ماذا يحدث عندما تكون مقيداً رغماً عنك لحماية من تُحب؟
فتصبح حياتك كالقفص الذي يحتجزك، وصراعاتك بداخلها كالأفاعي التي تلدغك لتضعف قوتك.
فماذا ستفعل “رانيا”؟ هل ستفضل حياتها لتصبح طليقة خارج ذاك القفص وتتحرر من قيودها،
أم سترغم نفسها أن تعيش فيه لحماية أولادها من ذلك الفاسد الذي يحتجزهم؟
هل أسيرة الحرية سوف تنطلق لحريتها مع طيورها، أم سيبقون في أسرهم؟
سوف تروي هذه السطور صراعات تحدث حولنا، ولكن نتجاهلها بدمٍ بارد.
لا بقى، أنا ساكتة ساكتة وبمشي الأمور، بس خلاص أنا ما فينيش حيل، ولغاية ولادي يا سعيد وخط أحمر.
_ يعني إيه؟
_ يعني تصرف عليهم زي بقية خلق ربنا، فاهم؟
ـــــــــــــــــــــــــ
كانت “رانيا” تجلس شاردة الذهن، تفكر بين نفسها في حياتها التي أصبحت بلا معنى، ومن ثم نظرت إلى تلك الكدمة التي في ذراعها بألم، وزفرت أنفاسها بحزن وتعب.
وصارت تصارع نفسها بكلماتها، ربما تريح عقلها.
_ هتفضلي مستحملة كده لغاية إمتى يا رانيا؟ هتفضلي ساكتة على الإهانة دي لغاية إمتى؟ ده أنا حتى مش طايقة أبص في وشه.
التفتت رانيا بنظرها إلى تلك الصورة المعلقة على الحائط التي تجمعها مع أولادها “زيد وياسين”.
ومن ثم أكملت بدموع: بس مش هينفع أخرب على ولادي، دول لسه صغيرين مش هيستحملوا.
تنهدت بضيق وهي تشعر بجبال وصخور على صدرها، كأن هذه الحياة تصر على أن تجعلها تتألم. تلك القيود التي تشعر بها تلتف عليها كالأفاعي، تلدغها بسمها، لكن كيف تتخلص منها وهي مضطرة لحماية أغلى ما لديها؟
قطع حزنها وأفكارها صوت هاتفها يرن، وكانت شقيقتها الصغيرة “رضوى”.
أزالت “رانيا” بيديها المرتجفتين دموعها التي تهطل كالأمطار في الشتاء، وتنحنحت لتزيل الحزن من صوتها لينتظر لوقتٍ آخر.
_ ألو، أيوه يا حبيبتي، عاملة إيه؟
_ الحمد لله يا رنوش، أنتِ أخبارك إيه وأخبار الولاد إيه؟
_ الحمد لله يا عيوني، كويسين. طمنيني عليكِ وعلى جوزك عاملين إيه؟
_ إحنا فل الفل.
_ دايماً يا رب.
_ مالك يا رنوش؟
_ مالي؟ مفيش حاجة.
_ مش على أختك يا رانيا، متخانقة مع سعيد؟
_ لا خالص.
_ أمال مالك يا عيوني؟ احكيلي وفضفضي، ممكن ترتاحي.
تنهدت “رانيا” بتعب، وحاولت كبت دموعها من التدفق، وقالت بصوت أجش مكتوم كمشاعرها: مش عارفة يا رضوى، بحاول على أد ما أقدر أحافظ على الجواز ده عشان خاطر ولادي، بس مش قادرة، أنا… أنا تعبت بجد.
_ ليه كده يا رانيا يا حبيبتي؟ عملك إيه؟
_ بقى مقصر معانا أوي يا رضوى، على طول برا البيت ومش بيجي غير وقت العشا، ياكل وينام. مصاريف الولاد والبيت بقت شبه معدومة.
_ إزاي يا رانيا تسكتي على حاجة زي دي؟ قولي لماما وبابا، خلي حد يقعد ويتصرف معاه.
_ يا رضوى، أنا مش عايزة مشاكل، أصل…..
_ أصل إيه يا رانيا؟ في حاجة مخبياها؟
_ مفيش يا حبيبتي، معلش هسيبك عشان أشوف الولاد. سلام.
أغلقت “رانيا” المكالمة بسرعة قبل أن تفصح أكثر عن تلك الأسرار مع شقيقتها، فهي لو علمت أنه يتسلط عليها بالضرب أحياناً سوف تغضب كثيراً وتخبر والديها، وهي لا تريد أن تحصل أي مشاكل تضر أولادها.
_ يا رب، أنا مش عايزة عيالي يتعقدوا بسبب المشاكل دي.
ظلت “رانيا” ساكنة لثوانٍ، وأفكارها تتصارع داخل عقلها وتكاد أن تفجره من كثرتها، فقطع شرودها صرخة “ياسين” من الداخل:
_ مامااااااااااا!
ركضت “رانيا” إلى غرفة أطفالها وقلبها يكاد يقع من مكانه من فرط خوفها. دلفت “رانيا” إلى الداخل بسرعة، فوجدت “زيد” واقعاً أرضاً مغشياً عليه، و”ياسين” يجلس بجانبه والدموع تنهمر على وجنتيه الصغيرتين.
