الفصل 3 | من 6 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
15
كلمة
1,430
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

رواية بنات البحر الجزء الثالث 3 بقلم محمد منصور بنات البحررواية بنات البحر الحلقة الثالثة شرين فتحت باب الشقة بإيد مرتعشة، وعينيها معلقة على الظابط والعساكر الواقفين قدامها. أخدت نفسًا عميقًا، وحطت رجلها برة باب الشقة… خطوة واحدة بس كانت كفيلة إنها تحسم مصيرها. الغريب… إن ولا واحد فيهم لف ناحيتها، ولا حتى رمش بعينه، كأنها بقت شبح ما حدش قادر يشوفه.

قلبها كان بيدق بعنف لدرجة إنها كانت حاسة إن صوته هيكشفها في أي لحظة. لكنها كملت، خطوة ورا خطوة، ونزلت السلم بسرعة وهي لسه مش مستوعبة اللي بيحصل. وسايبة وراء منها الظابط والعساكر بيخبطو علي باب الشقة ولما وصلت لمدخل العمارة، بصت وراها آخر بصّة… الظابط والعساكر لسه واقفين مكانهم، ولا كأن حد عدى من قدامهم. اتسعت عينيها من الصدمة وهمست لنفسها: “معقول… نجحت؟!

وفي لحظة، جريت بكل قوتها ناحية عربيتها، فتحت الباب، رمت نفسها ورا الدركسيون، ودارت المحرك في ثانية واحدة… وانطلقت بأقصى سرعة، والإطارات صرخت على الأسفلت وهي بتختفي من المكان.،،،،،، يتغير المشهد… شرين قاعدة قدام شامل في مكتبه جوه الدار، وعينيها مليانة عتاب وغضب، وبعد لحظات من الصمت قالت بصوت مكسور: إزاي… إزاي هُنت عليك تعمل فيا كده؟ رفع شامل عينه ناحيتها، وكان وشه جامد مفيهوش أي تعبير.

يا شرين… أنا خلصتك من إيد البوليس علشان لسه ليا مصلحة في وجودك. غير كده… اللي فات مات، وأنا مش عايز أسمع كلمة واحدة عنه. هزت شرين راسها بعدم تصديق، والدموع لمعت في عينيها. بس أنا… أنا حبيتك بجد يا شامل. ابتسم شامل ابتسامة باردة، وقال بنبرة حاسمة: الحب؟ الكلمة مالهاش مكان في القاموس اللي أنا عايش بيه. انسي الكلام الفارغ ده، وقوليلي… أطفال مثلث برمودا وصلوا لفين؟ عضّت شرين على شفايفها من القهر، وطلعت موبايلها بعصبية،

وهي بترد باستهزاء: حاضر… يا شامل بيه. رفع شامل حاجبه باستغراب. إيه حكاية “شامل بيه” دي؟ بصتله شرين بنظرة كلها وجع وقالت: علشان ما أنساش نفسي تاني… وأفضل فاكرة إني مجرد موظفة عندك… مش أكتر. ضغطت على رقم في الموبايل، وما استنتش غير ثواني لحد ما الرد جه. أيوة يا شرين هانم. شرين: بقيتوا فين يا مسعد؟ مسعد: عدينا كارته الصحراوي، وكله ساعة بالظبط ونكون عند الدار. شرين: تمام… إحنا في انتظاركم.

قفلت المكالمة، وحطت الموبايل على المكتب، وقالت من غير ما تبص لشامل: ساعة… وهيكونوا هنا. وقفت علشان تخرج، لكن شامل مد إيده بسرعة ومسَك إيدها. رايحة فين؟ سحبت نفسها شوية وهي بتبصله ببرود. هقعد مع بلقيس لحد ما هما يوصلوا. قال شامل وهو لسه ماسك إيدها: البنات اتعلقوا بيكي زيادة عن اللزوم. ابتسمت شرين ابتسامة حزينة، وقالت بمرارة:

ما تقلقش… لا منهم ولا مني. إحنا كلنا هنا مجرد خدامين عندك… وماحدش فينا يقدر يعمل غير اللي أنت عايزه. وسحبت إيدها من بين صوابعه بقوة، وخرجت من المكتب من غير ما تبص وراها. فضل شامل واقف مكانه، وعينه معلقة على الباب اللي خرجت منه. كان قلبه بيصرخ باسمها… لكن كبرياءه كان أعلى من إنه يعترف بحقيقة واحدة… إنه وقع في حب شرين… حب عمره ما هيسمح لنفسه يعلنه.،،،،،، ويتغير المشهد…

