تحميل رواية «أسيرة الغريم» PDF
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ أسيرة الغريم بقلم ولاء رفعت علي.
رواية أسيرة الغريم الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت علي
دفعت الباب بخفة، تسللت للداخل وأغلقته دون أن يصدر أدنى صوت.
الإضاءة خافتة داخل الجناح، بحثت عنه بعينيها، فاستقبلها خرير الماء من الحمام، فابتسمت ابتسامة تمور بالمكر، قامت بفك الحزام وخلعت المعطف ثم ألقته على مقعد جانبي، تنتظر لحظة خروجه كما ينتظر الصياد اقتراب فريسته.
خرج من الحمام، مرتدياً منشفة قطنية حول خصره، وقطرات الماء تتساقط من شعره ذو اللون الرمادي القاتم الممزوج بالأبيض؛ شيب مبكر توارثه رجال العائلة، وأعطاه مسحة وقار وهيبة وجاذبية نادرة.
دخل غرفة الثياب يبحث عن بنطال قطني، وقبل أن ينزع المنشفة من حول خصره، أحس بذراعين تحيطان بجذعه من الخلف.
لم تتحرك أهدابه قيد أنملة، لكن جبينه تجعد عابساً، فقد عرف فوراً صاحبة تلك اللمسة.
زفر بحدة وسألها دون أن يلتفت إليها:
–مين سمحلك تدخلي الجناح بتاعي يا دارين؟
رغم الخوف الذي يعصف بصدرها، أجابت بلهجة تنضح بالجرأة:
–واحشني أوي يا صفوان.
أخذت تُقبل ظهره بلهفة، فانقبضت عضلاته، والتفت لها فجأة، قبض على عضدها، يرمقها بنظرة أشعلت الرعب في قلبها حتى تمنت لو تتبخر من أمامه.
حاولت التنفس وتثبيت عينيها في عينيه اللتين جمعت ما بين الأخضر والرمادي، لون نادر يبعث في النفس رهبة وغموض.
هدر بصوته الأجش و ملامحه كالحديد: –أنتي ما بتزهقيش ولا هاتبطلي محاولاتك الرخيصة دي معايا؟!
اقتربت منه حتى كادت تلتصق به، وقالت بجرأة سافرة:
–عمري ما هزهق ولا هيأس منك أبداً.
رفع زاوية فمه بسخرية مُرة، وقال بنبرة عابسة:
–ده لو في حالة وإحنا لسه متجوزين، لكن أنتي طليقتي، ومش طلقة أولى ولا تانية، أنا مطلقك تلات مرات، يعني متحرمة عليا.
وقفت أمامه، لمعت عيناها بغضب، وردت على حدته:
–وأنا مش ناسية إنك مطلقني بدل المرة تلاتة، بس اللي أنت ناسيه إني بقالي سنة بتحايل عليك أتجوز مُحلل وأتطلق منه وبعد العدة نرجع لبعض.
اتسع بؤبؤ عينيه حتى بدت ملامحه أكثر رعباً، دفعها بعنف فارتطم جسدها بالجدار، وقال مهدداً إياها:
–مفيش راجل هايلمسك بعدي، وابقي فكري بس تعمليها من ورايا، وهاتشوفي اللي هاعمله فيكي أو في اللي هاتتجوزيه.
على نقيض ما توقع، اقتربت منه، وضعت كفيها على صدره، أخذت تنثر قبلاتها الحارة على عنقه وهمست بنبرة متقطعة بين الرغبة والخضوع:
–حقك عليا، أنا كمان مقدرش أتخيل نفسي مع راجل تاني غيرك، بس قولي أنت أعمل إيه، بقالنا سنة علي نفس الوضع، و للأسف مفيش غير الحل ده عشان نرجع لبعض.
ارتفعت بشفتيها نحو شفتيه، لكنه قبض على خصلاتها خلف رأسها وأبعدها عنه، يرمقها بحدة وازدراء:
–وأنا قولت لاء يعني لاء، اللي إحنا فيه نتيجة أفعالك اللي هاتتحمليها لوحدك.
ارتدت كلماته كسياط على كرامتها، فرفعت رأسها بكبرياء، وأزاحت قبضته عن شعرها وصاحت ثائرة:
–ولما أنت مش طايقني ولا عايزنا نرجع لبعض تاني، ليه مش عايزني أتجوز؟، ليه معلقني قدامك طول الوقت بعد ما حكمت عليا أفضل عايشة هنا قصاد عينيك في فيلا العيلة؟، وكأنك بتستمتع كل ما تشوفني قدامك لا طايلة سما ولا أرض، ليه؟
صرخت بأخر كلمة فبادلها الصياح بحسم وحدة:
– ليه!، لإن مزاجي كده، أنتي اللي اختارتي من سنين بإرادتك تكوني مرات صفوان الشاذلي، وأي حاجة ملكي حتى لو اتخليت عنها ما ينفعش حد بعدي ياخدها أو يلمسها، فهمتي ولا أعيد تاني؟!
–فهمت، بس دي اسمها أنانية وحب إمتلاك.
ارتسم طيف ابتسامة ساخرة على محياه: –سميها زي ما تسميها.
اقتربت منه مرة أخرى، وقالت بتحد وعزم يشبه طباعه:
–موافقة ومستعدة أستحمل العمر كله الوضع اللي مفيش حد يقدر يستحمله، بس على شرط، زي ما حكمت عليا مكنش لغيرك، أنت كمان مش هاتكون لأي واحدة غيري، ولو حصل…
قاطعها بتهكم:
–ولو حصل هاتعملي إيه؟
أجابته بغموض يحمل تهديداً صريح:
–وقتها هاتعرف بنفسك يا ابن عمي.
جذبها من عضدها، حدق في عينيها الرماديتين:
–ما تخلقش لسه اللي يهددني، وبلاش أنا يا دارين، أنا لحد دلوقتي مش عايز أوريكي وشي التاني، مش حباً فيكي، أنا عامل خاطر بس لصلة الدم اللي ما بينا ووصية عمي الله يرحمه.
على غير عادتها، لم تشتعل نيران غضبها، بل فعلت النقيض؛ أحاطت وجهه بكفيها، تخللت أناملها شعيرات لحيته وهمست:
–وأنا مش بهددك، بس زي ما قولتلك، مش هكون لغيرك، أنت مش هاتكون لغيري، وهافضل جنبك حتى لو من غير محلل أو جواز، هاكون عشيقتك، أنا ملكك وأنت ملكي.
ابتلعت ريقها في خوف مكتوم بعد أن انتهت من كلماتها، وأظهرت نقيض الوجل في عينيها، ظل كليهما يتبادلا النظرات في صمت قاتل.
اقتربت من شفتيه، وقبل أن تقبله أدارها ليصبح ظهرها إليه، ظنت أنه وقع تحت تأثيرها، أغمضت عينيها وهي تستشعر أنفاسه الدافئة على عنقها.
مهما تظاهرت بالقوة أمامه، كانت تقع في النهاية تحت سطو حضوره؛ هو إدمانها الذي لا تريد أن تتعافى منه، هوسها الذي تحرق من أجله الأخضر واليابس.
وفي غمرة وهمها، جاء صوته بجانب أذنها كرصاص قاتل:……….
رواية أسيرة الغريم الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء رفعت علي
تسللت إلى الداخل في حذر، أوصدت الباب خلفها في صمت مُطبق، أخذت تتجول في أرجاء الجناح حتى انتهى بها المطاف إلى غرفة الثياب، وهناك، فتحت الخزانة الخاصة بثياب زوج شقيقتها!
التقطت قميص معلق على المِشجب، ورغم أنه قد مر بمراحل الغسل والكي، إلا أنّ أريج عطره النفاذ كان لا يزال عالقاً بذرات نسيجه، استنشقت عطره بعمق يملأ رئتيها، وهي تحتضن القميص بين ذراعيها، أغمضت عينيها لتُطلق العنان لمخيلتها، متوهمة أن مَنْ تغمره بعناقها ليس بجماد، بل هو صاحب القميص ذاته!
—فايا!
انتفضت بذعر شديد كأنما صُعقت من وجوده في هذا التوقيت، والتفتت نحوه وهي تحاول بيأس أن تخبئ القميص خلف ظهرها.
ابتلعت ريقها بتوتر جارف، وجاهدت لتخلق عذراً يبرر وجودها المريب في هذا المكان، وهي تبتهل في سرها ألا يكون قد أبصر ما كانت فيه من غفلة و وجد.
—أبيه هشام.. أنا.. أنا.. أنا كنت جاية أخد شنطة من عند أسما، أنا افتكرتك روحت الشركة مع أبيه صفوان.
–أنا روحت ورجعت عشان أخد أوراق مهمة جداً، بس مكنش يخطر علي بالي ألاقي حاجة أهم من الأوراق.
ألقي كلماته بمكر ، فوقعت عليها كوقع دلو الماء أعلي رأسها، فها هو يتحرك نحوها بخطوات واثقة، بينما كانت عيناه تحدقان في عينيها ببريق يملؤه الخبث والدهاء، سألها بنبرة هادئة لا تخلو من الاستدراج:
—طب هي فين الشنطة؟
تتراجع خطوة تلو الأخرى، وخفقات قلبها تُقرع في صدرها كطبول الحرب، حتى ارتطم ظهرها بصلابةِ الحائطِ، فغدت أسيرة بينه وبين جبروت حضوره.
في تلك اللحظة العصيبة، تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها في غياهب العدم؛ فراراً من نظراته التي كانت تخترق سكونها كأنها تُعلن كشف ما تكنه له من مشاعر دفينة منذ سنين.
لطالما كان يظن أنّ ما يراه في عينيها منذ سنوات ليس سوى نزوات مراهقة غضة ستذروها الرياح مع مرور الأيام، ولا سيما بعد أن غدا زوج شقيقتها، يبدو أنه استشعر نضوج تلك المشاعر واشتعال جذوتها؛ فها هي قد بلغت الثانية والعشرين من عمرها وما برح طيفه يسكن وجدانها، يكفي أن عينيها حين كلما تصطدمان بعينيه كما هو الحال الآن، كلما تنضحان بكل ما يجيش به فؤادها من مشاعر حب مكلومة.
وبحركة فجائية خاطفة، دنا منها وبسط يده خلف ظهرها لينتزع القميص من قبضةِ يدها، ثم أطلق ضحكة هادئة جعلت الدماء تحتدم في وجهها خجل وحرج شديد.
تسارعت نبضات قلبها حتى كادت تخرج من بين ضلوعها، فلم تجد أمامها سوى مرافئ الفرار سبيلاً، ولكن ما إن همت بالانطلاق حتى قبض على ساعدها بحزم، سألها بهدوء وثبات بينما كانت هي تُشيح ببصرها نحو الأرض خشية مواجهةِ بريق عينيه:
—أنا أبقى مين يا فايا؟
أدركت بحدسِها مأرب سؤالِه ومغزاه، فابتلعت غصتها المُرة، وأجابت بشق الأنفس وصوت متهدج بالارتباكِ وهي لا تزال غارقة في النظر لأسفل:
—أبيه هشام.
دنا من أذنها حتى لامست أنفاسه خصلات شعرها، مما بث في جسدها قشعريرة امتزج فيها الخوف بالوجل، وسألها مجدداً:
—وأبيه هشام يقربلك إيه؟
أغمضت عينيها في استسلام، وأجابت وجسدها ينتفض برجفة عنيفة لم تخف عليه، إذا به يشعر بتلك الرجفة التي تضرب كيانها بلا رحمة:
—تبقى ابن عمي.
—وإيه كمان؟
ابتلعت ريقها مرة أخرى، ونطقت بكلماتٍد تخرج مع أنفاس متهالكة:
—وجوز أسما.
فعقب بنبرة حازمة حملت طابع التذكير والزجر الضمني:
—أنا هشام، ابن عمك، و جوز أسما أختك.. فهمتي يا فايا؟
رواية أسيرة الغريم الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت علي
اندفعت تهبط درجات السلم مسرعة، وقد انعقد الخوف في صدرها عقدة خانقة،
لم تكن تركض عبثاً؛ بل كانت تهرب من احتمال مرعب، أن يصعد مؤمن فيري أو يسمع ما سمعته هي منذ لحظات، ولو حدث ذلك فالعواقب لن تكون هينة… بل أقل ما قد يفعله أن يتخلص من شقيقته ومعها شقيقها، ليُسدل الستار على تلك الفضيحة التي تتربص بالجميع في الأعلى.
بلغت باب المنزل، فوجدته مفتوح على مصراعيه، ومن داخله كانت الأغاني تصدح في الأرجاء، تختلط بنغمات الموسيقى وضجيج الضحكات، وقفت لحظة تستجمع أنفاسها، قبل أن يلمحها.
انتبه لها، فتقدم منها قليلاً، وانحنى برأسه نحو أذنها ليغلب صوته صخب الموسيقى، وسألها:
— كنتي فين؟
رمقته لثوان قصيرة، كأنها تزن الكلمات قبل أن تنطق بها، ثم أجابت بهدوء متصنع:
— خرجت أشم نفسي شوية… الشقة جوه زحمة أوي.
مد يده فأمسك يدها، ثم مال إلى أذنها مرة أخرى، متعمداً أن لا يسمع أحد سواها، وهمس بنبرة ماكرة:
— ما تيجي نطلع السطح فوق، نشم أنا وانتي أحلى هوا؟
وما إن نطق بكلمة السطح حتى اتسعت عيناها فجأة، كأن صاعقة أصابتها.
رمقته بنظرة امتعضت ظاهرها، غير أن الخوف كان يتوارى خلفها بوضوح، دفعت يده عن يدها، ثم لكزته في صدره وهي تقول بضيق:
— اتلم بقى… إنت ما بتزهقش؟!
اقترب منها أكثر، غير عابئ بامتعاضها، وقال بجرأة مازحًا:
— أزهق من إيه؟ هو أنا عملت حاجة لسه؟ ده انتي مطلعة عيني يا شيخة… بس هانت، كلها أيام ويتقفل علينا باب، وهوريكي الزهق على حق.
ثم غمز بعينه في خبث واضح، رفعت حاجبها تنظر إليه نظرة تجمع بين السخرية والضيق، لكن تعبير وجهها تبدل فجأة، إذ اتسعت عيناها فجأة، وحدقت خلفه بذعر مصطنع وهي تهتف:
— رضا!
التفت الأخر خلفه بفزع حقيقي، جال ببصره سريعاً فلم يجد أحد، وفي اللحظة التالية دوى ضحكها في المكان، ضحكة خفيفة مشاكسة كشفت حيلتها.
عاد يلتفت إليها، وعيناه تضيقان بوعيدٍ واضح:
— بتشتغليني يا نور!، طيب… مش هاسيبك غير لما آخد حق الخضة اللي قطعتلي الخلف.
وفي لحظة مباغتة، مد يده فأغلق باب الشقة من الخارج، ثم جذبها من خصرها حركة خاطفة، قبل أن يقودها إلى زاوية معتمة لا يصلها ضوء المصابيح.
لم يمهلها فرصة للاعتراض؛ إذ انقض على شفتيها بقبلة جامحة، أخذت تدفعه عنها بيديها، تحاول التخلص من قبضته، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، وكأنه كالجبل؛ فأوهمته لوهلة أنها تبادله القبلة، حتى تمكنت من احتواء شفته السفلى بين أسنانها.
وفي اللحظة التالية…غرزت أسنانها فيها بقوة مفاجئة، انتفض عنها صارخاً، وقد انبلج الألم علي وجهه، بينما سالت الدماء بغزارة من شفته المجروحة.
أما هي فلم تنتظر ثانية واحدة؛ ركضت مبتعدة عنه كغزالة أفلتت من صيادها، وانطلقت نحو السلم تهبط درجاته مسرعة، قبل أن يتمكن من اللحاق بها.
وبينما كانت تختفي أسفل الدرج، كان صوته يلحقها بوعيد غاضب، بينما ضحكتها تتردد ساخرة في الأرجاء.
ظل واقفاً لحظة يضغط على فمه بيده، ثم التفت سريعاً وعاد إلى داخل الشقة، مكمم فاه حتى لا يلاحظ أحد ما حدث لشفته.
توجه مباشرة إلى الحمام، وفتح الصنبور، أخذ يغسل الدماء عن فمه محاولاً إيقاف النزيف. كان الألم ينبض في شفتيه كجمرة مشتعلة،
ظل يتأوه وهو ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة، ثم قال بين أسنانه بغيظ واضح:
— ماشي يا نور… أما وريتك، هتروحي مني فين.
لم يكد يفرغ من مداواة شفته ومحاولة إيقاف نزيفها حتى صدح هاتفه بصوت تنبيه يشق سكون الحمام، فانتبه له وهو ما يزال يضغط على شفته المتورمة.
مد يده ببطء إلى جيب بنطاله، وأخرج الهاتف وعيناه تضيقان بتوجس غامض.
فتح الشاشة، وما إن وقعت عيناه على اسم المرسلة حتى تبدل الألم في وجهه إلى غضب متأجج كانت الرسالة من تلك المرأة التي تدعي «نوءه»، وهو الاسم الذي اعتاد أن يدللها به في لحظات كان يتمنى الآن لو أنها لم تكن.
انزلق بصره على الكلمات، فبدت الحروف كأنها سياط تلهب أعصابه.
«خليك فاكر إنك قولتلي أسيبك يومين، والتالت هتنفذ اللي قولتلك عليه، يعتبر فات يوم، وفاضل بكرة إبقى اتهرب مني عشان أجيلك الحارة، ومش محتاج أقولك أنا هاعمل إيه… هخليك تعرف بنفسك وقتها… سلام يا أبو اللي في بطني»
ما إن فرغ من قراءة الرسالة حتى انقبض فكه بقسوة، وجز على أسنانه جز عنيف حتى اصطكت من شدة حنقه.
اشتعل الغضب في عينيه كجمرتين متقدتين، وارتفعت أنفاسه متلاحقة، أكبر ما يؤرقه ويثقل قلبه هو أن يُفتضح أمره أمام أسرته وعائلته، أن ينكشف المستور فجأة فتتهاوى صورته التي بناها أمامهم، لكن أكثر ما كان يبعث الرعب في نفسه… أن يصل ذلك الخبر إلى ابنة عمته تحديداً قبل حفل زفافهما.
❈-❈-❈
في قصر آل الشاذلي…
جلس صفوان على رأس الطاولة بقامته المهيبة وبدلته الأنيقة التي تُبرز هيبته السياسية، على يمينه جلست ناهد زوجة عمه بابتسامتها الهادئة، بجانبها دارين التي كانت تحاول أن تبدو هادئة ومتماسكة وتدرك ما وراء هدوء ابن عمها، ليس بأي هدوء، فهو الذي يسبق العاصفة.
بينما يلي دراين فايا التي كانت تجلس في آخر الصف كأنها تحاول الاختباء من عيون الجميع، و خاصة زرقاويتين هذا الهشام، يحدق بها كل حين و آخر، وجواره زوجته أسما تنظر لوالدتها وكأنهما يتبادلان الحديث بالعيون.
كان الجو هادئًا ظاهريًا، لكن نظرات صفوان إلى دارين كانت تُطلق سهام من الوعيد كلما التقت عيناه بعينيها، فهو ينتظر بانتهاء هذا العشاء كي يُفرغ ما في صدره من غضب مكبوت، بعد أن علم بذكائه الحاد وبطريقته الخاصة أن حوار المذيعة «لي لي الشامي» معه والصحفيين الذين التفوا حوله في الصباح كانوا جميعًا من مكائد ابنة عمه، حيث اتفقت معهم علي أن يقوموا باحراجه أمام الرأي العام كونه نائب في البرلمان.
