تحميل رواية «أنا من قتلهم» PDF
بقلم آية عيسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ أنا من قتلهم بقلم آية عيسى.
رواية أنا من قتلهم الفصل الأول 1 - بقلم آية عيسى
في هذه الليلة الكاحلة ، وقف الرائد “ياسين” قدام باب شقة ما في القاهرة ، وبص للشريط الأصفر اللي لافف حوالين الباب وتمتم بصوت واطي كله حسرة:
– رقم 20.. الضحية رقم 20 يا بلد، وبرضو لسه بنلف في ساقية ملهاش آخر!
ياسين كان المحقق الرابع اللي يمسك القضية دي. خمس شهور مابينامش، مبحلق في صور الضحايا لحد ما حفظ ملامحهم أكتر من ملامح وشه في المراية، بس من غير أي فايدة. دخل الشقة بخطوات بطيئة، وبص للنقيب “مراد” اللي كان واقف جوا وشايل أوراق المعاينة و باين عليه التعب.
ياسين بص له وقال بنبرة مخنوقة:
– إيه الوضع عندك يا مراد؟ الجيران حسوا بإيه؟
مراد اتنهد بصوت مبحوح و رد:
– الوضع سيء جداً يا فندم.. البنت هنا بقالها أكتر من يومين، ومحدش حس بيها غير لما الجيران اشتكوا من الريحة وبلغوا.
في وسط الأجواء المشحونة دي، حط مراد الأوراق على جنب، ومد إيده ببرود ورفع كوباية الشاي اللي كانت قدام الجـ.ـثة على الترابيزة، وقربها من مناخيره وشمها، وبعدين لوى بوزه وقال:
– بس شكل البنت دي مكانتش بتعرف تعمل شاي أصلا.. ريحته تقرف!
لف ياسين بجسده كله كالإعصار، وعينيه بتطلع شرار وصاح بغضب مكتوم:
– نعم؟! أنت بتستظرف يا مراد؟! إحنا في مسرح جر.يمة يا رو.ح أمك!
مراد رجع خطوة لورا بسرعة وحط الكوباية مكانها وهو بيبلع ريقه:
– بنلطف الأجواء يا فندم.. الضغط هيموتنا قبل ما القا.تل يوصل لنا.
فجأة، قطع الصمت المشحون ده صوت رنة موبايل ياسين.. نغمة عالية ورخمة هزت هدوء الشقة. ياسين بصل للموبايل بضيق وقفل الرنة بسرعة من غير ما يرد وحطه في جيبه.
مراد لمح الشاشة و بص بفضول، فقال بابتسامة مستفزة:
– مين الغراب المحترم اللي منور شاشة سيادتك في وقت الفقر ده يا باشا؟
ياسين لفله ببطء وعيونه بتطلع شرار ، و قال بهدوء ممـــ.ـيت:
– مراتي !
مراد ركبه سابت في مكانها، عدل وقفته في ثانية وضرب تعظيم سلام بالمقلوب:
– إحم.. العتب على النظر يا فندم! المدام منورة في عز القرف.. قصدي في عز النور والبهجة دي! خطوة عزيزة وألف ألف مليون مبروك لسعادتك!
ياسين بص لمراد بقرف قاتل وسكت تماماً، ونفخ بضيق وهو بيبعد عنه عشان يكمل فحص في الصالة.
مراد تابع بتلقائية ، و قال :
– والله أنت مستكتر النعمة يا فندم! حد يطول يا ياسين باشا؟ ده أنا لو مكا..
قاطعه ياسين وهو بيقرب منه وعينيه بتطق شرار وزعق بحدة:
– أنت يا ابني معندكش دم؟! إحنا قدام جـُ.ـثة! قدام قتــ.ــيل! اتهد بقا وخلينا نشوف الشغل!
بلع مراد ريقه وسكت تماماً، بينما ياسين نفخ و قرب من الكنبة تاني واتفحص تفاصيل الأوضة بعين خبيرة من غير ما يلمس حاجة:
– نفس الأسلوب يا مراد؟ مفيش ولا غلطة كالعادة؟
مراد هز راسه بحرق دم وشاور على الأرض:
– ولا الهوا يا باشا! البيت مترتب كأنها كانت مستنية ضيف غالي، مفيش أي آثار للمقاومة، مفيش كسر في الباب.. كأنه دخل، قتـ.ــل، وخرج وهو بيقفل الباب وراه بالراحة.. القا.تل ده مش بني آدم، ده مجنون و شيطان!
قال ياسين بعصبية وهو بيبص في كل حتة:
– يعني هو هو نفس الجحـ.ـــش كل مرة؟ مش كدا ؟!
مراد انفجر في الضحك فجأة.
فبص له ياسين بحدة ، ملامحه اتشنجت وعروق رقبته ظهرت وهو بيقرب منه:
– أنت بتضحك على إيه؟! قدامنا جرا.يم قتـ.ــل! ، دا إحنا حتى مش عارفين أي خيط عنه!
مراد حاول يكتم ضحكته ورفع إيديه بأسف:
– لـامؤاخذة يا سيادة الرائد.. بس من الهم يا باشا، هم يضحك والله!
لف ياسين رأسه بغيظ ينظر لـ “سلمى” وللجـ.ـثة، فاستغل مراد الفرصة وبرطم بصوت واطي جداً:
– هم يا جمل.. هيهيهي.
التفت له ياسين في جزء من الثانية وعينيه بتتوعده، فـ اعتدل مراد في وقفته العسكرية وقال بسرعة:
– خلاص والله.. خلاص يا فندم سكت اهو!
فقال مراد بإرهاق مكملًا كلامه:
– أيوة يا فندم نفس اسلوبه! ونفس طريقة القتـ.ــل! ونفس الغموض! هموت وأعرف هو بيعمل كدا ليه كل ده؟ وإيه وجه الاستفادة؟ دا حتى مسرقش اى حاجة من اى ضحية قبل كدا!
ياسين مشي ببطء حوالين الكنبة، وعينيه بترصد الجثـــ.ـــة، لاحظ إن راس الضحية “سلمى” كانت مايلة بزاوية محددة. جز على سنانه وقال:
– هو مش عايز فلوس يا مراد، دا قا.تل مختل! ….. هو عايز يوصل لنا رسالة، هو بيتحدانا كلنا وبيتحدى جهاز الشرطة كله.. خمس شهور وأنا مابنمش، وكل ما أقول مسكت طرف الخيط، ألاقيه بيخنقني بيه في جر.يمة جديدة إبن الـ ### ده!
قال مراد :
– المعاينة المبدئية بتقول إن الوفاة حصلت فجر أول امبارح.
ياسين التفت لـمراد بحدة مفاجأة:
– جمعلي كل كاميرات المراقبة في الشارع ده والشوارع اللي وراه، مش عايز سنتيمتر واحد يهرب مننا، حتى لو هنراجع تسجيلات الـ 48 ساعة كلهم، واللي بلغ يتجاب فورا! …. لازم نلاقي حاجة، القاتل ده في الاول وفي الآخر رغم إجرامه فهو بشر! أكيد غلط في حاجة وهو مش واخد باله! بس المرة دي مش زي كل مرة يا مراد.. المرة دي مفيش تراجع حتى ، يا إما هو يا إما استقالتي!
تنهد ياسين ، ثم قال بنفاذ صبر :
– جرا إيه يا مراد؟ هي فين الطبيبة الشرعية؟ كل ده تأخير ومسرح الجريمة متعطل؟ اطلبها تاني وشوفها فين بالظبط! الريحة هتموتني!
قال مراد وهو بيمسح على وشه:
– كلمناها يا فندم، وزمانها على وصول! أما نشوف آخرة اللعبة القـــ.ـذرة دي إيه!
فجأة، اتجمدت نظرات ياسين؛ كان فيه حاجة غريبة مش راكبة مع شحوب الموت اللي ساكن في خصلات شعر سلمى. خيط رفيع من الورق باين من بين سواد شعرها، كأنه نبتة شيطانية طلعت في غير أوانها.
اتحرك ياسين ببطء شديد، سحب الملقط المعدني بتاعه بحذر، والتقط الورقة الصغيرة دي. فتحها بالراحة عشان يلاقي سهم مرسوم بحبر أسود فاحم، بيشاور بوضوح مفيش فيه شك لباب أوضة محددة في آخر الطرقة.
سأل ياسين بصوت حاد:
– هي الأوضة دي إيه يا مراد؟
زفر مراد بملل:
– دي أوضة نومها يا سيادة الرائد.. رجالة المعمل الجنائي مسحوها حرفياً، ملقناش فيها الهوا.
مردش ياسين، دخل الأوضة، وحاسته السادسة بتصرخ. فضل يدور في أركان الأوضة لأكتر من خمس دقائق في صمت تام، والوقت بيعدي ببطء مميت.. مسح الدولاب، السرير، الكومودينو.. مفيش أي حاجة! في اللحظة دي، وقف في نص الأوضة ونفخ بضيق وجز على سنانه وهو بيفكر:
“معقول دي تكون مجرد خدعة غبية من المجر.م عشان يشتت انتباهي ويضيع وقتنا؟!”.
لَف جسده بـإحباط وكان خلاص هياخد خطواته ويخرج من الأوضة وهو حاسس بالهزيمة..
ولكن فجأة، تسلل شعاع الشمس من بين شقوق الستارة، وانكسر على كريستال النجفة المتعلقة في السقف. انعكاس الضوء ضرب في عيون ياسين بقوة، فرجع ببصره لقطعة معدن صغيرة مزنوقة بين الكريستالات!