ونروح للأوضة اللي فيها بلقيس وأروى وفريال. أول ما باب الأوضة اتفتح، قامت بلقيس من على السرير جري، ورمت نفسها في حضن شرين بكل قوتها. وفي نفس اللحظة، جريت أروى وفريال هما كمان، واتعلقوا فيها، والتلاتة حضنوها كأنهم كانوا خايفين تكون ضاعت منهم. وقالوا بصوت واحد، مليان خوف ولهفة: إحنا عرفنا اللي بابا شامل كان بيخطط يعمله فيكي… وخوفنا عليكي أوي. ابتسمت شرين ابتسامة هادية، رغم الوجع اللي مستخبي في عينيها، وفضلت تمرر إيديها

على شعرهم بحنان وهي بتقول: ما تخافوش عليا… هو محتاجني. أنا الوحيدة اللي بصلحله مصايب كتير، ومن غيري… مشاكله هتكتر، ويمكن تكون هي السبب في نهايته. بصوا لبعض باستغراب، وقالوا في نفس الوقت: هو… ليه نهاية؟ تنهدت شرين، وبصت قدامها للحظة، كأنها بتكلم نفسها قبل ما ترد: كل مخلوق ليه نهاية… مهما كان قوي، ومهما افتكر إن الدنيا كلها تحت رجليه. سألوها الثلاثة في نفس الوقت وكأن بنت واحدة هي اللي بتتكلم يعني… بابا هيموت في يوم؟

ابتسمت شرين ابتسامة حزينة، وقالت وهي بتضمهم ليها أكتر: كلنا هنموت يا حبيبتي… دي سنة الحياة. سكتوا لحظة، قبل ما يقولو طب… هو ليه بيكرهنا؟ مع إننا بناته! اتوجع قلب شرين من السؤال، لكنها خبت إحساسها بسرعة، وربتت على خدها وقالت: بلاش نفكر في الحاجات اللي بتوجعنا دلوقتي… تعالى نعمل حاجة تفرحنا. مسحت دموع التلت بنات بإيدها، وابتسمت وهي بتقول: إيه رأيكم نلعب اللعبة اللي بتحبوها؟

في لحظة، اتغيرت ملامح البنات، ورجعت الضحكة تنور وشوشهم. كل واحدة فيهم خطفت مخدة، وشرين مسكت مخدة هي كمان، وفجأة اتحولت الأوضة لساحة حرب… حرب كلها ضحك. المخدات كانت بتطير في الهوا، وضحكات البنات كانت مالية المكان، وهما بينطوا على السرير ويجروا ورا بعض، وشرين بتضحك من قلبها لأول مرة من وقت طويل. وللحظات… اختفى الخوف، واختفت المؤامرات، واختفى اسم شامل من عقولهم.

ما فضلش غير ضحكات أربع أرواح، كل واحدة منهم كانت بتدور على حضن يطمنها. وبعد وقت طويل من اللعب، غلبهم التعب. تمددت شرين على السرير، فاقتربت منها بلقيس، ثم أروى، ثم فريال، وكل واحدة فيهم نامت وهي مستخبية بين ذراعيها، كأنها لقت أخيرًا الأمان اللي اتحرمت منه سنين. أما شرين… ففضلت صاحية للحظات، تبص في سقف الأوضة، وعينيها مليانة قلق. كانت عارفة إن الهدوء ده… مش هيدوم. وإن العاصفة الحقيقية… لسه ما بدأتش.،،،،، يتغير المشهد…

في نفس الوقت… كان أسر واقف في مكتبه، والغضب باين على ملامحه بشكل مرعب. قدامه كان واقف الظابط المكلف بتنفيذ أمر ضبط وإحضار شرين، والعرق بينزل من على جبينه وهو مستني رد فعل المفتش. ضرب أسر المكتب بإيده بعنف، وصوته دوّى في أرجاء المكتب: يعني إيه تكتب في تقريرك إنها ما كانتش موجودة في الشقة؟! وفي نفس الوقت كاميرات المراقبة اللي قدام بيتها مصوراها وهي خارجة من العمارة بعد المأمورية بدقايق!

