تحميل رواية «أسيرة الحرية» PDF
بقلم جومانا عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ أسيرة الحرية بقلم جومانا عادل.
رواية أسيرة الحرية الفصل الأول 1 - بقلم جومانا عادل
ماذا يحدث عندما تكون مقيداً رغماً عنك لحماية من تُحب؟
فتصبح حياتك كالقفص الذي يحتجزك، وصراعاتك بداخلها كالأفاعي التي تلدغك لتضعف قوتك.
فماذا ستفعل “رانيا”؟ هل ستفضل حياتها لتصبح طليقة خارج ذاك القفص وتتحرر من قيودها،
أم سترغم نفسها أن تعيش فيه لحماية أولادها من ذلك الفاسد الذي يحتجزهم؟
هل أسيرة الحرية سوف تنطلق لحريتها مع طيورها، أم سيبقون في أسرهم؟
سوف تروي هذه السطور صراعات تحدث حولنا، ولكن نتجاهلها بدمٍ بارد.
لا بقى، أنا ساكتة ساكتة وبمشي الأمور، بس خلاص أنا ما فينيش حيل، ولغاية ولادي يا سعيد وخط أحمر.
_ يعني إيه؟
_ يعني تصرف عليهم زي بقية خلق ربنا، فاهم؟
ـــــــــــــــــــــــــ
كانت “رانيا” تجلس شاردة الذهن، تفكر بين نفسها في حياتها التي أصبحت بلا معنى، ومن ثم نظرت إلى تلك الكدمة التي في ذراعها بألم، وزفرت أنفاسها بحزن وتعب.
وصارت تصارع نفسها بكلماتها، ربما تريح عقلها.
_ هتفضلي مستحملة كده لغاية إمتى يا رانيا؟ هتفضلي ساكتة على الإهانة دي لغاية إمتى؟ ده أنا حتى مش طايقة أبص في وشه.
التفتت رانيا بنظرها إلى تلك الصورة المعلقة على الحائط التي تجمعها مع أولادها “زيد وياسين”.
ومن ثم أكملت بدموع: بس مش هينفع أخرب على ولادي، دول لسه صغيرين مش هيستحملوا.
تنهدت بضيق وهي تشعر بجبال وصخور على صدرها، كأن هذه الحياة تصر على أن تجعلها تتألم. تلك القيود التي تشعر بها تلتف عليها كالأفاعي، تلدغها بسمها، لكن كيف تتخلص منها وهي مضطرة لحماية أغلى ما لديها؟
قطع حزنها وأفكارها صوت هاتفها يرن، وكانت شقيقتها الصغيرة “رضوى”.
أزالت “رانيا” بيديها المرتجفتين دموعها التي تهطل كالأمطار في الشتاء، وتنحنحت لتزيل الحزن من صوتها لينتظر لوقتٍ آخر.
_ ألو، أيوه يا حبيبتي، عاملة إيه؟
_ الحمد لله يا رنوش، أنتِ أخبارك إيه وأخبار الولاد إيه؟
_ الحمد لله يا عيوني، كويسين. طمنيني عليكِ وعلى جوزك عاملين إيه؟
_ إحنا فل الفل.
_ دايماً يا رب.
_ مالك يا رنوش؟
_ مالي؟ مفيش حاجة.
_ مش على أختك يا رانيا، متخانقة مع سعيد؟
_ لا خالص.
_ أمال مالك يا عيوني؟ احكيلي وفضفضي، ممكن ترتاحي.
تنهدت “رانيا” بتعب، وحاولت كبت دموعها من التدفق، وقالت بصوت أجش مكتوم كمشاعرها: مش عارفة يا رضوى، بحاول على أد ما أقدر أحافظ على الجواز ده عشان خاطر ولادي، بس مش قادرة، أنا… أنا تعبت بجد.
_ ليه كده يا رانيا يا حبيبتي؟ عملك إيه؟
_ بقى مقصر معانا أوي يا رضوى، على طول برا البيت ومش بيجي غير وقت العشا، ياكل وينام. مصاريف الولاد والبيت بقت شبه معدومة.
_ إزاي يا رانيا تسكتي على حاجة زي دي؟ قولي لماما وبابا، خلي حد يقعد ويتصرف معاه.
_ يا رضوى، أنا مش عايزة مشاكل، أصل…..