وسعت عيون ياسين بصدمة اقترب من الشباك و قفله بالستاير بإحكام عشان يشوف ايه اللي في النجفة كويس ، ثم نظر الى القطعة بتركيز، قرب منها، مسكها بحرص وفكها.. وجرى لـمراد وهو رافعها قدام وشه وبيردد بزعيق مكتوم:
– فاكر ده يا مراد؟ فاكر الحلق ده؟!
بص مراد للقطعة، ووشه اتقلب أصفر فجأة:
– دي.. دي فردة حلق نور! الضحية رقم 17 اللي ماتت من ست شهور تقريبا!
هتف ياسين بمرارة وهو بيلف حوالين نفسه كالمجنون:
– بالظبط! الفردة دي كنا بندور عليها من شهور من ساعة الواقعة! ، وافتكرنا ان حد من العساكر سرقها ، القا.تل مخدهاش عشان يسرقها يا مراد.. القا.تل ده بيلعب معانا شطرنج… بياخذ “تذكار” من كل ضحية، ويسيبه في مسرح الجر.يمة
الجديد! هنا بقا أنا تأكدت إن فعلاً هو هو نفس العِــ.ــجل! مصيره يقع في إيدي ال ### ده!
في اللحظة دي، بينما ياسين بيلف حوالين نفسه بغضب أعمى، كان مراد مبحلق في فردة الحلق الدهب اللامعة، وسرح لثواني، ثم همس بصوت مسموع وهو بيضرب كف على كف:
– يا بويا انا ازاى مركزتش فيها قبل كدا ؟! .. ده دهب عيار 24 تقيل.. دا لو بعناه برا الذمة كدا هيجيب لنا ثروة و هعرف أتجوز ، أيوة والله!
ياسين وقف مكانه، وشه احمر وعينيه جحظت و كان خلاص هيموت ب جلطة بسبب مراد.
برق له بنظرة رعبته ، فـ بلع مراد ريقه بسرعة وقال:
– خلاص والله يا فندم.. توبة معلش!
ياسين زعق بصوت هز حيطان الأوضة:
– والله يا مراد مش وقت خفة دمك خالص ! الناس بتموت يا عم.. خلي عندك ريحة الدم!!
مراد اتعدل بسرعة:
– أسف يا فندم.. بس ده ملهوش غير تفسير واحد، طالما الحلق ده كان في مسرح الجر.يمة القديمة والقا.تل خده من ورانا و سرقه مننا ، يبقى القا.تل واحد مننا وجوا الجهاز!
ياسين بص لجثـــ.ـــة سلمى اللي في الصالة بنظرة قاسية:
– معتقدش يا مراد، أنا فكرت في الفكرة دي قبلك! بس ده شئ مستبعد تماما، اللعبة أقذ.ر من كدا بكثير…
وقبل ما مراد يرد عشان يفهم وجهة نظره..
فجأة……”تك”.. ….النور طفى!
حلّ سكون مرعب كتم الأنفاس، وظلام كاحل مفاجئ صبغ الشقة كلها. العساكر برا في الصالة بدأوا يتخبطوا في بعض ويحاولوا يشغلوا الكشافات في هلع.
في وسط العتمة دي.. ياسين حس ببرودة قاسية ومرعبة بتلمس كتفه من ورا.. ومعاها همسة دافية قريبة جداً من ودانه، صوت أنفاس بطيئة ومرعبة، و همس له ببرود و بسخرية:
– عجبتك فردة الحلق.. يا ههه… يا سيادة الرائد؟
……
— 🕵️♂️ —
اوباااا !، يا ترى مين دا ؟! وازاي أصلا دخل وسط وجود كل الناس والشرطة دي؟!
طالما لقيت التشويق والأجواء البوليسية دي عجبتكم وقطعت نَفَسكم.. يبقى مكانش ينفع أرجع بأي حاجة عادية. المرة دي أنا راجعة لكم بفكرة معقدة جدا، أعمق وأقوى من أي حاجة قريتوها ليا قبل كدا، ولعبة الشطرنج بين ياسين والقا.تل يادوب لسه بتبدأ…. و اللي بيسأل عن البطلة ، هتدخل في البارت الجاي ان شاء الله ☻️😂
عارفة ان البارت قصير سيكا بس هستنى أشوف توقعاتكم في الكومنتات عشان ننزل بالبارت التاني ونشوف مين اللي توقع صح! 🤫
رواية: أنا من قتــ.ـــــلهم!
زمن الأحداث : عام ٢٠٠٧ م
رواية أنا من قتلهم الفصل الثاني 2 - بقلم آية عيسى
النور رجع، لكن دقات قلب ياسين لسه بتضرب طبول في دماغه. لف بسرعة، إيده على سلا.حه، بس ملقاش غير فراغ وأصوات العساكر اللي رجعت في الصالة و بس .
مراد حط إيده على كتفه بقلق:
— مالك يا ياسين؟ وشك عرقان كدا ليه وبتنهج كأنك كنت بتجري في ماراثون؟ مفيش حد هنا يا صاحبي!
ياسين زقه بعيد وهو بينهج، وبص لكتفه بذهول. الهمسة لسه محفورة في ودنه. قعد على طرف السرير، ضاغط بإيديه على دماغه ، و قال بهمس :
— معقول؟ معقول بدأت أخرف؟ خمس شهور من غير نوم.. صورهم اللي بتطاردني.. القا.تل ابن الـ… نجح يخليني أشك في ضلي؟
قام وقف، طلع فردة الحلق من جيبه ورماها لمراد بضيق:
— اللهم طولك يا روح.. خد يا مراد، الحرز ده حطه في الكيس فورا.
مراد خدها، عينه لمعت بطمع، وقرب من ياسين وقال:
— تمام يا فندم ، بس فكك من الميري دقيقة، فكر معايا في موضوع البيعة! عندي صايغ صاحبي.. مش نصـ.ـاب خالص بجد.. هو آه يعني حرامـ.ـي ابن حرامـ.ـية وبيتعشى مال حـ.ـرام وبيحلي بمال يتامى، وأبوه ميـ.ــت في السجن بتهم تودي ورا الشمس، بس مش نصـ.ـاب خالص بجد ، أمين جداً! ده بس نصــ.ـب على عمتي الحــ.رباية، ومرات أبويا العـ.ـقربة، ومرات عمي شفيقة البيـ.ـئة.. بس دول يستاهلوا الحـ.ــرق! أيوة والله ! المهم هيخلص لنا في الفردة دي بأعلى سعر.. دي فردة تقيلة توكلني وتجوزني وتأمن مستقبلي ومستقبل العيال اللي لسه ماجوش! فكر بس.. و تقسيمة العدل، هديك 18 جنيه وريالين صافي من غير ضرايب، والباقي عليا عشان أنا شايل الليلة مكانك!
ياسين وشه قاد نار، عروق رقبته برزت، وزعق بصوت هز النجفة:
— باااااااس! اقفل بوقك ده خالص! أنت إيه يا بني معندكش دم؟ إحنا قدام جـُ.ـثة وأنا أعصابي بتتفرتك، وأنت بتكلمني في بيع حرز و 18 جنيه وريالين يا معفـ.ـن؟! غور من وشي بدل ما أخليك مكان الجـ.ـثة !
مراد اتنفض لورا، ضرب تعظيم سلام مهزوز:
— أسف يا فندم! توبة، العتب على الجوع والضغط.. سكت خالص، والدهب في الحرز أهو، والريالين مسامح فيهم لخدمة الوطن!
دخل عسكري:
— تمام يا فندم، الكهرباء رجعت في المنطقة.. والدكتورة دينا برا مستنية سعادتك.
مراد وشوش ياسين:
— ستر ربنا.. العسكري ده نزل لي من السما!
ياسين تجاهله وخرج لدينا:
— شوفي لنا يا دينا إيه المصيبة دي.
مراد وقف ورا ياسين وشوشه تاني:
— بقولك إيه، الست دي شكلها مريب.. مش شايف مطلعة لسانها إزاي وهي بتفحص؟
ياسين بنظرة حادة:
— مالكش دعوة.. أنت واقف ليه؟ تحب أخليها تشرحـ.ـك بدل الجثـ.ـــة؟
مراد سكت بسرعة، ودينا قلعت الجوانتي وقالت بنبرة عملية:
— نفس اللي حصل مع باقي الضحايا.. نفس طريقة القتـ.ـل، آلة حادة ورفيعة، مفيش أي مقاومة، وده بيوضح إنها كانت عارفاه وانصدمت، والقتـ.ــل تم وهي مدياه ضهرها.. نفس القا.تل.. بس!
ياسين ركز عينه عليها:
— بس إيه يا دينا؟ انطقي.
دينا شاورت على رقبة الضحية:
— بس مش نفس الزوايا المرة دي!
مراد بسخرية:
— يعني إيه يا دكتورة؟ ما البنت مقتـ.ـولة ومخنوقة أهي، تفرق إيه إذا كانت الزاوية منفرجة ولا حادة؟
بصت له دينا بقرف وكملت لياسين:
— القاتل المرة دي حب يبتكر.. أو مجبر. في الـ 19 جر.يمة اللي فاتوا، كان بيستخدم إيده اليمين بقوة. المرة دي، الربطة والسحبة من الناحية العكسية تماماً، استخدم إيده الشمال! وبما إن القـ.ــطع طالع بدقة متناهية، فده معناه إنه بيجيد استخدام الإيدين الاتنين بنفس الكفاءة.. بس الشمال المرة دي كان أدق، يعني بنسبة كبيرة المجر.م ده “أشول” وبيتحكم في إيده الشمال أكتر!