و إذا يقطع هشام هذا الصمت بصوته الجهوري المرح، ثغره متسع بسعادة بالغة وهو ينظر إلى أخيه:
–عجبتني أوي يا صفوان في حوارك مع لي لي الشامي، حاولت تحرجك على الهوا فعرفت تلفها بالكلام وتديها من تحت لتحت بتهيئلي هاتحرم تستضيفك تاني.
ابتسامة باردة انبلجت علي ثغر شقيقه، لكنه لم يرفع عينيه عن طبقه مباشرة؛ بل كان يرمي كلماته بطريقة مدروسة، موجهًا سهامه الخفية نحو ابنة عمه التي كانت تتظاهر بعدم الاكتراث، وتحرك الطعام في طبقها بلا شهية:
–أصل هي واللي زيها فاكرين نفسهم أذكياء، ما يعرفوش إن أنا عارف هم بيفكروا في إيه قبل ما يتكلموا وإيه اللي بيدبروه من ورايا.
و تلك المقصودة تسمع كلماته وتحاول أن تبدو غير معنية بالحديث، كأن حديث طليقها يمر عليها مرور الكرام، لكن وجهها الشاحب كان يكشف عن توترها الداخلي، فهي تدرك جيدًا أن الليلة
لم تمر بسلام عليها!
وبالعودة إلي فايا، فكانت في عالم آخر، شاردة تمامًا في طبقها، تحرك الشوكة في الأرز ببطء وتتظاهر بالأكل، بينما قلبها يخفق بقوة.
تخشى أن ترفع عينيها وتلتقي بنظراته الغريبة التي كانت تُلقى عليها كل حين، نظرات تحمل ذكرى الصباح حين دخل عليها فجأة ورآها تحتضن قميصه بكل ما فيها من شوق محرم.
تلك النظرات تُعيد إليها المشهد بكل تفاصيله، فتزداد وجلًا وتوتر.
و إذا بها فجأة انتبهت إلى صوته يناديها بهدوء:
–فايا ممكن تناوليني المية اللي عندك.
رفعت عينيها عن الطبق ونظرت إليه لثوان قليلة، وكأنها لم تسمع ما قاله لها، فأشار لها بعينيه نحو الإبريق الزجاجي الذي كان بجانبها.
مدت يدها بسرعة، أمسكت الإبريق ومدته إليه، وهي تتفادى النظر في عينيه تمامًا، خوفًا من أن يقرأ ما يدور بداخلها، فكيف لا يقرأها وهي كالكتاب المفتوح أمامه!
لم تستطع أن تتحمل التوتر أكثر من ذلك، قامت فجأة من مقعدها، وقالت بصوت هادئ تحاول أن تجعله طبيعي:
–عن إذنكم طالعة أنام.
علي الفور نظرت والدتها إلى أسما نظرة سريعة، وأشارت إليها بعينيها نحوها.
نهضت شقيقتها وقالت بصوت دافئ:
–استني يا فايا عايزة أتكلم معاكي شوية.
ارتجفت من طلب شقيقتها، وكانت أول حركة لها أن نظرت إلى هشام بنظرة مذعورة.
لاحظت والدتها تلك النظرة الخاطفة، لكنها لم تنطق أو تعلق، بينما هي استدارت بعد ثوان نحو شقيقتها التي تابعت بابتسامة هادئة:
–مالك مخضوضة ليه؟، بقالنا كتير ما رغيناش مع بعض، تعالي نقعد في الجنينة شوية.
رسمت فايا على وجهها طيف ابتسامة تخفي خلفها حالة من التوتر الغادق، وقالت بصوت هادئ:
–تمام، يلا.
و هنا دارين كانت على وشك أن تقوم هي الأخرى، لتلحق بهم هربًا من الذي ينتظرها، نهضت قليلاً وقالت:
–استنوا خدوني معاكم.
لكن قبل أن تكمل حركتها، قبض صفوان بيده القوية على رسغها، التفتت إليه مذعورة، وعيناها تسألان بصمت.
وقبل أن تنطق كلمة واحدة، قام وأمرها بصوت يبدو إنه هادئ لكن الهدوء القاتل، أمر حازم لا يقبل الجدل:
–قدامي على المكتب.
وقبل أن تنفذ أمره ألقت نظرة علي الجالسين لاسيما والدتها التي حدقتها بابتسامة ساخرة وشامتة لأنها كم حذرتها أن لا تعترض طريق ابن عمها بالمكائد، والأخرى لم تكترث لأي نصيحة بل تفعل النقيض لتثير جنون هذا الوحش الكامن الذي سحبها مرة واحدة خلفه.
❈-❈-❈
دخل المكتب بخطوات ثقيلة هادئة، يجرها من رسغها بقبضة حديدية لا تؤذي لكنها لا تسمح لها بالفرار.
أغلق الباب خلفهما بدفعة واحدة حاسمة من قدمه، فدوى الصوت في الغرفة كإعلان بدء معركة لن تنتهي علي خير!
الغرفة شبه مظلمة، مضاءة فقط بضوء مصباح مكتبي أصفر خافت، انعكاسه علي وجهه اعطاه هيئة دبت الرعب في أوصالها ، تملأ الغرفة رائحة الخشب القديم والسيجار الباردة تخالطها رائحة عطره القوي الذي كان يملأ المكان.
دفعها بلطف قاس نحو منتصف الغرفة، ثم وقف أمامها، يحجب عنها الضوء بقامته الطويلة، رفع ذقنه قليلاً ونظر إليها بنظرة باردة تخفي تحتها بركان من الغضب المكبوت.
–سؤال واحد وعايز اعرف إجابته… إيه اللي مخليكي تستهتري بيا للدرجة دي؟
نظرت إليه بتحدٍ واضح، رغم أن قلبها كان يخفق بقوة، فأجابت بإنكار:
–أنا معرفش أنت بتتكلم عن إيه.
انبلجت علي شفتيه ابتسامة ساخرة مليئة بالتهكم، تعلم ما يليها جيداً من بركان علي وشك الإنفجار، فها هو اندفع نحوها ليقبض علي ذراعها فجأة، لكنها تحركت اسرع منه، تراجعت خطوة إلى الخلف.
جز علي أسنانه ويبدو إنه يقاوم شياطنيه:
–ما تعرفيش أنا بتكلم عن إيه!، هاعتبرك غبية و ما بتفهميش وهاقولك، بالنسبة للي لي الشامي اللي طلعت يا سبحان الله بنت خالة صاحبتك نانسي، و لا الصحفيين اللي روحتي دفعتيلهم عشان أول ما يشوفوني يتلموا عليا ويسألوني الأسئلة السخيفة بتاعتهم و اللي هي يا سبحان الله برضه كلها عنك و عن طلاقنا و إزاي عايشين مع بعض في بيت واحد و إحنا مطلقين!
اقترب منها خطوة أخرى، صوته منخفض لكنه حاد كالسكين:
–أنا عارف كل حاجة، عارف كل خطوة بتعمليها سواء قدامي أو من ورايا.
رفعت ذقنها بكبرياء، عيناها تلمعان بغضب قديم متجدد:
–ولو نفترض أنا عملت كل اللي بتقوله، إنت مالك؟!، أنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه. وأنت كمان عملت اللي إنت عايزه، كفاية خربت ليا حياتي، فما تزعلش من أي حاجة اعملها، ده مجرد رد فعل يا سيادة النائب مش أكتر.
ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم مال بجسده نحوها حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها، أنفاسه الساخنة تلامس بشرتها، يعقب علي قولها: –رد فعل؟، ده اسمه عندي انتقام رخيص، أنتي للأسف مش قادرة تفهمي إني أنا أقدر أدمرك في ثانية لو حبيت، بس أنا سايبك بمزاجي، مستني أشوف لحد فين هتوصلي بغبائك اللي هايوقعك في مرة، وساعتها يبقي ماتلوميش غير نفسك.
ارتجفت رغماً عنها، لكنها لم تتراجع، نظرت مباشرة في عينيه الحادتين، يشبهان البحر في تدرج ألوانه و هيبته المخيفة، ابتلعت ريقها واخبرته بقوة واهية:
–أنا مش خايفة منك، و لو علي تهديدك أنت فعلاً دمرتني من يوم طلاقنا.
ابتلعت ريقها مرة أخرى قبل أن تتجرأ وتردف قولها الذي لا يهاب و لا يعرف الخوف:
–يعني اللي عندك اعمله.
في لحظة، أمسك ذراعيها بكلتا يديه وجذبها إليه بعنف حتى التصق جسدها بجسده، همس بصوت أجش جوار أذنها:
–شكلك نسيتي من هو صفوان الشاذلي، بس تصدقي بالرغم كنت ناوي اعلمك الأدب، بس صعبتي عليا، كفاية حاكم عليكي لا تطولي سما و لا أرض، وهاتفضلي عايشة كده طول عمرك، تشوفيني كل يوم في وشك، عايشة معايا تحت سقف واحد، زي العطشان و متكتف ايدين و رجلين قدام نهر، تخيلي إحساسه يبقي إيه، أهو أنتي كده بالظبط، يا حرام، صعبتي عليا أوي.
و هنا القوة الظاهرة لديها، تبددت عقب رصاص كلماته، حيث شعرت بدموع الغضب تترقرق في عينيها، لكنها عضت على شفتها السفلى بقوة كي لا تسقط أمامه، حاولت أن تدفع صدره بيدها، لكنه لم يتحرك قيد أنملة.
خرج صوتها بصعوبة من غصة خانقة تقف في حلقها:
–سيبني يا صفوان.
–كلامي وجعك؟
همس وهو يبتسم بتشفي، ثم أردف: –بلاش تقفي قصادي تاني، لأنك هاتكوني الخسرانة.
تركها فجأة، فترنحت قليلاً وهي تحاول استعادة توازنها.
استدار نحو مكتبه، أشعل سيجاره الكوبي بهدوء، وألقى نظرة أخيرة عليها من فوق كتفه:
–اتفضلي روحي شوفي أنتي رايحة فين، و ابقي فكري كويس قبل ما تعملي أي حركة غبية تاني، عشان المرة الجاية مش هكون لطيف معاكي كده.
خرجت من غرفة المكتب وهي تكاد تنفجر من فرط الغضب والقهر معاً، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وجهها محتقن بالدماء من شدة الغضب المكبوت الذي يغلي في عروقها، عيناها تلمعان بدموع الغضب والإهانة التي تكتمها بصعوبة، وكأن كل كلمة قالها صفوان
قد انغرست في صدرها كسكين حاد.
لم تكد تخطو خطوتين في الممر المضيء بإضاءة خافتة حتى اصطدمت وجهًا لوجه مع الخادمة الشابة، التي كانت تحمل بين يديها صينية فضية يعلوها زوج من فناجين القهوة ، متجهة إلى غرفة المكتب.
توقفت الخادمة علي الفور وابتسمت ابتسامة مهذبة وقالت بخوفٍ وأدب:
–مساء الخير يا ست دارين، أنا جايبلكم القهوة لحضرتك و لصفوان….
لم تكمل الخادمة جملتها، في لحظة انفجار، امتلأت عينا الأخرى بنار الغضب الجامح، رفعت يدها بسرعة هستيرية وصفعت الصينية بكل ما تحتويه من يد الخادمة بقوة وقهر صارخة:
–غوري من وشي!
❈-❈-❈
جلست الشقيقتان على مقعد خشبي مزخرف بجانب نافورة صغيرة ، وبالرغم أن الهواء يحمل رائحة الورود والتراب الندي، لكن أجواء الحديث كانت أثقل من أن يخففها عبير الزهور.
بدأت أسما الحديث بهدوء، وتحدقها بابتسامة دافئة لكنها تحمل جدية واضحة:
–قوليلي يا فايا بما أنك في أخر سنة في الكلية، ناوية تعملي إيه بعد التخرج؟
نظرت الأخرى لها بعد أن زفرت بأريحية، وذلك بعد خوف وتوتر، فقد ظنت بأن هشام ربما اخبرها بما حدث صباحًا، فأجابت بثقة هادئة:
–أبيه صفوان قالي أول ما أخلص هيعيني Systems Analyst في قسم الـ IT في الشركة.
ابتسمت شقيقتها بسعادة وقالت بحماس:
–حلو أوي!، أنتي كده هتبقي تبع هشام، هو اللي ماسك حاليًا قسم الـ IT، يعني هو اللي هايبقي مديرك المباشر.
ارتجفت من المفاجأة، واتسعت عيناها بدهشة واضحة، قالت بسرعة وهي تحاول إخفاء توترها:
–مش هو المدير التنفيذي للشركة؟ ماله ومال الـ IT؟
ابتسمت الأخرى بهدوء وأجابت:
–ما هو ده تخصصه من البداية، وتخصص دراسته اللي هو نفس دراستك.
في تلك اللحظة، غابت فايا في ذكرياتها، تذكرت يوم نتيجة الثانوية الدولية، حين حصلت على مجموع يؤهلها لدخول كلية هندسة بتفوق، وبعد اجتيازها السنة الأولى بامتياز، اختارت التخصص في قسم البرمجة والنظم، تمامًا كما فعل هشام من قبل، شعرت بدقات قلبها تتسارع دون أن تدري.
انتبهت فجأة من شرودها حين سمعت صوت شقيقتها يسألها بلطف:
–مش ناوية تفكري في حاجة تاني؟
توترت وردت بسؤال دفاعي:
–حاجة زي إيه؟
ابتسمت الأخرى بمكر ثم اخبرتها بصراحتها المعتادة:
–بصي، أنتي عارفة أنا ماليش في اللف والدوران، من الآخر… ماما بتخطط إنها تجوزك لأكثم ابن عمتك.
نظرت إلى أختها بتعجب شديد، ثم بدأ التوتر يتحول إلى انفعال واضح، لم تشعر بنفسها وهي تنفعل:
–إزاي ماما تفكر في حاجة زي كده؟!، ومين قالها إني عايزة أتجوز!، وكمان بتختارلي على مزاجها من غير ما تسألني!، لسه بتتعامل معايا على إني فايا الطفلة الصغيرة؟!
تعجبت أسما من شدة انفعال شقيقتها، فأمسكت يدها برفق، وربتت عليها بحنان أخوي عميق:
–اهدي يا فايا، مالك اتعصبتي ليه؟، محدش يقدر يجبرك على أي حاجة أنتي مش عايزاها، و أنا مش هاسمح بكده، أنا في ضهرك.
شعور مفاجئ باغتها وجثم علي صدرها، وإذا بالدموع تتجمع في عينيها ، فهمست بصوت مختنق:
–محدش هيجبرني، بس أنا وأنتي عارفين ماما مش بترتاح غير لما بتنفذ اللي في دماغها.
حاولت أن تهدأ، ثم اردفت بصوت أكثر انكسار:
–وبعدين مش أكثم ده كان بيحبك يا أسما، وكان عايز يتجوزك قبل ما تتخطبي لأبيه هشام؟!
اضطربت الأخرى لحظات، ثم أجابت بهدوء محاولة إخفاء توترها:
–حصل… بس ده كان من 8 سنين، وأنا كان ردي وقتها إني باعتبره زي أخويا، وهو احترم اللي قولته.
رفعت شقيقتها حاجبيها بدهشة واضحة وسألتها:
–طب تقدري تقوليلي هو ليه ما اتجوزش لحد دلوقتي؟!
تجهم وجه أسما، فرفعت كتفيها بعدم معرفة متظاهرة:
–الله أعلم.
اقتربت الأخرى جوارها أكثر، ووجهت إليها الحقيقة التي تحاول شقيقتها تجاهلها:
–هو ما اتجوزش لحد دلوقتي عشان لسه بيحبك ومش قادر ولا هيقدر ينساكي، فياريت تقولي لماما تسيبني في حالي وتسيبني أخطط لحياتي من غير ما تدخل هي وتخربهالي… عن إذنك.
–إيه اللي حصل؟
سألها بهمس خشن يحمل قلق حقيقي،
نظرت إليه بصمت مطبق، وهي تصرخ في داخلها، أنت السبب… لما فؤادي اختارك دون عن كل الرجال!، لماذا أنت؟!
حين لم ترد، أخرج محرمته الخاصة من جيبه، والتي كانت غارقة بعطره المميز الذي يعرفه قلبها جيدًا.
رفع يده بلطف ليجفف دموعها بحنان لم تتوقعه، تصلب جسدها كاملًا من فعلته، ومن نظرة الحزن الصادقة في عينيه الزرقاويتين كالمحيط الغامض والذي تخشي الغرق داخلهما.
هزت رأسها بالرفض، وأمسكت المحرمة من يده قائلة بنبرة رسمية باردة تحاول إخفاء اضطرابها:
–ميرسي يا أبيه… عن إذنك.
فتحت باب غرفتها بسرعة ودخلت، وهو لا يزال واقفًا في مكانه، عيناه لم تبرح وجهها حتى أغلقت الباب في وجهه بهدوء.
كان إغلاق هذا الباب ليس مجرد إغلاق لغرفة نومها فقط… بل كان محاولة يائسة لإغلاق باب آخر، باب يحمي قلبها من الوقوع في المحظور الذي يقترب منها أكثر فأكثر.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، كان يجلس خلف مكتبه العريض في مقر شركة العائلة، ذلك المكتب الذي يتوسط غرفة فسيحة يغمرها ضوء النهار المنساب من الجدار الزجاجي الكبير.
كانت الأوراق تتكدس أمامه، بينما راحت يده تتحرك ببطء، يدون اسمه أسفل كل ورقة تقدمها له المساعدة، توقيع بعد توقيع.
لم يرفع عينيه عن الأوراق وهو يقول بصوت هادئ جاف:
— ألغي أي مواعيد النهارده، وراجعي الإيميلات وابعتهالي على حسابي.
أومأت له المساعدة برأسها في امتثال مهذب، ثم ردت بنبرة رسمية:
— تمام يا صفوان بيه… عن إذن حضرتك.
أجابها مقتضباً دون أن يبدل من جلسته:
— اتفضلي.
انسحبت بهدوء، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلق زفرة طويلة مثقلة، ثم مال بظهره إلى الخلف ليستند إلى مسند المقعد الجلدي الوثير.
أغمض عينيه لحظة كأنه يجمع شتات أفكاره، قبل أن يمد يده إلى هاتفه الموضوع على المكتب.
ضغط زر الاتصال، وما إن جاءه الرد حتى قال بإيجاز:
— تعالى… عايزك.
لم تمض سوى ثوان معدودة حتى فُتح الباب، ودخل جسار بخطوات ثابتة، وقف أمام المكتب منتصب القامة، يومئ باحترام:
— تحت أمرك يا صفوان بيه.
نهض الأخر من خلف مكتبه ببطء مهيب، واتجه إلى صندوق خشبي فاخر موضوع على أحد الرفوف، الصندوق مزخرف بأحجار كريمة، فتحها وأخرج منها لفافة تبغ فاخرة، وقبل أن يمد يده إلى القداحة، سبقه جسار إليها بالقداحة خاصته واشعلها.
وضع صفوان السيجار بين شفتيه، وسحب نفس عميق، ثم أطلقه زفير كثيف من الدخان، أمره قائلًا:
— اعمل حسابك… ساعة وهنمشي، ولما نروح،
ابقي جهز نفسك عشان هنحضر فرح عمرو.
ارتسم الضيق واضحاً على ملامح الأخر، ذلك الضيق الذي لم يغب عن عيني صفوان الثاقبتين.
حدجه بنظرة حادة تحمل تحذير خفي، ثم قال بنبرة أكثر صرامة:
— لآخر مرة هحذرك يا جسار.
التقط نفس آخر من السيجار وأكمل حديثه:
— أنا عارف سبب اعتراضك إن الفرح هيكون في حارة، ومتفهم مدى خوفك إنه ممكن يحصل حاجة… بس بتهيألي التأمين ده مهمتك، يعني المفروض كنت اخدت الرجالة من بدري وروحتوا تأمنوا المكان كويس.