_ أصل إيه يا رانيا؟ في حاجة مخبياها؟
_ مفيش يا حبيبتي، معلش هسيبك عشان أشوف الولاد. سلام.
أغلقت “رانيا” المكالمة بسرعة قبل أن تفصح أكثر عن تلك الأسرار مع شقيقتها، فهي لو علمت أنه يتسلط عليها بالضرب أحياناً سوف تغضب كثيراً وتخبر والديها، وهي لا تريد أن تحصل أي مشاكل تضر أولادها.
_ يا رب، أنا مش عايزة عيالي يتعقدوا بسبب المشاكل دي.
ظلت “رانيا” ساكنة لثوانٍ، وأفكارها تتصارع داخل عقلها وتكاد أن تفجره من كثرتها، فقطع شرودها صرخة “ياسين” من الداخل:
_ مامااااااااااا!
ركضت “رانيا” إلى غرفة أطفالها وقلبها يكاد يقع من مكانه من فرط خوفها. دلفت “رانيا” إلى الداخل بسرعة، فوجدت “زيد” واقعاً أرضاً مغشياً عليه، و”ياسين” يجلس بجانبه والدموع تنهمر على وجنتيه الصغيرتين.
تقدمت “رانيا” نحوهما بسرعة، وأخذت “زيد” بين ذراعيها بحنان وهي تكاد أن تموت قلقاً، ونظرت إلى “ياسين” بقلق وقالت: إيه اللي حصل يا ياسين؟
_ والله يا ماما، كنا بنلعب عادي، راح وقع على الأرض فجأة.
نظرت “رانيا” إلى طفلها الصغير وهي تمسد على شعره بحنان:
_ زيد حبيبي، يا قلب ماما، قوم يا عيوني، مالك يا عمري؟
كان “زيد” ما زال مغمض العينين، لكن شفتيه كانتا تتحركان بكلماتٍ خافتة:
_ ما… ماما… تعبان… جسمي بيوجعني… دماغي وجعاني… فيها حاجة بتخبط فيها…
_ خلاص يا عيوني، متخافش.
جست “رانيا” بيدها على مقدمة رأسه، فوجدت حرارته عالية للغاية، فحملته إلى صدرها بخوف ووضعته على فراشه بهدوء. ونظرت نحو “ياسين” الذي يقف يراقبهم، وعيناه البريئتان تتابعان بخوف وقلق.
_ ياسين حبيبي، متخافش، أخوك هيبقى كويس. تعالى اقعد جنبه لغاية ما أجيب مية باردة وأعمله كمادات.
أومأ “ياسين” برأسه وجلس بجانب أخيه. أما “رانيا”، فركضت وأحضرت الماء البارد وبعضاً من القماش، وبدأت تبللها وتضعها حيث النبض لنزول الحرارة سريعاً.
ظلت على ذلك الحال ساعاتٍ طويلة، وكانت الحرارة قد انخفضت قليلاً، ولكن ما زال الطفل غير قادر على الحراك، وشقيقه بجانبه يخفف عنه آلامه. تلك الملامح البريئة كانت هلعة جداً على أخيها، نصف قلبها.
وفي تلك الأثناء، سمعت “رانيا” صوت الباب يُفتح، فعلمت أن “سعيد” قد جاء أخيراً.
_ حبيبي، خليك جنب أخوك لغاية ما آجي.
_ حاضر.
نهضت “رانيا” ومعالم الغضب تعلو وجهها، وبداخلها بركان من الكيد لـ”سعيد” المهمل.
_ حمداً لله على السلامة.
_ الله يسلمك.
_ برن عليك بقالي كتير، مش بترد ليه؟
_ كنت في الشغل ومش سامع الموبايل.
_ اممم، كنت في الشغل ومش سامع الموبايل؟! ابنك يا أستاذ تعبان من الصبح وحرارته عالية ومش راضية تنزل، وجنابك مش سايب ولا مليم في البيت عشان أنزل أروح لدكتور.
نظر لها “سعيد” بملل قائلاً: وهو بقى عامل إيه دلوقتي؟
_ على حاله.
أخرج “سعيد” من جيبه بعض المال ووضعه بين كفيها ببرود قائلاً: طيب، خدي الفلوس دي وروحي شوفي هتوديه فين.
