تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
الفصل 20
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 20
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
أصعب من الوهم هو التمسك به والتعايش معه كأنه حقيقة، نتحرك معه كأننا دمى تأسرنا خيوطه الوهمية، تأخذنا في دوامة الضياع إلى المجهول المظلم.
تسمر مكانه عندما وجدها تقف أمامه برفقة "خالته"، تخبره أنها بحاجة لمعالجة ألم أسنانها؛ عجزت قدماه عن التقدم.
بلع ريقه بتوتر، وأشار لها بحركة مضطربة أن تتمدد على الكرسي. جلس أمامها، فتسارعت دقات قلبه بجنون، واجتاحته مشاعرُ أربكت ثباته. حين انحنى ليطلب منها فتح فمها لمعاينة مصدر الألم، لامست أنامله شفتيها سهواً، فارتجف وتراجع داخلياً، صارخاً في قلبه أن يكف عن هذا الجنون، وأن يستعيد صوابه؛ فهي الآن ليست سوى مريضة أمنته على ألمها.
حاول لملمة شتات نفسه ليطمئنها بنبرة مصطنعة:
_ ما تخافيش، هو محتاج حشوة بس.
اقترب ليغرس إبرة البنج في لثتها، وتمنى لو غُرست في قلبه الملعون ليتوقف عن النبض، قبل أن يسقط في درك الخيانة. هز رأسه بعنف طالباً من تلك الأفكار أن تغادره، وتحلى بأعلى درجات التعقل لينهي عمله ويخلص نفسه من هذا الموقف المهلك.
وبعد دقائق قليلة شعرت هي فيها بتخدر المكان، أمسك بجهاز الحفر وبدأ العمل، محاولاً الانشغال به، لكن جسده انتفض كما انتفض الجهاز في يده، وتصبب عرقاً من نيران أشواقه التي تأججت وهو يراها تغمض عينيها بألم، مما أجهز على ما تبقى من مقاومته الواهية. وعندما توقف قليلاً، فتحت هي عينيها لتلتقي عيناها بعينيه، فاعترف لنفسه بالحقيقة المرة: هو لم ينسَها قط..
لقد كان مخادعاً؛ خدع نفسه وخدع تلك البريئة التي وثقت به، مدعياً دور الزوج المحب الذي طوى صفحة حبيبته السابقة. لكنه اليوم انهار تماماً وهي تجلس أمامه. ترقرقت الدموع في عينيه، واعتصره شعور غامض يمزج بين الخيبة والندم، بينما تكبلت روحه بسلاسل الذنب، فاستجمع بقايا شجاعته ليتمم مهمته.
صمته المريب وتحديقه بها أثارا ريبتها، فسألته بقلق:
_ هو فيه حاجة؟
صوتها القلق أعاده إلى الواقع، فأجاب بتوتر:
_ لا.. أنا قربت أخلص.
حاول جاهداً أن يتقن عمله حتى انتهى. ناولها المرآة، فالتقطتها تتفحص السن الذي أرقها طويلاً. ابتسم ابتسامة شاحبة، وخرجت كلماته متقطعة:
_ هو دلوقتي خلاص.. دي حشوة بلون السن، مش هيبان خالص إنه كان متضرر.
فتحت فمها، وقربت المرآة محركة رأسها بفضول، قبل أن تقول باستحسان:
_ فعلاً، حلو أوي ومش باين.. تسلم إيدك.
احترقت كلماته في جوفه، فلم يستطع الإجابة، واكتفى بإيماءة بسيطة. حاولت أن تعطيه أجر عمله، لكنه رفض بإصرار، مؤكداً لها أنهم أهل ولا يصح ذلك. غادرت برفقة "خالتها"، وما إن انغلق الباب خلفها، حتى خارت قواه، فسقط على الأرض غارقاً في بكائه.
نوبة بكائه التي استمرت برهة من الزمن دفعت مساعدته أن تطرق الباب تحاول الاستئذان منه للدخول، لكنها ابتعدت عن الباب بذعر عندما سمعته يصرخ بها:
_ الغي المواعيد الباقية وامشي يا "نجلاء".