تقدمت “رانيا” نحوهما بسرعة، وأخذت “زيد” بين ذراعيها بحنان وهي تكاد أن تموت قلقاً، ونظرت إلى “ياسين” بقلق وقالت: إيه اللي حصل يا ياسين؟
_ والله يا ماما، كنا بنلعب عادي، راح وقع على الأرض فجأة.
نظرت “رانيا” إلى طفلها الصغير وهي تمسد على شعره بحنان:
_ زيد حبيبي، يا قلب ماما، قوم يا عيوني، مالك يا عمري؟
كان “زيد” ما زال مغمض العينين، لكن شفتيه كانتا تتحركان بكلماتٍ خافتة:
_ ما… ماما… تعبان… جسمي بيوجعني… دماغي وجعاني… فيها حاجة بتخبط فيها…
_ خلاص يا عيوني، متخافش.
جست “رانيا” بيدها على مقدمة رأسه، فوجدت حرارته عالية للغاية، فحملته إلى صدرها بخوف ووضعته على فراشه بهدوء. ونظرت نحو “ياسين” الذي يقف يراقبهم، وعيناه البريئتان تتابعان بخوف وقلق.
_ ياسين حبيبي، متخافش، أخوك هيبقى كويس. تعالى اقعد جنبه لغاية ما أجيب مية باردة وأعمله كمادات.
أومأ “ياسين” برأسه وجلس بجانب أخيه. أما “رانيا”، فركضت وأحضرت الماء البارد وبعضاً من القماش، وبدأت تبللها وتضعها حيث النبض لنزول الحرارة سريعاً.
ظلت على ذلك الحال ساعاتٍ طويلة، وكانت الحرارة قد انخفضت قليلاً، ولكن ما زال الطفل غير قادر على الحراك، وشقيقه بجانبه يخفف عنه آلامه. تلك الملامح البريئة كانت هلعة جداً على أخيها، نصف قلبها.
وفي تلك الأثناء، سمعت “رانيا” صوت الباب يُفتح، فعلمت أن “سعيد” قد جاء أخيراً.
_ حبيبي، خليك جنب أخوك لغاية ما آجي.
_ حاضر.
نهضت “رانيا” ومعالم الغضب تعلو وجهها، وبداخلها بركان من الكيد لـ”سعيد” المهمل.
_ حمداً لله على السلامة.
_ الله يسلمك.
_ برن عليك بقالي كتير، مش بترد ليه؟
_ كنت في الشغل ومش سامع الموبايل.
_ اممم، كنت في الشغل ومش سامع الموبايل؟! ابنك يا أستاذ تعبان من الصبح وحرارته عالية ومش راضية تنزل، وجنابك مش سايب ولا مليم في البيت عشان أنزل أروح لدكتور.
نظر لها “سعيد” بملل قائلاً: وهو بقى عامل إيه دلوقتي؟
_ على حاله.
أخرج “سعيد” من جيبه بعض المال ووضعه بين كفيها ببرود قائلاً: طيب، خدي الفلوس دي وروحي شوفي هتوديه فين.
نظرت “رانيا” إلى النقود، ومن ثم إلى وجه “سعيد” بصدمة. ما هذا الإنسان؟ هل هو بلا قلب؟ تخبره بأن ابنه مريض ويحتاج طبيباً وهو لا يبالي. تلك الملامح الجامدة على وجهه لم تتحرك حتى، ونبرة صوته التي لا تبالي بشيء. هل هذا هو والد صغارها؟ لا يُعقل.
نظرت له “رانيا” وما زالت في صدمتها.
_ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ إيه كمية البرود دي؟ هو اللي جوه ده مش ابنك يا بني آدم؟ ده بدل ما تجري تروح تشوف الولد، لا، بترميلي الفلوس وتقولي شوفي هتوديه فين. لا وإيه، بترميلي إيه؟ دول فلوس أوديه بيهم دكتور ولا أجيبله علبة عصير؟
نظر لها “سعيد” بغضب، فهو كأي رجل يكره أن ترفع امرأة عليه صوتها، وخاصةً زوجته. فتكلم بغضب مكتوم: متعليش صوتك عليا، ده اللي معايا وصرفي نفسك.
تفاجأت “رانيا” من كلماته، ولماذا ما زالت تتفاجأ حتى الآن؟ فهي تتوقع منه كل شيء.
شعرت “رانيا” أن بداخلها بركاناً غاضباً يود أن ينفجر في وجه ذلك المعتوه.
فنظرت له بحدة وقالت بغضب وتحذير: لا بقى، أنا ساكتة ساكتة وبمشي الأمور، بس خلاص أنا ما فيش حيل، ولغاية ولادي يا سعيد وخط أحمر.
_ يعني إيه؟
_ يعني تصرف عليهم زي بقية خلق ربنا، فاهم؟
نظر إليها “سعيد” وقد استشاط غضباً، وعيناه لا تبشران بخير، فهو يكره قوتها وتمردها عليه، ومن ثم..