الفصل 24 | من 26 فصل

أشباح المخابرات الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية محمد رفعت

المشاهدات
12
كلمة
9,412
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

#آشباح_المخابرات.....(#شياطين_وكرهم_كالجحيم_لا_عودة_منه!)
#الفصل_الرابع_عشر!

(إهداء الفصل للقارئات الغاليات
إيمان الرفاعى، أماني خطاب، Fatma Tota، منة الله، Rimas Ayman، وتبسمت ذات النقاب، Hala Saber، مريم محمد، Amal tarek، اسماء سيد،،ايمان بدران، نهله رجب، Asma sma، فاطمه محمد، أيه ممدوح، كوثر ممدوح، دعاء مختار، رقيه ربيع، شروق ماهر، ساميه عبدالعظيم، نور مصطفي، اشرف سعد
Safy Mohamed ،
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)

لقد بنى أحلامه ووضعها داخل قلبه بحرصٍ، وكل حُلم كانت هي سيدته، حياة سعيدة معها، طفل صغير منها، عشق يتوجها به وتفيض عليه عوضًا بما تعرض له، ولكن عش الأحلام لم يدم طويلًا، وقبل أن يسكنه برفقتها تحطم و انهار كليًا.

اختطف منه هذا اللعين أحلامه، وها هو يقف متباهيًا أمامه بكل خطوة حققها وفاز بها عليه، توهجت الحمرة بين بنيتاه، ومازال يشيعها بنظرة حملت كراهيته وحقده، وبصره ينخفض إلى بطنها الذي يحمل نطفة خيانته في رحمها، أغلق عينيه بوجعٍ واستمد هالته وثباته ثم وضعهما بجملته:
_أباركلك ولا أعزي البشرية في نسل الشيطان اللي خارج ليهم يا هارون؟

وأضاف وهو يسدد لها نظرة استحقار:
_سبحان الله لايقين على بعض جدًا، نفس الوساخـ* والقذارة اللي مخليني حاليًا عايز أجيب اللي في بطني.

أدمعت عينيها ألمًا من حديثه، بينما تحرك "هارون" خطوة صوبه، وقال:
_الله ده إنت لسانك رجع زي المبرد أهو، أمال من ساعة ما خرجت من القصر ومحدش سمعلك حس ليه.

ارتسمت بسمة ثابتة على وجهه، وبثقة وثبات مفاجئ لها قال:
_كنت بتلح وهتموت على رجوعي وأديني رجعت يا هارون، غبائك نساك أنا كنت إيه قبل طلوعي من هنا، فمن اللحظة دي خاف واعملي ألف حساب.

توسعت عينيه من شدة الغضب، بينما يحرز "تيام" خطوة أخرى صوبه وهو يذكره:
_زي ما كنت زمان طوع أمري هترجع زي الكلب تستنى أوامري.

تحرر عن صمته بعدما فشل بكبح أعصابه:
_ده في أحلامك، إنت خسرت مكانتك بخروجك من هنا.

ضحك بصوت مسموع وهتف:
_ده مين اللي خدك على حجره وسايسك بالكلمتين دول!!

ورفع رأسه صوبه وهو يشير له بصوت واثق جعل الاخير يبتلع ريقه بارتباك:
_هنا مفيش أوامر نافذة غير من اتنين، الديزل واللي واقف قدامك!

واسترسل وهو يتحرك صوب الدرج بينما يطرق على كتفه:
_تعبت في غيابي كتير، ارتاح أنا رجعت.

وشملها بنظرة محتقرة ثم تمتم:
_يا ريت متورنيش وشك ولا وش الرخيصة اللي جنبك دي حتى لو بالصدفة.

زوت حاجبيها بدهشةٍ مطعمة بالصدمة من الشخص الغريب الذي قابلته للتو، وكأنه شخص آخر غير "تيام" الذي تعهده.


استكمل طريقه للاعلى، حتى وصل للدرج العلوي حيث كان "كِنان" بانتظاره وابتسامة انتصار تحتل وجهه، وما أن وقف "تيام" صوبه حتى أثنى عليه:
_هو ده دكتورنا المخترع.

منحه بسمة ساخرة، وهمس له:
_لو قتلته عثمان ممكن يتضايق؟

ضحك بصوت مسموع وهز رأسه بخفة:
_أراهنك إنه أول واحد مش بيطيقه ونفسه يقتله.

عاد يراقبه من الأعلى وهو يقترح بخبث:
_طيب ما يعتبرها حلاوة رجوعي ويخليني أخلص عليه.

سند "كِنان" على الدرابزين وتابع "هارون" من الاعلى جواره،مرددًا :
_ما إنت عارف قواعد اللعبة، وبالذات العيلة!

حرك رأسه في سخطٍ، وردد:
_هي فين العيلة دي!!

واستطرد وهو يستدير ليتطلع إليه:
_عثمان مبيعملش حاجة الا ووراها ألف حاجة، ودورنا نخمن ونكشف الالغاز اللي ملهاش حل الا جوه دماغه.

وبابتسامة ساخطة هدر:
_بالرغم من اني كاره رجوعي بس ده ميمنعش إني مفتقده، وكتير كمان.

وتحرك صوب المصعد بينما يردد بغموض مرعب:
_ده مهما كان صديق طفولتي وزميل دراسة بردو!

تابعه "كِنان" حتى تحرك المصعد للأعلى، وعلى الفور تحرك صوب جناح أخيه، ليتمكن من إخماد النيران قبل اشتعالها.

طرق "كِنان" باب الغرفة، حتى فتح "نوح" الباب، وما أن رآه حتى قابله بابتسامة واسعة:
_كيوي! صباحك بيضحك.

كاد أن يمزق شفتيه السفلية من الغيظ، ولكنه تجاهله مرغمًا، وأشار بحدة:
_ادخل ناديلي تالا، عايزها حالًا.

ضيق عينيه بذهولٍ:
_ليه حصل حاجة؟

اخشوشنت نبرته الحازمة، وراح يشدد عليه:
_تيام رجع، ناديهالي بسرعة.

هرول "نوح" للداخل يتفقد أمر زوجته،أبلغها أن ترتدي اسدالها سريعًا وعاد يدخل أخيه، وقفت تالا أمامه بارتباكٍ من هيئته، لم يكن "كِنان" مجرد شخص عادي داخل تلك العائلة، كان محط الانظار بثباته وثقل خطواته.

انتظرت أن يخبرها بما أراد، ولكنه تعمد أن يطول صمته ليجذب اهتمامها، حتى ردد:
_أخوكِ رجع.

اتسعت عينيها بدهشة، ولسانها يردد بلهفة:
_تيام!

غارت الدموع بين مُقلتيها، وقبل أن تخطو خطوة للخارج أوقفها حديث "كِنان" الصارم:
_أي كلمة هتخرج منك بخصوص رحيق هتفتح نار جهنم على القصر كله باللي فيه، وأولهم تيام.

وُخزت بقوة مما قال، بينما يشدد "كِنان" على ما قال:
_تيام راجع ومستحلف لهارون على عملته معاكِ، فلو عرف باللي حصل زمان محدش هيقدر يمنعه عن اللي هيعمله.

وأضاف حتى تتضح الصورة بأكملها لها:
_وده هيخلي الكلب ده يأخد حذره ومش بعيد هو اللي يسبق خطواته ويتخلص من تيام.


ارتعبت مما استمعت له، فأكد لها بسخرية:
_ده أبسط شيء يقدر يعمله هارون، ده حقير ومالوش كلمة ولا عهد.

وختم حديثه وهو يسدد نظرة صارمة صوب أخيه:
_إنتِ اللي بإيدك تهدي اللعب أو تقلبيها جحيم، أي شكوك عندك ناحيتها أو أي حاجة اكتشفتيها عنها ياريت تتجاهليها، أتمنى توزني الأمور بالعقل!
******
وصل المصعد لأخر طابق منعزل، خرج منه "تيام" وهو يستمد أنفاسه الهادرة بارتباكٍ، يود لو أن يتراجع عن مواجهته ولكن اللقاء لابد وأن يحدث.

