تحميل رواية «أنا من قتلهم» PDF
بقلم آية عيسى
الفصل 3 — رواية أنا من قتلهم الفصل الثالث 3 - بقلم آية عيسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ أنا من قتلهم بقلم آية عيسى.
رواية أنا من قتلهم الفصل الثالث 3 - بقلم آية عيسى
في المديرية، قدام مكتب الرائد ياسين، كانت مريم واقفة ركبها بتخبط في بعضها وبتترعش كأنها متثبتة في فريزر، ودموعها نازلة شلالات وهي بتولول:
— والله العظيم ما عملت حاجة! أنا.. أنا مش مستوعبة خالص هي ماتت إزاي؟ والله دي كانت صاحبتي الوحيدة وأختي اللى انا مخلفتهاش … أقصد اللي مخلفتهاش أمي.. يا خرابي يا ناس!
ياسين كان قاعد ورا مكتبه، جز على سنانه وعروق جبهته ظهرت وبص لها بنظرة تمـ.ـوت وقال بنبرة حادة :
— هو أنا قولت لك اتكلمي يا بت أنتِ؟! ها؟! أنا سمحتلك تفتحي بوقك ده أصلاً؟!
مريم اتكتمت في ثانية، وبقت تترعش وسنانها بتخبط في بعضها من الرعب. ياسين نفخ بضيق يهد جبال وسند بضهره لورا:
— اخلصي وقولي كل اللي تعرفيه من غير لت وعجن، سامعة؟
قالت مريم بكل قهر و هي بتعيط و بتولول:
– قتلـــ.ـــوها ، دبـــ.ـــحوها ، و زى الفراخ سابوها ! أيوة والله يا سعادة البيه!
بص لها ياسين و هبد بايده على المكتب و قال :
– أخلصي يا بت و انطقي؟ إنتي جاية تستظرفي هنا يا رو.ح أمك!
مريم بلعت ريقها وبدأت تتكلم بسرعة الصاروخ من الخوف:
— حاضر يا باشا، كل حاجة أهو! أنا اتصلت عليها النهاردة ومردتش، فـ قولت أروح لها، دخلت ملقتش البواب الهربان ده ربنا يأخده يا سعادة البيه! ، وطلعت لقيت الباب موارب، دخلت الصالة وبنادي عليها ملقتش حد، وفجأة لمحت بقعة د.م.. من الخضة جيت أجري اتكعبلت في رجل الترابيزة الفقر دي واتهبدت على دماغي واغمى عليا، ولما فتحت عيني شوفت وش حضرتك النحس.. أحم ! أقصد وش حضرتك الحلو المنور ده يا فندم!
ياسين نفخ بضيق من كلمتها، وضيق عينيه بذكاء:
— وأنتِ لسه فاكرة تيجي ليها النهاردة؟ دي بقالها يومين ميتة وأنتِ لسه فاكرة تسألي؟
مريم رفعت إيديها بالبراءة:
— والله يا سعادة البيه أيوة! أصل أنا طول عمري بروح معاها وباجي معاها في كل حتة، وعمري في حياتي ما روحت شقتها لوحدي خالص.. بس اضطريت النهاردة، ويا ريتني ما اضطريت يا فندم، كان يوم أخبر يوم ما فكرت أتحرك من بيت أمي سلوى!
ياسين مال على المكتب وبص لها بنظرة فاحصة:
— وليه مروحتيش ليها من قبل كدا؟ اشمعنى النهاردة بالذات يعني؟!
مريم حطت إيدها على جمبها بتلقائية وقالت:
— أصل بصراحة يا بيه، من ٣ أيام فاتوا كنت برن عليها ليل نهار عشان كنت عايزة أديها الجمعية والفلوس اللي عليا ليها، وكنت قلقانة من عدم ردها، بس انهاردة والله قلقت أوي وقولت مبدهاش بقا.. البت شكلها خللت ، فـ روحت عشان آخد و أدي معاها في الكلام وأشوفها فين، فـ لبست الطرحة ونزلت جرى، ولبست أنا في الحيط زي ما أنت شايف!
ياسين مسك القلم ببرود رهيب وبدأ يكتب في الورق ، وقال بنبرة رسمية تخوف:
— ومن واقع المستندات والمعاينة المبدئية.. نقرر حبس المتهمة مريم ١٤ يوما على ذمة التحقيق!