أومأ الأخر برأسه آلياً، ثم قال بصوته الرجولي الأجش:
— كله تم يا باشا… الرجالة هناك من الصبح.
رمقه بنظرة تعجب ورضا، فاقترب منه وربت على كتفهﻧ:
— براڤو.
عاد ينفث الدخان في الهواء، ثم سأله وهو يراقب خيوطه الرمادية تتلاشى:
— لسه برضه معرفتش مين هي؟
توقف جسار لحظة يعيد السؤال في ذهنه ليفهم مقصده، ثم أجاب بعد تردد بسيط:
— للأسف معرفناش نوصل لها… وحضرتك شوفت تسجيلات الكاميرات اللي كانت في المكان يومها، جايباها من ضهرها، والكاميرا الوحيدة اللي جابتها من زاوية تانية مش واضح فيها وشها، لأنها كانت بالجنب.
تقدم الأخر نحو الحائط الزجاجي الكبير، ووقف أمامه يتأمل ناطحات السحاب، فقال بسخرية باردة:
— سنة بحالها بندور عليها ومقدرناش نوصل لها… دي لو كانت إبرة مرمية في محيط كنا عرفنا نوصلها.
قال حارسه بنبرة حذرة:
— معلش يا باشا… أنا مش بتدخل في أمور حضرتك الخاصة، لكن أنا شايف إن إحنا بنبذل مجهود في البحث على الفاضي، وكمان دي واحدة ما نعرفش عنها حاجة… يعني وارد جداً تبقى مرتبطة، مخطوبة، متجوزة، حضرتك فيه ألف واحدة غيرها حواليك مستنيين إشارة منك.
كان صفوان حتى تلك اللحظة، يستمتع بتأمل المشهد خارج النافذة، لكن كلمات حارسه الأخيرة كانت كفيلة بأن تنتزع منه هدوءه.
استدار إليه ببطء، والغضب يتوهج في عينيه، ثم اخبره بحدة واضحة:
—عارف يا جسار… أنا اللي مصبرني عليك لحد دلوقتي إنك الوحيد اللي بأمنه على نفسي وعلى عيلتي، وعارف إنك ممكن تفديني بروحك.
ارتسمت على ملامحزذلك الوجه الذي اعتاد الجمود والصرامة، شبه ابتسامة، وقال بصوت يحمل امتنان صادقاً:
— الله يخليك يا باشا… ده شرف ليا سيادتك.
بينما صفوان، فقد كظم ما تبقى في صدره من غيظ دفين، وحاول أن يضبط نبرته حتى لا تنفلت منها حدة الغضب. استدار قليلاً عن النافذة، وأخذ نفس بطيئ من السيجار قبل أن يتحدث بنبرة أكثر هدوء:
— المهم… عايزك تأكد على اللي مراقبين مدام دارين ياخدوا بالهم كويس.
ثم أضاف بصرامة وقد انعقدت حاجباه:
— مش عايز أتفاجئ زي المرة اللي فاتت بمصيبة، يعني لو راحت لأي ناحية نايت… أو أي مكان فيه رقص وخمرة، يمنعوها قبل ما رجليها تنزل من العربية.
أومأ الأخر برأسه في طاعة أقرب إلى العمياء، وقال دون تردد:
— اعتبره حصل يا باشا.
رمقه لحظة بنظرة متفحصة، ثم أعاد السيجار إلى شفتيه، قبل أن يقول بنبرة مقتضبة:
— تقدر تتفضل… ولو في أي حاجة حصلت، تبلغني فوراً.
اعتدل في وقفته أكثر، ثم قال باحترام واضح:
— تحت أمرك يا صفوان بيه.
❈-❈-❈
تقف في المطبخ أمام الحوض، تجلو الصحون ، بينما يغلي رأسها من الألم، حيث تشعر بصداع ثقيل يطرق جمجمتها كالمطارق، و ذلك كلما تذكرت ما رأته وسمعته بين شقيقها وابنة خالها، كاد عقلها يجن من فرط الغضب والاشمئزاز.
لم تكن تلك المشاهد مما يمكن السكوت عليه؛ فالأمر بالنسبة لها لم يعد مجرد خطأ عابر، بل فجور فج لا يحتمل الصمت. وبينما كانت تغمس الصحن في الماء وتفركه بعصبية، انبعث في الأرجاء صرير باب الشقة وهو يُفتح ببطء.
توقفت يدها لحظة، وأرهفت سمعها،
لم تمض ثوان حتى انطلق صوت التحية الرجولي من الصالة، فعرفت من فوره أي من شقيقيها قد عاد.
عندها ألقت ما في يدها في الحوض بإهمال، وغسلت كفيها سريعاً تحت ماء الصنبور، ثم أغلقته على عجل.
خرجت من المطبخ بخطوات حازمة، لتجده ممدداً على الأريكة في استرخاء بارد، وقفت أمامه مباشرة، وضعت يديها على جانبي خصرها، ورمقته بنظرة ملأها الاحتقار والغضب.
ردت تحيته بنبرة ينضح منها التهكم:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… يا حضرة البيه الحرامي والخاين والقذر.
لم تمر كلماتها مرور عابر عليه، فقد وثب من مكانه في لحظة، واندفع نحوها كالعاصفة، قابضاً على ذراعها بعنف حتى غرزت أنامله وأظافره في لحم عضدها، وصاح بها:
— مين ده اللي بتشتميه يا بنت الـ…؟!
لكن الألم لم يرهبها، ولم تتراجع خطوة، رفعت رأسها متحدية، وقالت بوجه مكشوف:
— أنت الحرامي اللي بيستحل تعبي وشقايا ويروح يشتري بيه الكيف بتاعه، وأنت الخاين لابن عمك، وخاين لابن خالك اللي ما يعرفوش حاجة عنك أنت والسافلة القذرة اللي المفروض فرحها النهارده، ونازلين أنت وهي أحضان وبوس في بعض.
كأن تيار كهربائي صعقه فجأة؛ فقد دفع ذراعها بعيداً عنه في ذهول، واتسعت عيناه بينما تكسو الصدمة ملامحه:
— أنتي… أنتي عرفتي منين؟ ولا شوفتي…
قاطعته فوراً، وقد اشتعل صوتها:
— أيوه، شوفتكم فوق السطح امبارح، وسمعت كل حاجة، وعلى فكرة كنت شاكة فيكم من زمان، كان بيظهر قدامي حاجات… بس أنا ما بحبش سوء الظن، وقلت يمكن تهيؤات يا بت يا نور، مش معقولة، أخوكي حرامي آه… بس مش هتوصل بيه الوساخة إنه يمشي مع بنت خاله المخطوبة، لا وكمان ياريت اللي بينكم مجرد كلام… ده أنتم عديتوا ليفل الفُجر بمراحل كتير أوي.
ابتلع ريقه بصعوبة، بينما أخذ وسواس شيطانه يهمس في رأسه بقلق محموم، حدقها بنظرة تنضج شر، فسألها بحدة:
— أنتي قولتي لحد؟، قولتي لمؤمن؟
انفجرت ضاحكة بسخرية لاذعة:
— ولو أنا قولت لمؤمن كان زمانك واقف بتزغر لي بعينيك كده؟!، ده لولا إني سمعته امبارح وهو طالع ونزلت له، كان زمانه هو اللي مكاني وشافكم، أقل حاجة كان هيطيركم من فوق السطح أنت وهي.
تنفس الصعداء أخيراً، كأن صخرة هوت عن صدره، فهو يعرف قلب شقيقته جيداً؛ مهما بلغ غضبها من أفعاله، لم تؤذه يوماً. جلس على الأريكة وقد خارت قواه، ومد يده يمسك بكفها متوسلاً:
— نور… أختي وحبيبتي، أنا عارف إن من حقك تكرهيني على كل اللي عملته معاكي، وعارف إني حرامي وندل، وياما جيت عليكي، بس عشان خاطري، بحلفك بالله، أوعي اللي سمعتيه أو شوفتيه تقوليه لأي مخلوق، وأنا هافهمك الموضوع، الحكاية أصلاً لا بإيدي ولا بإيدها، وإنتي كنتس عارفة بعلاقة حبنا أنا وهي قبل ما تتخطب لعمرو.
زفرت شقيقته باحتقار واضح وقالت:
— وأنا برضه الوحيدة اللي كنت عارفة، بس لما سألتك وقتها آخر علاقتكم إيه، قولتلي آخرتها حلال يا نور، وسنة تجر التانية في التالتة… فضلتوا أربع سنين، ولما لاقيت مؤمن جه قال لي إن عمرو ومرات عمي راحوا طلبوا إيدها، جيت سألتك… قولتلي خلاص، كل حاجة خلصت ما بينكم عشان مش جاهز للجواز.
هزت رأسها بمرارة وأكملت:
— حتى أنا استغربت،
لأن السافلة دي عارفة إنها بتموت فيك… مش عارفة على إيه والله، بس احترمتك وقتها لما لاقيتك انسحبت بهدوء، وفهمت إن مؤمن ومرات خالي ضغطوا عليها عشان توافق، جيت تاني قولت لك يا سيد، عايزني أكلم مؤمن وأفهمه إنكم بتحبوا بعض ويديك فرصة تجهز حالك وتطلب إيدها، قولتلي أوعي تعملي كده!
صمتت للحظة ثم انفجرت قائلة:
—مكنتش أعرف إنكم بتشتغلوني وعايشين حياتكم بالطول والعرض!، ليه كده؟! أنت تقبلها عليّا؟
صاح فوراً بانفعال:
—لا طبعاً، ده أنا كنت أقتلك ولو أنا ما عملتهاش رضا كان هيعملها بدالي، أنا عارف فيّا كل العبر… بس أهل بيتي خط أحمر، وبعدين إحنا واثقين فيكي وعارفين إنك زي الألف.
رفعت حاجبها بدهشة وقالت بحدة:
— لأني بخاف ربنا… مش خايفة منكم، ولو عملت حاجة غلط في حق نفسي أنا اللي هشيل الطين فوق دماغي لآخر العمر، غير حساب الآخرة اللي ما بيفوتش هفوه.
زفر بضجر وقال متبرماً:
— خلاص بقى، هتقلبيها حصة دين ولا إيه؟!
ردت ببرود ساخر:
— يا سيد، أنت أصلاً الدين ما عداش عليك يا حبيبي، ده أنت لو إبليس عملك امتحان هتطلع من الأوائل عنده… وبتقدير امتياز كمان.
اشتعل غضبه وصاح بها:
— اتلمي يا نور أحسن لك، هو عشان ساكت لك هتسوقي فيها ولا إيه؟، فوقي لنفسك يا بت!
لكنها لم تتراجع، بل صاحت بصوت أعلى:
— أنت تخرس خالص، ليك عين وبتزعق لي وتهددني؟!، بص بقى يا ابن أمي وأبويا، عشان أبقى عملت اللي عليّا قدام ربنا، لو عرفت إنك لسه على تواصل مع البت دي، أقسم بالله لأبلغ أخوها… حتى لو هيموتها ويخلص عليك أنت كمان، عمرو ابن عمك ما يستاهلش منك كده، افتكر له حتى مواقف الجدعنة اللي عملها معاك… عمره ما اتأخر عليك في أي حاجة، وكلنا نشهد له بأخلاقه وشهامته.
كانت تتمنى أن توقظ كلماتها ضميره الغارق في سبات عميق، لكن نظراته اصبحت قاسية، فجأة قبض على شعرها بعنف وقال بتهديد:
—طب اسمعيني كويس بقى يا روح….
وقبل أن يكمل تهديده، دوى صوت غاضب من مدخل باب المنزل:
— إيه اللي بيحصل ده؟!
كان والدهما قد فتح الباب للتو، فترك شقيقها شعرها فوراً، واستدار مبتسماً ابتسامة زائفة وقال:
— مفيش يا حاج… كنا بنهزر مع بعض.
ثم رمق شقيقته بنظرة تجمع بين التوسل والتهديد، وقال:
— مش كده يا نور؟
لكن شقيقته لم تجبه، و رمقته بنظرة ازدراء أخيرة، ثم استدارت وتركتهما، متجهة إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها بعنف، وكأنها تغلق في وجه العالم كله.
جلست على سريرها وقد أثقل قلبها الاشمئزاز والمرارة، كم كرهت العيش في هذا المستنقع الذي يحيط بها من كل جانب.
غير أنها حاولت أن تهون على نفسها، مرددة في أعماقها أن الأمر لن يدوم طويلاً… فليست إلا أيام قليلة، وستغادر هذا البيت كله إلى عشها الزوجي، تاركة خلفها كل هذا العفن الذي أنهك روحها.
❈-❈-❈
اندفع هشام إلى مكتب شقيقه كعادته، من غير استئذان، يفتح الباب بجرأة اعتادها بينهما، دخل مبتسماً وعلى شفتيه تلك الخفة التي تسبق كلماته دائماً، قائلًا بمرح:
— قولت أجي أصبح أو أمسي عليك، وأشوفك ليه مشيت من بدري حتى ما قعدتش تفطر معانا.
كان الأخر واقفاً قرب مكتبه، وبين أصابعه بقايا السيجار يتلاشى دخانه ببطء، نظر إليه لحظة قبل أن يترك ما تبقى من السيجار في المطفأة الكريستالية الموضوعة فوق المكتب، ثم تنهد تنهيدة خافتة:
— صحيت من بدري… ومكنش ليا نفس أفطر.
حدقه شقيقه بنظرة متفحصة، كأنه يقرأ ما وراء الكلمات، ثم قال باستفهام مائل إلى اليقين:
— واضح دارين عكتها معاك المرة دي أوي.
ارتفع جانبفمهم في ابتسامة ساخرة خالية من المرح، قائلًا ببرود:
— وإيه الجديد!، ده العادي بتاعها، ما تبقاش دارين إلا لما تخرج أسوأ ما فيّا.
ضحك هشام ضحكة دوى صداها، تقدم وجلس على المقعد المقابل للمكتب، مستنداً إلى ظهره في استرخاء واضح، وقال:
—عشان بتحبك… ومش بتحبك وبس، دي مهوسة بيك.
تغيرت ملامح شقيقه قليلاً، وأجاب بنبرة جافة:
—واللي بيحب حد ومهوس بيه يوصلوا لمرحلة إنه يخليه مش طايق يبص في وشه؟!، عمرها ما احترمت كلمتي، كنت أقولها يمين تنفذها شمال… بتشوف إيه اللي يعصبني وتروح تعمله، ده غير حاجات كتير تانية أحب أحتفظ بيها لنفسي.
هز الأخر كتفيه واخبره:
— كل اللي قولته ده كان سهل يتصلح واحدة واحدة، وطالما بتحبك هتنفذ اللي تقوله ليها من غير جدال، هي كانت بتعاندك عشان عايزاك تهتم بيها… تحبها زي ما بتحبك، هي ما لقتش منك حب… لقت امتلاك وبس.
ساد صمت ثقيل للحظة، ثم نهض هشام من مقعده، ووقف في مواجهة شقيقه، عقد ساعديه أمام صدره وأكمل حديثه بنبرة مباشرة:
— من الآخر… أنت ما حبيتهاش، بدليل إنك ما صدقت تطلقها للمرة التالتة، وعارف إنها مش هينفع ترجعلك تاني إلا لو اتجوزت محلل، وأنا عارفك كويس… صفوان الشاذلي أكره ما عليه حد يلمس أي حاجة كانت خاصة بيه، حتى لو الحاجة دي ما عدتش تلزمه.
زفر الأخر بضجر واضح، وقد بدا أن هذا الحديث استنفذ صبره، أدار وجهه قليلاً كأنه يريد أن يطوي تلك الصفحة، ثم اتجه نحو مكتبه وجلس خلفه، وقال بنبرة تغير بها مجرى الكلام:
—في موضوع كنت عايز أبلغك بيه… وبنسي كل مرة.
ضحك شقيقه، وقال بلهجة مازحة لا تخلو من تهكم:
— توه، توه في الكلام، ماشي يا برنس، اتفضل قول… وأنا سامعك.
رمقه صفوان بنظرة متجهمة، فرفع الأخر كفيه مبتسمًا:
— خلاص يا باشا، أنا كنت بهزر.
اخبره بلهجة مقتضبة:
—فايا بنت عمك.
وما إن خرج الاسم من بين شفتيه حتى تلاشت الابتسامة من وجهه فجأة، انعقدت ملامحه وسأله بنبرة خافتة يخفي خلفها قلقه:
—مالها؟
أجاب شقيقه بهدوء:
—المفروض قدامها شهرين وتخلص الكلية، وأنا قولتلها مكانها موجود في قسم الـ IT، وبما إنك مدير القسم، فعايزك تجيبها تتدرب على الشغل الفترة دي في أيام إجازتها.
استمع إلى حديثه بصمت، بينما تحولت زرقتا عينيه من الفاتح إلى القاتم، نظرته تنضح بالغموض.
شرد بصره في الفراغ كأن ذهنه انزلق إلى مكان بعيد، ولم ينتبه إلا حين جاءه صوت صفوان يقول بحدة خفيفة:
— أنت معايا ولا سرحان في إيه بالظبط؟
انتبه فجأة، فأومأ برأسه وقال:
— معاك… تمام، أنا هابلغها لما نروح عشان تبقى عاملة حسابها.
اخبره شقيقه بنبرة تحمل شيئاً من التحذير:
— مش هوصيك عليها طبعاً.
لم يرد الأخر مباشرة نظر إلى الفراغ لحظة، وفي رأسه صورة لا تفارقه… يتذكرها وهي تحتضن قميصه بحميمية، فخياله انطلق إلي ما هو محظور، حيث تصور إنها تعانقه هو وليس القميص!
نظر إلي شقيقه وارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ثم اخبره بعزم وثقة:
—ما تقلقش… هاخد بالي منها كويس.
رواية أسيرة الغريم الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت علي
اندفعت تهبط درجات السلم مسرعة، وقد انعقد الخوف في صدرها عقدة خانقة،
لم تكن تركض عبثاً؛ بل كانت تهرب من احتمال مرعب، أن يصعد مؤمن فيري أو يسمع ما سمعته هي منذ لحظات، ولو حدث ذلك فالعواقب لن تكون هينة… بل أقل ما قد يفعله أن يتخلص من شقيقته ومعها شقيقها، ليُسدل الستار على تلك الفضيحة التي تتربص بالجميع في الأعلى.
بلغت باب المنزل، فوجدته مفتوح على مصراعيه، ومن داخله كانت الأغاني تصدح في الأرجاء، تختلط بنغمات الموسيقى وضجيج الضحكات، وقفت لحظة تستجمع أنفاسها، قبل أن يلمحها.
انتبه لها، فتقدم منها قليلاً، وانحنى برأسه نحو أذنها ليغلب صوته صخب الموسيقى، وسألها:
— كنتي فين؟
رمقته لثوان قصيرة، كأنها تزن الكلمات قبل أن تنطق بها، ثم أجابت بهدوء متصنع:
— خرجت أشم نفسي شوية… الشقة جوه زحمة أوي.
مد يده فأمسك يدها، ثم مال إلى أذنها مرة أخرى، متعمداً أن لا يسمع أحد سواها، وهمس بنبرة ماكرة:
— ما تيجي نطلع السطح فوق، نشم أنا وانتي أحلى هوا؟
وما إن نطق بكلمة السطح حتى اتسعت عيناها فجأة، كأن صاعقة أصابتها.
رمقته بنظرة امتعضت ظاهرها، غير أن الخوف كان يتوارى خلفها بوضوح، دفعت يده عن يدها، ثم لكزته في صدره وهي تقول بضيق:
— اتلم بقى… إنت ما بتزهقش؟!