نظرت “رانيا” إلى النقود، ومن ثم إلى وجه “سعيد” بصدمة. ما هذا الإنسان؟ هل هو بلا قلب؟ تخبره بأن ابنه مريض ويحتاج طبيباً وهو لا يبالي. تلك الملامح الجامدة على وجهه لم تتحرك حتى، ونبرة صوته التي لا تبالي بشيء. هل هذا هو والد صغارها؟ لا يُعقل.
نظرت له “رانيا” وما زالت في صدمتها.
_ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ إيه كمية البرود دي؟ هو اللي جوه ده مش ابنك يا بني آدم؟ ده بدل ما تجري تروح تشوف الولد، لا، بترميلي الفلوس وتقولي شوفي هتوديه فين. لا وإيه، بترميلي إيه؟ دول فلوس أوديه بيهم دكتور ولا أجيبله علبة عصير؟
نظر لها “سعيد” بغضب، فهو كأي رجل يكره أن ترفع امرأة عليه صوتها، وخاصةً زوجته. فتكلم بغضب مكتوم: متعليش صوتك عليا، ده اللي معايا وصرفي نفسك.
تفاجأت “رانيا” من كلماته، ولماذا ما زالت تتفاجأ حتى الآن؟ فهي تتوقع منه كل شيء.
شعرت “رانيا” أن بداخلها بركاناً غاضباً يود أن ينفجر في وجه ذلك المعتوه.
فنظرت له بحدة وقالت بغضب وتحذير: لا بقى، أنا ساكتة ساكتة وبمشي الأمور، بس خلاص أنا ما فيش حيل، ولغاية ولادي يا سعيد وخط أحمر.
_ يعني إيه؟
_ يعني تصرف عليهم زي بقية خلق ربنا، فاهم؟
نظر إليها “سعيد” وقد استشاط غضباً، وعيناه لا تبشران بخير، فهو يكره قوتها وتمردها عليه، ومن ثم..
رواية أسيرة الحرية الفصل الثاني 2 - بقلم جومانا عادل
ومن ثم صفعها على وجهها بغيظ، فوقعت “رانيا” أرضاً أثر تلك الصفعة، و وضعت يديها على وجنتيها بصدمة، والدموع متحجرة في عينيها، وصوبت نحوه نظرات العتاب والقهر، لكنه لم يبالِ بها، وأمسكها من شعرها بعنف وقوة.
قائلاً: أول وآخر مرة تعلي صوتك عليا، أنتِ فاهمة؟ وده اللي عندي، إذا كان عاجبك، مش عاجبك اطلعي برا ومالكيش عندي عيال.
انتهى “سعيد” من كلماته القاسية، وألقى بها أرضاً كأنها أثاث قديم ليس له قيمة، ودلف إلى غرفته بخطوات غاضبة، وأغلق الباب بقوة.
كانت “رانيا” ما زالت ملقاة على الأرض تبكي بقهر، وصوت شهقاتها يرتفع، وكل عظمةٍ بداخلها كُسرت بسبب عنفه معها، ووجهها أحمر اللون. كانت محطمة من الداخل، شعرت بروحها المنهكة وقلبها الذي يبوح ألماً وحزناً. كم مرة كُسر فيها وما زال ينبض حتى الآن؟ لا تذكر حتى من كثرتهم.
استندت “رانيا” على الحائط بضعف، ودموعها تبلل وجهها، واتجهت إلى المرحاض بخطواتٍ بطيئة وضعيفة، فهي أخذت قراراً أن تنهض وتقاوم لأجل أولادها فقط.
ألقت ببعض الماء البارد على وجهها برفق وهي تنظر إلى المرآة بحزن.
ذبل وجهها كثيراً، وأصبح الحزن ملازماً عينيها.
تنهدت بتعب وحاولت أن تبتسم وتبدو على ما يرام لأجل طفليها،
ودلفت إليهم.
كان “ياسين” يجلس بجانب شقيقه، وعلامات العبوس تعتلي وجهه، فهو لم يعد صغيراً، أصبح في عامه العاشر ويعلم كل ما يجري حوله، وفي كل يوم يزداد غضباً من والده عديم المسؤولية. وجه عينيه على والدته التي تجلس على الفراش وتنظر إلى النقود التي بين يديها بحزن وتفكير، فهو يعلم ما يجول بخاطرها.
أما عن “رانيا”، فكانت تنظر إلى النقود وهي لا تعلم ماذا سوف تفعل، فهم لن يكفوا بتاتاً، وأخرجت من حقيبتها بعض النقود التي كانت تحتفظ بها لوقت كهذا.