مريم أول ما سمعت الجملة دي، صوّتت ولمت عليها المديرية:
— يامااااااااااا! ١٤ يوم إيه يا سعادة البيه؟! ليه؟ شايفني مسجـ.ــل خطر ولا طالعة من سجـ.ـن أبو غريب؟!
وقعدت تولول وتتكلم والدموع مغرقة وشها، فياسين حط إيده على دماغه ونفخ بنفاذ صبر وزعق:
— يووووووه! بطلي ور يا بت بقا! صدعتي نفوخي الله يحرقك! إيه راديو و عِطل؟!
مريم كملت عياط ومسحت مناخيرها بكمها:
— والله ما عملت حاجة! ده أنا بحبها وبخاف عليها، بص كدا على منظري.. بذمتك ده منظر واحدة تـ.ـقتل؟! ده أنا لو أخويا قرب مني بس عشان يشد شعري بعمل مناحة وبصوت وأصحي الجيران! والله أبدًا ما عملت حاجة.. وبعدين طب بص كدا؟ بص عصير الطماطم اللي نازل على وشي ده؟ عالجوه حتى الله يحرقكم! أنا بصفّي دم هنا وأنت بتقولي ١٤ يوم؟!
ياسين اتنفض من على الكرسي وعينيه برقت لما لقاها بتدعي عليهم، وزعق بأعلى صوته:
— غورها يا عسكري! غورها من قدام وشي فورا قبل ما أرتكب جنا.ية هنا! غوروهااااا!
بعد ما مشت، قعد ياسين على الكرسي ونفخ بضيق وهو بيفرك وشه بإيده من كتر التعب. في اللحظة دي، دخل عليه مراد بخطواته المستفزة وابتسامته الباردة وقال:
— مساء الزفت على حضرتك يا بوص! عامل إيه في النكد اللي إحنا فيه ده؟
نظر له ياسين بنظرة تجمّد الميّة في الحنفية وقال بنبرة آمرة:
— مراد.. اخرس خالص، واترزع على الكرسي ده وقولي عملت إيه في اللي كلفتك بيه!
قعد مراد وحط رجل على رجل، وبص للباب بفضول ولوى بوزه وقال:
— أترزعنا أهو يا فندم.. أومال مين البت اللي كانت خارجة بتولول برا دي؟ تكونشي المرحومة صحيت وجاية تقدم بلاغ في نفسها؟ ولا بلاش.. يكونشي سعادتك ناوي تتجوز على المدام وجايبها تنقي معاك العفش هنا في المديرية؟
ياسين اتعصب وعروق رقبته ظهرت، وزعق بحدة:
— قسما بالله يا مراد لو ما اتلميت لكون هابد دماغك في الحيطة زيها! قول يالا خلصني.. عملت إيه في مسرح
الجر.يمة؟
مراد عدل نفسه وقال بجدية مصطنعة:
— أبداً يا باشا، رجالة المعمل الجنائي قاموا بالواجب وأخدنا البصمات كلها من الشقة.. وزي ما أنت شايف وعارف، والمتوقع كالعادة إن مفيش خدش واحد ولا بصمة غريبة! وبعدين حضرتك إحنا في سنة ٢٠٠٧، وكاميرات المراقبة في الشوارع لسه بعافية شوية ومش حديثة، والتكنولوجيا على قدها واللقطات بتبقى زفت زي ما أنت عارف.. وبرضو ملقيناش أي حاجة مفيدة.. بس!
ياسين ركز معاه وضيق عينيه وقال:
— بس إيه يا مراد؟ أنطق اخلص!
مراد اتنهد وقال بحيرة:
— بس كالعادة من ساعة الواقعة ووقتها.. فيه فيديو اتحذف، أو لقطة محددة اتمسحت من كاميرات المراقبة بتاعة المحل اللي في أول الشارع! واضح إن الزفت ده عامل حسابه كويس أوي وزي كل مرة بيلعب معانا على المكشوف وبيأمن ضهره!
هبد ياسين إيده بكل غل على المكتب لدرجة إن قلم الحبر طار، وقال وعينيه بتطق شرار:
— والله لاجيب حقهم! وحق كل واحدة دمها سا.ح بسبب المجـ.ــرم ده.. مش هسيبه يفلت المرة دي لو هقلب البلد عليها واطيها!