اقترب منها أكثر، غير عابئ بامتعاضها، وقال بجرأة مازحًا:
— أزهق من إيه؟ هو أنا عملت حاجة لسه؟ ده انتي مطلعة عيني يا شيخة… بس هانت، كلها أيام ويتقفل علينا باب، وهوريكي الزهق على حق.
ثم غمز بعينه في خبث واضح، رفعت حاجبها تنظر إليه نظرة تجمع بين السخرية والضيق، لكن تعبير وجهها تبدل فجأة، إذ اتسعت عيناها فجأة، وحدقت خلفه بذعر مصطنع وهي تهتف:
— رضا!
التفت الأخر خلفه بفزع حقيقي، جال ببصره سريعاً فلم يجد أحد، وفي اللحظة التالية دوى ضحكها في المكان، ضحكة خفيفة مشاكسة كشفت حيلتها.
عاد يلتفت إليها، وعيناه تضيقان بوعيدٍ واضح:
— بتشتغليني يا نور!، طيب… مش هاسيبك غير لما آخد حق الخضة اللي قطعتلي الخلف.
وفي لحظة مباغتة، مد يده فأغلق باب الشقة من الخارج، ثم جذبها من خصرها حركة خاطفة، قبل أن يقودها إلى زاوية معتمة لا يصلها ضوء المصابيح.
لم يمهلها فرصة للاعتراض؛ إذ انقض على شفتيها بقبلة جامحة، أخذت تدفعه عنها بيديها، تحاول التخلص من قبضته، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، وكأنه كالجبل؛ فأوهمته لوهلة أنها تبادله القبلة، حتى تمكنت من احتواء شفته السفلى بين أسنانها.
وفي اللحظة التالية…غرزت أسنانها فيها بقوة مفاجئة، انتفض عنها صارخاً، وقد انبلج الألم علي وجهه، بينما سالت الدماء بغزارة من شفته المجروحة.
أما هي فلم تنتظر ثانية واحدة؛ ركضت مبتعدة عنه كغزالة أفلتت من صيادها، وانطلقت نحو السلم تهبط درجاته مسرعة، قبل أن يتمكن من اللحاق بها.
وبينما كانت تختفي أسفل الدرج، كان صوته يلحقها بوعيد غاضب، بينما ضحكتها تتردد ساخرة في الأرجاء.
ظل واقفاً لحظة يضغط على فمه بيده، ثم التفت سريعاً وعاد إلى داخل الشقة، مكمم فاه حتى لا يلاحظ أحد ما حدث لشفته.
توجه مباشرة إلى الحمام، وفتح الصنبور، أخذ يغسل الدماء عن فمه محاولاً إيقاف النزيف. كان الألم ينبض في شفتيه كجمرة مشتعلة،
ظل يتأوه وهو ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة، ثم قال بين أسنانه بغيظ واضح:
— ماشي يا نور… أما وريتك، هتروحي مني فين.
لم يكد يفرغ من مداواة شفته ومحاولة إيقاف نزيفها حتى صدح هاتفه بصوت تنبيه يشق سكون الحمام، فانتبه له وهو ما يزال يضغط على شفته المتورمة.
مد يده ببطء إلى جيب بنطاله، وأخرج الهاتف وعيناه تضيقان بتوجس غامض.
فتح الشاشة، وما إن وقعت عيناه على اسم المرسلة حتى تبدل الألم في وجهه إلى غضب متأجج كانت الرسالة من تلك المرأة التي تدعي «نوءه»، وهو الاسم الذي اعتاد أن يدللها به في لحظات كان يتمنى الآن لو أنها لم تكن.
انزلق بصره على الكلمات، فبدت الحروف كأنها سياط تلهب أعصابه.
«خليك فاكر إنك قولتلي أسيبك يومين، والتالت هتنفذ اللي قولتلك عليه، يعتبر فات يوم، وفاضل بكرة إبقى اتهرب مني عشان أجيلك الحارة، ومش محتاج أقولك أنا هاعمل إيه… هخليك تعرف بنفسك وقتها… سلام يا أبو اللي في بطني»
ما إن فرغ من قراءة الرسالة حتى انقبض فكه بقسوة، وجز على أسنانه جز عنيف حتى اصطكت من شدة حنقه.
اشتعل الغضب في عينيه كجمرتين متقدتين، وارتفعت أنفاسه متلاحقة، أكبر ما يؤرقه ويثقل قلبه هو أن يُفتضح أمره أمام أسرته وعائلته، أن ينكشف المستور فجأة فتتهاوى صورته التي بناها أمامهم، لكن أكثر ما كان يبعث الرعب في نفسه… أن يصل ذلك الخبر إلى ابنة عمته تحديداً قبل حفل زفافهما.
❈-❈-❈
في قصر آل الشاذلي…
جلس صفوان على رأس الطاولة بقامته المهيبة وبدلته الأنيقة التي تُبرز هيبته السياسية، على يمينه جلست ناهد زوجة عمه بابتسامتها الهادئة، بجانبها دارين التي كانت تحاول أن تبدو هادئة ومتماسكة وتدرك ما وراء هدوء ابن عمها، ليس بأي هدوء، فهو الذي يسبق العاصفة.
بينما يلي دراين فايا التي كانت تجلس في آخر الصف كأنها تحاول الاختباء من عيون الجميع، و خاصة زرقاويتين هذا الهشام، يحدق بها كل حين و آخر، وجواره زوجته أسما تنظر لوالدتها وكأنهما يتبادلان الحديث بالعيون.
كان الجو هادئًا ظاهريًا، لكن نظرات صفوان إلى دارين كانت تُطلق سهام من الوعيد كلما التقت عيناه بعينيها، فهو ينتظر بانتهاء هذا العشاء كي يُفرغ ما في صدره من غضب مكبوت، بعد أن علم بذكائه الحاد وبطريقته الخاصة أن حوار المذيعة «لي لي الشامي» معه والصحفيين الذين التفوا حوله في الصباح كانوا جميعًا من مكائد ابنة عمه، حيث اتفقت معهم علي أن يقوموا باحراجه أمام الرأي العام كونه نائب في البرلمان.
و إذا يقطع هشام هذا الصمت بصوته الجهوري المرح، ثغره متسع بسعادة بالغة وهو ينظر إلى أخيه:
–عجبتني أوي يا صفوان في حوارك مع لي لي الشامي، حاولت تحرجك على الهوا فعرفت تلفها بالكلام وتديها من تحت لتحت بتهيئلي هاتحرم تستضيفك تاني.
ابتسامة باردة انبلجت علي ثغر شقيقه، لكنه لم يرفع عينيه عن طبقه مباشرة؛ بل كان يرمي كلماته بطريقة مدروسة، موجهًا سهامه الخفية نحو ابنة عمه التي كانت تتظاهر بعدم الاكتراث، وتحرك الطعام في طبقها بلا شهية:
–أصل هي واللي زيها فاكرين نفسهم أذكياء، ما يعرفوش إن أنا عارف هم بيفكروا في إيه قبل ما يتكلموا وإيه اللي بيدبروه من ورايا.
و تلك المقصودة تسمع كلماته وتحاول أن تبدو غير معنية بالحديث، كأن حديث طليقها يمر عليها مرور الكرام، لكن وجهها الشاحب كان يكشف عن توترها الداخلي، فهي تدرك جيدًا أن الليلة
لم تمر بسلام عليها!
وبالعودة إلي فايا، فكانت في عالم آخر، شاردة تمامًا في طبقها، تحرك الشوكة في الأرز ببطء وتتظاهر بالأكل، بينما قلبها يخفق بقوة.
تخشى أن ترفع عينيها وتلتقي بنظراته الغريبة التي كانت تُلقى عليها كل حين، نظرات تحمل ذكرى الصباح حين دخل عليها فجأة ورآها تحتضن قميصه بكل ما فيها من شوق محرم.
تلك النظرات تُعيد إليها المشهد بكل تفاصيله، فتزداد وجلًا وتوتر.
و إذا بها فجأة انتبهت إلى صوته يناديها بهدوء:
–فايا ممكن تناوليني المية اللي عندك.
رفعت عينيها عن الطبق ونظرت إليه لثوان قليلة، وكأنها لم تسمع ما قاله لها، فأشار لها بعينيه نحو الإبريق الزجاجي الذي كان بجانبها.
مدت يدها بسرعة، أمسكت الإبريق ومدته إليه، وهي تتفادى النظر في عينيه تمامًا، خوفًا من أن يقرأ ما يدور بداخلها، فكيف لا يقرأها وهي كالكتاب المفتوح أمامه!
لم تستطع أن تتحمل التوتر أكثر من ذلك، قامت فجأة من مقعدها، وقالت بصوت هادئ تحاول أن تجعله طبيعي:
–عن إذنكم طالعة أنام.
علي الفور نظرت والدتها إلى أسما نظرة سريعة، وأشارت إليها بعينيها نحوها.
نهضت شقيقتها وقالت بصوت دافئ:
–استني يا فايا عايزة أتكلم معاكي شوية.
ارتجفت من طلب شقيقتها، وكانت أول حركة لها أن نظرت إلى هشام بنظرة مذعورة.
لاحظت والدتها تلك النظرة الخاطفة، لكنها لم تنطق أو تعلق، بينما هي استدارت بعد ثوان نحو شقيقتها التي تابعت بابتسامة هادئة:
–مالك مخضوضة ليه؟، بقالنا كتير ما رغيناش مع بعض، تعالي نقعد في الجنينة شوية.
رسمت فايا على وجهها طيف ابتسامة تخفي خلفها حالة من التوتر الغادق، وقالت بصوت هادئ:
–تمام، يلا.
و هنا دارين كانت على وشك أن تقوم هي الأخرى، لتلحق بهم هربًا من الذي ينتظرها، نهضت قليلاً وقالت:
–استنوا خدوني معاكم.
لكن قبل أن تكمل حركتها، قبض صفوان بيده القوية على رسغها، التفتت إليه مذعورة، وعيناها تسألان بصمت.
وقبل أن تنطق كلمة واحدة، قام وأمرها بصوت يبدو إنه هادئ لكن الهدوء القاتل، أمر حازم لا يقبل الجدل:
–قدامي على المكتب.
وقبل أن تنفذ أمره ألقت نظرة علي الجالسين لاسيما والدتها التي حدقتها بابتسامة ساخرة وشامتة لأنها كم حذرتها أن لا تعترض طريق ابن عمها بالمكائد، والأخرى لم تكترث لأي نصيحة بل تفعل النقيض لتثير جنون هذا الوحش الكامن الذي سحبها مرة واحدة خلفه.
❈-❈-❈
دخل المكتب بخطوات ثقيلة هادئة، يجرها من رسغها بقبضة حديدية لا تؤذي لكنها لا تسمح لها بالفرار.
أغلق الباب خلفهما بدفعة واحدة حاسمة من قدمه، فدوى الصوت في الغرفة كإعلان بدء معركة لن تنتهي علي خير!
الغرفة شبه مظلمة، مضاءة فقط بضوء مصباح مكتبي أصفر خافت، انعكاسه علي وجهه اعطاه هيئة دبت الرعب في أوصالها ، تملأ الغرفة رائحة الخشب القديم والسيجار الباردة تخالطها رائحة عطره القوي الذي كان يملأ المكان.
دفعها بلطف قاس نحو منتصف الغرفة، ثم وقف أمامها، يحجب عنها الضوء بقامته الطويلة، رفع ذقنه قليلاً ونظر إليها بنظرة باردة تخفي تحتها بركان من الغضب المكبوت.
–سؤال واحد وعايز اعرف إجابته… إيه اللي مخليكي تستهتري بيا للدرجة دي؟
نظرت إليه بتحدٍ واضح، رغم أن قلبها كان يخفق بقوة، فأجابت بإنكار:
–أنا معرفش أنت بتتكلم عن إيه.
انبلجت علي شفتيه ابتسامة ساخرة مليئة بالتهكم، تعلم ما يليها جيداً من بركان علي وشك الإنفجار، فها هو اندفع نحوها ليقبض علي ذراعها فجأة، لكنها تحركت اسرع منه، تراجعت خطوة إلى الخلف.
جز علي أسنانه ويبدو إنه يقاوم شياطنيه:
–ما تعرفيش أنا بتكلم عن إيه!، هاعتبرك غبية و ما بتفهميش وهاقولك، بالنسبة للي لي الشامي اللي طلعت يا سبحان الله بنت خالة صاحبتك نانسي، و لا الصحفيين اللي روحتي دفعتيلهم عشان أول ما يشوفوني يتلموا عليا ويسألوني الأسئلة السخيفة بتاعتهم و اللي هي يا سبحان الله برضه كلها عنك و عن طلاقنا و إزاي عايشين مع بعض في بيت واحد و إحنا مطلقين!
اقترب منها خطوة أخرى، صوته منخفض لكنه حاد كالسكين:
–أنا عارف كل حاجة، عارف كل خطوة بتعمليها سواء قدامي أو من ورايا.
رفعت ذقنها بكبرياء، عيناها تلمعان بغضب قديم متجدد:
–ولو نفترض أنا عملت كل اللي بتقوله، إنت مالك؟!، أنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه. وأنت كمان عملت اللي إنت عايزه، كفاية خربت ليا حياتي، فما تزعلش من أي حاجة اعملها، ده مجرد رد فعل يا سيادة النائب مش أكتر.
ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم مال بجسده نحوها حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها، أنفاسه الساخنة تلامس بشرتها، يعقب علي قولها: –رد فعل؟، ده اسمه عندي انتقام رخيص، أنتي للأسف مش قادرة تفهمي إني أنا أقدر أدمرك في ثانية لو حبيت، بس أنا سايبك بمزاجي، مستني أشوف لحد فين هتوصلي بغبائك اللي هايوقعك في مرة، وساعتها يبقي ماتلوميش غير نفسك.
ارتجفت رغماً عنها، لكنها لم تتراجع، نظرت مباشرة في عينيه الحادتين، يشبهان البحر في تدرج ألوانه و هيبته المخيفة، ابتلعت ريقها واخبرته بقوة واهية:
–أنا مش خايفة منك، و لو علي تهديدك أنت فعلاً دمرتني من يوم طلاقنا.
ابتلعت ريقها مرة أخرى قبل أن تتجرأ وتردف قولها الذي لا يهاب و لا يعرف الخوف:
–يعني اللي عندك اعمله.
في لحظة، أمسك ذراعيها بكلتا يديه وجذبها إليه بعنف حتى التصق جسدها بجسده، همس بصوت أجش جوار أذنها:
–شكلك نسيتي من هو صفوان الشاذلي، بس تصدقي بالرغم كنت ناوي اعلمك الأدب، بس صعبتي عليا، كفاية حاكم عليكي لا تطولي سما و لا أرض، وهاتفضلي عايشة كده طول عمرك، تشوفيني كل يوم في وشك، عايشة معايا تحت سقف واحد، زي العطشان و متكتف ايدين و رجلين قدام نهر، تخيلي إحساسه يبقي إيه، أهو أنتي كده بالظبط، يا حرام، صعبتي عليا أوي.
و هنا القوة الظاهرة لديها، تبددت عقب رصاص كلماته، حيث شعرت بدموع الغضب تترقرق في عينيها، لكنها عضت على شفتها السفلى بقوة كي لا تسقط أمامه، حاولت أن تدفع صدره بيدها، لكنه لم يتحرك قيد أنملة.
خرج صوتها بصعوبة من غصة خانقة تقف في حلقها:
–سيبني يا صفوان.
–كلامي وجعك؟
همس وهو يبتسم بتشفي، ثم أردف: –بلاش تقفي قصادي تاني، لأنك هاتكوني الخسرانة.
تركها فجأة، فترنحت قليلاً وهي تحاول استعادة توازنها.
استدار نحو مكتبه، أشعل سيجاره الكوبي بهدوء، وألقى نظرة أخيرة عليها من فوق كتفه:
–اتفضلي روحي شوفي أنتي رايحة فين، و ابقي فكري كويس قبل ما تعملي أي حركة غبية تاني، عشان المرة الجاية مش هكون لطيف معاكي كده.
خرجت من غرفة المكتب وهي تكاد تنفجر من فرط الغضب والقهر معاً، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وجهها محتقن بالدماء من شدة الغضب المكبوت الذي يغلي في عروقها، عيناها تلمعان بدموع الغضب والإهانة التي تكتمها بصعوبة، وكأن كل كلمة قالها صفوان
قد انغرست في صدرها كسكين حاد.
لم تكد تخطو خطوتين في الممر المضيء بإضاءة خافتة حتى اصطدمت وجهًا لوجه مع الخادمة الشابة، التي كانت تحمل بين يديها صينية فضية يعلوها زوج من فناجين القهوة ، متجهة إلى غرفة المكتب.
توقفت الخادمة علي الفور وابتسمت ابتسامة مهذبة وقالت بخوفٍ وأدب:
–مساء الخير يا ست دارين، أنا جايبلكم القهوة لحضرتك و لصفوان….
لم تكمل الخادمة جملتها، في لحظة انفجار، امتلأت عينا الأخرى بنار الغضب الجامح، رفعت يدها بسرعة هستيرية وصفعت الصينية بكل ما تحتويه من يد الخادمة بقوة وقهر صارخة:
–غوري من وشي!
❈-❈-❈
جلست الشقيقتان على مقعد خشبي مزخرف بجانب نافورة صغيرة ، وبالرغم أن الهواء يحمل رائحة الورود والتراب الندي، لكن أجواء الحديث كانت أثقل من أن يخففها عبير الزهور.
بدأت أسما الحديث بهدوء، وتحدقها بابتسامة دافئة لكنها تحمل جدية واضحة:
–قوليلي يا فايا بما أنك في أخر سنة في الكلية، ناوية تعملي إيه بعد التخرج؟
نظرت الأخرى لها بعد أن زفرت بأريحية، وذلك بعد خوف وتوتر، فقد ظنت بأن هشام ربما اخبرها بما حدث صباحًا، فأجابت بثقة هادئة:
–أبيه صفوان قالي أول ما أخلص هيعيني Systems Analyst في قسم الـ IT في الشركة.
ابتسمت شقيقتها بسعادة وقالت بحماس:
–حلو أوي!، أنتي كده هتبقي تبع هشام، هو اللي ماسك حاليًا قسم الـ IT، يعني هو اللي هايبقي مديرك المباشر.
ارتجفت من المفاجأة، واتسعت عيناها بدهشة واضحة، قالت بسرعة وهي تحاول إخفاء توترها:
–مش هو المدير التنفيذي للشركة؟ ماله ومال الـ IT؟
ابتسمت الأخرى بهدوء وأجابت:
–ما هو ده تخصصه من البداية، وتخصص دراسته اللي هو نفس دراستك.
في تلك اللحظة، غابت فايا في ذكرياتها، تذكرت يوم نتيجة الثانوية الدولية، حين حصلت على مجموع يؤهلها لدخول كلية هندسة بتفوق، وبعد اجتيازها السنة الأولى بامتياز، اختارت التخصص في قسم البرمجة والنظم، تمامًا كما فعل هشام من قبل، شعرت بدقات قلبها تتسارع دون أن تدري.
انتبهت فجأة من شرودها حين سمعت صوت شقيقتها يسألها بلطف:
–مش ناوية تفكري في حاجة تاني؟
توترت وردت بسؤال دفاعي:
–حاجة زي إيه؟
ابتسمت الأخرى بمكر ثم اخبرتها بصراحتها المعتادة:
–بصي، أنتي عارفة أنا ماليش في اللف والدوران، من الآخر… ماما بتخطط إنها تجوزك لأكثم ابن عمتك.