اتجه إلى باب الجناح الذي فُتح من أمامه فجأة، وكأنه كان واثقًا من صعوده للقائه، تبسم بسخريةٍ ومضى للداخل وهو يجاهد أن يكون هادئًا قدر المُستطاع، فوجده يجلس وهو يطالعه بكل كبرياء، وابتسامة الانتصار تحتل وجهه، تعمق "تيام" في عينيه كأنه يبحث عن شيء ما، وحينما وجد مبتغاه مال يستند على الطاولة من خلفه وهو يزفر بضيقٍ، فتحرر صوت "عثمان" الساخر:
_اللي توقعت تشوفه مش موجود للاسف!

لوى شفتيه بتهكمٍ وقال:
_عندك حق، كنت منتظر أشوف في عيونك إيه وإنت اللي بتحرك الشيطان من مكانك هنا.

وأضاف "تيام" وهو يحاول استمالته لما حدث بينهما بالماضي:
_كنت فاكر إن اللي حصل معاك هيفوقك، بس للأسف مش فارقلك بشيء كأنها كانت صفحه من حياتك وطوتها.

هز "عثمان" رأسه بجمود:
_مطوتهاش أنا حرقتها وبإيدي.

ابتسامة ساخرة تشكلت على شفتيه، وبالرغم من أنه يعلم إستحالة اقتناعه بما سيقول إلا أنه حاول:
_عثمان إحنا اتفرض علينا نكمل في اللي بدأوه أبويا وأبوك زمان، بلاش نوسخ نسلنا في القذارة أكتر من كده يا عثمان.

بنفس ابتسامته الساخرة أجابه ولم يرمش له جفنٌ:
_هو إنت عندك نية تتجوز وتخلف!

وأضاف باستنكارٍ:
_الظاهر إن الدرس اللي أخدته معلمش معاك.

ظهر الحزن على "تيام" بينما يستطرد "عثمان":
_الراجل حياته بتكون مستقرة لحد ما تدخل في حياته واحدة ست، وبالأخص في شغلنا ده.

وتمعن فيه بنظرة خبيثة، ثم حرك مقعده صوبه:
_ويمكن ده كان سبب من ضمن الاسباب اللي خلت عيلتنا لغز صعب على أي جهاز استخباري إنه يشم عننا حاجة، لان ببساطة مكنش في واحدة ست قدرت تسيطر على أعمامنا، كانوا بيستخدموهم فقط وسيلة للانجاب، واستمرار العيلة اللي سيادتك المفروض تكون فرد أساسي فيها.

صرخ بعصببة وقد بُح صوته:
_مش عايز أكون فرد من القذارة دي، أنا عايز أعيش الحياة اللي اخترتها مش اللي اتفرضت عليا.

سند بذقنه على كفيه، ومنحه نظرة احتدت بشكلٍ جعلته يبتلع ريقه بارتباكٍ وخوف، ساد الصمت بينهما ومازال "تيام ينتظر حديثه، حتى تحرر بصرامة:
_الظاهر إنك راجع وناويها شر، كنت فاكر إن المدة اللي أخدتها عقلتك، بس اللي باين عكس كده، نيتك وحقدك باينينلي من نظراتك، وبردو سببهم واحدة ست!


وحرك مقعده وهو يسترسل بحزم مخيف:
_عنادك مع هارون وحربك معاه تنتهي، فوق لشغلك أوعى تكون فاكر إنك لما تعوز تبعد وتمشي زي المرة اللي فاتت هتقدر تعملها، المرادي مش هسيبلك عروسة من عرايسي تلاعبك، المرادي هتواجهني أنا بشكل مباشر.

تعالت أنفاس "تيام" رعبًا، بينما يمنحه "عثمان" ابتسامة ساخطة:
_أنا أولى بيك منهم، على الأقل مهما أعمل فيك هكون رحيم بيك عنهم.

واستدار بالمقعد يوليه ظهره بثبات:
_أنا بتعاملي المباشر معاهم قدمتلكم العهد بالحماية، وفي لحظة ما هسحب ايدي عنكم وأسيبكم مكشوفين قدامهم مصيركم هيكون الهلاك!

قطع فرصته بالحديث، لينهي النقاش:
_لو راجع وفي نيتك حرب هارون خد شنطك وامشي أحسنلك، ولو اخترت البقاء معناه رجوعك لعقلك ولشغلك، القرار ليك.

زم شفتيه بقلة حيلة من تغيره، مازال يملك السيادة والسلطة، ومهما حدث معه لم يؤثر عليه، مازال كما عُهد عنه بل أشد صلابة، وكأن الظروف تجعل معدنه أمتن وأصعب مما بُني عليه.

استدار "تيام" ليغادر من الجناح، فإذا به يخبره:
_في خزنة جناحك هتلاقي نصيبك من كل عملية تمت في غيابك، في النهاية إنت من أهم أسباب الثروة اللي عملناها بالفترة الاخيرة، بتمنى تستعيد ذكائك وترجع تكمل أبحاثك الأخيرة، ده لو عايز ترجع لمكانتك اللي بقت لهارون!

وضع رأسه أرضًا يحارب شعور النفور والضيق المسيطران عليه، وعلى الفور انسحب للمصعد يحارب الاختناق الذي أحاطه.

وما أن خرج للجناح الخاص به، حتى وجد شقيقته بانتظاره، وما أن رأته حتى ركضت إليه ببكاء ينتقل في رعشة صوتها:
_تيـام!

حملها بين ذراعيه بخفة، وقد أحاطت هي رقبته بقوةٍ، أطبق عليها كأن روحه تُرد إليه من جديد، يشم عبير طفلته الصغيرة التي هاجرته ليومٍ كان أشد من ألف عام، بكت "تالا" وهمست بصوتها المبحوح:
_أنا آسفة، والله كان غصب عني، سامحني يا تيام، متزعلش مني عشان خاطري.

أبعدها عنه يتعمق بعينيها وهو يضم وجهها بحب وحنان:
_عرفت كل حاجة يا تالا، ومش زعلان منك إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة.

تنهدت في راحة ودموعها تتدفق من عينيها، وخطت رفقته تجاه الفراش الضخم، جلست جواره تترقب ما سيقول، فاذا به يخرج من صمته حينما قال:
_طبيعة علاقتك بنوح إيه؟

رمشت بارتباكٍ، ورددت:
_مش فاهمه تقصد إيه؟

حك لحيته النامية بارتباكٍ، قبل أن يهتف بعصبية تتخفى حول نبرته المندفعة:
_يعني هارون لعب لعبة قذرة عشان يجوزكم تمام دي فهمناها، هو بقى استغل ده واتعامل معاكِ كزوجة ولا طلع عنده دم وقدر إنك لسه بتدرسي وإن الحوار تم بدون موافقتي وعلى الاقل يكونلك حق إنك تعملي فرح وليلة زي أي بنت!!


احمر وجهها بشدة من شدة حرجها، فاذا بها تنسحب من التطلع إليه، حتى يدها سحبتها منه ومالت للجهة الاخرى، فكز على أسنانه بغيظٍ:
_وضحت الصورة، هتوقع إيه من حقير اتربى جوه حجر الشياطين.

أسرعت تبرئه من الشكوك التي اجتاحت عقل أخيها:
_معمليش حاجة، بالعكس نوح حماني من نفسه قبل ما يحميني من هارون.

وأضافت برجاءٍ وألم وصل لأخيها:
_نوح مش زيهم يا تيام، بلاش تفرقنا عن بعض أنا بحبه.

فتح ذراعيه لها، فمالت صوبه تتمسح فيه كالطفلة الصغيرة، قبل "تيام" أعلى جبينها وقال باستسلامٍ:
_حاضر يا تالا، مش هفرقكم عن بعض.