مراد هز راسه بتأثر، وبعدين رجع لفضوله تاني وقال:
— ونعم بالله يا فندم.. أومال مين البت دي بقا؟ مش هتقولي برضو؟
لسه ياسين هيفتح بوقه ويرد، موبايله رن بنغمته الرخمة.. بص للشاشة وتنهد بقلة حيلة وضيق، وفتح الخط وقال بنبرة هادية بس مخنوقة:
— إيه يا نرمين؟ ده وقته يا نرمين برضو؟! أنا في عز الشغل و بروح في ستين داهـ.ـية!
جاءه صوت نرمين من الناحية التانية وهي متقندلة:
— إيه يا راجل فينك؟ بقالك يومين برا البيت ومبتسألش، أنا نسيت شكلك و نسيت إني متجوزة ظابط أصلاً!
ياسين فرك جبينه وقال باختصار ونفاذ صبر:
— معلش يا نرمين.. شغل ومصيبة كبيرة شغال عليها، اقفلي دلوقتي ولما أفضى هكلمك.. سلام.
قفل السكة وحط الموبايل على المكتب، فبص له مراد وهو كاتم ضحكته ولوح بإيده وقال:
— ياااااه! نرمين وياسين؟ إيه القافية والانسجام ده يا باشا؟ لا بس بصراحة مش حلوة.. تحسها لايقة على اسم محل عصير قصب أكتر من بيت ميري! هيهيهي
ياسين نظر له نظرة مرعبة كأنه بيخطط لجريمة قتـ.ـل مراد شخصياً في المكتب.. مراد لقط النظرة، فبلع ريقه ورجع ضهره لورا بسرعة وقال:
— خلاص يا عم.. توبة! جرى إيه يا سيادة الرائد؟ انت بومة و مش بتهزرش معانا خالص كدا؟ كمل بقا موضوع البت دي.
ياسين أخد نفس طويل وقال:
— على العموم.. دي واحدة مشتبه فيها وجات برجليها للمصيدة …..
وحكى له القصة بالكامل من أول ما الحج موسى اتكلم عنها لحد ما دخلت الشقة والباب موارب واتكعبلت و لما اخد اقوالها.
مراد حك ذقنه بتفكير وسأله:
— طيب أنت شاكك في إيه يا بوص؟ تطلع هي القا.تل الأشول مثلاً أو مساعدة ليه؟
ياسين سكت لحظة وبص للفراغ وقال بتوجس:
— البنت دي شكلها بريء وكلامها موزون، بس طبعاً مش هنحكم بالشكل في قضية زي دي.. المظاهر بتخدع والزمن هو اللي هيبين كل حاجة ويفلت المستخبى….
وقف ياسين ولم الورق اللي قدامه وبص لمراد بصرامة:
— على العموم.. مش عايز ولا نقطة تفوتنا. جيبلي تحريات كاملة وشاملة عنها، وعن عيلتها، وكل دبة نملة تخصها وتخص اللي حواليها.. مفهوم يا مراد؟
مراد وقف وضرب تعظيم سلام مظبوط المرة دي:
— مفهوم يا فندم! هجيب لك قرارها وقرار عيلتها لحد سابع جد.. اعتبره حصل!
قال ياسين وهو بيشاور على الباب بنفاذ صبر:
— طب يالا غور في داهــ.ــية من وشي خلينا نشوف الشغل!
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل العسكري وضرب تعظيم سلام:
— الدكتورة دينا برا وعايزة سيادتك يا فندم.
مراد أول ما سمع الاسم نفخ بضيق ولوى بوزه وبرطم بصوت واطي جدًا:
— يا ساتر يا رب.. البومة جات برجليها! دي شكلها بايتة في المشر.حة والله!
ياسين قال بملل وتعب:
— دخلها يا ابني اخلص..
دخلت دينا الأوضة بكل برود وجدية، وفي اللحظة اللي كانت بتعدي فيها من جنب مراد، وقف هو ورا ضهرها وبص لها بطرف عينه، وتــ.ـف في الهواء بصوت مكتوم “تففف”، وطلع لها لسانه بحركة طفولية مستفزة وهو بيتحرك ناحية الباب عشان يمشي.