لتنفذ طلبه بسرعة ومن دون تردد، وما إن سمع صوت إغلاقها لباب العيادة حتى سقط في نقطة الانهيار التي لا رجعة بعدها، بدأ يصرخ، يضرب الأرض بكلتا يديه، يكرر بهستيريا:
_ حيوان وخاين... حيوان وخاين... متستاهلش واحدة زيها، أنت زبالة وهي ملاك!
واهتاج يرفع يده يلطم موضع قلبه:
_ مانستهاش أنا، أنا كداب! أنا بكدب على نفسي وعليها، لسه عايشة جوايا ومعرفتش أخلص منها.
تعالت شهقاته بعد أن أحرق قلبه شعور الذنب، لتخرج آهاته بحرقة:
_ حبتك وأنت خنتها، أنت متستاهلهاش! هي تستاهل حد طيب زيها مش واحد أناني وخاين.
توقف يمسح دموعه بقوة كأنه أدرك شيئاً، ليعاود انهياره وهو يتذكر صديقه:
_ حتى هو كمان بتخونه..
زاغت عيناه في الفراغ لترتجف شفتاه ويقول بضياع:
_ تعبت... من التمثيل والظلم والخداع.
تنهد بقهر يكمل اعترافه بأخطائه:
_ حتى حتة العيل اللي نفسها فيه استكترته عليها...
ليعاود انهياره يشتم نفسه وينعتها باحتقار:
_ أنا... أناني... وظالم.
**********************
أخذ القلق منها مأخذه بعد أن تجاوزت الساعة منتصف الليل، لقد تأخر عن موعد عودته كثيراً. هاتفه المغلق زاد من قلقها، قضمت أظافرها في حيرة ورددت بخوف:
_ أعمل إيه؟ أتصل بـ "بابا طارق" وإلا أستنى شوية؟
اعتصرها قلبها وأفكار مرعبة تطرق بالها تزيد من فزعها، لترتجف يدها ولم تتوقف قدمها عن الاهتزاز من شدة القلق، تحاور طيفه بعتاب:
_ رحت فين يا "زياد"؟ قلقتني عليك.
أحاطت جسدها بيديها بعد أن زاد ارتجافها، تحاول أن تهدئ نفسها، وتوترها يزداد مع تلك الخيالات المرعبة والهواجس التي خيلت لها أسوأ التوقعات، لتهز رأسها ترفض الاستسلام لها وتوبخ حالها:
_ إيه الأفكار دي يا "رحمة"؟ لا إن شاء الله مفيش حاجة... إن شاء الله هو بخير.
ثم أضافت تلوم حالها أكثر:
_ يعني هو تأخيره لازم يكون حادثة أو خناقة؟ ما يمكن موبايل فصل شحن وجايز..،،
ثم صمتت تحاول إيقاف عقلها عن الاستمرار بتلك المخاوف، وهي تفرك يديها باضطراب وتنهض تجوب المكان يميناً ويساراً بخوف:
_ بس كفاية أفكار سودة، إن شاء الله خير.
انتفضت وهي تسمع صوت مفتاح في الباب، لتهرول نحوه بلهفة، فأصابها الفزع عندما دخل ورأت هيئته؛ بعينين حمراوين ووجه شاحب، أكتافه متهدلة كأنه يحمل جبالاً من الهموم. اقتربت منه تسأله بخوف، وهي تتلمس وجهه وذراعيه كأنها تتفقده:
_ حبيبي مالك؟ فيك إيه؟ حصل إيه؟ طمني، قلبي هيوقف.
أغمض عينيه بأسى، ولهفتها تزيد من احتقاره لنفسه، وكأن مخزون كتمانه نفذ، ولم يستطع كبح جماح تهوره وهو يقول بصوت مختنق:
_ مقدرتش أنسى، حاولت والله حاولت وكنت فاكر إني نسيت، طلعت مش ناسي وبكدب على نفسي وعليك.