_ ماما.
نظرت “رانيا” إلى طفلها البريء بابتسامة وقالت: نعم يا ياسين؟
_ اتفضلي دول يا ماما، أنا كنت محوشهم، خديهم وودي زيد للدكتور.
نظرت “رانيا” للنقود، ومن ثم إلى صغيرها ذي معالم الوجه البريئة والصادقة.
كانت تشعر أن روحها تصرخ بشدة، ليس ألماً على نفسها، بل على صغارها، لأنها هي من اختارت لهم ذاك الأب الذي لا يعرف شيئاً عن الأبوة والحب والحنان لأطفاله.
اعتذر حقاً يا صغاري.
_ ماما.
خرجت “رانيا” من مستنقع أفكارها، وأخذت النقود من صغيرها.
وقالت: تسلم يا حبيبي، شاطر يا ياسين. عايزاك على طول تخلي بالك من أخوك الصغير، ماشي يا عيوني؟ أخوك صغنن وحساس، عايزاك تبقى في ضهره.
_ مش تخافي يا ماما، أنا جيت قبل زيد بتلت سنين عشان أخلي بالي منه. أوعدك.
ضمتْه “رانيا” إلى صدرها بحب ودموع، ومن ثم نهضت وألبست “ياسين” و”زيد”، وحملته على ذراعها، وأمسك “ياسين” بيدها، وذهبوا إلى الطبيب.
بعد وقت كانت “رانيا” قد وصلت إلى البيت مع صغارها، وتحمل في يديها الدواء.
أعطت منه الطفل، وتركته لينام قليلاً، وقامت بوضع وسادة على الأرض لتنام عليها.
_ ماما، تعالى نامي جنبي، نايمة على الأرض ليه؟
_ لا يا حبيبي، أنا مرتاحة كده، نام أنت عشان تروح مدرستك بكرة.
_ لا مش هنام غير لما تيجي تنامي جنبي.
ونهض “ياسين” وأمسك بيديها لتنهض وتنام بجانبه، فاستجابت لرغبته، فهي تعلم أن طفلها عنيد.
في صباح يومٍ باكر، استيقظت “رانيا” وألبست “ياسين”، وذهبت راكضة لتوصله إلى المدرسة خوفاً على أن يفيق “زيد” في هذه المدة.
أوصلته “رانيا” وعادت إلى البيت. كان “سعيد” قد ذهب إلى عمله، فارتاح قلبها، وزفرت أنفاسها براحة، واطمأنت على صغيرها، وبدأت في تنظيف المنزل وتحضير الطعام. انتهت “رانيا” من يومها، وكان “زيد” قد تحسنت صحته، فأخذته “رانيا” لإحضار شقيقه من المدرسة.
وبعد ساعات كانت “رانيا” تجلس مع أولادها في الغرفة المعيشة ليذاكروا دروسهم، وفي هذه الأثناء أتى “سعيد” دون أن يقول حتى السلام، ونظر إلى “زيد”.
قائلاً: بقيت عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟
_ كويس يا بابا.
ابتسم له “سعيد” ودلف إلى غرفته وأغلق الباب. بعد وقت كان الأولاد قد انتهوا من دراستهم، وتناولوا طعامهم، وذهبوا ليخلدوا إلى النوم.
أما “رانيا”، فظلت في الغرفة المعيشة، وضجيج عقلها لا يهدأ.
_ هتعملي إيه يا رانيا في حالك ده؟ خلاص أنا مش قادرة أستحمل.
وسبحت في ذاكرتها من عامٍ مضى.
ـــــــــــــ
_ احنا ناقص لينا شوية خضار وحاجات في البيت عشان الغدا، والعيال هييجوا عايزين ياكلوا.
_ طيب خدي.
نظرت بين كفيها بعدم استيعاب.
وقالت: إيه ده؟ 100 جنيه هتعمل إيه؟
_ تعمل اللي تعمله بقى، أنا مالي.
بدأت معالم الغضب تعتلي وجهها، وتحدثت بنبرة حادة: هو إيه أنا مالي؟ هي دي هتجيب فراخ ولا لحمة؟ العيال اللي بقالهم شهر ولا بيشموها، ولا هجيب بيها خضار ولا فاكهة ولا مصروف للولاد كل يوم؟ ولا إيه ولا إيه ولا إيه؟
نظر إليها “سعيد” بغضب وقال صارخاً: بقولك إيه، قضي بيها حالك، أنا معيش أديكي أكتر من كده. أنتِ اللي واحدة مبذرة، غيرك بيمشي نفسه بيها وبيفيض كمان، مش لازم كل شوية لحمة وفراخ.