نظرت إلى أختها بتعجب شديد، ثم بدأ التوتر يتحول إلى انفعال واضح، لم تشعر بنفسها وهي تنفعل:
–إزاي ماما تفكر في حاجة زي كده؟!، ومين قالها إني عايزة أتجوز!، وكمان بتختارلي على مزاجها من غير ما تسألني!، لسه بتتعامل معايا على إني فايا الطفلة الصغيرة؟!
تعجبت أسما من شدة انفعال شقيقتها، فأمسكت يدها برفق، وربتت عليها بحنان أخوي عميق:
–اهدي يا فايا، مالك اتعصبتي ليه؟، محدش يقدر يجبرك على أي حاجة أنتي مش عايزاها، و أنا مش هاسمح بكده، أنا في ضهرك.
شعور مفاجئ باغتها وجثم علي صدرها، وإذا بالدموع تتجمع في عينيها ، فهمست بصوت مختنق:
–محدش هيجبرني، بس أنا وأنتي عارفين ماما مش بترتاح غير لما بتنفذ اللي في دماغها.
حاولت أن تهدأ، ثم اردفت بصوت أكثر انكسار:
–وبعدين مش أكثم ده كان بيحبك يا أسما، وكان عايز يتجوزك قبل ما تتخطبي لأبيه هشام؟!
اضطربت الأخرى لحظات، ثم أجابت بهدوء محاولة إخفاء توترها:
–حصل… بس ده كان من 8 سنين، وأنا كان ردي وقتها إني باعتبره زي أخويا، وهو احترم اللي قولته.
رفعت شقيقتها حاجبيها بدهشة واضحة وسألتها:
–طب تقدري تقوليلي هو ليه ما اتجوزش لحد دلوقتي؟!
تجهم وجه أسما، فرفعت كتفيها بعدم معرفة متظاهرة:
–الله أعلم.
اقتربت الأخرى جوارها أكثر، ووجهت إليها الحقيقة التي تحاول شقيقتها تجاهلها:
–هو ما اتجوزش لحد دلوقتي عشان لسه بيحبك ومش قادر ولا هيقدر ينساكي، فياريت تقولي لماما تسيبني في حالي وتسيبني أخطط لحياتي من غير ما تدخل هي وتخربهالي… عن إذنك.
–إيه اللي حصل؟
سألها بهمس خشن يحمل قلق حقيقي،
نظرت إليه بصمت مطبق، وهي تصرخ في داخلها، أنت السبب… لما فؤادي اختارك دون عن كل الرجال!، لماذا أنت؟!
حين لم ترد، أخرج محرمته الخاصة من جيبه، والتي كانت غارقة بعطره المميز الذي يعرفه قلبها جيدًا.
رفع يده بلطف ليجفف دموعها بحنان لم تتوقعه، تصلب جسدها كاملًا من فعلته، ومن نظرة الحزن الصادقة في عينيه الزرقاويتين كالمحيط الغامض والذي تخشي الغرق داخلهما.
هزت رأسها بالرفض، وأمسكت المحرمة من يده قائلة بنبرة رسمية باردة تحاول إخفاء اضطرابها:
–ميرسي يا أبيه… عن إذنك.
فتحت باب غرفتها بسرعة ودخلت، وهو لا يزال واقفًا في مكانه، عيناه لم تبرح وجهها حتى أغلقت الباب في وجهه بهدوء.
كان إغلاق هذا الباب ليس مجرد إغلاق لغرفة نومها فقط… بل كان محاولة يائسة لإغلاق باب آخر، باب يحمي قلبها من الوقوع في المحظور الذي يقترب منها أكثر فأكثر.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، كان يجلس خلف مكتبه العريض في مقر شركة العائلة، ذلك المكتب الذي يتوسط غرفة فسيحة يغمرها ضوء النهار المنساب من الجدار الزجاجي الكبير.
كانت الأوراق تتكدس أمامه، بينما راحت يده تتحرك ببطء، يدون اسمه أسفل كل ورقة تقدمها له المساعدة، توقيع بعد توقيع.
لم يرفع عينيه عن الأوراق وهو يقول بصوت هادئ جاف:
— ألغي أي مواعيد النهارده، وراجعي الإيميلات وابعتهالي على حسابي.
أومأت له المساعدة برأسها في امتثال مهذب، ثم ردت بنبرة رسمية:
— تمام يا صفوان بيه… عن إذن حضرتك.
أجابها مقتضباً دون أن يبدل من جلسته:
— اتفضلي.
انسحبت بهدوء، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى أطلق زفرة طويلة مثقلة، ثم مال بظهره إلى الخلف ليستند إلى مسند المقعد الجلدي الوثير.
أغمض عينيه لحظة كأنه يجمع شتات أفكاره، قبل أن يمد يده إلى هاتفه الموضوع على المكتب.
ضغط زر الاتصال، وما إن جاءه الرد حتى قال بإيجاز:
— تعالى… عايزك.
لم تمض سوى ثوان معدودة حتى فُتح الباب، ودخل جسار بخطوات ثابتة، وقف أمام المكتب منتصب القامة، يومئ باحترام:
— تحت أمرك يا صفوان بيه.
نهض الأخر من خلف مكتبه ببطء مهيب، واتجه إلى صندوق خشبي فاخر موضوع على أحد الرفوف، الصندوق مزخرف بأحجار كريمة، فتحها وأخرج منها لفافة تبغ فاخرة، وقبل أن يمد يده إلى القداحة، سبقه جسار إليها بالقداحة خاصته واشعلها.
وضع صفوان السيجار بين شفتيه، وسحب نفس عميق، ثم أطلقه زفير كثيف من الدخان، أمره قائلًا:
— اعمل حسابك… ساعة وهنمشي، ولما نروح،
ابقي جهز نفسك عشان هنحضر فرح عمرو.
ارتسم الضيق واضحاً على ملامح الأخر، ذلك الضيق الذي لم يغب عن عيني صفوان الثاقبتين.
حدجه بنظرة حادة تحمل تحذير خفي، ثم قال بنبرة أكثر صرامة:
— لآخر مرة هحذرك يا جسار.
التقط نفس آخر من السيجار وأكمل حديثه:
— أنا عارف سبب اعتراضك إن الفرح هيكون في حارة، ومتفهم مدى خوفك إنه ممكن يحصل حاجة… بس بتهيألي التأمين ده مهمتك، يعني المفروض كنت اخدت الرجالة من بدري وروحتوا تأمنوا المكان كويس.
أومأ الأخر برأسه آلياً، ثم قال بصوته الرجولي الأجش:
— كله تم يا باشا… الرجالة هناك من الصبح.
رمقه بنظرة تعجب ورضا، فاقترب منه وربت على كتفهﻧ:
— براڤو.
عاد ينفث الدخان في الهواء، ثم سأله وهو يراقب خيوطه الرمادية تتلاشى:
— لسه برضه معرفتش مين هي؟
توقف جسار لحظة يعيد السؤال في ذهنه ليفهم مقصده، ثم أجاب بعد تردد بسيط:
— للأسف معرفناش نوصل لها… وحضرتك شوفت تسجيلات الكاميرات اللي كانت في المكان يومها، جايباها من ضهرها، والكاميرا الوحيدة اللي جابتها من زاوية تانية مش واضح فيها وشها، لأنها كانت بالجنب.
تقدم الأخر نحو الحائط الزجاجي الكبير، ووقف أمامه يتأمل ناطحات السحاب، فقال بسخرية باردة:
— سنة بحالها بندور عليها ومقدرناش نوصل لها… دي لو كانت إبرة مرمية في محيط كنا عرفنا نوصلها.
قال حارسه بنبرة حذرة:
— معلش يا باشا… أنا مش بتدخل في أمور حضرتك الخاصة، لكن أنا شايف إن إحنا بنبذل مجهود في البحث على الفاضي، وكمان دي واحدة ما نعرفش عنها حاجة… يعني وارد جداً تبقى مرتبطة، مخطوبة، متجوزة، حضرتك فيه ألف واحدة غيرها حواليك مستنيين إشارة منك.
كان صفوان حتى تلك اللحظة، يستمتع بتأمل المشهد خارج النافذة، لكن كلمات حارسه الأخيرة كانت كفيلة بأن تنتزع منه هدوءه.
استدار إليه ببطء، والغضب يتوهج في عينيه، ثم اخبره بحدة واضحة:
—عارف يا جسار… أنا اللي مصبرني عليك لحد دلوقتي إنك الوحيد اللي بأمنه على نفسي وعلى عيلتي، وعارف إنك ممكن تفديني بروحك.
ارتسمت على ملامحزذلك الوجه الذي اعتاد الجمود والصرامة، شبه ابتسامة، وقال بصوت يحمل امتنان صادقاً:
— الله يخليك يا باشا… ده شرف ليا سيادتك.
بينما صفوان، فقد كظم ما تبقى في صدره من غيظ دفين، وحاول أن يضبط نبرته حتى لا تنفلت منها حدة الغضب. استدار قليلاً عن النافذة، وأخذ نفس بطيئ من السيجار قبل أن يتحدث بنبرة أكثر هدوء:
— المهم… عايزك تأكد على اللي مراقبين مدام دارين ياخدوا بالهم كويس.
ثم أضاف بصرامة وقد انعقدت حاجباه:
— مش عايز أتفاجئ زي المرة اللي فاتت بمصيبة، يعني لو راحت لأي ناحية نايت… أو أي مكان فيه رقص وخمرة، يمنعوها قبل ما رجليها تنزل من العربية.
أومأ الأخر برأسه في طاعة أقرب إلى العمياء، وقال دون تردد:
— اعتبره حصل يا باشا.
رمقه لحظة بنظرة متفحصة، ثم أعاد السيجار إلى شفتيه، قبل أن يقول بنبرة مقتضبة:
— تقدر تتفضل… ولو في أي حاجة حصلت، تبلغني فوراً.
اعتدل في وقفته أكثر، ثم قال باحترام واضح:
— تحت أمرك يا صفوان بيه.
❈-❈-❈
تقف في المطبخ أمام الحوض، تجلو الصحون ، بينما يغلي رأسها من الألم، حيث تشعر بصداع ثقيل يطرق جمجمتها كالمطارق، و ذلك كلما تذكرت ما رأته وسمعته بين شقيقها وابنة خالها، كاد عقلها يجن من فرط الغضب والاشمئزاز.
لم تكن تلك المشاهد مما يمكن السكوت عليه؛ فالأمر بالنسبة لها لم يعد مجرد خطأ عابر، بل فجور فج لا يحتمل الصمت. وبينما كانت تغمس الصحن في الماء وتفركه بعصبية، انبعث في الأرجاء صرير باب الشقة وهو يُفتح ببطء.
توقفت يدها لحظة، وأرهفت سمعها،
لم تمض ثوان حتى انطلق صوت التحية الرجولي من الصالة، فعرفت من فوره أي من شقيقيها قد عاد.
عندها ألقت ما في يدها في الحوض بإهمال، وغسلت كفيها سريعاً تحت ماء الصنبور، ثم أغلقته على عجل.
خرجت من المطبخ بخطوات حازمة، لتجده ممدداً على الأريكة في استرخاء بارد، وقفت أمامه مباشرة، وضعت يديها على جانبي خصرها، ورمقته بنظرة ملأها الاحتقار والغضب.
ردت تحيته بنبرة ينضح منها التهكم:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… يا حضرة البيه الحرامي والخاين والقذر.
لم تمر كلماتها مرور عابر عليه، فقد وثب من مكانه في لحظة، واندفع نحوها كالعاصفة، قابضاً على ذراعها بعنف حتى غرزت أنامله وأظافره في لحم عضدها، وصاح بها:
— مين ده اللي بتشتميه يا بنت الـ…؟!
لكن الألم لم يرهبها، ولم تتراجع خطوة، رفعت رأسها متحدية، وقالت بوجه مكشوف:
— أنت الحرامي اللي بيستحل تعبي وشقايا ويروح يشتري بيه الكيف بتاعه، وأنت الخاين لابن عمك، وخاين لابن خالك اللي ما يعرفوش حاجة عنك أنت والسافلة القذرة اللي المفروض فرحها النهارده، ونازلين أنت وهي أحضان وبوس في بعض.
كأن تيار كهربائي صعقه فجأة؛ فقد دفع ذراعها بعيداً عنه في ذهول، واتسعت عيناه بينما تكسو الصدمة ملامحه:
— أنتي… أنتي عرفتي منين؟ ولا شوفتي…
قاطعته فوراً، وقد اشتعل صوتها:
— أيوه، شوفتكم فوق السطح امبارح، وسمعت كل حاجة، وعلى فكرة كنت شاكة فيكم من زمان، كان بيظهر قدامي حاجات… بس أنا ما بحبش سوء الظن، وقلت يمكن تهيؤات يا بت يا نور، مش معقولة، أخوكي حرامي آه… بس مش هتوصل بيه الوساخة إنه يمشي مع بنت خاله المخطوبة، لا وكمان ياريت اللي بينكم مجرد كلام… ده أنتم عديتوا ليفل الفُجر بمراحل كتير أوي.
ابتلع ريقه بصعوبة، بينما أخذ وسواس شيطانه يهمس في رأسه بقلق محموم، حدقها بنظرة تنضج شر، فسألها بحدة:
— أنتي قولتي لحد؟، قولتي لمؤمن؟
انفجرت ضاحكة بسخرية لاذعة:
— ولو أنا قولت لمؤمن كان زمانك واقف بتزغر لي بعينيك كده؟!، ده لولا إني سمعته امبارح وهو طالع ونزلت له، كان زمانه هو اللي مكاني وشافكم، أقل حاجة كان هيطيركم من فوق السطح أنت وهي.
تنفس الصعداء أخيراً، كأن صخرة هوت عن صدره، فهو يعرف قلب شقيقته جيداً؛ مهما بلغ غضبها من أفعاله، لم تؤذه يوماً. جلس على الأريكة وقد خارت قواه، ومد يده يمسك بكفها متوسلاً:
— نور… أختي وحبيبتي، أنا عارف إن من حقك تكرهيني على كل اللي عملته معاكي، وعارف إني حرامي وندل، وياما جيت عليكي، بس عشان خاطري، بحلفك بالله، أوعي اللي سمعتيه أو شوفتيه تقوليه لأي مخلوق، وأنا هافهمك الموضوع، الحكاية أصلاً لا بإيدي ولا بإيدها، وإنتي كنتس عارفة بعلاقة حبنا أنا وهي قبل ما تتخطب لعمرو.
زفرت شقيقته باحتقار واضح وقالت:
— وأنا برضه الوحيدة اللي كنت عارفة، بس لما سألتك وقتها آخر علاقتكم إيه، قولتلي آخرتها حلال يا نور، وسنة تجر التانية في التالتة… فضلتوا أربع سنين، ولما لاقيت مؤمن جه قال لي إن عمرو ومرات عمي راحوا طلبوا إيدها، جيت سألتك… قولتلي خلاص، كل حاجة خلصت ما بينكم عشان مش جاهز للجواز.
هزت رأسها بمرارة وأكملت:
— حتى أنا استغربت،
لأن السافلة دي عارفة إنها بتموت فيك… مش عارفة على إيه والله، بس احترمتك وقتها لما لاقيتك انسحبت بهدوء، وفهمت إن مؤمن ومرات خالي ضغطوا عليها عشان توافق، جيت تاني قولت لك يا سيد، عايزني أكلم مؤمن وأفهمه إنكم بتحبوا بعض ويديك فرصة تجهز حالك وتطلب إيدها، قولتلي أوعي تعملي كده!
صمتت للحظة ثم انفجرت قائلة:
—مكنتش أعرف إنكم بتشتغلوني وعايشين حياتكم بالطول والعرض!، ليه كده؟! أنت تقبلها عليّا؟
صاح فوراً بانفعال:
—لا طبعاً، ده أنا كنت أقتلك ولو أنا ما عملتهاش رضا كان هيعملها بدالي، أنا عارف فيّا كل العبر… بس أهل بيتي خط أحمر، وبعدين إحنا واثقين فيكي وعارفين إنك زي الألف.
رفعت حاجبها بدهشة وقالت بحدة:
— لأني بخاف ربنا… مش خايفة منكم، ولو عملت حاجة غلط في حق نفسي أنا اللي هشيل الطين فوق دماغي لآخر العمر، غير حساب الآخرة اللي ما بيفوتش هفوه.
زفر بضجر وقال متبرماً:
— خلاص بقى، هتقلبيها حصة دين ولا إيه؟!
ردت ببرود ساخر:
— يا سيد، أنت أصلاً الدين ما عداش عليك يا حبيبي، ده أنت لو إبليس عملك امتحان هتطلع من الأوائل عنده… وبتقدير امتياز كمان.
اشتعل غضبه وصاح بها:
— اتلمي يا نور أحسن لك، هو عشان ساكت لك هتسوقي فيها ولا إيه؟، فوقي لنفسك يا بت!
لكنها لم تتراجع، بل صاحت بصوت أعلى:
— أنت تخرس خالص، ليك عين وبتزعق لي وتهددني؟!، بص بقى يا ابن أمي وأبويا، عشان أبقى عملت اللي عليّا قدام ربنا، لو عرفت إنك لسه على تواصل مع البت دي، أقسم بالله لأبلغ أخوها… حتى لو هيموتها ويخلص عليك أنت كمان، عمرو ابن عمك ما يستاهلش منك كده، افتكر له حتى مواقف الجدعنة اللي عملها معاك… عمره ما اتأخر عليك في أي حاجة، وكلنا نشهد له بأخلاقه وشهامته.
كانت تتمنى أن توقظ كلماتها ضميره الغارق في سبات عميق، لكن نظراته اصبحت قاسية، فجأة قبض على شعرها بعنف وقال بتهديد:
—طب اسمعيني كويس بقى يا روح….
وقبل أن يكمل تهديده، دوى صوت غاضب من مدخل باب المنزل:
— إيه اللي بيحصل ده؟!
كان والدهما قد فتح الباب للتو، فترك شقيقها شعرها فوراً، واستدار مبتسماً ابتسامة زائفة وقال:
— مفيش يا حاج… كنا بنهزر مع بعض.
ثم رمق شقيقته بنظرة تجمع بين التوسل والتهديد، وقال:
— مش كده يا نور؟
لكن شقيقته لم تجبه، و رمقته بنظرة ازدراء أخيرة، ثم استدارت وتركتهما، متجهة إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها بعنف، وكأنها تغلق في وجه العالم كله.
جلست على سريرها وقد أثقل قلبها الاشمئزاز والمرارة، كم كرهت العيش في هذا المستنقع الذي يحيط بها من كل جانب.
غير أنها حاولت أن تهون على نفسها، مرددة في أعماقها أن الأمر لن يدوم طويلاً… فليست إلا أيام قليلة، وستغادر هذا البيت كله إلى عشها الزوجي، تاركة خلفها كل هذا العفن الذي أنهك روحها.
❈-❈-❈
اندفع هشام إلى مكتب شقيقه كعادته، من غير استئذان، يفتح الباب بجرأة اعتادها بينهما، دخل مبتسماً وعلى شفتيه تلك الخفة التي تسبق كلماته دائماً، قائلًا بمرح:
— قولت أجي أصبح أو أمسي عليك، وأشوفك ليه مشيت من بدري حتى ما قعدتش تفطر معانا.
كان الأخر واقفاً قرب مكتبه، وبين أصابعه بقايا السيجار يتلاشى دخانه ببطء، نظر إليه لحظة قبل أن يترك ما تبقى من السيجار في المطفأة الكريستالية الموضوعة فوق المكتب، ثم تنهد تنهيدة خافتة:
— صحيت من بدري… ومكنش ليا نفس أفطر.
حدقه شقيقه بنظرة متفحصة، كأنه يقرأ ما وراء الكلمات، ثم قال باستفهام مائل إلى اليقين:
— واضح دارين عكتها معاك المرة دي أوي.