واستطرد وهو يتطلع للفراغ:
_بعد اللي عمله أثبتلي إنه راجل، وإنه يستحقك، فاعتبريني موافق على الجوازة دي رغم إنها تمت بالفعل.

ورفع ذقنها إليه وهو يخبرها:
_ارجعي أوضتك واتعاملي معاه بحدود، لسه ورانا دراسة الأول قبل ما نعلن جوازكم، لازم يتعملك حفلة كبيرة بعد تخرجك، يتصان فيها كرامتك اللي الكلب هارون حاول يدنسها.

ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، ومالت تقبل وجنته وهي تهتف:
_أحسن أخ في الدنيا دي كلها، بحبك.. بحبك من قلب قلبي.

ضحك بصوته كله وأبعدها بصعوبة وهي تحاول أن تدغدغه:
_بطلي يا بت بدل ما أغير رأيي وأنزل أخليه يطلقك بالاكراه، اعقلي كده وروحي رتبي شنطك في أوضتك، أنا عملت حسابي ولميتلك كل حاجتك.

حركت كتفيها بدلال وهي تهمس له بنعومة مبالغ فيها:
_لا مش محتاجة لبسي وحاجتي في حاجة، نحنيحووو جابلي لبس جديد.

زوى حاجبيه بسخطٍ:
_نأيه ياختي؟؟

ضحكت وهي توضح له:
_حبيبي نوح.

جذبها من قبعة بيجامتها بغيرة:
_حبك برص، بت إتلمي وانتقي ألفاظك لأفضها سيرة ونخلص، إحنا لسه على البر فسهل ألغي كل حاجة.

وأضاف بخبث خطير:
_هو بغبائه فتحلي الباب بعدم جوازكم عملي، فبلاش تخليني أقلب أم التربيزة عليكي وعليه!.

ارتعبت من ملامحه الإجرامية، فأسرعت تنجو برقبتها:
_هلم كل اللبس اللي جابهولي والإسكيت وهنزل أرميه في وشه المهم تكون مرضي يا باشا.

ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه:
_كده تعجبيني يا توتا، يلا اتطرقي ونفذي اللي قولتي عليه، وإياكي تقفلي الباب اللي بين أوضتك و أوضتي.

وبجدية قال وهو يفشي خوفه عليها وعجزه التام:
_متغبيش عن عيني ثانية واحدة يا تالا، أنا آسف حاولت على قد ما أقدر أبعدك عن الجحيم ده بس للاسف مجبور إننا نفضل هنا.

ربتت على يده وبثقةٍ قالت:
_طول ما أنت جنبي ومعايا أنا في أمان يا تيام.

قبلها مجددًا وشملها بضمة قوية، ثم أبعدها يخبرها:
_يلا روحي رتبي حاجتك.


هزت رأسها بخفةٍ، وغادرت على الفور، بينما نهض هو يتأمل الجناح بنظرة كريهة، واختناقه يزداد تدريجيًا، تحرك "تيام" صوب أحد الحوائط مرر يده على جزء منه، فٱلتقطت بصماته وانفتحت من أمامه خزنة سرية، نبتت بسمة ساخرة على وجهه حينما رآها تمتلئ بملايين الدولارات بعدما أكد له "عثمان" حرصه على الاحتفاظ بالمال من كل عملية قام بها.

أغلقها "تيام" بنفور، وعدم مبالاة، كأنها ورق لا قيمة له، ثم ابتعد للخزانة يسحب منها ملابسه، واتجه لحمامه الخاص، يترك المياه الباردة تنهمر من فوقه، عسى أن تخفف وجع قلبه الذي انهمرت دماؤه فور رؤيتها، وما اعتصره معرفته بحملها، وقوفها جواره في حد ذاته جعله يكاد أن يلفظ أنفاسه الاخيرة من شدة الألم.

سند رأسه على الباب الزجاجي لكبينة الشاور، وهمس بتعبٍ:
_وحياة عشقي ليكِ لأندمك على كل لحظة كنت فيها مخلص لحبك، خيانتك ليا تمنها عندي الموت وبإيدي يا رحيق!!
*******
ضمتها بحزن على حالها، والأخيرة تنهار باكية على اللقاء المؤلم بينها وبين من عشقته وتمنت أن يعلم بما مرت به من دونه، ربتت "رزان" على ظهرها، ورددت بارهاقٍ يظهر على ملامحها قبل أن ينغمس بنبرتها:
_كفايا يا رحيق، العياط مش هينفعك بشيء، أكتر من إنه هيتعبك.

ابتعدت "رحيق" عنها تكفكف دموعها، قائلة بانهيار:
_كلامه ونظراته وجعتني أوي يا روز، أنا عارفة إن اللي عملته فيه صعب، الموت عندي أهون من إني أشوف في عينيه الكره والحقد ده كله، أنا مظلومة والله مظلومة.

قالتها ومالت على كتفها مجددًا، فربتت عليها "رزان" وبكت هي الاخرى وهي تهتف بكراهية:
_كل مدى بيزيد كرهي لهارون، شيطان بملامح انسان، مش قادرة أصدق إن الوسـ* ده أخويا.

أتاها صوت "رحيق" الخافت تهتف:
_حبسني طول فترة جوازنا وحررني دلوقتي عشان يكسر تيام أكتر.

ابعدتها "رزان" عنها قائلة:
_متسمحلوش بده، تيام لسه بيحبك يا رحيق، لو كان كرهك كان ارتبط وعاش حياته من بعدك، لسه معاكِ فرصة تصلحي بيها اللي فات، اتكلمي معاه واحكيله اللي الكلب ده عمله معاكِ.

أزاحت دموعها بأطراف أصابعها، وهي تفكر بحديثها، بينما تستطرد "رزان":
_إنتِ خايفة من إيه؟ سكاتك بيحمي الشيطان ده، إنتِ مش مضطرة تقدميله حماية بعد الذل والاهانة اللي عاش يحاوطك بيهم.

ارتعش جسدها رعبًا من مجرد سماعها للفكرة التي طرحتها "رزان" عليها، أجلت أحبالها الهادرة بصعوبة:
_هارون هيقتلني لو عملت كده، وحتى لو عملت كده تيام عمره ما هيقبل يرجعلي يا رزان، وخصوصًا بعد ما بقيت لغيره، إنتِ مشوفتيش نظراته ولا طريقته عاملة إزاي، تيام اتغير وبقى شخص تاني.

ردت بقوة واصرار:
_مش هتخسري أكتر من اللي خسرتيه يا رحيق، جربي ولو مهتمش بالحقيقة يبقى على الأقل صححتيله الصورة القذرة اللي أخدها عنك.


تهاوت دموعها تباعًا حينما تذكرت الماضي، وإذا بها تضم بطنها بوجعٍ:
_حتى لو نجحت في ده فالحقيقة عمرها ما هتتغير، أنا حامل في ابن هارون دي لوحدها قفلت أي طريق ممكن أوصل بيه لتيام.

تمعنت "رزان" ببطنها بنفورٍ، فاحت به بقولها:
_وإنتِ إيه اللي يجبرك تحتفظي بابنه.

توسعت مُقلتيها بتوترٍ، بينما تسترسل "رزان" حديثها:
_اتخلصي منه يا رحيق، هارون هيستخدمه ضدك، صدقيني عمره ما هيكون عنده مشاعر ليه، ده مرحمش أخته ولا حتى مراته هيرحم ابنه!!

مالت بجسدها صوبها تستنكر ما قالت:
_ عايزاني أموت روح بإيدي، هختلف عن هارون بإيه يا رزان لو بقيت قاتلة زيه؟!