ضحكت “رانيا” بسخرية قائلة باستخفاف: أنا واحدة مبذرة؟ وكمان غيري بيمشي نفسه بيها؟ امممم.
ومن ثم نظرت له بغضب وأكملت صارخة: أنت إيه يا أخي؟ مفيش دم؟ العيال هيجيلهم أنيميا بسببك. هما دول مش عيالك؟ دوووول مش عيااااالك؟ حس بقى يا أخي، حس، حرام عليك. أنا مش بطلب حاجة ليا، دول لعيالك.
ثار بركان “سعيد” غضباً، وأمسك شعرها بقوة وهو يسب لها، وهي تصرخ بين يديه تطلب النجدة، لكن من سوف ينجدها؟ لا أحد معها سوى الله.
_ لو عليتي صوتك عليا تاني يا رانيا هيكون بموتك، ساااامعة؟ وده اللي عندي، عاجبك عاجبك، مش عاجبك اخبطي دماغك في الحيط. بس اعملي حسابك قبل ما تفكري تعتبي برا باب البيت، هتخرجي من غير رجعة، وانسي إنك عندك عيال. يلا غوري برا، مش عايز أشوف وشك.
قال “سعيد” كلماته وهو ما زال يمسك بها بقوة، ودفعها خارج الغرفة، فاصطدمت “رانيا” بالحائط، وأغلق “سعيد” الباب بقوة في وجهها، وهو لا يبالي بألمها وصوت أنينها الخافت.
ــــــــــــــــ
عادت “رانيا” من تلك الذاكرة المؤلمة، وهطلت دموعها بقوة. فما أبشع تلك الذكريات، كلما تذكرتها تشعر بنغزات قلبها المتألم.
_ أعمل إيه يا ربي؟ أنا تعبت والله. مش معقول هفضل كل شوية أروح أطلب من ماما، لا كده مينفعش. بابا لو عرف هيطلقني منه.
صمتت “رانيا” لثوانٍ تنظر في الفراغ شاردة وقالت: بس لا، مستحيل، عيالي مستحيل أبعد عنهم.
تنهدت بثقل وأغمضت عينيها بقوة قائلة: هتستحملي يا رانيا، هتستحملي عشان ولادك.
نهضت “رانيا” متجهة إلى المطبخ، فالنقود التي معها لن تكفي بتاتاً لإحضار أي طعام للأولاد غداً. فظلت واقفة في المطبخ حائرة، تنظر حولها بتفكير، وفي النهاية وجدت بعض الأغراض في المطبخ، وحاولت إعداد وجبة خفيفة للأولاد. وبالفعل بعد ساعة أو أكثر كانت قد انتهت، ودعت الله أن تنال إعجابهم. وعندما انتهت، ذهبت إلى غرفتهم لتطمئن عليهم، كانوا غارقين نوماً، فجلست على الأريكة وتنهدت براحة، يومٌ آخر مضى بسلام.
وغفلت عيناها تعباً.
في صباح يومٍ باكر، استيقظت “رانيا” على صوت هاتفها معلناً أذان الفجر.
نهضت بنشاط كعادتها، وصلت فرضها، وظلت تجهز أغراض أولادها حتى حلول موعدهم.
انتهت وذهبت وأيقظت أطفالها، وساعدتهم في ارتداء ملابسهم وأحذيتهم.
_ بصوا يا حبايبي، عملت ليكم إيه.
أزاحت الغطاء عن الطعام.
فقال “زيد” ببراءة: اللللله يا ماما، إيه ده؟
_ دي حاجة ماما اخترعتها، دوقوا كده.
أخذ “زيد” قطمة، وشقيقه كذلك.
_ إيه رأيكم يا حبايبي؟
_ حلو أوي يا ماما.
_ تسلم إيدك يا ماما.
_ تسلموا يا قلب ماما، يلا بقى عشان متتأخروش.
أخذت “رانيا” أطفالها، وأوصلتهم إلى المدرسة، وذهبت إلى البيت، فلم تجد “سعيد”.
_ أحسن، ياريت كل يوم كده تنزل ومشوفش وشك.