ياسين حك دقنه:
— مش يمكن دول اتنين؟ تنظيم؟ واحد باليمين والتاني بالشمال؟
دينا هزت راسها:
— الطب الشرعي النهائي هيحدد.. بس زي ما قولتلك قبل كدا، القا.تل بيمتلك قوة جسدية كبيرة، وكل ضحاياه من النساء عشان يقدر يتحكم فيهم.. ومن ملاحظتي زى ما قولت لحضرتك قبل كدا ، المجر.م ده جراح خبير، أو على الأقل درس الطب والتشريح وعارف هو بيضغط فين وبيقطع إزاي بالميللي.. عن إذنك، هننقل الجثـ.ـــة.
بعد ما دينا مشت، بص مراد لأثرها بضيق ولوى بوزه وقال:
— غوري في داهية! ست نكد وبومة يا ساتر! دي لو اتجوزت إبليس هتنكد عليه وتخليه يلتزم ويصلي الفجر في جماعة من كآبتها! قال أشول قال! دي عيشة تقصر العمر يا جدع!
ياسين ابتسم لأول مرة من ساعة ما دخل الشقة ، كتم ضحكته بصعوبة وضرب كف على كف، ولف لمراد وهو بيهز راسه بذهول:
— أنت إيه يابني بجد؟ إزاي عينوك ظابط وبقيت نقيب؟! أنا بجد مستغرب الحكومة كانت بتفكر في إيه وهي بتسلمك طبنجة وميري وتطلقك على خلق الله!
مراد عدل جاكيت الميري بفخر وثقة و رد:
— بالبركة ودعاء الوالدين يا فندم! وبعدين النجوم دي أنا واخدها سحب في كيس شيبسي أصلاً، متدققش في السي في بتاعي عشان ميزعلش!
ياسين ضحك يأس من طريقته، وبعدين ملامحه رجعت لـلجدية وسأله:
— طب اِتلم بقا وفوق معايا.. مين بقا الحلو اللي بلغ المرة دي؟
مراد قلب جد فجأة بتمثيل متقن، وطلع نوتة الملاحظات بتاعته وفتحها ببطء وهو بيعدل نظارته الوهمية وقال:
— الحلو المرة دي مطلعش حلو خالص للأسف يا باشا، وشكله يسد النفس عن الحياة.. ده صاحب العمارة، الحج موسى. راجل كدا تحس إنه عاصر الحرب العالمية الأولى ومخزّن ريحتها في جلبابه، وجاي يشتكي من الريحة وهو أصلاً منبعها!
ياسين قفل زرار جاكيته بنفاذ صبر وتحرك ناحية الباب وقال:
— تمام أوي.. جيبهولي فورا، وأنا غاير في داهية على المديرية أما نشوف آخرة القرف ده إيه!
مراد ضرب تعظيم سلام ورا ضهر ياسين وقال بهمس:
— مع السلامة يا فندم.. داهية تاخدكم كلكم وتجيب غيركم!
……………
على الجانب الآخر، كانت بطلتنا “مريم” قاعدة في صالة بيتها، ماسكة الموبايل وبتتصل على سلمى (المرحومة اللي لسه متعرفش إنها أصبحت في ذمة الله). نفخت بضيق وهتفت:
— أوف بقا! ما تردي يا تـ.ـورة! مش لدرجة التُقْل دي يعني، ده لو خطيبك مش هتعملي فيه كدا!
بصت في الساعة لقتها ٦ المغرب، قامت وقفت وزعقت بأعلى صوتها:
— يامااااااا!
أمها “سلوى” طلعت لها من المطبخ وقالت بغيظ:
— بتجعري ليه يا بت؟ فزعتيني الله يحرقك! حد ينادي أمه كدا يا حمــ.ـارة؟
مريم لبست طرحتها بسرعة وقالت:
— أنا نازلة رايحة لسلمى.. البت بقالها يومين مابتردش، وهي بنت وحدانية ملهاش حد يا عيني. هروح أطمن عليها، ساعة زمن وجاية، أوك؟
سلوى لوحت بإيدها وقالت ببرود:
— ماشي يختي.. غوري في داهية ومتنسيش تاخدي كيس الزبا.لة وأنتِ نازلة!
مريم لفت راسها وبصت حواليها بتساؤل:
— أومال أخويا كريم “العــ.ـاق” فين؟ مش شايفاه يعني، بقالي ساعة مسمعتش صوت خناق؟
سلوى برقت لها وحدفتها بفردة شبشب :
— أخرسي يا بت! متقوليش على ابني حبيبي عـــ.ـاق! ده دكتور قد الدنيا ومالي مركزه، مش فاشل وقاعد في قرابيزي زيك! على العموم راح شغله في المستشفى، واخلصي امشي ومتتأخريش عشان العشا!
مريم وهي بتلبس بسرعة برطمت بصوت واطي:
— طيب ربنا ياخده.. أنا هلبس و ماشية!
……………..
على الجانب الآخر، في غرفة التحقيق الضيقة بالمديرية، كان الحج موسى قاعد على الكرسي بيرتجف كأنه راكب مرجيحة، ووشه جايب ألوان. ياسين لف حواليه لفة كاملة ببرود مميت، ومراد واقف وراه بيعدل حزامه الميري بنظرات تخوف .
وفجأة.. “بببببم!”.. ياسين هبد بكل قوته على الترابيزة الخشب!
الحج موسى اتنطط من على الكرسي وصرخ:
— يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! في إيه يا باشا؟ ركبي سابت!
ياسين قعد قدامه وهدى نبرته فجأة:
— وحد الله يا حج موسى.. احنا مش جايين ناكلك، احنا جايبينك تتكلم عشان نجيب حق البنت الغلبانة دي اللي اتقـ.ـتلت في ملكك وعمارتك.
الحج موسى رفع إيديه وهو بيرتعش:
— لا إله إلا الله.. والله العظيم يا سعادة الباشا ما ليا دعوة! سلمى دي قد حفيدتي، وكنت برعاها وبشوف كل طلباتها من ساعة ما أهلها ماتوا، دي بنت طيبة ونسمة وملهاش في المشاكل.. أنا استغربت إنها بقالها يومين مش بتنزل ولا بتشتري فطار، وكنت يعني.. أستغفر الله العظيم.. عايز أحصل الإيجار منها برضو عشان الدنيا غلا، فـ اتصلت عليها وطلعت فوق، لقيت تليفونها بيرن جوا ومحدش بيرد، قربت من الباب أسمع، شميت الريحة الوحشة دي واتفزعت، وعشان كدا اتصلت وبلغت.. والله ما ليا دعوة ولا أعرف طريق الأذى!
ياسين ضيق عينيه ودرس ملامح الراجل؛ كانت صادقة وبتبكي من الخوف، بس حاسته السادسة بتقول إن فيه خيط تايه وسط الكلام. قرب منه وقال بحدة:
— ماشي يا حاج.. قولي بقا، كان فيه حد بيجيلها؟ بيزورها؟
قعد الراجل يفكر ويهز راسه، وفجأة قال:
— أيوة! أيوة يا بيه.. فيه واحدة صاحبتها أوي، هي الوحيدة اللي كانت بتيجي معاها وتقعد بالساعات.
ياسين مال عليه بسرعة:
— اسمها إيه؟ انطق!
الحج موسى بلع ريقه:
— والله العظيم ما أعرف يا بيه!
ياسين وقف وزعق:
— أنت بتستظرف يا حج موسى؟! مش عارف مين اللي داخل و اللي خارج من ملكك وعمارتك ؟!
الراجل خبى وشه بإيديه:
— وربنا ما أعرف يا سعادة الباشا! كانت بتيجي علطول وتمشي معاها وتروح معاها، فـ مكنتش بسألها عيب يعني.. بس بقالها ٤ أيام مش بتجيلها خالص، اختفت فجأة!
ياسين أخد نفس طويل وبص لمراد، وبعدين التفت للحج موسى وبذكائه الثعلبي قرر يعمل خدعة :
— تمام يا حاج موسى.. احنا مصدقينك وهنسيبك تخرج تعيش حياتك، بس لو عرفنا إنك فكرت تهرب برا المحافظة، أنا هجيبك وأطبخك في حلة مكان البنت اللي ماتت دي! سامع؟
الحج موسى كش في نفسه:
— لا يا سعادة البيه، تحت أمرك! أنا قاعد وموجود ومش هتحرك عشان حق الغلبانة دي يطلع.
ياسين ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
— تمام يا حاج.. بس عشان الإجراءات والروتين، عايزينك تنورنا هنا في المديرية ساعتين زمن نخلص الورق وبعدين تتفضل.
لَف ياسين وبص لمراد وأمره بلهجة صارمة:
— مراد.. خليك مع الراجل هنا ومتتحركش من جنبه ثانية واحدة.. ها؟ فاهم؟
مراد عدل وقفته بسرعة وأومأ براسه وضرب تعظيم سلام من سكات وهو بيبص لياسين بنظرة فهم منها اللعبة:
– علم وينفذ يا فندم.. محبوسين سوا!
ياسين وهو بيركب عربيته، طلع موبايله وكلم رجالة المعاينة بلهجة آمرة:
— بلاش تشمعوا الشقة خالص! ولو شمعتوها رجعوا كل حاجة زي ما هي و خلوا الباب موارب.. سيبوا الوضع كما هو عليه ، فاهمين؟
قفل الخط، وداس بنزين وهو بيبتسم ابتسامة غامضة.. كان رامي طُعم ومستني الصيدة!
…………..
بعد ساعة.. وصلت مريم قدام العمارة، فضلت تتصل للمرة الألف ومفيش رد. نفخت بضيق:
— أوف! مفيش حل غير إني أدخل وأخلص من التُقْل ده!