وضيقت عينيها بذهولٍ:
_وبعدين ده مكنش كلامك ليا لما عرفتي بخبر حملي!! إيه اللي اتغير؟

تلألأت الدموع بحدقتيها، وببحة منكسرة قالت:
_كِنان كان صادق معايا وقالي إنه مينفعش يكون بينا أطفال، فأكيد هارون نفس الشيء، وجايز يتخلص من اللي في بطنك قبل ولادته يا رحيق، هو دلوقتي بيستغله عشان ينتقم من تيام، الله أعلم بعد كده هيحصل إيه؟ شغلهم الغامض ده يخليكي إنتِ اللي تأخدي حذرك من الحمل قبله.

ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وأفصحت عما يخيفها:
_تفتكري هارون ممكن يقتلني!

ضحكت "رزان" ساخرة من عشمها الزائد:
_أكيد، ده كان هيقتل أخته يا رحيق، هيبقى على حياتك.

وتابعت تحمسها لما تريده:
_عشان كده بقولك اكسبي تيام لصفك، جايز لما يعرف الحقيقة يحميكِ من هارون.

ابتلعت غصتها ودموعها مازالت تنجرف:
_طيب وانتِ مش قادرة تكسبي كِنان ليه؟ مش ده حبيبك اللي كنتِ هتموتي عليه وفي الرايحة والجاية بتقوليله مش هتجوز غيرك، إيه اللي قلبك عليه فجأة كده؟

اتسعت ضحكتها رغم انهمار دموعها:
_حبيبي اللي بتتكلمي عنه بيخيرني ما بين إني أكمل معاه وما بين إني أكون أم في يوم من الأيام، شوفتي وجع أبشع من كده؟!

تألمت "رحيق" لأجلها، وكأن الوجع كُتب عليهما، صمتت توزن كلماتها قبل أن تحررها لها:
_إنتِ لسه من شوية بتقوليلي اتخلص من الحمل وأخد حذري، ف إزاي عايزة تخلفي وإنتِ شاكة في شغلهم!!

واستحوذت على اهتمامها حينما قالت:
_هو أكيد مش عايز يعيش نفس اللي عثمان عاشه لما فقد مراته وابنه يا رزان، وده مش أنانية منه ده حب وخوف عليكِ.

هزت رأسها ترفض حديثها، فأصرت "رحيق" بقولها:
_سبق وحكتيلي إن باباكي وأعمامك محتفظوش بمرتاتهم بعد الخلفة، وإنك متأكدة إن هارون أخوكي من أم تانية، فأكيد القوانين دي مازالت زي ما هي، يوم ما يحبوا يكون عندهم أولاد هيعملوا نفس الشيء، إصرار كِنان إنه يبعدك عن النقطة دي بيدل على حبه الصادق ليكِ فبلاش إنتِ كمان تظلمي نفسك.


تحررت شهقاتها وصوت بكائها يتحرر بعنفوان، وبهمس خافت رددت:
_أنا تعبت يا رحيق، تعبت من حياتي ومن كل شيء حوليا، تعبت ونفسي أرتاح!

ضمتها بقوةٍ تربت على ظهرها، وتدعمها:
_انهيارك مش هيفيدك بشيء، انتِ كمان لازم تأخدي نفس الخطوة، كِنان الوحيد اللي قدر يحميكِ من هارون، وهو الانسان اللي حبتيه، إديله فرصة وخليكِ معاه يا رزان.

بعدت عنها وهي تهز رأسها باستسلامٍ، فربتت "رحيق" على ظهرها ونهضت تغادر لجناحها، وقبل أن تدلف إليه وجدت ذاتها تستدير صوب باب جناحه، وقدميها تخطو إليه دون ارادة منها!!!
****
إرتعش كفها القابض على الباب، تتراجع بارتباكٍ وتعود مجددًا حتى حررت بابه وولجت تغلقه من خلفها سريعًا قبل أن يراها أحد من الخدم، لقد أخصهم "هارون" بمراقبتها في غيابه.

استدارت "رحيق" تبحث عنه بتوترٍ، وخوف من ردة فعله حينما يراها، أطبقت على أصابعها بقوةٍ وشجعت ذاتها أن ما تفعله هو الصواب، والذي كان ينبغي فعله من البداية.

بحثت عنه بجناحه الكبير والذي تحفظ كل جزءٍ فيه عن ظهر قلب، لم تجده بأي مكان، الصالون، الشرفة، خزانته، سريره، يأست أن تراه، فاستدارت لتغادر فاذا بها تشهق فزعًا وتتراجع للخلف وهي تضم موضع قلبها برعبٍ حينما رأته يقف قبالتها ببنطاله وقميصه الذي مازال بيده، وعلى ما يبدو أنه خرج للتو من حمام جناحه، برؤيتها لتلك المياه التي تنهمر من خصلاته البنية.

شملها بنظرة كالسوط الذي تهاوى ليجلد جسدها بوجعٍ جعلها ترتعب أمامه أضعاف رعبها أمام "هارون" بحد ذاته، بينما بقى قبالتها يراقب عينيها وهو يحارب في معركة النفور والحب، الكراهية والحنين، الشوق لها وجرح خيانتها، حتى تمكن أخيرًا من استحضار صوته الهارب منه:
_هو مش أنا قولت تحت من شوية مش عايز ألمح وشك قدامي ولو بالصدفة، طالعالي برجليكِ لعندي!!!

وأضاف بنظرة شملتها من رأسها لاخمص قدميها:
_إيه الكلب عايز يحببني في عيشة القصر فباعتك تسليني في أول ليلة ليا هنا ولا إيه؟

جحظت عينيها صدمة مما قال، ومع ذلك استحضرت قوتها ونطقت:
_لا آآ... أنا جيت من وراه عشان أشوفك، إنت لازم تعرف الـ....

رفع حاجبيه وهو يدعي الدهشة والغرابة:
_من وراه!! أووه هحاول أصدقك.

وتابع وهو يمضي صوبها بنظرات حملت لهيب الانتقام:
_وجاهز أجاريكِ على أي وضع، هصدق إن شوقك للذي مضى هو اللي حدفك عليا، وأنا مش هكسفك.

صعقت مما قال، وأكثر ما أرعبها هو خطواته التي مازالت تتقدم نحوها حتى أسقطتها على الفراش من خلفها، فرفعت عينيها الدامعتين له وهي تهمس بمرارة:
_تيام اسمعني !!

تراجعت للخلف بصدمة حينما وجدته يرنو صوبها، وهو يجيبها بنفورٍ:
_وماله هسمعك بس بعدين.


مالت على الفراش لتفر هاربة من الجهة الآخرى، فجذبها بقوة على الحائط ومال صوبها:
_إيه مالك، رجعتي في كلامك ولا إيه؟

أحاطت بطنها برعبٍ من هيئته، عيناه التي لطالما عشقتها تلاشى عنها دفئهما وحنانه، ولم يبقى سوى الكراهية ولهيب الانتقام، ابتلعت ريقها بهلعٍ ودفعته بكل قوتها التي لم تؤثر في جسده القوي:
_إبعد عني انت اتجننت.

ضحك بصوتٍ مرتفع، وقال بسخرية:
_بالعكس أنا حاليًا عاقل كفايا وده ساعدني كتير أفهمك.

وتابع وهو يتطلع لها بنظراتٍ جعلتها تشعر كأنها من الفتيات الخليعة:
_زمان كنت غبي ومكنتش عارف أقدرك صح، دلوقتي أنا عقلت وفهمت الليلة كلها، وزي مانتِ شايفة مسحت اللي فات وهبتدي معاكِ النهاردة بالشكل اللي يليق بيكِ.

وأحط من قدرها بقوله الذي قسم قلبها:
_لو أعرف إن رجوعي القصر هيسهل لقائنا بالسرعة دي كنت رجعت من زمان، عشان كل ما تشتقيلي تطلعيلي، مش بذمتك مفيش أحلى من كده!

تهاوت دموعها تباعًا، حتى كادت بصفعه لولا أن قيد ذراعها بقوة، وهو يهزها بعنف:
_ما بلاش نبدأها بكده، ده إنت حتى حامل بابن ابليس.