بدأت “رانيا” بروتينها اليومي في المنزل من تنظيف وتحضير الطعام.
انتهت من إعداد الطعام الذي أعدت مثله من يومين، وذهبت لتحضر أطفالها.
ــــــــ
كانوا يجلسون ثلاثتهم يتناولون الغداء، و”رانيا” تراقب وجوه أطفالها البائسة، فهي تعلم أنهم سئموا من هذا الطعام، لكن يعلمون ما يجري حولهم، فيلتزمون الصمت.
كانت “رانيا” تشعر ببراكين غاضبة بداخلها، فهي ترى أولادها يأكلون رغماً عنهم ولا تستطيع فعل شيء. فقد طفح بها الكيل ولن تصمت هذه المرة.
انتهى الأطفال من طعامهم وواجباتهم المنزلية، وخلدوا إلى النوم. أما “رانيا”، فجلست في الغرفة المعيشة تنتظر “سعيد” وهي تستشيط غضباً.
في هذه الأثناء دلف “سعيد” وهو لا يعيرها اهتماماً.
وقال بنبرة باردة وهو متجه إلى غرفته: السلام عليكم.
أوقفته “رانيا” قائلة: استنى يا سعيد.
وقف سعيد ونظر إليها ببرود وقال بلا مبالاة: خير؟
تنهدت بغضب مكتوم وقالت: أنا خلاص مش قادرة أستحمل العيشة دي، والولاد تعبوا يا أخي، تعبوا.
تنهد بضيق وقال: يعني عايزة إيه من الآخر؟
_ مفيش إحساس خالص؟ يعني سايب العيال ليا ولا بتسأل عليهم ولا بتبص في وشهم حتى، كأنهم مش عيالك، وقولت ماشي. مأثر معانا في الفلوس ومستحملة، رغم إنك مقتدر، بس خلاص كده مش قادرة أستحمل، مش عشاني أنا، لا، عشان العيال، اللي هما عيالك أنت كمان.
صرخ بها قائلاً: هو ده اللي عندي، اقفلي بقى، مش كل يومين نفس السيرة.
صرخت به “رانيا” وقد طفح كيلها منه ومن تصرفاته الحمقاء ومعاملته الجافة: طلقني، طلقني وخليني آخد عيالي وأغور من هنا، طلقنيييي!
_ اااه، عايزة تطلقي وتاخدي العيال وتروحي تلفي على واحد معاه فلوس ويربي عيالي؟ يكون في علمك، عايزة تطلقي هتخرجي من هنا بشنطة هدومك، سامعةههههه!
بدأت “رانيا” في الانهيار بكاءً، وصارت تضرب على صدره بقبضة يديها.
وهي تقول: أنت معندكش دم، مفيش خالص يا أخي. أنت واحد حيوان وزبالة وحقير ومعندكش أخلاق خالص ولا رحمة. ربنا ياخدك ويريحني.
كانت تقول كلماتها ببكاء شديد، وقلبها تزداد نبضاته ويعتصر ألماً وحزناً.
لم يتحمل “سعيد” أكثر، وأصبح كالثور الهائج، وانهال عليها ضرباً وهو لا يرى أمامه وأعماه غضبه، وهي كانت تصرخ بين يديه وهي تقول: “سيبني، حرام عليك يا أخي، سيبني”.
كان أولادها يقفون على باب غرفتهم يشاهدون في بكاء. كان “زيد” يبكي بشدة وهو يقول بخفوت: “ماما، سيبها ماما”.
أما “ياسين”، فلم يحتمل ما يحدث أمامه، وذهب راكضاً نحو والده وظل يضربه على ظهره بقبضته الصغيرة.
وهو يقول بغضب: سيب ماما، سيب ماما.
لكن “سعيد” لم يكن منتبهاً إليه أو يعيره اهتماماً، فعض ياسين ذراعه بقوة.
تركها “سعيد” وهو يتألم ويمسك ذراعه.
وصرخ في “ياسين”، فركض الطفل وعانق والدته وهو يوجه كلماته لوالده وعلامات الغضب تكسو وجهه:
_ أنت وحش أوي يا بابا، سيب ماما ومتضربهاش تاني.
نظر إليه بصدمة وقد جن جنونه. كيف لابنه أن يقول له هذا؟
_ أنت إزاي تكلمني كده؟
واقترب منه بغضب كي يصفعه على وجهه عقاباً لكلماته وقلة حيائه…