اتوتر الظابط، لكنه حاول يتمسك بكلامه. يا حضرة المفتش… أنا ما كنتش لوحدي في المأمورية. كان معايا أربع عساكر، ولو سألت أي واحد فيهم هيقول لحضرتك نفس الكلام… الشقة كانت فاضية، وفتشناها بالكامل. قرب منه أسر وهو بيبصله نظرة حادة. يعني عايزني أكذب عيني؟! أنا شوفت بنفسي تفريغ الكاميرات… وشوفت شرين وهي خارجة من البيت بكل هدوء. ابتلع الظابط ريقه وقال بصوت متردد:

والله يا فندم… اللي حصل ده مش لاقي له تفسير. كأن… كأنها كانت مستخبية عن عيوننا. أنا بصراحة… مش لاقي غير تفسير واحد. عقد أسر حاجبيه وقال بسخرية: قول… سمعني. أخذ الظابط نفسًا عميقًا وقال: سحر… اللي حصل ده شغل سحر. ساد صمت لثوانٍ… ثم انفجر أسر في الضحك ضحكة ساخرة، قبل ما يتحول ضحكه لغضب. آه… وإيه كمان؟! هنجيب عفريت يحقق معانا؟! إحنا في قسم شرطة ولا في حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة؟ ثبت الظابط نظره في الأرض وقال بإصرار:

حضرة المفتش… من غير سخرية. لو عند حضرتك تفسير منطقي للي حصل، أنا أول واحد هقتنع بيه. لكن اللي شوفناه بعنينا… مستحيل يتفسر. سكت أسر لحظة، وبص في شاشة الكمبيوتر اللي قدامه، وكانت صورة شرين وهي خارجة من العمارة واقفة قدام عينه. قبض على إيده بقوة، ثم قال بنبرة حاسمة: كفاية خرافات. اعمِل نشرة بصورة شرين فورًا، وابعتها لكل الأكمنة والارتكازات الأمنية في الجمهورية… وخلي كل ضابط وعسكري يحفظ وشها. ثم قرب من الظابط، وقال بصوت

منخفض لكنه مليان تهديد: واسمعني كويس… الأحسن ليك إن بكرة ما يطلعش النهار… إلا وشرين واقفة قدامي متكتفة. غير كده… اعرف إن تقريرك ده هيكون أول وآخر تقرير تكتبه في حياتك المهنية. ابتلع الظابط ريقه بصعوبة، وأدى التحية بسرعة وهو بيقول: أوامرك يا فندم. استدار وخرج من المكتب مسرعًا… أما أسر، ففضل واقف يبص لصورة شرين على الشاشة، وهمس لنفسه بنبرة غامضة:

“إنتِ مخبية إيه يا شرين… وإيه السر اللي خلاكي تختفي من قدام خمس عيون، وتظهري قدام كاميرات المراقبة ،،،،،،،،، ونرجع تاني للدار… ومع حلول الظلام، وصلت عربية نقل صغيرة بصندوق مغلق، ودخلت من البوابة الخلفية للدار بعيدًا عن أي عيون، واتجهت مباشرة ناحية الجراج. نزل السواق، وكان قاعد جنبه مسعد، الموظف الموثوق في الدار. أول ما العربية وقفت، كانت شرين مستنياهم، وبجوارها شامل، اللي كان واقف في صمت، وملامحه جامدة كعادتها.

بص شامل للعربية، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل أوامر لا تُناقش: افتح الصندوق. جري مسعد بسرعة، وفك أقفال الباب الخلفي، وفتح الصندوق ببطء… وفي اللحظة دي، ظهرت سبع بنات صغيرين، أعمارهم حوالي عشر سنين، متكدسين جوه العربية، والخوف مرسوم على وشوشهم. فضل شامل يبصلهم من غير ما ينطق، وكأن عينيه بتفتش عن حاجة معينة وسطهم. وبعد لحظات من الصمت، قال بنبرة حاسمة: يلا… انزلوا.

نزلت البنات واحدة ورا التانية، وكل واحدة فيهم كانت بتبص حواليها برعب، مش فاهمة هي فين، ولا إيه المكان اللي جابوهم له. أما شامل… فكان مركز في ملامحهم واحدة واحدة. لحد ما وقعت عينه على بنت منهم… البنت دي ما خافتش تبصله، بالعكس… ثبتت عينيها في عينيه، وكأنها تعرفه من زمان. اتغيرت ملامح شامل فجأة… واتسعت عينه في صدمة واضحة، وهمس بصوت خرج منه من غير ما يحس: …إنتِ؟! وفي اللحظة دي… اتجمد الزمن. واختفى صوت كل اللي حواليه.

ورجع بيه الزمن سنين طويلة لورا… إلى سرٍ دفنه بيده… وظن أنه مات إلى الأبد. لكن يبدو… إن الماضي قرر يرجع من جديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...