ومال يهمس لها بكراهية:
_أقسم بالله ما حد هيقبض روحه وروحك غيري يا رحيق!

احتقن وجهها من شدة الدموع، وذراعه القوي مازال يشدد على ذراعها الهزيل، فهمست له:
_أنا مظلومة والله العظيم مظلومة.

اتسعت ضحكته، وقال بهدوء مخيف:
_حاضر صدقتك، قولتلك هجاريكِ على أي وضع المهم تكوني مبسوطة ومرتاحة معايا.

مال رأسها من شدة البكاء والوجع الذي تشعر به لم يعد مُحتملا، ليته قتلها أهون من كلماته، وبضعفٍ توسلت له:
_ أوعدك إني مش هطلع هنا تاني، أبوس إيدك سيبني أمشي.

لوى شفتيه بنزقٍ، وتمتم وهو يتطلع لبطنها بنظرة ذات مغزى:
_أممم، ليه بس مش قولتلك متقلقيش!

دفعته، وهي تصرخ بعصبية بالغة:
_إنت إيه اللي جرالك من إمته وإنت بالحقارة دي، أنا عارفة إن اللي عملته كان صعب بس صدقني أنا مظلومة، اسمعني أرجوك.

زفر بضجر:
_أوف مش هنخلص من أم الأسطوانة دي، انجزي قبل ما أفوق ولو فوقت هقرف منك والموضوع مش هيبقى لطيف في التعامل.

جاهدت لدفعه للخلف، فإذا بيدها تُوضع محل قلبه الذي يدق بعنف أسفل كفها، يطمئنها بأنه مازال يخفق بحبها، رغم ما يحاول أن يدعيه، اطمأنت من بين رهبتها، وقالت وهي تتطلع له بنظرة عميقة:
_عمرك ما هتأذيني أنا واثقة إنك لسه بتحبني، وكل اللي بتحاول تعمله ده عشان تنتقم من اللي أنا عملته فيك.

عادت ضحكاته الصاخبة تحتله، حتى قبض على ذراعها يبعده عنه:
_ده في أحلامك المستحيلة، أخرك في المكان اللي إنتِ فيه ده، قولتلك انتِ لعبة مش أكتر من كده.


وابتعد، وهو يتجه للخزانة بينما يهتف:
_تصدقي ليكِ حق تعملي كل المهرجان ده، مهو إنتِ زمان قولتيلي انك مبتعمليش حاجة ببلاش.

استغلت ابتعاده وركضت صوب الباب تستعد للرحيل، فاذا به يحرر الخزانة، ويجذب المال بكثرة، يلقيه عليها:
_دول كفايا؟؟

برقت بعينيها بصدمة، ودموعها تنسكب كالسيول التي لا كاسر لها، سوى أصوات البرق والرعد التي خسفت بها حتى حطمت الرماد المتبقي منها.

زم "تيام" شفتيه، وهو يحك لحيته بتفكير:
_قليل مش كده؟

عاد يجذب المال ويلقيه عليها تباعًا حتى أصبح جميعه أسفل قدميها وهي تضم وجهها من شدة البكاء، حتى تحرر ما يخفيه داخله وهو يصرخ بجنون:
_أنا سيبت كل ده وخرجت من هنا بطولي عشانك!! رفضت أكمل في سكتي عشانك وعشان لو في يوم بقى عندنا أطفال ميخجلوش مني ومن شغلي، حاربت الطوفان لوحدي ومهمنيش أغرق وأنا بحارب عشانك وعشان حبي ليكِ وبالنهاية عملتي إيه؟؟؟ بعتيني عشان الفلوس!! بعتيني وفضلتي الكلب ده عليا!!

هزت رأسها تنفي ما يقول، وهي تهمس بصوتها المبحوح:
_أنا مظلومة والله مظلومة.

رأى ذاته وهو يترجاها ألا تتركه، يبلغها أنه يعلم دناءة "هارون"، فلتقص له إن كان يبتزها بشيء، إقترب منها وهي تتراجع بخوفٍ من حدة نظراته، بينما يتكلم:
_سبق وقولتلك لو بيبتزك بحاجة قوليلي وإنتِ رفضتي جاية بعد كل ده وعايزة تقنعيني إنك ضحية!! ما قولتلك أنا مبقتش الغبي بتاع زمان.

وأضاف وهو يقف قبالتها:
_كدبك عمره ما هينجح معايا، ولا حتى إنتِ.

واستطرد بضحكة ساخرة:
_كنتِ فاكرة إني ممكن أنزل للمستوى الحقير ده، أنا قابل بالموت أهون عليا من إني أقرب من إنسانة قذرة زيك.

وفتح باب غرفته بينما يلقيها بالخارج بقسوة:
_غوري من وشي، وأوعي ألمحك في الطابق ده تاني، هقتلك بإيديا ومش هيهمني حد.

أغلق الباب خلفها بقوةٍ، بينما ينهار من خلفه وتنزاح كل قوته هباءًا، كأنه يحمل داخله شخصين متنافرين، طرق الباب برأسه عدة مرات من شدة الغضب والحقد اللذان ينهشان بقلبه البائس، حتى تهاوت الدموع لتريح قلبه المتعب.

ركضت" رحيق" صوب المصعد وهي تكبت بيدها شهقاتها بصعوبة، حتى ولجت لجناحها فادعت ثباتها حتى تمددت على الفراش تجذب غطاءها وتنهار من أسفله، كأن البكاء محرم عليها، لأنها تعلم بأن الجناح محاصر بالكاميرات التي زرعها هذا الحقير.
*****
قبض على سلاحه بقوةٍ، وسدد رصاصه الزائف على اللوح الإلكترونية التي تخرج له من العدم، تقدم من مستوى للآخر ببراعةٍ، حتى وصل إلى المستوى الأخير، وبينما يبدي اهتمامه بالتدريب أتاه صوتها تناديه:
_زيــن!

اصطكت أسنانه ببعضها البعض، وتجاهلها، فعادت تكرر نداءها وحينما رفض الإنصياع لها، أوقفت اللوح من الجهاز الخارجي لغرفة التدريب.


نزع "زين" خوذته وقفازاته السوداء، ثم خرج لها بأعين تطل فيها الشر:
_إنت شكلك كده ناوي على موتك يا مروان يا اشطا، وأنا طالع من الفرن سخن وجاهز أنهي الليلة!

ضحكت "مرين" رغمًا عنها، وأشارت له بحماس:
_والله اشتقت لتدريباتنا مع بعض، بس مش وقته ورايا مشوار مهم جدًا عند الزفت هارون، فملحوقة في وقت تاني يا شريك.

أحاطها بنظرة شملتها بتقييم، وجدها ترتدي فستانًا أحمر اللون، يضيق من الاعلى ويهبط باتساعٍ، يجعلها رقيقة وجذابة كعادتها، زم شفتيه ساخطًا:
_لا متخرجيش كده شوفيلك حاجه محترمة عن دي.

شملت نفسها بنظرة متفحصة وقالت:
_ده بكم و واسع موت!

وأضافت وهي تجذب ما وضعته بالخارج:
_وبعدين أنا جاية افاجئك باللاب بتاعك، صلحته.

حمله عنها وفتحه بلهفةٍ، فابتهجت معالمه:
_عملتيها إزاي دي؟

ردت وهي تلكزه بقوة:
_عيب عليك يا شريك، أنا أعجبك أوي في الحتة دي، بالك لو كنت صبرت عليا كنت هتفهم إنه له حل بس للاسف لما بتتحول أعوذ بالله!

اتسعت ابتسامة سعيدة على وجهه، وصاح:
_لا عجبتيني يا بت.

تلاشت بسمتها ورددت:
_بت!! تصدق هثبتك حالًا وبسلاحي!

جحظت عيناه بصدمة:
_سلاحك!! هو فين لامؤاخذة!