ياسين لقط اللقطة، فحط إيده على بقه بسرعة وكتم ضحكته بالعافية عشان البرستيج ميروحش في الأرض، وبص لدينا وقال بنبرة هادية:
— اقعدي يا دينا ، خير موتيني و اجلطيني، إيه الأخبار عندك في التقرير المبدئي؟
قعدت دينا وحطت التقرير قدامها وبدأت تتكلم باستفاضة وتشرح بدقة:
— التقرير المبدئي والتأكيدي بيقول إننا قدام نفس القا.تل يا فندم.. البنت مفيش منها أي آثار مقاومة تذكر، وكأنها استسلمت تماماً أو اتفاجئت بيه، والغريب واللي يجنن إن مفيش أي بصمات على الجسم أو على لبسها خالص! ده يأكد إنه ككل مرة كان لابس جوانتي طبي ومأمن نفسه بالميللي.. قتــ.ــلها بكل برود، وبعد ما خلص شالها وحطها على الكنبة عادي جداً ورتب المكان وخرج!
بعد كل الشرح ده، ياسين سكت لثواني، وبص للفراغ بقلة حيلة وقال بنبرة مليانة إحباط وقهر:
— وبرضو.. برضو مفيش أي خيط عنه؟! خمس شهور ومفيش هفوة واحدة تدلنا عليه؟!
دينا هزت راسها بأسف وأخدت ورقها:
— للأسف لا يا فندم.. المجر.م ده دارس خطواته كأنه بيعمل عملية جراحية مش جريمة قتــ.ــل.
ياسين اتنهد بكسرة وقام وقف:
— تمام يا دينا.. تصريح الدفن يطلع، وادفنوا الجثـ.ـــة وأمرنا لله.. خلينا نشوف اللعبة دي هترسي على إيه.
قامت دينا ولمت حاجتها ومشت، وبعد ما قفلت الباب وراها، ياسين ساب نفسه على الكرسي ونفخ بقهر ووجع من جواه، ورفع عينه للسقف وقال بنبرة طالعة من قلبه:
— يا رب.. يا رب صبرني وقويني على الكابوس ده قبل ما أفقد عقلي!
………
على الجانب الآخر، كريم رجع من المستشفى أخيرًا ووصل البيت، وكان باين عليه الإرهاق. دخل الصالة وبص حواليه ملقاش أخته، فقال بضيق:
— أومال الزفتة مريم راحت فين؟ بقالها كام ساعة برا ومقالتش رايحة فين؟
ردت سلوى بلامبالاة وهي قاعدة بتأكل وبتمضغ الأكل بصوت عالي:
— معرفش يا حبيبي، داهــ.ـية تاخدها مطرح ما راحت! اترزع أنت بس يا نور عيني وارتاح عشان أقوم أجيبلك تطفح.
لسه كريم بيطلع موبايله من جيبه وناوي يتصل عليها ويهزقها ويغسل كرامتها على التأخير ده.. فجأة الباب خبط خبطات ورا بعضها بـعنـ.ــف وبصوت عالي هز البيت!
كريم استغرب وقام فتح الباب، لقى قدامه قوة من عساكر الشرطة ماليين الممر. كريم بربش بعينه وقال بدهشة:
— خير يا جماعة؟ في إيه بالظبط؟
العسكري الكبير اللي واقف على الباب شاور بإيده وقال بلهجة حازمة:
— اتفضلوا معانا يا دكتور من غير شوشرة.. وأنتم يا عساكر ادخلوا فتشوا الشقة حتة حتة!
سلوى طلعت جري من الصالة وهي بتلطم على خدودها:
— يا لهوي! يا مِصيبتي السودا! خير يابني في إيه؟ إحنا ناس ملناش في المشاكل والله!
العسكري بص لها ولوى بوزه وقال ببرود مضحك:
— لا أبداً يا حاجة.. مفيش حاجة خالص، دي مصيبة ومنيلة بستين نيلة! متقلقوش خالص.. هو بس هيتخرب بيتكم وتتجرجروا في المحاكم مش أكتر!
كريم اتجمد من الصدمة ، وبص للعسكري برعب وبدأ يربط الأحداث ببعضها وقال:
— خير بالظبط؟ هي أختي مريم عملت إيه؟ شكلكم كدا جايين وعارفينها وجايين عشانها مخصوص!
بص له العسكري بإعجاب ساخر وقال:
— الله! ذكي ابن ذكية والله.. وشكلك نضيف وبتفهم في لغة الميري! على العموم يا دكتور، أختك مريم مقبوض عليها وبقت مشتبه فيها رسمي في قضية القتـ.ــل اللي هازة البلد من ٣ سنين دي! اتفضلوا معانا بقا بالذوق من غير شوشرة.