دخلت وملمحتش البواب، فبرطمت بسخرية:
— هيهيهي.. هربت منه! كان هيقعد يسألني رايحة فين وجاية منين، مع إنه حافظ إننا مش بنفارق بعض!
طلعت السلالم ووقفت قدام الشقة، لفت انتباهها إن الباب موارب ومفتوح سنة صغيرة. بربشت بعينها واستغربت:
— إيه ده؟ هي البت دي هبلة ولا إيه؟ ولا يكونشي الهبلة نزلت تشتري حاجة وسابت الباب كدا؟ هبلة والله وتعملها!
فتحت الباب ودخلت، وفي ثانية ضربت في مناخيرها ريحة نتـ.ـانة قوية قذ.رة كتمت نفسها. حطت إيدها على بوقها بقرف:
— يععع! إيه القرف ده يا سلمى؟ أنتِ ضاربة غطس في مجاري ولا إيه؟
نادت عليها كذا مرة ومفيش رد . نفخت بملل ودخلت وقفت في نص الصالة، وقعدت على الكنبة (كنبة المرحومة!)، مستنية صاحبتها تظهر.
وفجأة.. عيونها لمحت حاجة غريبة على طرف السجادة في الصالة. قامت وقفت بذهول وقربت.. عيونها برقت برعب وهي بتشوف بقعة د.م جافة وغامقة مغرقة الأرض!
قلبها سقط في رجليها، وبدأت تنادي على سلمى بهستيريا ورعب وهي بتجري في الصالة من غير ما تشوف قدامها.. إيدها اترعشت، ورجلها اتكعبلت في رجل الترابيزة بقوة.. “ببببم!”
اتقَلَبت مريم واتخبطت دماغها بحافة الترابيزة الخشبية الحادة.. ألم رهيب شق نفوخها، ود.م دافي بدأ يسيل على وشها، وقبل ما تستوعب، الدنيا اسودت في عينيها وأغمى عليها!
بعد ربع ساعة..
فتحت مريم عينيها ببطء شديد، حاسة بدماغها هتنفجر من الوجع، والرؤية مش واضحة وضبابية. حاولت ترفع راسها وتستوعب هي فين، وفجأة اتجمدت الدورة الدموية في عروقها..
فيه “بوط” أسود عسكري لامع واقف قدام وشها بالميللي.. وببرود مرعب، اترفع سن الجزمة وبدأ يرفع وشها لفوق بقوة وقسوة عشان تبص له!
رفعت مريم عينيها برعب يتكتب فيه قصائد.. لقت ظابط واقف فوق راسها بملامح حادة كالسيف، وعينيه بتلمع بـ شر غريب، ووراه قوة عساكر مدججين بالسلا.ح و ماليين الصالة !
ياسين مال عليها، وبص لها بابتسامة صفرا باردة لا تبشر بأي خير، بل كانت أقرب لابتسامة قا.تل متسلسل لقى ضحــ.ــيته، وقال بنبرة فحيح مرعبة هزت كيانها:
— أهلاً وسهلاً يا قطة! .. مساء الخير يا كتكوتة! .. نورتي مسرح الجر.يمة يا نونة!
مريم من هول المنظر والرعب اللي شل أطرافها، صرخت فجأة بأعلى صوتها وهي بتبكي:
— يا لهوي! غطيني وصوتي ياما!
رواية أنا من قتلهم الفصل الثالث 3 - بقلم آية عيسى
في المديرية، قدام مكتب الرائد ياسين، كانت مريم واقفة ركبها بتخبط في بعضها وبتترعش كأنها متثبتة في فريزر، ودموعها نازلة شلالات وهي بتولول:
— والله العظيم ما عملت حاجة! أنا.. أنا مش مستوعبة خالص هي ماتت إزاي؟ والله دي كانت صاحبتي الوحيدة وأختي اللى انا مخلفتهاش … أقصد اللي مخلفتهاش أمي.. يا خرابي يا ناس!
ياسين كان قاعد ورا مكتبه، جز على سنانه وعروق جبهته ظهرت وبص لها بنظرة تمـ.ـوت وقال بنبرة حادة :
— هو أنا قولت لك اتكلمي يا بت أنتِ؟! ها؟! أنا سمحتلك تفتحي بوقك ده أصلاً؟!
مريم اتكتمت في ثانية، وبقت تترعش وسنانها بتخبط في بعضها من الرعب. ياسين نفخ بضيق يهد جبال وسند بضهره لورا:
— اخلصي وقولي كل اللي تعرفيه من غير لت وعجن، سامعة؟
قالت مريم بكل قهر و هي بتعيط و بتولول:
– قتلـــ.ـــوها ، دبـــ.ـــحوها ، و زى الفراخ سابوها ! أيوة والله يا سعادة البيه!
بص لها ياسين و هبد بايده على المكتب و قال :
– أخلصي يا بت و انطقي؟ إنتي جاية تستظرفي هنا يا رو.ح أمك!
مريم بلعت ريقها وبدأت تتكلم بسرعة الصاروخ من الخوف:
— حاضر يا باشا، كل حاجة أهو! أنا اتصلت عليها النهاردة ومردتش، فـ قولت أروح لها، دخلت ملقتش البواب الهربان ده ربنا يأخده يا سعادة البيه! ، وطلعت لقيت الباب موارب، دخلت الصالة وبنادي عليها ملقتش حد، وفجأة لمحت بقعة د.م.. من الخضة جيت أجري اتكعبلت في رجل الترابيزة الفقر دي واتهبدت على دماغي واغمى عليا، ولما فتحت عيني شوفت وش حضرتك النحس.. أحم ! أقصد وش حضرتك الحلو المنور ده يا فندم!
ياسين نفخ بضيق من كلمتها، وضيق عينيه بذكاء:
— وأنتِ لسه فاكرة تيجي ليها النهاردة؟ دي بقالها يومين ميتة وأنتِ لسه فاكرة تسألي؟
مريم رفعت إيديها بالبراءة:
— والله يا سعادة البيه أيوة! أصل أنا طول عمري بروح معاها وباجي معاها في كل حتة، وعمري في حياتي ما روحت شقتها لوحدي خالص.. بس اضطريت النهاردة، ويا ريتني ما اضطريت يا فندم، كان يوم أخبر يوم ما فكرت أتحرك من بيت أمي سلوى!
ياسين مال على المكتب وبص لها بنظرة فاحصة:
— وليه مروحتيش ليها من قبل كدا؟ اشمعنى النهاردة بالذات يعني؟!
مريم حطت إيدها على جمبها بتلقائية وقالت:
— أصل بصراحة يا بيه، من ٣ أيام فاتوا كنت برن عليها ليل نهار عشان كنت عايزة أديها الجمعية والفلوس اللي عليا ليها، وكنت قلقانة من عدم ردها، بس انهاردة والله قلقت أوي وقولت مبدهاش بقا.. البت شكلها خللت ، فـ روحت عشان آخد و أدي معاها في الكلام وأشوفها فين، فـ لبست الطرحة ونزلت جرى، ولبست أنا في الحيط زي ما أنت شايف!
ياسين مسك القلم ببرود رهيب وبدأ يكتب في الورق ، وقال بنبرة رسمية تخوف:
— ومن واقع المستندات والمعاينة المبدئية.. نقرر حبس المتهمة مريم ١٤ يوما على ذمة التحقيق!
مريم أول ما سمعت الجملة دي، صوّتت ولمت عليها المديرية:
— يامااااااااااا! ١٤ يوم إيه يا سعادة البيه؟! ليه؟ شايفني مسجـ.ــل خطر ولا طالعة من سجـ.ـن أبو غريب؟!
وقعدت تولول وتتكلم والدموع مغرقة وشها، فياسين حط إيده على دماغه ونفخ بنفاذ صبر وزعق:
— يووووووه! بطلي ور يا بت بقا! صدعتي نفوخي الله يحرقك! إيه راديو و عِطل؟!
مريم كملت عياط ومسحت مناخيرها بكمها:
— والله ما عملت حاجة! ده أنا بحبها وبخاف عليها، بص كدا على منظري.. بذمتك ده منظر واحدة تـ.ـقتل؟! ده أنا لو أخويا قرب مني بس عشان يشد شعري بعمل مناحة وبصوت وأصحي الجيران! والله أبدًا ما عملت حاجة.. وبعدين طب بص كدا؟ بص عصير الطماطم اللي نازل على وشي ده؟ عالجوه حتى الله يحرقكم! أنا بصفّي دم هنا وأنت بتقولي ١٤ يوم؟!
ياسين اتنفض من على الكرسي وعينيه برقت لما لقاها بتدعي عليهم، وزعق بأعلى صوته:
— غورها يا عسكري! غورها من قدام وشي فورا قبل ما أرتكب جنا.ية هنا! غوروهااااا!
بعد ما مشت، قعد ياسين على الكرسي ونفخ بضيق وهو بيفرك وشه بإيده من كتر التعب. في اللحظة دي، دخل عليه مراد بخطواته المستفزة وابتسامته الباردة وقال:
— مساء الزفت على حضرتك يا بوص! عامل إيه في النكد اللي إحنا فيه ده؟
نظر له ياسين بنظرة تجمّد الميّة في الحنفية وقال بنبرة آمرة:
— مراد.. اخرس خالص، واترزع على الكرسي ده وقولي عملت إيه في اللي كلفتك بيه!