ضحكت وهي تجيبه:
_الفستان كله مليان أسلحة أشكال وألوان يا زيزو، وأخيرهم سلاح الفنش الاخير بتاع الاسطورة، أنا مأمنة نفسي جدًا على أعلى مستوى.

وأضافت وهي تتلصص على الحاسوب بين يديه:
_ها اتطمنت إن حاجتك كلها تمام؟ مع انها مضايقاني بس نزلتهالك تاني.

لف يده حول كتفيها وقال بمكر:
_يا باشا إنت لو وزنت الامور هتلاقينا أقرب لبعض من علاقتك باختك، فالمفروض تميلي للكفة بتاعتي، يا ميري ده إحنا ملناش غير بعض، أكل وشرب وحرب ومعارك مع بعض، يبقى المفروض تبقي على مين بقى؟؟

وأضاف حتى يضيق عليها:
_حتى أمي شاركتيني فيها!!، طيب تصدقي بالله أنا كل ما بزعل إن إبليس توابيت سابني وحيد من غير أخ أقسم معاه حلبة المصارعة اللي اتولدت فيها دي بتراجع عن الحلم السخيف ده، مهو إنتِ موجودة أخويا وأختي وصاحبي وصاحبتي شوفتي جمال أكتر من كده!!

وعاد يثبتها بينما تضيق زُرقتها الماكرة صوبه:
_بالك إنتِ أنا ممتن لأمي إنها خليتك أختي ورحمتني من العذاب اللي كنت هدخل فيه، وأنا بختار ما بينك وما بين مارال فسلكت هي طريقي ونورتني ربنا يسلك طريقها!

تحررت ضحكاتها ورفعت يديها بنعومة:
_خلاص اعترفت إنك قادر تثبت دولة بحالها يا منافق!

غمز بزيتونته وفتح ذراعيه:
_نهاية العداء، خش في حضن أخوك يا مروان.

ربعت يديها بغضب أمام صدرها:
_وشعري اللي اتبهدل!!


عبث بسخطٍ، وهتف:
_مكنتش أعرف ان شعرك غالي عندك كده يا ميري، أغلى من أخوكِ نفسه، إخص عليكِ.

وأضاف وهو يعود لحمل الحاسوب:
_أساسًا أنا مش منتظر شيء من العلاقة المتهورة دي، الجوكر والاسطورة لحد اللحظة دي متفقوش فاحنا هنتفق إزاي!! العرق بيمد يا مروان ومد ايده علينا من زمان واللي كان كان.

ضحكت بصوت رقيق، واتبعته على الدرج توقفه:
_خلاص تعالى هديك حضن.

استدار لها وقال يمازحها:
_خش في حضن أخوك يا فواز!!

ابتسمت "مرين" ومالت تحتضنه وهي تخبره بصدقٍ:
_أنا متعمدتش أبوظ اللاب ولا أضايقك على فكرة، متزعلش مني.

ربت على ظهرها بحنان إفتقدته من أبيها وعمها:
_عارف بس إنتِ عارفة أختك بالنسبالي نقطة ضعف، هعمل إيه بحبها.

لكزته ومازالت تضمه:
_لم نفسك الله، مش مراتك لسه!

ضحك مجددًا واذا بضحكته تتلاشى تدريجيًا ويحل محلها الصدمة والارتباك، وفجأة دفعها بعيدًا عنه حتى تهاوت للخلف، فأمسك بها من يقف خلفها ونيران الغضب تشتعل من عينيه، بينما يتراجع "زين" وهو يرسم بسمة بلهاء:
_عيب يا جارحي، دي أختي يا جدع.

صرخت "مرين" وهي تحاول استيعاب ما يحدث، دعمها "ياسين" حتى وقفت جواره قبل أن تسقط أرضًا، بينما يستكمل "زين" برعب:
_افتح كتب التاريخ هتثبتلك إنها اختي، وبعدين ده إنت شيخ الجهاز والفريق كله وعندك معلومات كتيرة في الدين، افتح كده واتاكد هتعرف إنها اختي قولًا وفعلًا!

ارتعب من صمته وثباته المرعب بينما تتحرك نواجذه في فكيه كأنه يطحن ضروسه، فردد "زين":
_خلاص هحترم مشاعرك دي ومش هكلمها تاني، وبعدين إنتوا لسه على البر وقلبت على قرد أمال لما تأخد خطوة هتقلب على إيه غوريلا!

احتبست" مرين" ضحكاتها بصعوبة، وتنحنحت:
_أنا مش فاضية للهبل ده ورايا معاد مهم، سلام.

أوقفها "ياسين" حينما صاح بغضب:
_سيادتك رايحة فين باللبس ده؟!

تطلعت لفستانها ببراءة مصطنعة ورددت:
_ماله فستاني يا قائد!

عاد يطحن نواجذه مجددًا، فصاح "زين" من الأعلى:
_متعصبهوش يا مروان، ده لو اتعصب وهو بحالته دي هيفجر المكان باللي فيه.

واسترسل بحدة غاضبة:
_مش كان عاجبك إبليس توابيت وبتتمني يجيلك عريس شبهه، جالك الأبشع منه يا بنت المحظوظة!!

رفرفت بأهدابها وهي تدعي الحزن، بينما تتطلع صوب "زين" وتخبره:
_مبعرفش أداري أسلحتي غير بفستاني، أ أمن نفسي إزاي وانا رايحة أوقع الحقير ده؟

قرأ "زين" بمهارة ما تود شقيقته فعله، فحذرها وهو يتمتم بسخطٍ:
_لمي الدور واطلعي البسي بدلة من بدلك السودة، انجزي بدل ما فستانك ينفجر بيكِ تحت، ومش هلحق ألم أشلائك المتبعترة!


زفرت بغضب وصعدت تتمتم:
_أوف بقى، أنا مش عارفة احنا طالعين نلعب ولا نشتغل!

تابعها "زين" وهو يصيح بخشونة مصطنعة:
_بنت كلامي يتسمع بدون نقاش، صوتك مسمعوش لازم يكون في احترام لاخوكِ الصغير، هما 6 شهور هزور في الشهادات عشان أم الغرور اللي ورثتيه من إبليس توابيت ده.

فزع محله حينما وجد "ياسين" يقف جواره، فابتلع ريقه بارتباك ورسم بسمة مصطنعة:
_إيه ده جارحي إنت طلعت إمته؟!!

وأضاف وهو يحاوط كتفه الضخم:
_شوفتني وأنا بشخط فيها وبرعبها.

انخفضت عسليته على ذراعه فسحبه سريعًا وقال:
_طيب يا حبيبي هسيبك تهدى مع نفسك كده وتدورها كده في الكتب، يمكن تقطع الشك باليقين وتتأكد من العلاقة المشكوك فيها دي، يلا سلام أنا.

قالها وهرول للاسفل، ثم خرج من المنزل بأكمله، ليتجه لاستكمال عمله الخطير، في جمع معلومات دقيقة حول "كِنان" قبل أن يقبل العمل معه وينغمس داخل خط الدائرة الخطير.
*****
عاد من غرفة أخيه فوجد فراشه مُحاط بالفساتين والملابس والاحذية والاسكيت، كل الاغراض التي سبق أن اشتراها لها تركتها ولم يعد لها أثرًا، حمل "نوح" الملابس وصعد لغرفتها، يطرقها وهو يصيح بصدمة:
_تالا افتحي، بلاش جنان!! بترجعيلي اللبس في أول يوم رجوع لأخوكِ أمال بعد كده هتعملي فيا إيه!!

أتاه صوتها الضاحك من خلف الباب:
_أنا أبيع الدنيا كلها عشان تيمو.

واستطردت وهي تهمس بمزح:
_روح نام يا دكتور بدل ما يسمعنا ويطلع يمسك في خناقك، وإنت بصراحة بتصعب عليا.