ارتفع جانبفمهم في ابتسامة ساخرة خالية من المرح، قائلًا ببرود:
— وإيه الجديد!، ده العادي بتاعها، ما تبقاش دارين إلا لما تخرج أسوأ ما فيّا.
ضحك هشام ضحكة دوى صداها، تقدم وجلس على المقعد المقابل للمكتب، مستنداً إلى ظهره في استرخاء واضح، وقال:
—عشان بتحبك… ومش بتحبك وبس، دي مهوسة بيك.
تغيرت ملامح شقيقه قليلاً، وأجاب بنبرة جافة:
—واللي بيحب حد ومهوس بيه يوصلوا لمرحلة إنه يخليه مش طايق يبص في وشه؟!، عمرها ما احترمت كلمتي، كنت أقولها يمين تنفذها شمال… بتشوف إيه اللي يعصبني وتروح تعمله، ده غير حاجات كتير تانية أحب أحتفظ بيها لنفسي.
هز الأخر كتفيه واخبره:
— كل اللي قولته ده كان سهل يتصلح واحدة واحدة، وطالما بتحبك هتنفذ اللي تقوله ليها من غير جدال، هي كانت بتعاندك عشان عايزاك تهتم بيها… تحبها زي ما بتحبك، هي ما لقتش منك حب… لقت امتلاك وبس.
ساد صمت ثقيل للحظة، ثم نهض هشام من مقعده، ووقف في مواجهة شقيقه، عقد ساعديه أمام صدره وأكمل حديثه بنبرة مباشرة:
— من الآخر… أنت ما حبيتهاش، بدليل إنك ما صدقت تطلقها للمرة التالتة، وعارف إنها مش هينفع ترجعلك تاني إلا لو اتجوزت محلل، وأنا عارفك كويس… صفوان الشاذلي أكره ما عليه حد يلمس أي حاجة كانت خاصة بيه، حتى لو الحاجة دي ما عدتش تلزمه.
زفر الأخر بضجر واضح، وقد بدا أن هذا الحديث استنفذ صبره، أدار وجهه قليلاً كأنه يريد أن يطوي تلك الصفحة، ثم اتجه نحو مكتبه وجلس خلفه، وقال بنبرة تغير بها مجرى الكلام:
—في موضوع كنت عايز أبلغك بيه… وبنسي كل مرة.
ضحك شقيقه، وقال بلهجة مازحة لا تخلو من تهكم:
— توه، توه في الكلام، ماشي يا برنس، اتفضل قول… وأنا سامعك.
رمقه صفوان بنظرة متجهمة، فرفع الأخر كفيه مبتسمًا:
— خلاص يا باشا، أنا كنت بهزر.
اخبره بلهجة مقتضبة:
—فايا بنت عمك.
وما إن خرج الاسم من بين شفتيه حتى تلاشت الابتسامة من وجهه فجأة، انعقدت ملامحه وسأله بنبرة خافتة يخفي خلفها قلقه:
—مالها؟
أجاب شقيقه بهدوء:
—المفروض قدامها شهرين وتخلص الكلية، وأنا قولتلها مكانها موجود في قسم الـ IT، وبما إنك مدير القسم، فعايزك تجيبها تتدرب على الشغل الفترة دي في أيام إجازتها.
استمع إلى حديثه بصمت، بينما تحولت زرقتا عينيه من الفاتح إلى القاتم، نظرته تنضح بالغموض.
شرد بصره في الفراغ كأن ذهنه انزلق إلى مكان بعيد، ولم ينتبه إلا حين جاءه صوت صفوان يقول بحدة خفيفة:
— أنت معايا ولا سرحان في إيه بالظبط؟
انتبه فجأة، فأومأ برأسه وقال:
— معاك… تمام، أنا هابلغها لما نروح عشان تبقى عاملة حسابها.
اخبره شقيقه بنبرة تحمل شيئاً من التحذير:
— مش هوصيك عليها طبعاً.
لم يرد الأخر مباشرة نظر إلى الفراغ لحظة، وفي رأسه صورة لا تفارقه… يتذكرها وهي تحتضن قميصه بحميمية، فخياله انطلق إلي ما هو محظور، حيث تصور إنها تعانقه هو وليس القميص!
نظر إلي شقيقه وارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ثم اخبره بعزم وثقة:
—ما تقلقش… هاخد بالي منها كويس.
رواية أسيرة الغريم الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت علي
سارت إلي المطبخ بخطوات متعثرة، فأخذت شيئاً خبئته خلف ظهرها.
عادت إليه وفتحت باب الحمام فوجدته يستحم و يغني وكأنه لم يقترف شيئاً في حقها، انتبه إليها فابتسم:
– إيه لحقت أوحشك فجيالي الحمام؟!
و غمز بعينه، ثم نظر إلي ثوبها الممزق وسألها:
-مالبستيش الفستان اللي ادتهولك ليه؟، و لا أقولك تعالي يا حب، ناخد دش العرسان و أبقي ألبسي الفستان بعدين.
وإذا بها ترفع يدها المخبأة خلف ظهرها، شاهرة سكين حادة صارخة:
– أنا هقتلك.
قالتها، فوقف أمامها مصدومًا، وهيهات أن يصدّق ما يرى.
هجمت عليه بالسكين كالوحش الجريح، فصاح مبتعدًا عنها بسرعة:
– يا بنت المجانين!
وفي لحظة خاطفة، مد يده وجذب منشفة قطنية لفّها حول خصره بسرعة. أما هي، فأخذت تلحق به كالمجنونة، تطعنه في الهواء وتصرخ بجنون أعمى.
كادت طعنة منها تصيبه في كتفه، لكنه انفلت منها ببراعة، وباغتها بأن قيّدها من الخلف بذراعيه القويتين، وقبض بشدة على رسغ يدها التي تمسك بالسكين.
حاولت أن تبعد عنه وتزيح ذراعه القابضة على خصرها، وهي تصرخ بصوت ممزوج بالألم والغضب واليأس:
– ابعد عني، أوعي، ماتلمسنيش!، أنا بكرهك، بكرهك!
كل كلمة كانت تصرخ بها تنبعث من أعماق ألم نفسي عميق وجسدي مؤلم، يخترق الروح قبل الجسد.
شعر بكل ذلك يتدفق إليه كالسُم الزعاف، وكم آلمه قلبه من أجلها، ولعن نفسه في سره لأنه هو من اتخذ ذلك القرار المشؤوم، الذي فعله بها من أجل ضمان بقائها معه، حتى لو علمت يومًا بأمر زواجه العرفي من غيرها.
ابتلع غصة ثقيلة علقت بحلقه للتو، وقال لها بصوت هادئ قدر الإمكان، علّها تهدأ:
– طب اهدي وأنا هاسيبك، اهدي مش هعملك حاجة، بس سيبي السكينة دي من إيدك، مكلبشة فيها كده ليه!
– أنا بكرهك، أنا بكرهك.
ظلت ترددها كالتائهة في صحراء الوجع، وصوتها يخبو شيئًا فشيئًا حتى تراخت أعصاب يدها، فسقطت السكين على الأرض بصوت معدني حاد.
وفي لحظة واحدة، استدار بها ليصبح وجهها في وجهه، ثم عانقها بقوة.
فكم شعر بالشفقة والحزن الشديدين عليها، وعلى ما فعله بها بيده، همس لها وهو يخبئ رأسها في صدره، صوته يرتجف قليلاً:
– حقك عليا، أنا آسف.
وأردف داخل عقله بصوت لا يسمعه أحد سواه، بعد أن اغلق عينيه بألم:
– مكنش قدامي غير الحل ده، سامحيني يا نور، سامحيني يا حبيبتي.
❈-❈-❈
أصوات موسيقى صاخبة تملأ المكان، تضرب في الصدور وتخترق الآذان، ممزوجة بضحكات عالية وقرع كؤوس متلاحق، وأضواء ملونة تتراقص مع إيقاع الموسيقى كما يتراقص أولئك الغارقون في بحر اللهو على ساحة الرقص الواسعة.
وها هي دارين تجلس في ركن المشروبات والخمور، تحتسي كأسها ببطء، كأنها تبتلع مع كل رشفة جرعة جديدة من وجعها الثقيل.
وجوارها جلست صديقتها ترمقها بنظرة امتعاض واضحة، وقالت بصوت يحاول أن يرتفع فوق صخب المكان:
– داري، كفاية شرب عشان تقدري تروحي.
رمقتها الأخرى بسخرية مُرة، وآثار الثمل بادية على وجهها وعلى حديثها الذي أصبح ثقيل متعثر:
– أروح!، أروح لمين؟!، أنا هبات هنا.
– تباتي فين!، طيب تعالي نرجع للطربيزة بتاعتنا، قاعدة البار مش بيجي من وراها غير المشاكل.
قالتها صاحبتها ثم انتبهت فجأة إلى شخص قادم نحوهما، فأردفت بحدة:
– أهي المشاكل بنفسها جاية علينا، أوف بجد عليكي، قومي.
زفرت دارين بغضب شديد، وتركت كأسها بعنف على الطاولة الرخامية، فارتطم الزجاج بصوت حاد:
– أوف أنتي بقي اسكتي، مش عارفه تسكتي!، إحنا جايين ننبسط، ننسي، أنا عايزه أنسي.
– ما تيجي تقعدي معايا وننسي مع بعض.
فهذا صوت رجل في الثلاثينات من عمره، جلس بجرأة جوارها، وأخذ يشملها بنظرات جريئة سافرة، اقترب منها أكثر حتى شعرت بدفء نفسه على بشرتها، وهمس جوار أذنها بصوت خفيض مفعم بالرغبة:
– فستانك جامد أوي، وأنتي أجمد وأجمد.
وفي الخارج، بالقرب من بوابة الملهى، اصطفت سيارتان فاخرتان بلون أسود لامع.
قال جسار الذي يجلس في المقعد الأمامي:
– استني هنا يا باشا وأنا هاروح أجيب دارين هانم.
رد الآخر، ويبدو غاضبًا للغاية، وصوته كالبركان الذي علي وشك الانفجار:
– مش هاترضي تيجي معاك زي المرة اللي فاتت، وهاتفرج عليك الدنيا جوه، أنا هاروح لها بنفسي.
بالعودة إلى دارين، التي كانت تنظر إلى الرجل الذي يرافقها في الشرب، يمدّ يده إليها بكأس مليئة بالخمر الفاخر وقال بصوت مفعم بالثقة:
– دي حاجة سبيشال هاتعجبك، البارمان بيعملها ليا مخصوص.
رفعت الكأس نحو فمها وارتشفت القليل منه، ثم ابتسمت ابتسامة ثملة:
– حلو الكوكتيل ده أوي.
فمد لها يده بعلبة معدنية أنيقة قام بفتحها على الفور:
– وخديلك سيجارة من دي معاها، هاتخليكي عايزة تطيري.
أخذت السيجارة ووضعتها بين شفتيها ببطء، رفع يده بقداحة ليشعلها لها.
وإذا بيد قوية حازمة تخطف السيجارة من بين شفتيها فجأة، وصوت صاحب اليد يدوي نذيرًا بالعواقب الوخيمة:
– برضه ركبتي دماغك وخرجتي من ورايا؟!
حدقت به دارين بابتسامة بلهاء، ورددت اسمه بصوت متمايل:
– صفوان حبيبي!، ولا نقول طليقي؟!
فوقف الرجل الجالس يرمق صفوان بنظرة شرسة مليئة بالتحدي، وقال بحدة:
– أنت يا عم الوحش، مش شايفها واقفة معايا؟
رمقه صفوان بنظرة قاتلة باردة، ثم نظر إلى جسار الذي كان يقف جانبًا، وأشار له بعينيه نحو الرجل.
وفي لحظة خاطفة، قبض جسار على ذراع الرجل عنوة وأبعده بقوة بعيدًا عنهما.
بينما خلع سسيادة النائب سترة بدلته الفاخرة بسرعة، وأجبرها على ارتدائها رغم مقاومتها الضعيفة، ثم قبض على رسغها بشدة وأمرها من بين أسنانه بصوت خفيض غاضب:
– يلا قدامي.
حاولت أن تجذب ذراعها بوهن وأومأت له برفض واضح:
– لاء، مش هاروح.
أخذ يتمتم بالاستغفار في محاولة للسيطرة على غضبه، ثم أمرها مرة أخرى بصرامة لا تقبل الجدل:
– أنا مش هكرر كلامي تاني يا دارين.
رفعت حاجبها بتحدٍّ واضح، وسألته بسخرية ممزوجة بالثمالة:
– هاتعمل إيه يعني؟، هاتمد إيدك عليا؟! لو راجل اعملها.
جزَ على شفته السفلى وفكه حتى انتفخت عروق عنقه النافرة، وإذا به يحملها فجأة من خصرها بقوة، فأخذت تصرخ وتركل بقدميها في الهواء بعنف:
– نزلني، نزلني، مش عايزه أروح.
وفي الخارج، فتح السائق له الباب الخلفي للسيارة فأدخلها صفوان عنوة رغم صراخها المتواصل، ثم دخل جالسًا جوارها.
تبعه السائق ورجال الحراسة في السيارة الأخرى، وانطلقت السيارتان مسرعتين في اتجاه القصر.
❈-❈-❈
ضغط السائق على زر الحائل الذي يفصل بين المقاعد الأمامية والخلفية، فارتفع الزجاج المعتم ببطء، مانحًا المقصورة الخلفية خصوصية تامة ومعزولة عن العالم الخارجي.
أما هي تحاول فتح باب السيارة بيأس، إلا أنها وجدته مغلقًا، فأخذت تصيح كالطفلة المذعورة:
– نزلني، مش عايزه أروح معاك، أنا….
لم تستطع إكمال صياحها،
إذا به قبض على نحرها بيده القوية، وبنظرة جليدية جعلتها ترتجف من الخوف، نظرة تحمل تهديدًا لا مزحة فيه:
– اخرسي أحسن لك، عشان أنا علي آخري منك ومن عمايلك، وجزاء ليكي يا دارين، مش هتخرجي من باب أوضتك خالص غير لما أنا أقول.
شعرت بالاختناق، وتجمعت الدموع في عينيها بسرعة، حاولت إبعاد يده عن عنقها بكل ما أوتيت من قوة ضعيفة، فأبعد يده عنها.
وفي تلك اللحظة، ذهبت شجاعتها وتحديها أدراج الرياح، لتظهر أمامه على حقيقتها، أجهشت في البكاء، وأخبرته بضعف شديد من بين دموعها الغزيرة:
– جوه أوضتي أو بره، أنت كده كده حابسني، مش فارقة كتير.
حاولت أن تهدأ وتمسح دموعها بظهر يدها، ثم تكمل حديثها وتسأله وهي في أسوأ حال لها:
– أنت ليه بتعمل فيا كده؟
زفر بغضب شديد وأجابها بحدة:
– أنتي اللي بتعملي كده في نفسك، لما ما بتحترمهاش، ولا بتحترميني أنا شخصيًا. حتى وأنتي علي ذمتي، مش قادرة تستوعبي إن حياتك قبل الجواز غير بعد الجواز، مقضياها سهر وشرب سجاير وخمرة، غير لبسك اللي مفيش فرق بينه وبين اللانجيري… وجاية في الآخر بتلوميني أنا وبتقوليلي بتعمل فيا كده ليه؟
– ومسألتش نفسك مرة واحدة أنا بعمل كل ده ليه؟ مش يمكن كنت بحاول أخليك تهتم بيا حتى لو بلجأ لطرق غلط؟!
قالتها وهي تحاول ألا تنجرف إلى نوبة بكاء جديدة، قابلها بجمود واضح وعقب على حديثها ببرود:
– مش مبرر، وعمري ما قصرت معاكي وبعاملك بما يرضي الله.
وقد كان انفجرت في وجهه بقلب جريح ينزف:
– بس عمرك ما حبتني، ولا مرة شوفت لمعة الحب في عينيك ليا، ما انكرش غيرتك عليا وما قصرتش معايا في أي مناسبة، بس كل ده من غير مشاعر، حتى لما بتسافر وبترجع ولا مرة لاقيتك مشتاقلي، أنا اللي دايماً بجري وراك وملهوفة عليك، حاولت كتير أخلي قلبك يدقلي، بس بلاقي نفسي في وش حيطة سد، سور عالي أوي بيني وبينك، كل ما أحاول أهده ألاقيك بتعليه.
تهرب من النظر إليها، لأنه يدرك في قرارة نفسه أن كل ما تخبره به صحيح، فقال بإنكار واضح:
– كل دي أوهام في دماغك، ويعلم ربنا ما قصرتش في أي حق من حقوقك.
– وأنا مش محتاجة لرفاهيات ولا فلوس، أنا كل اللي عايزاه منك ده.
وضعت يدها على موضع قلبه، وأردفت بصوت مكسور يحمل كل ما فيها من ألم وتوسل:
– أنا مستعدة أعمل أي حاجة، بس أكون جوه قلبك.
رفعت يديها لتحاوط وجهه بين كفيها الناعمتين، وحدقت صوب عينيه مباشرة، وسألته بصوت مكسور يحمل كل ما في قلبها من ألم وتوسل:
– هو أنا وحشة؟!، أنا ما استاهلش أتحب؟!، رد عليا وريح قلبي.
نظر إليها ولم يشعر قلبه نحوها سوى بالحزن العميق والشفقة الشديدة.
كانت تتوسل إليه وتشحذ منه حبًا لم يشعر به يومًا تجاهها، ففؤاده كان منشغلاً بأخرى، تلك التي احتلت تفكيره ووجدانه منذ سنة كاملة، حتى عثر عليها أخيرًا وعزم ألا يتركها أبدًا، بل سيجعلها ملكًا له بأي ثمن.
مهلاً… إنه يراها الآن بدلاً من التي تقبع أمامه، يرى تلك التي يحبها تبكي وكأنها تستغيث به، انخرط في خياله حتى وجد نفسه يعانقها بل ويقبلها بحرارة لم يعرفها من قبل.
فبادلته دارين القبلة التي شعرت بها لأول مرة معه، ليست مثل قبلاته السابقة التي كان يعطيها لها كتأدية واجب بارد، بل قبلة رجل عاشق إلى حد الثمالة، قبلة مليئة بشوق يحرق الروح.
لم تكتفِ بذلك، فجلست على فخذيه، وتخللت أناملها خصلات شعره، وجذبت رأسه نحوها لتعمق القبلة أكثر فأكثر، وما فعلته كان كافيًا ليُفيق فجأة من خياله، وأدرك أنه يقبل ابنة عمه المحرمة عليه!
وإذا به يبعدها عنه بعنف شديد، ويرمقها بنظرة غضب مكبوت يختلط فيها الاشمئزاز بالدهشة، بينما هي تلتقط أنفاسها بصعوبة وتعجب في آن واحد. اقتربت منه مرة أخرى وأمسكت بيده، تخبره بصوت مليء بالأمل الممزوج باليأس:
– شوفت لما خرجت مشاعرك حصل إيه!، وافق بس على جوازي من محلل عشان نعرف نرجع لبعض، نبدأ حتى من جديد… إدي لنفسك فرصة وأنا كمان هاتغير، مش هسهر ولا هاروح نايتات، ولا هحط في بوقي خمرة تاني، حتى السجاير هبطلها.
كم ألمه قلبه وهو ينظر إليها وهي تخبره بذلك كله!، لا تعلم أبدًا أنه لم يكن يقبلها هي، ولم يشعر قط يومًا نحوها بالحب والعشق الحقيقي.
قلبه لم يخفق يومًا، وعندما نبض أخيرًا، فكان من أجل المرأة التي ينتظر أن يعرف عنها كل شيء.