قعد مراد وحط رجل على رجل، وبص للباب بفضول ولوى بوزه وقال:
— أترزعنا أهو يا فندم.. أومال مين البت اللي كانت خارجة بتولول برا دي؟ تكونشي المرحومة صحيت وجاية تقدم بلاغ في نفسها؟ ولا بلاش.. يكونشي سعادتك ناوي تتجوز على المدام وجايبها تنقي معاك العفش هنا في المديرية؟
ياسين اتعصب وعروق رقبته ظهرت، وزعق بحدة:
— قسما بالله يا مراد لو ما اتلميت لكون هابد دماغك في الحيطة زيها! قول يالا خلصني.. عملت إيه في مسرح
الجر.يمة؟
مراد عدل نفسه وقال بجدية مصطنعة:
— أبداً يا باشا، رجالة المعمل الجنائي قاموا بالواجب وأخدنا البصمات كلها من الشقة.. وزي ما أنت شايف وعارف، والمتوقع كالعادة إن مفيش خدش واحد ولا بصمة غريبة! وبعدين حضرتك إحنا في سنة ٢٠٠٧، وكاميرات المراقبة في الشوارع لسه بعافية شوية ومش حديثة، والتكنولوجيا على قدها واللقطات بتبقى زفت زي ما أنت عارف.. وبرضو ملقيناش أي حاجة مفيدة.. بس!
ياسين ركز معاه وضيق عينيه وقال:
— بس إيه يا مراد؟ أنطق اخلص!
مراد اتنهد وقال بحيرة:
— بس كالعادة من ساعة الواقعة ووقتها.. فيه فيديو اتحذف، أو لقطة محددة اتمسحت من كاميرات المراقبة بتاعة المحل اللي في أول الشارع! واضح إن الزفت ده عامل حسابه كويس أوي وزي كل مرة بيلعب معانا على المكشوف وبيأمن ضهره!
هبد ياسين إيده بكل غل على المكتب لدرجة إن قلم الحبر طار، وقال وعينيه بتطق شرار:
— والله لاجيب حقهم! وحق كل واحدة دمها سا.ح بسبب المجـ.ــرم ده.. مش هسيبه يفلت المرة دي لو هقلب البلد عليها واطيها!
مراد هز راسه بتأثر، وبعدين رجع لفضوله تاني وقال:
— ونعم بالله يا فندم.. أومال مين البت دي بقا؟ مش هتقولي برضو؟
لسه ياسين هيفتح بوقه ويرد، موبايله رن بنغمته الرخمة.. بص للشاشة وتنهد بقلة حيلة وضيق، وفتح الخط وقال بنبرة هادية بس مخنوقة:
— إيه يا نرمين؟ ده وقته يا نرمين برضو؟! أنا في عز الشغل و بروح في ستين داهـ.ـية!
جاءه صوت نرمين من الناحية التانية وهي متقندلة:
— إيه يا راجل فينك؟ بقالك يومين برا البيت ومبتسألش، أنا نسيت شكلك و نسيت إني متجوزة ظابط أصلاً!
ياسين فرك جبينه وقال باختصار ونفاذ صبر:
— معلش يا نرمين.. شغل ومصيبة كبيرة شغال عليها، اقفلي دلوقتي ولما أفضى هكلمك.. سلام.
قفل السكة وحط الموبايل على المكتب، فبص له مراد وهو كاتم ضحكته ولوح بإيده وقال:
— ياااااه! نرمين وياسين؟ إيه القافية والانسجام ده يا باشا؟ لا بس بصراحة مش حلوة.. تحسها لايقة على اسم محل عصير قصب أكتر من بيت ميري! هيهيهي
ياسين نظر له نظرة مرعبة كأنه بيخطط لجريمة قتـ.ـل مراد شخصياً في المكتب.. مراد لقط النظرة، فبلع ريقه ورجع ضهره لورا بسرعة وقال:
— خلاص يا عم.. توبة! جرى إيه يا سيادة الرائد؟ انت بومة و مش بتهزرش معانا خالص كدا؟ كمل بقا موضوع البت دي.
ياسين أخد نفس طويل وقال:
— على العموم.. دي واحدة مشتبه فيها وجات برجليها للمصيدة …..
وحكى له القصة بالكامل من أول ما الحج موسى اتكلم عنها لحد ما دخلت الشقة والباب موارب واتكعبلت و لما اخد اقوالها.
مراد حك ذقنه بتفكير وسأله:
— طيب أنت شاكك في إيه يا بوص؟ تطلع هي القا.تل الأشول مثلاً أو مساعدة ليه؟
ياسين سكت لحظة وبص للفراغ وقال بتوجس:
— البنت دي شكلها بريء وكلامها موزون، بس طبعاً مش هنحكم بالشكل في قضية زي دي.. المظاهر بتخدع والزمن هو اللي هيبين كل حاجة ويفلت المستخبى….
وقف ياسين ولم الورق اللي قدامه وبص لمراد بصرامة:
— على العموم.. مش عايز ولا نقطة تفوتنا. جيبلي تحريات كاملة وشاملة عنها، وعن عيلتها، وكل دبة نملة تخصها وتخص اللي حواليها.. مفهوم يا مراد؟
مراد وقف وضرب تعظيم سلام مظبوط المرة دي:
— مفهوم يا فندم! هجيب لك قرارها وقرار عيلتها لحد سابع جد.. اعتبره حصل!
قال ياسين وهو بيشاور على الباب بنفاذ صبر:
— طب يالا غور في داهــ.ــية من وشي خلينا نشوف الشغل!
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل العسكري وضرب تعظيم سلام:
— الدكتورة دينا برا وعايزة سيادتك يا فندم.
مراد أول ما سمع الاسم نفخ بضيق ولوى بوزه وبرطم بصوت واطي جدًا:
— يا ساتر يا رب.. البومة جات برجليها! دي شكلها بايتة في المشر.حة والله!
ياسين قال بملل وتعب:
— دخلها يا ابني اخلص..
دخلت دينا الأوضة بكل برود وجدية، وفي اللحظة اللي كانت بتعدي فيها من جنب مراد، وقف هو ورا ضهرها وبص لها بطرف عينه، وتــ.ـف في الهواء بصوت مكتوم “تففف”، وطلع لها لسانه بحركة طفولية مستفزة وهو بيتحرك ناحية الباب عشان يمشي.
ياسين لقط اللقطة، فحط إيده على بقه بسرعة وكتم ضحكته بالعافية عشان البرستيج ميروحش في الأرض، وبص لدينا وقال بنبرة هادية:
— اقعدي يا دينا ، خير موتيني و اجلطيني، إيه الأخبار عندك في التقرير المبدئي؟
قعدت دينا وحطت التقرير قدامها وبدأت تتكلم باستفاضة وتشرح بدقة:
— التقرير المبدئي والتأكيدي بيقول إننا قدام نفس القا.تل يا فندم.. البنت مفيش منها أي آثار مقاومة تذكر، وكأنها استسلمت تماماً أو اتفاجئت بيه، والغريب واللي يجنن إن مفيش أي بصمات على الجسم أو على لبسها خالص! ده يأكد إنه ككل مرة كان لابس جوانتي طبي ومأمن نفسه بالميللي.. قتــ.ــلها بكل برود، وبعد ما خلص شالها وحطها على الكنبة عادي جداً ورتب المكان وخرج!
بعد كل الشرح ده، ياسين سكت لثواني، وبص للفراغ بقلة حيلة وقال بنبرة مليانة إحباط وقهر:
— وبرضو.. برضو مفيش أي خيط عنه؟! خمس شهور ومفيش هفوة واحدة تدلنا عليه؟!
دينا هزت راسها بأسف وأخدت ورقها:
— للأسف لا يا فندم.. المجر.م ده دارس خطواته كأنه بيعمل عملية جراحية مش جريمة قتــ.ــل.
ياسين اتنهد بكسرة وقام وقف:
— تمام يا دينا.. تصريح الدفن يطلع، وادفنوا الجثـ.ـــة وأمرنا لله.. خلينا نشوف اللعبة دي هترسي على إيه.
قامت دينا ولمت حاجتها ومشت، وبعد ما قفلت الباب وراها، ياسين ساب نفسه على الكرسي ونفخ بقهر ووجع من جواه، ورفع عينه للسقف وقال بنبرة طالعة من قلبه:
— يا رب.. يا رب صبرني وقويني على الكابوس ده قبل ما أفقد عقلي!
………
على الجانب الآخر، كريم رجع من المستشفى أخيرًا ووصل البيت، وكان باين عليه الإرهاق. دخل الصالة وبص حواليه ملقاش أخته، فقال بضيق:
— أومال الزفتة مريم راحت فين؟ بقالها كام ساعة برا ومقالتش رايحة فين؟
ردت سلوى بلامبالاة وهي قاعدة بتأكل وبتمضغ الأكل بصوت عالي:
— معرفش يا حبيبي، داهــ.ـية تاخدها مطرح ما راحت! اترزع أنت بس يا نور عيني وارتاح عشان أقوم أجيبلك تطفح.
لسه كريم بيطلع موبايله من جيبه وناوي يتصل عليها ويهزقها ويغسل كرامتها على التأخير ده.. فجأة الباب خبط خبطات ورا بعضها بـعنـ.ــف وبصوت عالي هز البيت!
كريم استغرب وقام فتح الباب، لقى قدامه قوة من عساكر الشرطة ماليين الممر. كريم بربش بعينه وقال بدهشة:
— خير يا جماعة؟ في إيه بالظبط؟
العسكري الكبير اللي واقف على الباب شاور بإيده وقال بلهجة حازمة:
— اتفضلوا معانا يا دكتور من غير شوشرة.. وأنتم يا عساكر ادخلوا فتشوا الشقة حتة حتة!
سلوى طلعت جري من الصالة وهي بتلطم على خدودها:
— يا لهوي! يا مِصيبتي السودا! خير يابني في إيه؟ إحنا ناس ملناش في المشاكل والله!