ركل الباب بساقه بعصبية:
_يمسك في مين أنا بقيت جوزك يا هبلة، افتحي أم الباب ده بدل ما أطربقه فوق دماغك ودماغه.

كممت فمها من شدة الضحك، وبصعوبة فاهت:
_أوف منك يا نوح عايز تدخل ليه؟ مش بلغتك على الموبايل إننا في مقام المخطوبين بأمر من آبيه تيام.

أتاها رده اللاذع والغضب يجعله شرسًا للغاية:
_وقسيمة الجواز اللي معايا دي أعملها قرطاس أحطيلك فيها وردتين وأجي أتقدملك من أول وجديد!! افتحي بدل ما أندمك على اليوم اللي شوفتي خلقتي فيه، خدي بالك أنا بحذرك للمرة الأخيرة!!

شهقت وهي تهتف بخبث:
_إيه ده تيام!!

سقطت الملابس من يده وسقط من خلفها على ساق واحدة وهو يتمتم برعبٍ:
_فيــــن!!

تعالت ضحكاتها مجددًا، ورددت بشماتة:
_شوفت بقى إنك جبان، لم الليلة وروح نام يا نوح.

قال باصرار:
_مش قبل ما أملي عيني من خلقة أمك!

ثم طرق مجددًا بغضب:
_افتحي يا تالا واتقي شري أحسنلك، بدل ما أكسر الباب ويقع فوق دماغك.


رددت بتحد:
_إكسره يا حبيبي، هو أنا يعني أقل من جولييت ولا ليلى، الاتنين اتقتل في حبهم معشوقهم، إكسر وحطم الابواب كلها عشاني يا دكتور.

زم شفتيه وعاد يهمس باستنكار:
_التانية كانت أبواب خشب بتتكسر عادي، مش مصفحة زي اللي على أيامنا!!

وتابع يسترد عاطفتها:
_ميبقاش قلبك اسود عليا كده، إفتحي حتى خدي اللبس، سيبهولي أعمل بيه إيه ألبسه لكيوي ولا أمسح بيه الاوضة أنا!!

وعاد يخبرها بحزن:
_هيجيلك قلب تنامي من غير ما أقولك تصبحي على خير يعني!!

ضحكت وهتفت باستغراب:
_ما تقول وإنت من مكانك هيحصل إيه يعني؟!

ردد بجدية مضحكة:
_متتحسش يا بنتي، لازم العيون تتصل ببعض وتهدر الرصيد لآخر دقيقة، والقلوب كمان ليها دور قوي مش إنتِ دكتورة قلب وبتفهمي!

وضحك بخبث لها:
_افتحي عالجي قلبي طيب.

كبتت ضحكاتها وبحزمٍ قالت:
_نوح مش هفتح يعني مش هفتح، روح نام وبكره في الجامعه نبقى نشوف حكايتك إيه؟

زم شفتيه بغضب وهتف:
_والهدوم؟

اتاه ردها:
_سيبها وانا الصبح هطلع أخدها، إنت للاسف مالكش أمان.

ركل الباب بعنفوان وعصبية:
_ماشي يا تالا.

تأوه بألمٍ وهو يعود لغرفته هاتفًا بنزق:
_منك لله يا كنان، فضلت تقولي عصافير الكناريا لحد ما سابت العش وطفشت من قبل ما حتى نكمل نبنيه!!!

*******
طرقت على الباب مرة، والثانية والثالثة، وحينما لم تستمع إلى صوته حررت الباب وولجت تبحث عنه بآعين بائسة، وحينما لم تجده خرجت للشرفة تنتظر عودته وهي تستند على سور الشرفة وهي تتذكر كم مرة أتت لرؤيته وحينما لم تجده بالغرفة كانت تراه بالشرفة فابتسمت بسخرية، ووقفت تترقب ظهوره وما هي إلا دقيقتين واستمعت لخطواته تخطو من خلفها.

لم تلتف لرؤيته، بل بقيت محلها تراقب القمر والنجوم بسكينة غريبة، رنا صوبها "كِنان" حتى وقف جوارها، يكسر صمتها في محاولةٍ لمعرفة سبب وجودها:
_إنتِ هنا من إمته؟

لم تجيبه وبقيت تتطلع للسماء بصمت أجبره على التطلع للاعلى، محل ما تتأمل، وتحرر صوتها الخافت:
_أنا اكتشفت إني عيشت حياتي كلها والخوف والضلمة جزء كبير منها، خوف من كل حاجة، خوف من إني أمارس أبسط حقوقي، خوف من صوت المطرة، خوف من الوحدة، ومن الليل، اللي دايمًا بيظهرلي فيه هارون.

وأضافت وهي تتطلع له بابتسامة منكسرة:
_خوف حتى منك!!

خيم الوجع بين مُقلتيه وهو يتابعها، بينما تستطرد هي بابتسامة واسعة وهي تستدير وتميل للسور تاركة الهواء يحرك خصلاتها البرتقالية على عينيها الفاتنة؛ فيجعلها تنافس القمر بتحد وجلاء، بينما تنهمر من فمها كلمات تجعل الحزن يتغلب عليها:
_بقيت خايفة من أبسط الحاجات اللي ممكن تكون مصرحة لأي انسان عادي.


وأضافت وهي تستدير صوبه:
_بس النهاردة قررت أبطل أخاف وأعيش اللي فاضل من حياتي على مزاجي أنا.

زوى حاجبيه بدهشة من تخمين ما أصابها، بينما تهتف بقوة أنثى استعادت هيبتها فجأة:
_إنت بتقول إنك بتحبني وجاهز تحميني للابد، أوكي إحميني وخليني أعيش حياتي، وأنا بالمقابل هحرص إنك متكنش أب طول ما أنا معاك، ديل؟؟

شعر بعنائها لنطق ما قالته، وخاصة بآخر جزء تفوهت به، مزق جلباب الصمت بكلماته الحازمة:
_مفيش اتفاقات بينا يا رزان، اللي بينا حب مش صفقة هي!!

بابتسامة وعدم اهتمام قالت:
_حب، صفقة l don't care (أنا لا أبالي!)

قطع المسافة بينهما يحيط وجهها بيديه بخوفٍ:
_رزان مالك؟؟ فيكِ إيه؟

ضحكت رغم دموعها المنهمرة من عينيها:
_أنا كويسة جدًا، أنا بس عرفت أوزن أموري صح، مش إنت قولتيلي فكري كويس! وأنا فكرت واختارتك.

وخز قلبه بقوةٍ، وخاصة حينما تابعت قولها:
_واحترمت انك خيرتني، على الأقل محطتليش الحبوب من ورا ضهري، كنت قادر تكون خاين بكافة السُبل بس إنت كنت صادق وصريح.

ورفعت كفها له قائلة:
_فين الدوا؟؟

برزت الدموع بعينيه، لقد غلبته بقوتها مثلما كانت تفعل بالماضي، مال على السور يسحب نفسًا عميقًا ثم عاد يتطلع لها:
_أنا بعمل كده عشان أحميكِ، إنتِ متعرفيش حاجة.

استندت على السور ورددت:
_لا عارفة، وبصراحة معاك حق، أخاف أخلف ولد وبعدها تتخلى عني وتخلف من واحدة تانية، وبالنهاية علاقتهم هتبقى شبهي أنا وهارون.

صعق مما قالته، وخاصة حينما استطردت ودموعها تنهمر بالرغم من ابتسامتها وقوة حديثها الثابت:
_تفتكر حبك لنوح، وحب تيام لتالا ده راجع لانكم من نفس الأم؟ يعني مثلًا لو كانت مامتنا أنا وهارون واحدة هل كان ممكن كراهيته دي تتحول لحب؟؟

تساقطت دموعه وقد لمس فيها حجم الجراح التي تسبب فيها ذلك الشيطان، لم يحتمل البقاء بثباته الذي إنهار بضمه لها والبكاء رفقتها، بينما يؤكد لها برعشة صوته الرخيم:
_حبي ليكِ قادر يعوضك عن افتقادك لحب شيطان زي هارون، أنا أخوكِ وجوزك وصاحبك ومامتك وكل حاجه في حياتك يا رزان، نفسي تحسي بعشقي ليكِ وتقدري إني مجبور أحميكِ حتى من نفسي.