سحب يده من يدها بهدوء بارد، ثم أدار وجهه نحو النافذة للحظات، يحاول أن يجمع شتات أفكاره، وعندما التفت إليها مجددًا، كانت عيناه تحملان بريق قاسي، مزيج من الغضب والامتلاك.
قال بصوت خفيض، ثقيل، يحمل في طياته صلابة لا تقبل النقاش:
– و أنا بقولهالك للمرة المليون، مش هسمح بجوازك من محلل، وافهميها زي ما تفهميها.
زفر بعمق، ثم نظر إليها نظرة طويلة ثاقبة، ثم أردف بجفاء واضح:
– ولو فكرتي تعملي أي حاجة من ورايا، هاخليكي تندمي ندم عمرك ماشوفتيه في حياتك، سامعاني يا دارين؟!
وختم نهاية حديثه بإمساك ذقنها بعد أن ألقي عليها كل كلمة وكأنه ألقي صوبها خناجر جميعها اخترقت قلبها، تغيرت ملامحها في لحظة.
ذابت الدموع في عينيها، وانطفأ بريق الأمل الذي كان يلمع فيهما منذ قليل، بدأ كبرياؤها المجروح يصحو من سباته بقوة، كالنار التي تشتعل فجأة بعد أن كادت تخمد.
استقامت في جلستها، ورفعت ذقنها بتحد واضح، وهي تحدق إليه بنظرة جديدة مليئة بالغضب والإهانة.
مسحت دموعها بظهر يدها بعنف، وقالت بصوت مرتجف في البداية، ثم أصبح أقوى وأكثر حدة مع كل كلمة:
– مش هاتسمحلي اتجوز محلل، وافهمها زي ما افهمها؟!
ضحكت ضحكة مرة قصيرة، مليئة بالسخرية والألم:
– يا نهار أسود عليّ، أنا كنت لسه بتحايل عليك وبتترجاك وبقولك هتغير وهبطل كل حاجة عشانك… وفي الأخر بكل بجاحة بتهددني؟!
نظرت إليه بنظرة حادة، عيناها تلمعان بحماسة الكبرياء المستعاد:
– أنا مش قطعة ديكور تملكها يا صفوان، ويوم ما تستغني عنها تركنها علي الرف ومش عايز حد يقربلها، أنا واحدة حرة، أملك قراري و مصيري، و مستعدة اخرج قلبي من مكانه وأدوس عليه بجذمتي، لكن مقعدش مذلولة تحت رحمتك يا سيادة النائب.
جز علي أسنانه من رد فعلها وقولها بصوت جهوري مرتفع و كم ازعجه تلك النبرة، رمقها بتحذير:
– صوتك ما يعلاش.
صاحت بصوت أقرب للصراخ:
–لاء هعليه براحتي، واسمعني كويس يا ابن عمي، افتكر كويس أن بقالي سنة بحالها اتحايلت عليك، و أنت علي نفس ردك ووضعك، لأنك أنت اللي هاتندم الفترة الجاية، واللي في دماغي هاعمله، و لو راجل وريني هاتعمل إيه.
في تلك اللحظة، انفجر وتحول وجهه إلى قناع من الغضب الشديد، وبرقت عيناه بشرارة خطرة.
مدّ يده بسرعة البرق وقبض على ذراعها بقوة ألمتها، جذبها نحوه بشدة
حتى أصبح وجهه على بعد سنتيمترات قليلة من وجهها.
صوته خرج غليظ، يحمل تهديد حقيقي وغضب كظيم، شدَّ قبضته على ذراعها أكثر، حتى شعرت بعظامها تئن تحت أصابعه:
– بلاش تتحديني وتهدديني أنا، بدل ما أخليكي تتمني الموت ولا هاتطوليه، هاحرمك منك كل حاجة بتحبيها، كل حاجة بتتمسكي بيها، وهسيبك لحد أخر نفس ليكي زي ما بتقولي لا طايلة سما و لا أرض.
اقترب أكثر من أذنها حتى شعرت بدفء نفسه الساخن على جلدها، وهمس بصوت جليدي مرعب:
– ولو فضلتي علي وضعك… هوريكي قد إيه أنا قادر أدمر حياتك في ثواني، مش هسيبك تتجوزي محلل ولا غيره، ولا حتى هتفكري في راجل تاني يبصلك.
ثم دفعها بعيدًا عنه بقوة، فارتطم ظهرها بالمقعد، وجلس مستقيمًا، يلهث من شدة الغضب، عروق عنقه منتفخة، ونظرته لا تزال تحرقها كالجمر.
❈-❈-❈
بعد انتهاء حفل الزفاف وسط أجواء من البهجة، صعد العروسين إلى عش الزوجية، و ما إن أغلق الباب خلفهما حتى تحول وجه عمرو من قناع الابتسامة إلي آخر من الغضب الواضح.
اقتربت ريم منه وسألته بحماقة مصطنعة:
– مالك يا عمرو يا حبيبي؟، فيه حد ضايقك في الفرح؟
حدقها بنظرة حادة، وصوته خرج ثقيل حاد يحمل غضب وغيرة واضحة:
– اقسم بالله لو واحد غيري ودخل ياخدك من الكوافير ولقاكي بالمنظر ده، لكان خدك من ايدك وطلع علي الشقة و لا كان فيه فرح و لا زفت.
– كل ده عشان الفستان مكشوف شوية من فوق؟!، ما عرايس كتير بيلبسوا كده و فساتين عريانه أكتر من كده كمان، وفيديوهات افراحهم ماليه الفيس والسوشيال ميديا.
ضرب الحائط جواره بقبضته وهدر بصوت افزعها:
– ماليش دعوة بحد، الراجل اللي بيقبل على نفسه إن مراته تطلع كده قدام الناس، نص صدرها باين، يبقى لا مؤاخذة بيتقال عليه إنه بقرون وكلمة تانية مش هاينفع أقولهالك.
بينما الأخرى بذكائها الأنثوي وتمثيلها البارع، امتصت غضبه فورًا بدلالها المعتاد، أول ما فعلته، انفجرت في البكاء و دموعها تتساقط بسرعة كأنها حقيقية تمامًا، ثم أمسكت بيده بكل حنان ووضعتها على شفتيها تقبّلها مرارًا وهي تعتذر له بصوت مكسور:
– آسفة يا عمرو… والله آسفة، ما كنتش أقصد أزعلك، مش هعمل كده تاني… حقك عليا.
حركتها هذه رغم غضبه الشديد منها، جعلته يشعر بالضيق من نفسه وبالذنب الذي يعتصر قلبه وهو يراها تبكي وتقبّل يده.
لم يستطع الصمود طويلاً، فمدّ ذراعيه وأخذها في حضنه بقوة، وهو يمسح على شعرها بلطف قائلاً بصوت أصبح أكثر هدوء:
– خلاص ماتعيطش… واتمني أنك ماتعمليش الحركة دي تاني.
رفعت وجهها إليه، عيناها لا تزالان دامعتين، وقالت بدلال ناعم:
– حاضر… واوعي تزعل مني، عشان خاطري.
ثم وقفت على مقدمة حذائها، وطبعت قبلة طويلة مثيرة على جبهته، قبلة حملت في طياتها وعودًا صامتة وإغراء خفي، كافية لتُذيب ما تبقى من غضبه، فنسي كل شيء في لحظة.
و في لحظة خلع سترة بدلته بسرعة ورماها على أحد الكراسي بلا اكتراث، ابتعدت خطوة إلى الخلف ونظرت إليه بعينين بريئتين مليئتين بالغنج، وسألته بصوت ناعم يحمل الكثير من الدلال:
– عموري حبيبي، أنت بتعمل إيه؟
في خطوة واحدة منه كان أمامها مباشرة، حملها على ذراعيه بسهولة كأنها ريشة خفيفة، وقال لها بصوت خشن مفعم بالرغبة:
– هاتعرفي دلوقتي.
فضحكت ضحكة مرحة مليئة بالخجل الزائف والإثارة، ذهب بها إلي غرفة النوم حتي انخفضت ضحكاتها تدريجيًا، واختفت داخل فمه وهو يغلق الباب خلفهما.
بعد مرور وقت…
هدأت العاصفة الحميمة وتلاشى صوت الأنفاس المتسارعة، نهض من أعلاها ببطء.
كان وجهه متجهمًا، وقد انطفأت نار الرغبة التي كانت تشتعل من عينيه منذ قليل، وحل محلها تعبير غامض يجمع بين الارتباك والشك والضيق.
لاحظت ريم تغيره المفاجئ، دب الرعب في قلبها دفعة واحدة، خافت أن يكون قد اكتشف أمرها، فارتجفت أصابعها تحت الدثار، وشعرت بدمها يتجمد في عروقها. هل لاحظ شيئًا؟، هل شعر بالفرق؟، هل الحل الزائف في اللحظة الحاسمة؟
نهض بهدوء، والتقط سرواله من على الأرض وارتداه بصمت، وقف ينظر إليها طويلاً، بنظرة ثاقبة تخترق ضوء الإضاءة الخافت.
داخل رأسه دارت مئات الأسئلة في لحظات، وهو يتمنى في قرارة نفسه أن يكون ما يشعر به مجرد شك عابر، وليس حقيقة مرة.
أما هي، فقد حاولت بكل قوتها أن تخفي رعبها.
ابتسمت له بخجل مصطنع، وسحبت الدثار حتى غطت جسدها العاري، قالت بصوت ناعم يحاول أن يبدو طبيعي:
– أنا جعانةجداً… هاقوم أخد شاور ونتعشا، ماما عملالنا أكل حلو أوي.
حاولت أن تتهرب من نظراته الثاقبة، فنهضت مسرعة وهي تلف الدثار حول جسدها، لكن صوته وقفها فجأة، نبرته كانت هادئة، لكنها حازمة وباردة بما يكفي لتجعلها تتسمر في مكانها كالتمثال:
– أنتي كنتي تعرفي حد قبلي؟
❈-❈-❈
و في مكان آخر في الحارة…ها هي تعيش المشهد من جديد، نفس الغرفة وذات السرير، نفس اليدين القاسيتين.
يضحك مؤمن ضحكته المجنونة وهو يمزق ثيابها، وكلما صرخت يزداد عنفًا، لكن هذه المرة تظهر وجوه أبيها وإخوتها تظهر فجأة في زوايا الغرفة، ينظرون إليها بصمت وخيبة أمل، لا يحركون ساكناً.
فجأة اختفى مؤمن من فوقها كأنه دخان،
نهضت مذعورة، تركض خارج الغرفة، لتجد نفسها في ممر طويل مظلم لا نهاية له.
تسمع صوته يتردد من كل مكان:
– أنتي مراتي… أعمل فيكي اللي أنا عايزه.
ركضت بقوة حتى شعرت أن رئتيها ستحترقان، ثم سقطت فجأة، وقعت في حفرة عميقة مظلمة، باردة، رطبة، حاولت النهوض لكن الحفرة كانت زلقة، وكلما حاولت تسلق جدرانها انزلقت أكثر.
بدأت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة:
– ألحقوني، يا ماما.
فجأة امتدت إليها يد من أعلى الحفرة، يد رجل قوية، لكن وجهه غامض، مشوش، كأن الظلام يبتلعه.
أمسكت بها بيأس، وشدّها بقوة، تحاول الصعود وهو يسحبها، أصابعها تتشبث به، لكنها كانت تنزلق مرة أخرى، فيحاول مرارًا وتكرارًا حتي دوى صوت أذان الفجر في مسامعها
“الله أكبر… الله أكبر…”
فتحت عينيها فجأة، جسدها يرتجف بعرق بارد، لتكتشف إنها في غرفتها و مارأته ليس سوى كابوس.
لم تستطع رؤية أي شئ، فالظلام لا يزال يملأ المكان، لكن صوت المؤذن يتردد.
جلست على السرير، تضع يدها على صدرها الذي يدق بعنف، تذكرت كل شيء دفعة واحدة.
الغرفة، الصفعات، التمزيق، الانتهاك… ثم عودتها إلى البيت وتظاهرها بالنوم عندما سمعت صوت مجئ أبيها وشقيقيها، تعجز من النظر في عيونهم، تشعر أنها هي الملوثة، هي التي اقترفت ذنب عظيم، وكأنها الجاني وليست المجني عليها.
انفجرت في البكاء بهدوء حتى لا يسمعها أحد، وبعد أن بدأت تهدأ مسحت دموعها بكمها، ثم نهضت متجهة إلى الحمام.
اغتسلت وأخذت تحك جسدها بتقزز، لتزيل أثر لمساته من عليها، وبعد أن انتهت من الاغتسال، ارتدت إسدال الصلاة، عادت إلي غرفتها لتؤدي فرض الفجر.
بعد السلام ظلت ساجدة طويلًا، وهي تبكي في سجودها بهدوء، همست بصوت مكسور مختنق بالدموع:
– يا رب… أنا
مش عارفة أعمل إيه، أنا اتظلمت يا رب… أنا خايفة أوي… سامحني إن كنت أنا اللي غلطانة… ولو مش غلطانة، يا رب أنت حسبي ووكيلي… أستغفرك يا الله… أستغفرك وأتوب أليك… يارب مش قادرة استحمل… يارب.
ظلت تتضرع وتستغفر وتبكي.
❈-❈-❈
و في مكان آخر، في قصر الشاذلي…
لم يأته النوم ليلتها، وكأن الهموم قد عقدت معه عهد على أن لا تفارقه.
دارت في رأسه كلمات ابنة عمه كالسيوف الحادة، ودموعها التي رآها تترقرق في عينيها كأنها تحاكمه من بعيد، تساءل في قرارة نفسه، أهو ظالمها بما يفعله بها، أم أنه يحميها ويحمي نفسه كما يُخيل إليه؟!
لو كان يحبها حقًا لمنحها فرصة أخيرة يبدآن بها صفحة جديدة، لكن قلبه لم يعد ملك يديه، ففؤاده معلَّق في مكان آخر، ومصيره مجهول يلوح في الأفق كالسراب.
تمنى لو يأتي الصباح سريعًا، ويأتيه جسار بكل ما يعرفه عنها، اسمها، ومن هي في الواقع.
وكأن حارسه الشخصي كان يقرأ أفكاره من بعيد، أرسل إليه رسالة… استقبلها صفوان متعجبًا من سرعة إنجاز الرجل في جلب المعلومات عن التي سلبت لبه وأرقته.
فتح الرسالة وقرأ ما تحتويه
«تخيل يا باشا، طلعت بنت عم عمرو السواق، وإحنا دايخين عليها بقالنا سنة»
ومرفق بالرسالة ملف، ففتحه على الفور وعيناه تلمعان وهو يقرأ اسمها
«نور عيسى المنياوي»… العمر سبع وعشرون عامًا… تخرجت من المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة… تقطن في حي الشرابية… تعمل في صيدلية تقع بالقرب من سكنها…
أخذ يقرأ عن أسرتها وعائلتها، وكان اسم عمرو ضمنها.
توقفت عيناه فجأة عند اسم «مؤمن عبد الحق»، ليس لصلة القرابة فحسب، بل لصلة الترابط بينهما، لاسيما تلك الجملة القاسية
«ابن خالها وخطيبها، وتم عقد قرانهم من سبع سنين»
شعر بحشرجة ضارية تعتصر حلقه وهو يقرأ الجملة للمرة الثالثة، نهض مسرعًا وفتح الثلاجة الصغيرة، أخرج زجاجة مياه معدنية، شرب منها رشفات متتالية حتى هدأ السعال وتلك الحشرجة التي كادت تخنقه.
استقبل رسالة أخرى، وكانت ملف خاص بمؤمن، قرأه سريعًا.
«مؤمن عبدالحق… ثلاثون عامًا… درس في المعهد الفني الصناعي لمدة عام واحد ولم يكمل دراسته… يعمل في مركز صيانة سيارات…
مرر صفوان المعلومات التي لا تهمه حتي ألتقطت عينيه معلومة مهمة للغاية، يبدو أن جسار قد أتمَّ مهمته على أكمل وجه.
قرأ المعلومة مرة أخرى فارتسمت علي ثغره ابتسامة المنتصر في ساحة الحرب، حيث وجد غايته على طبق من ذهب، و التي ستمكنه من إمتلاك نور!
❈-❈-❈
اجتمعت عائلة الشاذلي حول مائدة الإفطار، كما اعتادوا في كل صباح.
جلس صفوان على رأس المائدة كالعادة، وضعت الخادمة أمامه فنجان قهوته السوداء، وكان واضحًا على وجهه آثار السهر الطويل وعدم النوم.
بينما شقيقه يتناول طعامه وعيناه تراقب الجميع مراقبة دقيقة، ثم سأله بابتسامة ساخرة:
– واضح إنك رجعت متأخر امبارح لدرجة معرفتش تنام، هو الفرح كان حلو أوي كده؟
ارتشف الأخر القليل من القهوة بهدوء، ثم أجاب بصوت هادئ مُتعب:
– مش متأخر ولا حاجة، أنا بس مجاليش نوم وعندي ميعاد مهم لازم أروح الشركة.
ارتشف مرة أخرى من فنجانه، ثم أردف يسأله:
– كلمت فايا زي ما قولتلك؟
فتدخلت أسما وسألت زوجها:
– مالها فايا؟
فأجاب صفوان:
– هتبدأ تدريب الشهرين دول قبل ما تستلم الشغل في الشركة، وبما إن تخصصها في القسم اللي ماسكه هشام، فوصيته عليها.
وقبل أن يتحدث هشام، ظهرت فايا أمامه، قادمه نحوهم، تتثاءب بصوت خافت، ثم ألقت عليهم تحية الصباح:
–good morning.
فعلقت شقيقتها بمزاح:
–واضح إنها هتبدأ تدريب وبكل نشاط.
ضحك هشام وقال متعمدًا إثارة حنق شقيقة زوجته:
– خدي بالك يا فايا، الشركة مش زي المدرسة أو الجامعة، يعني مفيش أروح ولا أرجع منها على كيفي، ليها مواعيد حضور وإنصراف وبجهاز بصمة ماشي علي الكل.
رمقته الأخرى بنظرة حادة، وتذكرت تعليماته وتنبيهاته السابقة عن العمل تحت إدارته في الشركة، لكن سخريته منها وتذكيره الدائم بأنها ما زالت طفلة أزعجها كثيرًا، فتعمدت تجاهله تمامًا وسألت شقيقتها:
– فين داري؟
أجابت الأخرى بغير دراية بما حدث في الليلة السابقة، لكن والدتها لم تجهل ما فعلته ابنتها من خروج دون علم أحد، فقالت بتهكم واضح:
– الهانم أختك المحترمة بعد ما أسما طلعت من عندها وروحت على أوضتها، غفلتنا وخرجت من ورانا، اتصلت عليها مش بترد، لحد ما لاقيتها راجعة مع صفوان بعد نص الليل، شكلها كانت سهرانة كالعادة وهو راح جابها.
رمقتها ابنتها بعتاب صامت على حديثها عن شقيقتها الكبرى أمام الجميع والخدم الذين يتنقلون في أرجاء القصر، بينما قالت لشقيق زوجها باعتذار:
– معلش يا أبيه، دارين بتمر بحالة نفسية صعبة شوية.
عقب زوجها بتهكم ضاري:
– وهو كل اللي بيمر بحالة نفسية يروح النايت يشرب ويسكر؟!
رمقته أسما بامتعاض واضح:
– قصدك إيه يا هشام؟
– قصدي إن أختك زودتها أوي، ولا عاملة حساب للعيلة ولا اللي عايشة معاهم ولا حتى لمكانة طليقها اللي كل شوية يروح يجيبها من على البار، والله اعلم مين بيبقي قاعد معاها هناك.
ساد صمت ثقيل على المائدة بعد كلماته، كأن الهواء نفسه تجمد في صدور الجالسين.