العسكري بص لها ولوى بوزه وقال ببرود مضحك:
— لا أبداً يا حاجة.. مفيش حاجة خالص، دي مصيبة ومنيلة بستين نيلة! متقلقوش خالص.. هو بس هيتخرب بيتكم وتتجرجروا في المحاكم مش أكتر!
كريم اتجمد من الصدمة ، وبص للعسكري برعب وبدأ يربط الأحداث ببعضها وقال:
— خير بالظبط؟ هي أختي مريم عملت إيه؟ شكلكم كدا جايين وعارفينها وجايين عشانها مخصوص!
بص له العسكري بإعجاب ساخر وقال:
— الله! ذكي ابن ذكية والله.. وشكلك نضيف وبتفهم في لغة الميري! على العموم يا دكتور، أختك مريم مقبوض عليها وبقت مشتبه فيها رسمي في قضية القتـ.ــل اللي هازة البلد من ٣ سنين دي! اتفضلوا معانا بقا بالذوق من غير شوشرة.
سلوى أول ما سمعت كلمة “قضية قــ.ـتل” و”مقبوض عليها”، صوّتت بأعلى صوتها ولمت العمارة:
— يا خراب بيتك يا سلوى! يا لهوي يا بتي!
……….
على الجانب الآخر، في قلب المديرية، وتحديداً جوا مكتب الرائد ياسين، ياسين كان قاعد ورا مكتبه، قميصه متكرمش، وعينيه حمرا زي الدم من قلة النوم وهو بيقرأ الملفات للمرة الألف! يمسك ورقة ويرمي ورقة، ويبص لصور الضحايا وعقله بيلف في ساقية ملهاش آخر.
مراد كان واقف جنبه، باصص له بقلق حقيقي وخايف عليه يجرى له حاجة، ولأول مرة مراد مكانش بيهزر، ملامحه كانت شايلة هم صاحبه اللي بيموت بالبطيء قدامه بقاله خمس شهور.
وفجأة.. الباب اتفتح بعنـ.ــف لدرجة إنه خبط في الحيطة! دخل العسكري وهو بينهج ونفسه مقطوع ووشه أبيض ، وصرخ:
— الحقنا يا فندم! مصيبة.. مصيبة سودة حلت على دماغنا كلنا يا باشا!
ياسين اتنفض من على كرسيه والقلم طار من إيده، وزعق بحدة هزت الأوضة:
— في إيه يا زفت؟! أنطق اخلص، مصيبة إيه اللي جيبهالي في الوقت الفقر ده؟!
العسكري بلع ريقه وصوته بيترعش من الخوف:
— الحجز قلب على بعضه يا فندم! المساجين استغلوا التغيير اللي بيحصل وعملوا خناقة شوارع ومجز.رة جوا، وكسروا الكراسي وبيموتوا في بعض.. والمأمور قالب الدنيا وعايز سعادتك فوراً تحت مسافة السكة لأن الدنيا هتولع والكل بيتخانق!
ياسين وشه اتقلب وعينيه طلعت شرار، وبص لمراد بسرعة و زعق:
— هو ده وقته بس! اللهم طولك يا روح! مراد! خلي بالك من المكتب و الورق ده كله.. مش عايز ورقة واحدة تتحرك من مكانها لحد ما أرجع! أنا نازل أشوف المصيبة دي إيه!
وجري ياسين برا الأوضة، والباب اترزع وراه بقوة لدرجة انه شرخ ودان مراد .
مراد وقف في نص الأوضة، أخد نفس طويل وتنهد بحسرة وقهر، ولوح بإيديه في الهوا وقال بملل:
— الله ياخذكم كلكم يا بُعدة! داهـ.ــية تاخد الحجز على المساجين على العساكر! هي ناقصة فزعة على المسا؟! قلبي كان هيقف من الخبطة! ااااه يا ضهري.. يظهر كدا مفيش غير الحل ده!
مشي مراد ببطء وقعد على كرسي ياسين المريح، وحط رجل على رجل ومسك ورقة بيضاء تافهة من على المكتب وقعد يقطع فيها حتت صغيرة بملل وهو بيبرطم:
— أما أقعد أقطع الورق ده وأسلي نفسي وخلاص، لحد ما سيادة الرائد يرجع يوريني النجوم في عز الظهر!
وفجأة.. في وسط السكون الرهيب ده.. “رننننننننننن!”
تليفون المكتب الأرضي الأسود القديم رن رنة عالية رزلّة خلت مراد يتنفض من على الكرسي والورق يطير من إيده.
بص للتليفون بقرف ولوى بوزه وقال:
— أهو.. بدأنا! أكيد فيه مصيبة تانية بتنادي في الكواليس.. يا إما نرمين هانم بترن تندب حظها، يا إما المأمور عايزني أنزل أتضرب تحت أنا كمان!
مد إيده بملل ورفع السماعة وحطها على ودنه وقال بنبرة رسمية ناشفة:
— أيوة.. مديرية الأمن، مين معايا؟
حلّ صمت غريب في الخط لثواني، وبعدين خرج صوت مرعب، تخين، وبطيء كأنه طالع من سرداب تحت الأرض، صوت يخلي شعر الإيد يقف من برودته، وقال بسخرية مسمومة:
— أهلاً.. أهلاً وسهلاً يا سيادة الرائد ياسين.. ها؟ طمني، عجبك الحلق اللي سيبتهولك في النجفة؟
رواية أنا من قتلهم الفصل الرابع 4 - بقلم آية عيسى
مراد أول ما سمع نبرة الصوت دي، ركبه سابت في مكانها وعينيه جحظت من الصدمة.. ده صوت القــ.ـاتل بنفسه! القــ.ـاتل بيتصل على تليفون المكتب! هي وصلت الجرأة لكدا؟!
بس مراد في ثانية دمه فار والظابط اللي جواه صحي، فزعق في السماعة بكل غل وعصبية وهو بينط من على الكرسي:
— لا يا ر.وح مامي! مش ياسين يا ### ! أنا النقيب مراد يا نونة ! أنطق يالا أنت فين؟! والله ما هسيبك، وهجيبك من قفاك وهخليك تتمنى المــ.ـوت ومطلهوش يا مجــ.ـرم يا مخــ.ـتل يا سفــ.ـاح! انطق أنت فين؟!
القاتل على الناحية التانية متهزش ولا خاف، بل بالعكس.. انفجر في ضحكة باردة، مستفزة، وهادية جداً كأنه بيلعب مع عيل صغير:
— هههه.. تمام، تمام.. اِهدى بس على نفسك يا سيادة النقيب عشان صحتك.. بص بقا، اسمعني كويس و وصل الكلام ده بالنص لـ “سوسو” حبيبك.. قوله إني حبيت أساعده المرة دي وأقصر عليه الطريق.. وقوله إن السر كله مستخبي في ملف الضــ.ـحية رقم 17 “نور”.. اللي أنا سيبت الحلق الدهب بتاعها في شقة سلمى هناك.. هههه.
مراد كان بيسمع وهو بيضغط على السماعة بغل لدرجة إن إيده ابيضت، والقـ.ـاتل كمل ببرود أشد:
— صاحبك ياسين ده حبيبي وبحبه في الله والله.. وعشان كدا قررت أساعده وألعب معاه هو بالذات، دوناً عن التلاتة المحققين الفاشلين اللي مسكوا القضية قبله وعجزوا.. مع السلامة يا “مومو”.. وأه، متتعبش نفسك خالص وتدور عليا وتعمل حركات المخابرات دي وتتتبع خط الاتصال، لأنك والله ما هتعرف حاجة، والخط ده خلاص “بح” شريحة وهمية واتحرق في ثانية وأنا بكلمك.. وصاحبك ياسين قريب جدا هيتحرق بسبب عصبيته.. سلام يا قط!
”تك!”.. الخط قطع!
مراد وقف في نص المكتب زي المجنون، وشّه احمر وعروق جبهته برزت وسماعة التليفون في إيده، وزعق بأعلى صوته في الأوضة الفاضية:
— يا ابن الـ…! قفل في وشي! والله ما هسيبك يا مــ.ـجرم يا مـ.ـختل!
رمى السماعة على المكتب بعنـ.ـف وقال بزعيق وهستيريا:
— يا عسكري! أنت يا زفت!
الباب اتفتح ودخل العسكري بسرعة وهو مخضوض وضارب تعظيم سلام:
— تمام يا فندم! تحت أمرك!
زعق مراد وهو بيشاور على التليفون وعينيه بتطق شرار:
— الخط ده حالا ً ت للمساعدات الفنية والمباحث تتقلب عليه! لازم يعرفوا مكان الأبراج فورا سامع ولا لأ؟! اخلص غوووور!
العسكري اتنفض وقال برعب:
— علم وينفذ يا فندم!
أخد العسكري بيانات الخط وجري برا الأوضة، الباب اتقفل ومراد رجع راسه لورا وهو بياخد نفسه بصعوبة كأنه كان في خناقة شوارع، وحط إيده على صدره وقال بقرف واشمئزاز:
— وبعدين إيه ده؟ إيه “مومو” دي؟! يعععع! جتك القــ.ـرف في ريحة بطنك! هو فيه مـ.ـجرم محترم يحترم الاجـ.ـرام اللي شغال فيه ويقول لظابط شرطة يا مومو؟! دي قلة أدب والله! بوظت برستيجي الميري الله يحرقك ويحرق اليوم اللي اتخرجت فيه من الكلية! بقى أنا النقيب مراد يتقال لي يا مومو ؟!