وأضاف وهو يقبل كتفها:
_أنا بتنفس عشان إنتِ ونوح موجودين جنبي، لو في يوم بعدتوا عني مش متخيل ممكن يجرالي إيه؟

تمسكت بقميصه بكل قوتها، ورددت بصوتها المرتعش:
_أنا عايزة أعيش يا كِنان، عايزة أعوض كل اللي اتحرمت منه.

وأبعدته للخلف وهي تزيح دموعها هاتفة بضيق:
_مش عايزة أعيط لا، عايزة أحس إني طايرة فوق في وسط السحاب.


إزاح دموعه هو الآخر، وعبس بخبث:
_فين؟

أشارت للسماء ببسمة واسعة، ونزعت حذاءها بينما تفرد له ذراعيها، فابتسم وهو يتساءل بمكر:
_مش خايفة؟

هزت رأسها بالنفي، فزوى حاجبيه بشكٍ:
_إنتِ مش طبيعية؟ قوليلي يا بيبي قابلتي هارون النهاردة؟؟ احكيلي بالتفصيل أكلك وشربك طول اليوم!

تعجبت مما يقول ومع ذلك قالت:
_الحمد لله مشفتش خلقته، ومأكلتش حاجة من الصبح أنا واقعة من الجوع أساسًا.

أمسك يدها المفرودة وجذبها للداخل:
_حلو، تعالي أجبلك أكل.

سحبت ذراعها منه وصاحت باصرار:
_مش قبل ما تنفذ اللي طلبته وإلا...

ربع يديه أمام صدره العضلي:
_وإلا إيه؟!

منحته نظرة غاضبة، وقالت:
_هسحب الديل اللي اتفقنا عليه.

ضحك بصوته الرجولي وتفوه مستنكرًا قولها:
_بتهدديني يا روزي؟

هزت رأسها بكل تأكيد، فنزع قميصه واقترب منها يلتقط ذراعيها المفرودة، وإذا به يرتفع عن الشرفة بجناحيه الأبيض العملاق .

ابتلعت ريقها بارتباكٍ وهي تتأمل الجناحين بتيهة وحيرة، وخوف، علقت عينيها بعينيه تلتمس فيهما ما افتقدته، فأيقظ مشاعرها وسكينتها التي تشعر بها بقربه، حتى تأقلمت على وضعهما واستدار وجهها يراقب السماء والأرض بدقةٍ وانبهار.

مالت على صدره ويديها تحيط رقبته، حتى هبط بها مجددًا لجناحه، يشاركها عالمه الذي ظن أنه بعيد المنال عن أي امرأة غيرها، ولم يجرأ أن يحلم أن تشاركه به، حتى اتصل عالمها بعالمه وبات واحدًا قولًا وفعلًا.
******
شرد بالعُلبة التي يحملها بغضبٍ، لم تظهر منذ أن اختفت وكأنها تحقق ما قالته، يحمل بين يده عُلبة بداخلها خاتم ألماسي قد يحقق ثروة كاملة، يجلس كل يومٍ يتأمله على أمل أن تظهر، أغلق العلبة بعصبية، لأول مرة تشغله امرأة مثل ما فعلته تلك الفتاة، ويكون عاجزًا عن كشف عنوانها.

سحب كأسه يرتشفه بغضبٍ، وخاصة حينما انفتح بابه وولجت إليه تلك الخليعة "صوفي"، تتدلل بخطواتها وهي تحاول الجلوس أمامه:
_بتتهرب مني ومش عايز تشوفني قولت أطلعلك بنفسي.

وأضافت وهي تسند كفها على بذلته:
_حتى أوامرك بقت بتبعتهالي عن طريق راجل من رجالتك، وبالرغم من زعلي إلا إني قايمة بواجبي على أكمل وجه، وكلها يوم ولا اتنين وهجبلك قرار الواد ده.

واستطردت بتفاخر:
_هو وقع خلاص بشباكي فاضله تاكة وهجيبه راكع.

أبعد كفها عنه وبعد مقعده للخلف:
_غوري من وشي يا صوفي، أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي، لو عايزة تباتي عند الدكتور إياه خليكِ مكانك.

ازدردت ريقها الجاف بصعوبة، وهرولت تحمل حقيبتها وتغادر راكضة كأنها رأت شبحًا مرعبًا، وبينما تمر من الباب ارتطمت بتلك الفتاة الجذابة والتي ما أن رأتها حتى احتل الغضب زُرقتها، وخاصة بعدما استمعت لحديثهما وعلمت أنها التي تحاول إيقاع ياسين في شباكها.
تلألأ الخبث بين زرقتها فأسقطت حقيبتها ورطمت ذاتها على الحائط وهي تدعي الألم وتصرخ:
_آه ايدي.

سددت لها" صوفي" نظرة نارية، وخاصة حينما رأت "هارون" ينتفض عن مكتبه ويهرول إليها بفرحة جعلت الغيرة تتقاذف من عينيها.

ادعت "مرين" حزنها وقالت بوجع:
_المتوحشة دي زقتني!!!

هاجمتها "صوفي" بغضب:
_انتِ اللي رميتي نفسك على الحيطة، بلاش محن احنا ستات ونفهم بعض كويس.

منحها "هارون" نظرة غاضبة، فترك "مرين" ورنا صوبها وهو يهتف بإنذار مرعب:
_مش قولتلك غوري من هنا، إنتِ شكلك عايزة تطلعي على قبرك!

رددت بحقد وغيرة:
_قول بقى إنك بتعمل كل ده عشان ظهرلك عشيقة تانية، وشكلها كده مش سهلة وحرباية.

رفع يده حتى يبرحها ضربًا، فتفاجأ بذراعٍ قوي يوقفه، استدار بتعجب للخلف فوجدها "مرين" تبتسم له بجاذبية، واذا بها تقدم له حقيبتها:
_عيب تمد إيدك على واحدة ست يا هارون، هتخليني أرفض الجوازة من أولها!

دق قلبه فرحة، بينما تشير له وهي تنزع جاكيتها الجلد:
_ثم انها غلطت فيا مش فيك، وأنا اتخلقت بلسان وبإيد!

قالتها وهي تسدد لها لكمة أسقطت الاخيرة أرضًا، وبسرعه الريح انقضت من فوقها تكيل لها الضربات وكل ما تتذكره استهزاءها ب"ياسين"
، وتصريحها بنصبها لفخ الاقتراب منه، يا ويلها من أنثى تحمل غيرة قاتلة تجاه رجلها.

حبيبها، معشوقها، قائدها، ورفيق طفولتها، لها كل ما استحقته، انتهت من تلقينها ضربًا مبرحًا وهمست بصوت غير مسموع:
_شهرين تتعالجي فيهم قبل ما تقربيله، الخطة باظت l, m so sorry

اندهش "هارون" مما يحدث وخاصة حينما نهضت تجذب المنديل المعلق بجاكيته، تزيح به بقع الدماء وتشير له بأن يعاونها بارتداء جاكيتها، ابتلع بلاهته وأسرع يساعدها بابتسامة واسعة، فجذبت حقيبتها منه واشارت له بينما تدخل لمكتبه:
_كلم نفس الدكتور إياه يعالجها!

وأضافت وهي تفتح الباب:
_متنساش تجبلي تلج ايدي ورمت من زقة الحقيرة دي!!!

....... #يتبـــــــــع...
#الاقــــــــــــوى_قــــــــــــادم..
#آية_محمد_رفعت...
التفاعل رجاءا ❤
***________******

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...