سلوى أول ما سمعت كلمة “قضية قــ.ـتل” و”مقبوض عليها”، صوّتت بأعلى صوتها ولمت العمارة:
— يا خراب بيتك يا سلوى! يا لهوي يا بتي!
……….
على الجانب الآخر، في قلب المديرية، وتحديداً جوا مكتب الرائد ياسين، ياسين كان قاعد ورا مكتبه، قميصه متكرمش، وعينيه حمرا زي الدم من قلة النوم وهو بيقرأ الملفات للمرة الألف! يمسك ورقة ويرمي ورقة، ويبص لصور الضحايا وعقله بيلف في ساقية ملهاش آخر.
مراد كان واقف جنبه، باصص له بقلق حقيقي وخايف عليه يجرى له حاجة، ولأول مرة مراد مكانش بيهزر، ملامحه كانت شايلة هم صاحبه اللي بيموت بالبطيء قدامه بقاله خمس شهور.
وفجأة.. الباب اتفتح بعنـ.ــف لدرجة إنه خبط في الحيطة! دخل العسكري وهو بينهج ونفسه مقطوع ووشه أبيض ، وصرخ:
— الحقنا يا فندم! مصيبة.. مصيبة سودة حلت على دماغنا كلنا يا باشا!
ياسين اتنفض من على كرسيه والقلم طار من إيده، وزعق بحدة هزت الأوضة:
— في إيه يا زفت؟! أنطق اخلص، مصيبة إيه اللي جيبهالي في الوقت الفقر ده؟!
العسكري بلع ريقه وصوته بيترعش من الخوف:
— الحجز قلب على بعضه يا فندم! المساجين استغلوا التغيير اللي بيحصل وعملوا خناقة شوارع ومجز.رة جوا، وكسروا الكراسي وبيموتوا في بعض.. والمأمور قالب الدنيا وعايز سعادتك فوراً تحت مسافة السكة لأن الدنيا هتولع والكل بيتخانق!
ياسين وشه اتقلب وعينيه طلعت شرار، وبص لمراد بسرعة و زعق:
— هو ده وقته بس! اللهم طولك يا روح! مراد! خلي بالك من المكتب و الورق ده كله.. مش عايز ورقة واحدة تتحرك من مكانها لحد ما أرجع! أنا نازل أشوف المصيبة دي إيه!
وجري ياسين برا الأوضة، والباب اترزع وراه بقوة لدرجة انه شرخ ودان مراد .
مراد وقف في نص الأوضة، أخد نفس طويل وتنهد بحسرة وقهر، ولوح بإيديه في الهوا وقال بملل:
— الله ياخذكم كلكم يا بُعدة! داهـ.ــية تاخد الحجز على المساجين على العساكر! هي ناقصة فزعة على المسا؟! قلبي كان هيقف من الخبطة! ااااه يا ضهري.. يظهر كدا مفيش غير الحل ده!
مشي مراد ببطء وقعد على كرسي ياسين المريح، وحط رجل على رجل ومسك ورقة بيضاء تافهة من على المكتب وقعد يقطع فيها حتت صغيرة بملل وهو بيبرطم:
— أما أقعد أقطع الورق ده وأسلي نفسي وخلاص، لحد ما سيادة الرائد يرجع يوريني النجوم في عز الظهر!
وفجأة.. في وسط السكون الرهيب ده.. “رننننننننننن!”
تليفون المكتب الأرضي الأسود القديم رن رنة عالية رزلّة خلت مراد يتنفض من على الكرسي والورق يطير من إيده.
بص للتليفون بقرف ولوى بوزه وقال:
— أهو.. بدأنا! أكيد فيه مصيبة تانية بتنادي في الكواليس.. يا إما نرمين هانم بترن تندب حظها، يا إما المأمور عايزني أنزل أتضرب تحت أنا كمان!
مد إيده بملل ورفع السماعة وحطها على ودنه وقال بنبرة رسمية ناشفة:
— أيوة.. مديرية الأمن، مين معايا؟
حلّ صمت غريب في الخط لثواني، وبعدين خرج صوت مرعب، تخين، وبطيء كأنه طالع من سرداب تحت الأرض، صوت يخلي شعر الإيد يقف من برودته، وقال بسخرية مسمومة:
— أهلاً.. أهلاً وسهلاً يا سيادة الرائد ياسين.. ها؟ طمني، عجبك الحلق اللي سيبتهولك في النجفة؟