بعد ربع ساعة وفي وسط وكسة مراد دي وصدمته من هول المكالمة، الباب اتفتح بهدوء ودخل العسكري تاني بعد ما هديت الدنيا شوية، وضرب تعظيم سلام مهزوز وقال:
— تمام يا فندم.. دكتور كريم ووالدته الست سلوى برا ومستنيين سعادتك.. عيلة المتهمة مريم يعني، نعمل فيهم إيه؟
مراد نفخ بضيق ونفض جاكيته الميري بعصبية وهو لسه على آخره من المكالمة والدم بيفور في عروقه، وبص للعسكري وقال بغيظ ونفاذ صبر:
— دخلهم.. دخلهم اخلص عقبال ما الزفـ… أحم.. اقصد عقبال ما سيادة الرائد ياسين ييجي من الخناقة والمجـ.ـزرة اللي تحت في الحجز ويسود عيشتنا كلنا! دخلهم ربنا يولع فيكم وفي اليوم اللي شوفتكم فيه كلكم!
دخل كريم ودخلت سلوى، وأول ما خطت عتبة المكتب، سلوى بدأت تلطم وقالت بنبرة عياط مضحكة:
— يا سعادة الباشا والله بنتي غلبانة.. يا خراب بيتك يا سلوى يا بنت أم سلوى! والله هي هبلة متعرفش حاجة
وغشيمة …. أحمد أبو غشيمة…..هيهيهي….حلوة والله!
بص لها مراد بملل واشمئزاز وهو حاسس إنه عايز يرجع من كمية التفاهة واللطم اللي شافه النهاردة، وظبط لياقة جاكيته وقال بنفاذ صبر:
— اِترزعوا يا بهوات.. اترزعوا اخلصوا!
كريم قعد وبص لمراد بقلق وقال:
— خير يا سيادة الرائد ياسين؟ في إيه بالظبط؟
بص له مراد ولوى بوزه وقال بحسرة:
— يسمع من بوقك ربنا يا بعيد! لا يا حبيبي، أنا النقيب مراد.. وياسين بيتـ.ـقتل تحت، أقصد بيسلك الناس اللي في الحجز تحت و بيديهم علـ.ـقة سخنة .. سيبك منه دلوقتي وخليك معايا.
رفع كريم حاجبه ونظر لأمه بطرف عينه بمعنى: “هو ده ظابط بجد؟! ولا إحنا دخلنا مستشفى المجا.نين؟!”
نظرت سلوى لمراد وقالت بلهفة وخوف:
— طب احكي لي يا باشا، إزاي البت دي تبقى متــ.ـهمة في قضية قتــ.ـل؟! دي بتخاف من خيالها!
أخد مراد نفس طويل وحكى لهم كل حاجة بالتفصيل؛ من أول اعتراف الحج موسى صاحب العمارة ، لحد اعترافات مريم الغبية والذكية في نفس الوقت، وإنها راحت لشقة سلمى بعد ما اتقتـ.ـلت بيومين كاملين، وده اللي خلاها مشتبه فيها رسمي وقيد التحقيق.
لطمت سلوى وصوّتت:
— يا خرابي يا بتي! والله يا باشا كانت قايلة لي إنها رايحة لصاحبتها عشان الفلوس والجمعية مش عشان حاجة تانية.. طيب لما أشوفها بس، هشدها من شعرها وأخليها عبرة!
بص لها مراد بملل رهيب، وبعدين دار بكرسي ياسين اللى قعد عليه وبص لكريم بذكاء وفحص وقال:
— قولي بقى يا محترم.. أنت كنت فين لما اختك راحت لها ؟ واشمعنى مظهرتش انت غير دلوقتي؟
كريم رد بثبات وإرهاق:
— كنت في المستشفى يا فندم بشتغل، وعندي نبطشيات وعمليات، ورجعت البيت لقيت المصيبة دي مستنياني على الباب وعساكركم بيبهدلوا الدنيا!
بدأ مراد يفحصه بنظراته بذكاء، وسأله شوية أسئلة روتينية وتحقيقية عن حركته وساعات عمله، وفي وسط الأسئلة دي، رمى سؤال خبيث وسأله:
— طيب، تعرف الطبيبة الشرعية دينا؟
كريم ملامحه اتمطت بدهشة وقال بتلقائية:
— آه طبعًا يا فندم، زميلتي في القصر العيني، وهي اللي ماسكة تشر.يح جثـ.ـث القضايا دي أصلاً وعارفها كويس.. خير؟ هي ليها علاقة بالموضوع؟
نظر له مراد بشك وضيق عينيه وقال بريبة:
— تمام.. تمام، ماشي..
وقف مراد وقال بنبرة حاسمة تنهي المقابلة:
— على العموم.. مش هتشوفوا وش بنتكم دي ولا هتلَمحوها لحد ما يأذن ياسين باشا، لأن هو اللي ماسك القضية دي دلوقتي و رقابنا كلنا في إيده.. اتفضلوا بقى برا عشان تعملوا الإجراءات، وتغوروا في ستين مصيبة تاخدكم كلكم.. يلا!
……………
في ناحية تانية اسود من الناحية اللي فاتت ، مريم كانت قاعدة في زاوية الحجز، لمّة رجليها و ساندة بوشها عليها ، والدموع مغرقة وشها وهي بتولول وتندب بصوت مبحوح:
— سلمى.. سلمى يا لهوي! سلمى وحشتيني يا جامــ.ـوسة.. آااااه يا اختي ياللي روحتي مني!
فجأة، قامت واحدة من المساجين، ضخمة وعرض الحيطة، وعينها بتطق شرار، وزعقت فيها بجهارة زلزلت الحجز:
— اخرسي يا بت بدل ما أفعصك في إيديا دي وأعملك كفتة! صدعتي اللي خلفونا!
مريم كشت في ثانية، وبلعت صوتها، واتسحبت على جنب وهي بتترعش وبتبكي في صمت ومن غير ولا نفس من الرعب.
في اللحظة دي، مفتاح الحجز صوته ظهر ، والعسكري فتح الباب . ياسين كان واقف على الباب، هدومه مبهدلة وعرقان وعينيه حمرا شرار، لسه راجع من خناقة الحجز والمــ.ـجزرة اللي تحت حالا، وبص لمريم بنظرة تجمّد الدم في العروق وقال بلهجة حازمة:
— تعالي يا بت.. عايزك! يا عسكري.. خدها اِرميها في أوضة التحقيق فوراً عشان نخلص من الليلة الغبرة دي!
………
جوا أوضة التحقيق، الإضاءة كانت خافتة والجو خانق. مريم قعدت على الكرسي وهي بتبلع ريقها، وياسين قعد قدامها، ساند ايده على المكتب، ومال عليها بنظرة فاحصة، وبدأ يلعب لعبة …الضغط النفسي…. على أصولها.
ياسين كان فاكر إن حركة “الحلق الدهب” اللي القـ.ـاتل سابه في نجفة شقة سلمى مجرد حركة استفزازية بيثبت له بيها إنه نفس القاتـ.ـل، وميعرفش طبعاً إن القاتــ.ـل لسه متصل بمراد ومسرب له إن الحلق ده “سر” يخص الضحية ١٧ “نور”.
ياسين قرر يحط مريم تحت اختبار ذكي ، اختبار يلمس اللاوعي عندها؛ لو نجحت فيه هيرتاح ويطمن إنها بريئة، ولو ارتبكت يبقى هي شريكة القــ.ـاتل.
ياسين فتح درج المكتب ببطء شديد، وطلع علبة قطيفة حمراء، وحطها قدام مريم على المكتب، وقال بنبرة هادية بس تخوف:
— برضو مش هتقولي الحقيقة يا مريم؟
مريم هزت راسها بعياط وقهر:
— والله العظيم ما أعرف حاجة يا سعادة البيه! قولت لك كل اللي حصل بالمللي!
ياسين مد إيده وفتح العلبة ببرود.. كان جواها “فردة حلق دهب” (بس مش بتاع نور، ده حلق رخـ.ـيص صيني ياسين جابه من حرز قضية تانية خالص عشان يثبت بيه الفخ!).
ياسين ضيق عينيه وراقب ملامح وشها و عينها بتتحرك فين، وقال بنبرة ثعبانية:
— طيب.. شوفي كدا الحلق ده؟ ده الحلق بتاع سلمى صاحبتك.. ورجالة المعمل الجنائي لقوه مستخبي تحت السجادة في أوضة نومها.. البصمات اللي عليه بتقول و بتأكد انها نفس بصماتك و إنك أنتِ اللي حطيتيه هناك يا مريم.. تحبي بقى تقوليلي كنتِ بتدوري على إيه في أوضتها بعد ما اتقتــ.ـلت؟
ياسين كان بيلعب على فكرة إن المتهم لو باصص للحاجة بلهفة أو ارتبك، يبقى عارف مكان الحرز الأصلي أو خاف من التهمة ، أو هى لو حاولت تدافع عن نفسها بلهفة أو غيرت الموضوع او عملت اى ردة فعل غريبة يبقى ليها علاقة بالموضوع ده !
مريم بربشت بعينيها، وبصت للحلق الصيني بكل غباء وتلقائية، وفجأة ملامح وشها اتقلبت من الرعب لعلامات استفهام، وقالت بعفوية وهي بتمسح دموعها:
— حلق إيه ده اللي بتاع سلمى يا باشا؟! لا بقولك إيه.. أنت شكل عينك من كتر السهر زغللت يا سيادة الرائد! سلمى الله يرحمها ويسامحها كانت لسه بايعة الحلق بتاعها من أسبوعين عشان تدفع قسط الغسالة ! وبعدين سلمى مكانتش بتلبس الحلق البيــ.ـئة ده اصلا ! دي كانت بتعشق الدهب عيار ٢١ و بتحب الحاجات البسيطة …. و رب الكعبة الحلق ده ما بتاعها، ولا دخل شقتها أصلاً!
