطبيبة الشرعية؟ كل ده تأخير ومسرح الجريمة متعطل؟ اطلبها تاني وشوفها فين بالظبط! الريحة هتموتني!
قال مراد وهو بيمسح على وشه:
– كلمناها يا فندم، وزمانها على وصول! أما نشوف آخرة اللعبة القـــ.ـذرة دي إيه!
فجأة، اتجمدت نظرات ياسين؛ كان فيه حاجة غريبة مش راكبة مع شحوب الموت اللي ساكن في خصلات شعر سلمى. خيط رفيع من الورق باين من بين سواد شعرها، كأنه نبتة شيطانية طلعت في غير أوانها.
اتحرك ياسين ببطء شديد، سحب الملقط المعدني بتاعه بحذر، والتقط الورقة الصغيرة دي. فتحها بالراحة عشان يلاقي سهم مرسوم بحبر أسود فاحم، بيشاور بوضوح مفيش فيه شك لباب أوضة محددة في آخر الطرقة.
سأل ياسين بصوت حاد:
– هي الأوضة دي إيه يا مراد؟
زفر مراد بملل:
– دي أوضة نومها يا سيادة الرائد.. رجالة المعمل الجنائي مسحوها حرفياً، ملقناش فيها الهوا.
مردش ياسين، دخل الأوضة، وحاسته السادسة بتصرخ. فضل يدور في أركان الأوضة لأكتر من خمس دقائق في صمت تام، والوقت بيعدي ببطء مميت.. مسح الدولاب، السرير، الكومودينو.. مفيش أي حاجة! في اللحظة دي، وقف في نص الأوضة ونفخ بضيق وجز على سنانه وهو بيفكر:
“معقول دي تكون مجرد خدعة غبية من المجر.م عشان يشتت انتباهي ويضيع وقتنا؟!”.
لَف جسده بـإحباط وكان خلاص هياخد خطواته ويخرج من الأوضة وهو حاسس بالهزيمة..
ولكن فجأة، تسلل شعاع الشمس من بين شقوق الستارة، وانكسر على كريستال النجفة المتعلقة في السقف. انعكاس الضوء ضرب في عيون ياسين بقوة، فرجع ببصره لقطعة معدن صغيرة مزنوقة بين الكريستالات!
وسعت عيون ياسين بصدمة اقترب من الشباك و قفله بالستاير بإحكام عشان يشوف ايه اللي في النجفة كويس ، ثم نظر الى القطعة بتركيز، قرب منها، مسكها بحرص وفكها.. وجرى لـمراد وهو رافعها قدام وشه وبيردد بزعيق مكتوم:
– فاكر ده يا مراد؟ فاكر الحلق ده؟!
بص مراد للقطعة، ووشه اتقلب أصفر فجأة:
– دي.. دي فردة حلق نور! الضحية رقم 17 اللي ماتت من ست شهور تقريبا!
هتف ياسين بمرارة وهو بيلف حوالين نفسه كالمجنون:
– بالظبط! الفردة دي كنا بندور عليها من شهور من ساعة الواقعة! ، وافتكرنا ان حد من العساكر سرقها ، القا.تل مخدهاش عشان يسرقها يا مراد.. القا.تل ده بيلعب معانا شطرنج… بياخذ “تذكار” من كل ضحية، ويسيبه في مسرح الجر.يمة
الجديد! هنا بقا أنا تأكدت إن فعلاً هو هو نفس العِــ.ــجل! مصيره يقع في إيدي ال ### ده!
في اللحظة دي، بينما ياسين بيلف حوالين نفسه بغضب أعمى، كان مراد مبحلق في فردة الحلق الدهب اللامعة، وسرح لثواني، ثم همس بصوت مسموع وهو بيضرب كف على كف:
– يا بويا انا ازاى مركزتش فيها قبل كدا ؟! .. ده دهب عيار 24 تقيل.. دا لو بعناه برا الذمة كدا هيجيب لنا ثروة و هعرف أتجوز ، أيوة والله!
ياسين وقف مكانه، وشه احمر وعينيه جحظت و كان خلاص هيموت ب جلطة بسبب مراد.
برق له بنظرة رعبته ، فـ بلع مراد ريقه بسرعة وقال:
– خلاص والله يا فندم.. توبة معلش!
ياسين زعق بصوت هز حيطان الأوضة:
– والله يا مراد مش وقت خفة دمك خالص ! الناس بتموت يا عم.. خلي عندك ريحة الدم!!
مراد اتعدل بسرعة:
– أسف يا فندم.. بس ده ملهوش غير تفسير واحد، طالما الحلق ده كان في مسرح الجر.يمة القديمة والقا.تل خده من ورانا و سرقه مننا ، يبقى القا.تل واحد مننا وجوا الجهاز!
ياسين بص لجثـــ.ـــة سلمى اللي في الصالة بنظرة قاسية:
– معتقدش يا مراد، أنا فكرت في الفكرة دي قبلك! بس ده شئ مستبعد تماما، اللعبة أقذ.ر من كدا بكثير…
وقبل ما مراد يرد عشان يفهم وجهة نظره..
فجأة……”تك”.. ….النور طفى!
حلّ سكون مرعب كتم الأنفاس، وظلام كاحل مفاجئ صبغ الشقة كلها. العساكر برا في الصالة بدأوا يتخبطوا في بعض ويحاولوا يشغلوا الكشافات في هلع.
في وسط العتمة دي.. ياسين حس ببرودة قاسية ومرعبة بتلمس كتفه من ورا.. ومعاها همسة دافية قريبة جداً من ودانه، صوت أنفاس بطيئة ومرعبة، و همس له ببرود و بسخرية:
– عجبتك فردة الحلق.. يا ههه… يا سيادة الرائد؟
……
— 🕵️♂️ —
اوباااا !، يا ترى مين دا ؟! وازاي أصلا دخل وسط وجود كل الناس والشرطة دي؟!
طالما لقيت التشويق والأجواء البوليسية دي عجبتكم وقطعت نَفَسكم.. يبقى مكانش ينفع أرجع بأي حاجة عادية. المرة دي أنا راجعة لكم بفكرة معقدة جدا، أعمق وأقوى من أي حاجة قريتوها ليا قبل كدا، ولعبة الشطرنج بين ياسين والقا.تل يادوب لسه بتبدأ…. و اللي بيسأل عن البطلة ، هتدخل في البارت الجاي ان شاء الله ☻️😂
عارفة ان البارت قصير سيكا بس هستنى أشوف توقعاتكم في الكومنتات عشان ننزل بالبارت التاني ونشوف مين اللي توقع صح! 🤫
رواية: أنا من قتــ.ـــــلهم!
زمن الأحداث : عام ٢٠٠٧ م