توقفت الملاعق لحظة فوق الأطباق، وتبادلت العيون نظرات حذرة، رفعت أسما حاجبيها بحدة، وحذرته بغضب:
– هشام… اللي بتتكلم عنها دي تبقي أختي الكبيرة، ياريت ما تدخلش عشان مانزعلش من بعض.
عقبت والدتها والتي يبدو فاض بها الكيل من ابنتها الكبري:
– جوزك عنده حق، مش بيفتري عليها و لا بيقول حاجة من عنده.
بينما هشام لم يتراجع، بل مال قليلًا إلى الخلف في مقعده، واضعًا ذراعه فوق ظهر كرسي أسما، قائلًا ببرود مستفز:
– و اللي بيغلط يستحمل نتيجة غلطه لوحده، مش يخلي غيره يشلها معاه!
ارتسم الضيق على وجه فايا، وشدت شفتيها وهي تنظر إليه بنفور، بينما ظل صفوان صامتًا لحظة، يحدق في فنجان قهوته، ضرب المائدة بقبضته فاهتز كل شئ عليها، نظر إلي شقيقه وأمره بصوت يبدو هادئ ظاهريًا لكنه حاسم:
– هشام… كفاية.
كانت جملته قصيرة، لكنها خرجت بنبرة جعلت الجميع يلتفت إليه، فابتسم شقيقه ابتسامة جانبية ساخرة:
– هو أنا قولت حاجة غلط؟
ظل شقيقه يرمقه بالنظرة التي تحمل ذلك الهدوء الخطير الذي يسبق العاصفة.
– قولت كفاية.
جز الأخر علي فكه، فكم يكره توبيخ شقيقه له حتي لو بنظرة، امسك بمحرمة ورقية، مسح يديه ونهض:
– أنا ماشي.
ورمق فايا التي أدركت من نظرته أن تتبعه!
❈-❈-❈
ذهب إلي الخارج، فنهضت الأخرى تلحق به مناديه:
– أبيه، استني.
ألتفت إليها وفتح لها باب سيارته، فقالت له وتعطيه مفتاح سيارته القديمة:
– أنا كنت بنادي عليك عشان أقولك شكراً مش عايزة….
– اركبي.
أمرها ودفعها لداخل السيارة و كأنه لم تقل له شيئًا ثم صفق الباب، بينما هي انتابتها حالة من الذهول، تتبعته ببصرها وهو يجلس جوارها خلف عجلة القيادة.
وقبل أن ينطلق ألتفت نحوها ليغلق لها حزام الأمان، و بأفعاله المفاجئة تلك
جعلتها تعود بالذاكرة إلي سنوات مضت….
فلاش باك…
انتهي يومها الدراسي داخل مدرستها اللغات الدولية، فقد بلغت السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية، وفي الفناء يهرع الفتيان والفتيات نحو الحافلة المدرسية الخاصة وسط ضحكات وصيحات مرحة، بينما هي فقلبها يخفق بقوة اليوم، حيث تنتظر شيئًا واحد في هذا اليوم المميز.
قبل أن تطأ قدماها درج الحافلة، رن هاتفها فجأة، نظرت إلى الشاشة، فارتجف قلبها الصغير واندفع الدم إلى وجنتيها. كان اسمه يلمع أمام عينيها، لم تكن تريد تهنئة من أحد، ولا حفل صاخب، ولا حتى كلمة من أقرب الناس إليها؛ كل ما أرادته هو سماع صوته هو فقط.
ابتعدت قليلاً عن الضوضاء، وقفت في مكان هادئ، رفعت الهاتف إلى أذنها والفرحة ترقص في عينيها، والسعادة تُضيء ملامحها البريئة.
–ألو؟، هشام؟
جاءها صوته الدافئ، ممزوج بضحكة خفيفة أذابت قلبها:
–فايو حبيبتي، فينك كده؟ وبتعملي إيه؟
ردت بصوتها الناعم الذي يسحر كل من يسمعه:
–رايحة أركب باص المدرسة، مروحين.
فجأة نادتها صاحبتها من بعيد بصوت عال:
–فايا؟، يا فايا؟، يلا الباص هيتحرك.
لوحت لها الأخرى بيدها بسرعة، مشيرة إلى أنها قادمة لاحقاً، وسمعت في الوقت ذاته صوت هشام يقول لها بهدوء حازم:
–ما تطلعيش الباص، تعالي على البوابة.
سألته بتعجب:
–ليه؟
صمتت برهة وعقلها يفكر في تفسير السبب، فأضاف هشام:
–تعالي عند البوابة وأنتي هتعرفي.
فأجابته بطاعة معتادة:
–أوك.
تحركت نحو البوابة، فأوقفتها صاحبتها أمامها تسأل بدهشة:
–رايحة فين؟ الباص من هنا يا زهايمر!
لكن الأخرى لم تكد تسمعها، فقد كانت مستمرة في المكالمة، تتبع تعليماته كما اعتادت دائمًا، وبمجرد أن خرجت من البوابة الرئيسية، توقفت فجأة كأن قدميها غرزتا في الأرض.
وقفت مشدوهة لثوان، لا تصدق عينيها،
ترى هشام واقفًا أمامها، و علي ثغره ابتسامة ساحرة من وراء نظارته الشمسية الداكنة، وقد وضع يديه الاثنتين خلف ظهره، صاحت بفرحة لم تستطع كبحها:
–هشام!
ركضت نحوه بلهفة شديدة، وقد خفق قلبها خفقان عنيف، وعندما وقفت أمامه سألته:
–إيه ده؟ أنت رجعت إمتى من سويسرا؟
كانت تتمنى في قرارة نفسها أن يعانقها كما اعتاد أن يفعل كلما عاد من سفر بعيد، لكنه اكتفى هذه المرة بمد يده للسلام. انتفضت من الصدمة والحرج، لكنه أظهر عدم اكتراث بما فعل، وقال بهدوء:
–لسه جاي من المطار، خليت السواق ياخد الشنط ويروح على القصر، وخليت حد من الجارد يجيبلي العربية وجيت لك… قولت أعملك مفاجأة، بما إنه يوم مميز.
في لحظة واحدة قد نست رد فعله البارد، فانفرجت أساريرها بابتسامة عريضة مليئة بالسعادة الصافية، قالت له بصوت يهيم عشقًا:
–أحلى مفاجأة حصلتلي في عيد ميلادي.
حاوط ظهرها بذراعه من الأعلي بلطف:
–تعالي عشان أجيبلك هديتك قبل ما نروح، ملحقتش أشتري حاجة قبل ما أجيلك غير بس علبة الشوكولاتة اللي أنتي بتحبيها.
ذهبت معه إلى السيارة الفارهة المتوقفة قرب البوابة، فتح لها الباب الأمامي بلباقة:
–اتفضلي.
خلعت حقيبة ظهرها، فأخذها منها وألقاها على المقعد الخلفي، بينما هي جلست في الكرسي الأمامي، وهو دار حول السيارة ثم جلس في مقعد القيادة.
وقبل أن يحرك السيارة، رآها تكافح مع حزام الأمان، غير قادرة على إغلاقه، مال بجذعه نحوها، وأمسك الحزام بيده، فانتفضت من شدة الخجل والتوتر. اقترب وجهه من وجهها حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح بشرتها الناعمة، قائلاً بصوت خافت مازحًا:
–برضه لسه ما بتعرفيش تقفلي الحزام!، عشان لسه طفلة.
ألقى الكلمة الأخيرة بمزاح واضح، فصاحت بوجه عابس رافض:
–أنا مش طفلة يا أبيه!
انفجر ضاحكًا، وقال لها:
–طالما قولتي أبيه يبقى لسه طفلة.
زمت شفتيها بضيق:
–أنا متعودة أقولك أبيه زي ما بنادي أبيه صفوان، وبصراحة لما ماما بتسمعني وأنا بندهلك باسمك كده من غير أي ألقاب، بتقعد تديني محاضرة في الذوق والإتيكيت.
وضع يده على يدها بلطف، ورمقها بنظرة عميقة جعلت قلبها يدق حتى كاد يخرج من بين ضلوعها، قال لها بصوت عذب دافئ:
–ناديني باللي أنتي تحبيه بيني وبينك، لكن في القصر قدامهم قوليلي أبيه، اتفقنا؟
أومأت له بخجل شديد، وهي تشعر بحرارة يده التي لا تزال تمسك بيدها.
وما زاد الأمر وجعل قلبها يقع في سابع أرض، عندما رفع يدها بلطف وطبع قبلة خفيفة في راحة كفها، فارتجفت خلايا جسدها، رفع عينيه إليها بابتسامة ماكرة، وترك يدها ليضع ذراعه خلف كتفيها من جديد، ثم حرك عجلة القيادة بيده الأخرى، منطلقًا بالسيارة في هدوء.
❈-❈-❈
يمكث في غرفته الضيقة التي يغرقها الظلام إلا من ضوء خافت يتسلل من فتحات النافذة.
يمسك هاتفه بقوة حتى كادت أصابعه تتحطم، وعيناه تحترقان من الغضب والألم والعجز، كيف فعل ذلك؟!… كيف فعل بها ما اقترفه دون رحمة؟!
كان عقله يدور في حلقة مفرغة من الجنون، كلما تذكر ما حدث في الأمس، وكيف جعل ابنة عمته وزوجته كالوردة المذبوحة، يشتعل دمه.
حاول أن يكتب لها رسالة، فتح الدردشة التي بينهما، وأصابعه ترتجف على الحروف:
«نور يا حبيبتي، أنا آسف…»
قام بمسحها
«يا نور، أنا عارف إني ما استاهلش حبك و…»
مسحها مرة أخرى
«والله ما كنت أعرف إن الدنيا هتوصل بينا لكده…»
مسحها بغضب للمرة الثالثة، كل كلمة تبدو ناقصة، كل اعتذار يبدو تافهًا أمام ما حدث. أخيرًا أطلق زفرة طويلة حارة مليئة بالضيق والغيظ، ثم أغلق الهاتف بعنف وألقاه على السرير، فارتطم بالحائط قبل أن يهوي على الفراش.
وفجأة… طرق خفيف على باب الغرفة، صاح مؤمن بغضب مكتوم:
– أنا قولتلك مش هافطر يا ماه!، مش طافح!
جاء صوت والدته من خلف الباب بحزن يحمل أثر دموع علي وشك الإنهمار:
– يا بني، بخبط عشان أقولك في واحد بره بيسأل عليك وعايزك ضروري.
صاح مرة أخرى، وهو لا يزال مغلقًا على نفسه:
– قوليله نايم، مش عايز أشوف حد.
ردت أمه بهمس يشوبه الحزن:
– يا بني افتح… شكله جاي من طرف مهم أوي، بيقول إنه تبع البيه اللي بيشتغل جوز أختك عنده سواق.
انتبه فجأة لكلام والدته، رفع رأسه بسرعة، وشعر بتوتر جديد يسري في جسده، ارتدى قميصه القطني ذا نصف الأكمام، وفتح الباب و
، خرج إلى الصالة.
وقف أمامه رجل قوي البنية، لكنه يبدو أنيقًا بطريقة لافتة. سأله مؤمن مباشرة:
–أؤمر يا نجم.
أجاب الرجل بحزم واضح، وكأنه ينقل أمرًا لا يقبل النقاش:
– الباشا مستنيك في مكتبه، وطلب مني أجيلك آخدك لحد هناك وأرجعك تاني.
حك الأخر ذقنه بحيرة واضحة، وتجهم وجهه:
– ماتعرفش هو عايزني في إيه؟
رفع الرجل كتفيه بعدم معرفة، وأجاب بهدوء:
– علمي علمك يا أستاذ مؤمن.
تنهد مؤمن بعمق، ثم قال بصوت ثقيل:
– اديني عشر دقايق هاجهز وجاي معاك.
– تمام، وأنا هنزل أستناك تحت، بس ياريت ماتتأخرش.
❈-❈-❈
عودة إلي الوقت الحالي…
انتبهت إنه توقف لدي محطة بنزين، فقال لها:
– أنا نازل أجيب حاجة من السوبر ماركت عقبال ما يفولو العربية،
خليكي مكانك.
هبط من السيارة، جذبت بصرها تلك الدمية المعلقة، لحظات وانتبهت علي الجهة الأخرى من الطريق، ذاك المركز التجاري ليذكرها بمشاهد متتابعة، ظنت أنها دفنتها منذ سنوات!
فلاش باك….
توقف أمام أحد المراكز التجارية الفاخرة المعروفة بمتاجر الماركات العالمية الشهيرة، سألته وهي تقرأ اسم المركز بفضول:
–إحنا وقفنا هنا ليه؟
أجابها بهدوء:
–استني هنا، أنا نازل أجيب حاجة وراجعلك على طول ومتتحركيش من العربية.
أومأت له بطاعة لا جدال فيها، كما اعتادت أن تطيعه دائمًا، أو بالأحرى كما جعلها تعتاد ذلك!
انتظرته أكثر من ربع ساعة، تتأمل هذه الدمية المعلقة أسفل المرآة الأمامية، دمية علي شكل رجل وأمرأة في وضع عناق جعلهما كالجسد الواحد.
و ها هي انتبهت إليه عندما عاد يحمل في يده علبة كبيرة أنيقة، فتح باب السيارة وجلس، مد إليها العلبة بابتسامة عريضة قائلاً:
–كل سنة وأنتي أجمل طفلة.
–طفلة!
رددتها بصوت ممتلئ بالحنق، وبرغم لهفتها الشديدة لمعرفة ما بداخل العلبة الكبيرة، إلا أن الكلمة التي يكررها لها بمزاح دائم كانت تثير غضبها كل مرة. أشاحت بوجهها نحو الجهة الأخرى بعناد واضح، وعقدت ذراعيها أمام صدرها في حركة تعبر عن امتعاضها الشديد.
ابتسم في سره، ثم قام بوضع العلبة على المقعد الخلفي بهدوء، اقترب منها حتى غمرها دفء قربه، وأمسك ذقنها بلطف حازم بأصابعه، موجهًا وجهها نحوه حتى اضطرت إلى النظر إليه، سألها بصوته العذب الرجولي ذي النبرة الهادئة الدافئة التي تذيب فؤادها:
–أنتي زعلتي بجد؟
بصرت إليه بعينين ممتلئتين بالضيق، وقالت بصوت واضح:
–أه، زعلت منك، لأن أنا مش طفلة.
ابتسم لها واخبرها بمزاح ناعم:
–بهزر معاكي، يعني بذمتك في طفلة كلها أنوثة وزي القمر كده؟
تغضن وجهها بدماء الخجل الوردية التي صعدت فجأة إلى خديها، فأصبحت وجنتاها كالورد اليانع، لكنها تذكرت في تلك اللحظة أكبر همّها وحزنها الدائم، فبصرت إليه بعينين ممتلئتين بالحزن، وقالت بصوت منكسر:
–قمر إزاي وزمايلي علي طول بينادوني بـ freckled girl (فتاة النمش)!
عقد ما بين حاجبيه، فنظر لها بجدية قائلًا بصوتٍ حازم يحمل غضب خفي:
–زمايلك دول أغبيا وما بيفهموش حاجة، أنتي زي القمر، والنمش اللي أنتي متضايقة منه أنا شايفه جمال مميز.
بصرت إليه مبتسمة بخجل وأمل، سألته بصوت ناعم:
–بجد ولا بتجاملني؟
حاوط وجهها بكفيه بلطف ودفء،
حدق صوب عينيها بنظرة عميقة جعلتها تاهت تمامًا في زرقاويتيه ليخبرها:
–أنا مش بجاملك، فعلاً شايفك حلوة أوي، والنمش في وشك أنا بشوفه زي العسل المنقط، وكل ما أتأمل فيه ببقى عايز…
صمت للحظة وكأنه يتردد من فعل ما هو مقبل عليه، ثم أردف بأمر حازم:
–غمضي عينيكي.
اغمضت عينيها، والتوتر يداهمها، خاصة حين شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس وجهها، وإذا بها تجمدت كالتمثال حين شعرت بشفتيه تلامسان خدها، ثم بدأ يطبع قبلات خفيفة ناعمة على أنحاء وجهها.
هيهات وكادت شفتاه تصلان إلى موطن كلماتها، فتحت عينيها مذعورة وابتعدت قليلاً، فاعتدلت في جلستها.
بصرت إليه بخوف مختلط بالخجل، بينما هو فقد نظر إليها بهدوء تام، لكنه كان يخفي وراء عينيه نظرة وعيد صامت، نظرة تقول إنه سيجعلها هي التي تتمنى قربه، وتطوق أن يقبلها ويفعل ما يحلو له معها.
انطلق بالسيارة دون أن ينطق بكلمة واحدة، وهي ظلت صامتة، وقلبها يدق بعنف.
عودة إلي الوقت الحالي…
❈-❈-❈
عندما وصل إلى المبنى الضخم الذي يضم شركة آل الشاذلي، صعد إلى الطابق الأعلى. ما إن فتح الباب الخشبي الثقيل حتى وجد نفسه أمام مكتب فخم واسع، يفوح منه رائحة الخشب النبيل والجلد الفاخر.
بينما صفوان الشاذلي واقفًا خلف مكتبه، يرتدي بدلة أنيقة داكنة، وقد بدا في غاية الهيبة والأناقة، ابتسم له بهدوء ومد يده بثقة:
– أهلاً وسهلاً يا مؤمن، اتفضل، اتفضل.
ثم أشار إلى علبة السيجار الفاخرة الموضوعة على الطاولة الجانبية وقال بلباقة:
– تتفضل سيجار؟
شعر الأخر بحرج واضح، فاعتذر بأدب:
– لا يا باشا، شكرًا.
جلس على الكرسي المقابل للمكتب، ثم رفع عينيه إلى صفوان وسأل بلباقة لا تخلو من حذر:
– خير يا باشا؟، حضرتك بعت لي واحد من رجالتك جابني لحد هنا.
ابتسم الأخر له ومال بجسده قليلاً إلى الأمام، يخبره بصوته الأجش الهادئ الذي يحمل سلطة وهيبة:
– خير طبعًا، أنا من غير لف ودوران هاجيبلك من الآخر، عشان كل دقيقة بتضيع من وقتنا ليها تمن، لذلك هاختصر عليك الحوار كله وأقولك على طول، أنا عايز أعقد معاك صفقة.
تعجب مؤمن واعتلت الدهشة ملامحه، ارتفع حاجباه غير مصدق، ثم ردد:
– صفقة؟!، وأنا اللي زيي يا باشا، حيلته إيه عشان يعقد صفقة مع حضرتك؟، أنا أسمع إن رجال الأعمال صفقاتهم بتبقى بالمليارات أو بملايين من الورق الأخضر، و أنا علي الله حكايتي.
لم يعلق الأخر، بل مد يده بهدوء إلى درج مكتبه، فأخرج دفتر شيكات فاخرًا أسود اللون، وضعه أمام مؤمن على سطح المكتب اللامع، ثم وضع بجانبه قلم ذهبي أنيق:
– اكتب الرقم اللي بتحلم بيه يكون معاك.
ازداد ذهوله ودهشته، ولم يستطع عقله أن يستوعب ما يجري أمامه، نظر إلى دفتر الشيكات ثم إلى صفوان مرات متتالية، قبل أن يقول بارتياب واضح:
– لا مؤاخذة يا باشا، مش مترجم الحوار يعني… مش فاهم أي حاجة… حضرتك بتقولي صفقة، ومطلعلي دفتر الشيكات، وتقولي اكتب الرقم اللي بحلم بيه!
لم يعد سيادة النائب قادرًا على الصبر أكثر من ذلك، فاستقام في جلسته، ونظر إلى الأخر بنظرة مباشرة وثاقبة، ثم قال بدون أي مقدمات أو تلميحات:
– تاخد كام وتطلق نور؟