ياسين في اللحظة دي، سحب ضهره لورا وسند على الكرسي، وابتسامة خفيفة جداً ظهرت على طرف بقه.. مريم عدت الاختبار بنجاح ساحق. رد فعلها التلقائي، ومعرفتها الدقيقة بتفاصيل حياة صاحبتها، ونفيها الذكي وشرحها لنوع الذهب، أكد له إن البنت دي صفحتها بيضا ومتعرفش أي حاجة عن كواليس الجريمة ولا عن الحلق الحقيقي اللي كان متعلق في النجفة!
بس برضو قرر انه يحطها تحت الملاحظة و عينه عليها !
مريم بصت له بنفاد صبر وقالت:
— هاه.. قولت إيه يا بيه؟ بذمتك وشي ده وش واحدة تــ.ـسرق ولا تقتــ.ـل؟ ده أنا غلبانة والله ووقعت في الفخ!
بص لها ياسين بابتسامة خفيفة مصطنعة و عيونه مليانة تخطيط و ذكاء ، وقال:
— تعالي معايا عشان تغوري في داهية من هنا..
خرجوا من أوضة التحقيق، وأول ما خطوا برا، مريم وقفت فجأة وقالت له:
— لحظة كدا يا فندم.. اقف!
وقف ياسين باستغراب وبص لها بضيق وقال:
— خير؟ في إيه تاني؟!
مريم قربت خطوة وبصت في عيونه جامد وبكل تطفل وفضول قالت:
— رموشك…..
بص لها ياسين ورفع حاجبه باستنكار صدمه، فكملت هي بمنتهى البراءة:
— بتحطلهم إيه يا باشا؟ شكلهم حلو أوي!
ياسين نفخ بضيق يهد جبال وقال وعروق جبهته بتظهر:
— الصبر يا رب.. الصبر من عندك!
ولسه هينفخها ويديها جزاء تطفلها ده، مراد جه عليهم بخطواته السريعة وهو بينهج، وأول ما شاف ياسين قال بلهفة مصطنعة:
— ياسين باشا! أنت لسه عايش؟ الحمد لله إني شفتك سليم.. ده أنا قولت الحجز اتفرتك على نفوخك!
وبعدين التفت وبص لمريم ولوى بوزه وقال:
— أهلاً أهلاً يا عقـ.ـربة يا نحـ.ـس ….. ضلمتي المكان والله! على فكرة أهلك هنا برا، وعايز أقتــ.ـلهم وأشرب من دمهـ.ـم من كتر النكد واللطم اللي شفته منهم ده!
بصت مريم بصدمة وخوف وقالت بلهفة:
— ياسين باشا.. أنا عايزة أشوفهم! أرجوك عايزة أشوفهم وأمشي من هنا!
بص لها ياسين بنفاذ صبر وزعق بصوت مكتوم:
— هتطلعي وتروحي معاهم حالا.. اتكتمي بقى خالص مش عايز أسمع صوتك!
بص مراد لياسين بصدمة وذهول وقال:
— إيه ده يا باشا؟! أنت طلعتها براءة ولا إيه؟ بالسرعة دي؟!
قال ياسين بنبرة عرفها مراد و دي معناها انه بيخطط لحاجة :
— البنت بريئة يا مراد، ومعندهاش أي خلفية عن الجــ.ـريمة، ولازم نسلمها لأهلها ونقفل المحضر ده.
بصت مريم لياسين وعينيها لمعت بالفرحة وقالت بتلقائية :
— الله على جمال أمك! يسلم لسانك الطويل ده يا حضرة الظابط.. والله أنت راجل بتفهم!
بص مراد ليها وشهق بصدمة، وحط إيده على جمبه من كتر الذهول، وسحب الموبايل من جيبه بسرعة وحطه على ودنه وعمل نفسه بيتصل وقال بهستيريا :
— ألو؟! أيوة يا مدام نرمين؟ الحقي جوزك بيخــ.ـونك يا ولية! هيهيهي!
بص له ياسين بحدة وعينيه طقت شرار، وبص للعسكري اللي واقف قريب وزعق:
— خد البت دي ارميها لأهلها برا اخلص.. مش عايز أشوف وشها في المديرية تاني!
سحبها العسكري بسرعة وهي لسه عمالة تتلفت وتشكره بصوت عالي:
— شكراً يا باشا.. يسلم رموشك يا سيادة الرائد! ربنا يخليك لأمك!
بعد ما مشيت، بص ياسين لمراد بنظرة مرعبة ورفع إيده ولسه هيــ.ـضربه على الهزار والاتصال الوهمي ده، مراد رجع لورا بسرعة ورفع إيديه بالاستسلام وقال بجدية مفاجئة ورعب حقيقي ظهر في عيونه:
— خلاص يا باشا.. هزرنا وضحكنا.. بس فيه مصيبة يا باشا حلت على نفوخنا!
ياسين لوح بإيده بملل وقال:
— خير يا زفت؟ ما أنا لسه مخلص أكبر مصيبة تحت في الحجز والدنيا كانت هتولع!
مراد بلع ريقه وصوته اتقلب 180 درجة وقال بجمود:
— لا يا باشا.. المصيبة المرة دي تخص القضية.. القــ.ـاتل اتصل!
ياسين تجمد في مكانه، وبص لمراد بصدمة وبرق عينيه وقال بنبرة هزت الممر:
— إيه؟! اتصل؟! من إمتى وفين؟!
رد مراد وعلامات الفزع على وشه:
— وأنت بتفك الخناقة تحت في الحجز.. التليفون الأرضي بتاع المكتب رن، ولما رفعت السماعة لقيت صوته.. ولازم تسمع بالنص اللى قاله يا ياسين، لأن الكلام خطير وفيه خيط جديد!
بص ياسين يمين وشمال في الممر عشان يضمن إن مفيش عساكر أو حد سامعهم، وقال بنبرة منخفضة وحادة:
— تعالى ورايا على المكتب فوراً!
……….
بعد ساعة كاملة من اللف في المواصلات والنكد، رجعت سلوى ومريم وكريم البيت.. مريم كانت هبطانة، وجسمها كله بيترعش من خضة الحجز و صدمة صاحبتها ، ووشها باهت زي الليمونة. أول ما دخلوا الشقة، مريم مسكتتش، فضلت تعيط وتولول لحد ما أمها سلوى اتعصبت وزقتها جوا أوضتها وقالت لها:
__ خشي اتخمدي بقا يا بت.. يومك كان أغبر وضيعتي برستيجنا في القسم الله يهدك!
دخلت مريم أوضتها، ورزعت الباب وراها.. الأوضة كانت مضلمة وضلمتها كئيبة، الهوا فيها كان ساقع بزيادة .
مريم اتنهدت برعب، وراحت قعدت على السرير وهي بتترعش، ومدت إيدها ببطء وولعت أباجورة الكومودينو الصغيرة.. النور الأصفر الخافت نوّر الأوضة سِنة.. وهنا حست إن فيه حاجة مش طبيعية!
فيه ريحة غريبة في الأوضة.. ريحة برفيوم رجالي غالي جداً وثابت، بس ريحته نفاذة ومختلطة بريحة تراب .. ريحة مش بتاعة كريم أخوها المعــ.ـفن خالص!
مريم بلعت ريقها، ودقات قلبها بدأت تتسارع زي الطبول، عينيها بدأت تلف في الأوضة بخوف.. وبصت على السرير….
على المخدة بتاعتها بالظبط.. كان فيه دبدوب صغير من بتوعها اللي مرصوصين على الرف.. بس الدبدوب مكانش محطوط عادي.. ده كان “مدبــ.ـوح” من عند الرقبة بقَــ.ـطر حاد، والقطن الفايبر الأبيض بتاعه خارج لبرا ومتبهدل على الملاية!
مريم صرخت صرخة مكتومة وحطت إيدها على بوقها والدموع جمدت في عينيها من الرعب.. رجليها مكانتش شايلاها.. قربت خطوة واحدة مرعوبة وهي بتبكي بصوت مكتوم، ولمحت حاجة تانية مستخبية وسط القطن الفايبر اللي طالع من رقبة الدبدوب…..
كانت ورقة صغيرة مطوية، وعليها بقع د.م واضحة لونها أحمر قاني كأنها لسه مكتوبة حالا ومجفتش بالكامل! مريم سحبت الورقة بأطراف صوابعها وهي بتتنفض، فتحتها ولقت مكتوب فيها بخط حاد ومرعب:
”طلعتي براءة؟ تمام أوي.. لفي وراكي كدا!”
مريم في الأجزاء من الثانية دي، الهوا اتسحب من صدرها، وجسمها كله تِلف وجمد في مكانه.. الصدمة شلت حركتها.. الرعب النفسي خلاها تحس إن فيه حد واقف ورا ضهرها ومستنيها تلف.. أنفاسها بقت سريعة ومتقطعة، وودنها بدأت تسمع صوت “تزييق” خفيف جاي من وراها….. هي متعرفش هل فعلا فيه صوت و لا ده من الرعب …..من ناحية ضلفة الدولاب المواربة!
مريم مفيش في عقلها غير فكرة واحدة.. “القاتــ.ـل هنا.. القــ.ـاتل مستنيني في الضلمة!”.
ومن كتر الرعب والطاقة اللي اتجمعت في جسمها فجأة، انفجرت في صرخة رعب مكتومة وهستيرية هزت حيطان الأوضة، صرخة رعب طلعت من قلبها..
وعلى صوت صرختها دي.. البارت الرابع اتقفل