اتسعت عيناها بذهول وصدرت منها شهقة قبل أن تبتعد عنه كالملسوع، فكلماته أحرقتها وحطمت بيت الحب الذي ظنت أنه مأمنها. نظراته الواهنة كانت كفأس هدم جدار الثقة بينهما، لترتعش شفتاها وتنساب دموعها بقهر تعاتبه بحرقة:
_ يعني كل حاجة كدب؟ كنت معيشني في وهم حبك ليا واهتمامك بيا؟ كان كله تمثيل؟ ليه؟
لتصرخ بكل قوتها تسأله:
_ ليه... ليه خلتني أحبك وأتعلق فيك؟ ...ليه عيشتني في حلم ودلوقت بتصحيني على كابوس؟
ارتعش جسدها بقهر وارتجفت شفتاها منهارة، تخرج كلماتها بهستيريا:
_ عملتلك إيه؟ كنت سبتني، تقبلت الحقيقة من البداية.. وافترقنا..،، ليه مطلقتنيش مادام مش قادر تنساها؟ ليه حرام عليك؟ كسرتني ليه؟
وضعت يديها على وجهها وانتحبت بقهر، فتمزق قلبه عليها، ليقترب منها بتوجس ويقول:
_ "رحمة"، أنا كنت صادق والله وعاوز أنسى وحاولت...
ثم مد يده يحاول الإمساك بها لكنها ابتعدت عنه تصرخ بوجهه بغضب وتحذره شاهرة سبابتها في وجهه:
_ إياك تقرب، إياك تلمسني.. أنت واحد أناني... وحقير.
هز رأسه يؤكد حديثها ودموعه تسبق كلامه:
_ عندك حق، أنا أناني وحقير وظلمتك معايا.
زاد حديثه من هياجها، لتأخذ نفساً عميقاً تستجمع فيه قواها قبل أن تتحرك نحو غرفتها تهتف بوجع:
_ أنت متستاهلش حتى وجودي معاك.
صعقته تلك الكلمة وهزت روحه رغم صدقها، شل جسده ولم تعد قدماه تستطيع حمله، عيناه كانتا تتحركان باضطراب وصراع ما بين فقدها وما بين حقها في حياة أفضل. كان يسمع لمتعتها لأغراضها وشهقاتها، ليتحامل على نفسه ويقترب منها يتوسلها:
_ ما تسيبنيش يا "رحمة"، أنتِ مش وعدتيني تساعديني؟ خليكِ معايا.
التفتت إليه تنظر إلى يده الممسكة بعضدها قبل أن ترفعها ببطء، تنظر له بنظرة خاوية، تهز رأسها بقلة يأس:
_ يااااه، للدرجة دي كنت مخدوعة فيك؟
نظرتها الخاوية تحولت لمشمئزة وهي تكمل:
_ للدرجة دي أنت أناني ومعندكش دم! جاي تقولي إنك منستش حبيبتك وعاوزني أساعدك بعد ما خليتني أحبك وكسرتني؟
أخفض عينيه بخزي فقد صدق حديثها، نفضت يده بقوة ليرفع نظره نحوها، تلتقي عيناهما في لحظة عتاب قبل أن يصدح صوتها بتحدٍ ونفور:
_ طلقني.
لم تكن مجرد كلمة، كانت صفعة أيقظته من سبات الوهم، ليرتد نحو الخلف يطالعها رافضاً:
_ لا يا "رحمة"، طلاق إيه؟
جملته استفزتها فازدادت تحدياً وكررت طلبها بإصرار:
_ طلقني يا "زياد".
نظرات رجاء رافقت كلماته المتوسلة:
_ أرجوكِ يا "رحمة"، اديني فرصة وساعديني.
ابتسمت بسخرية حزينة وقالت متهكمة وهي تمسح دموعها التي أبت التوقف تكرر حديثه:
_ فرصة تانية عشان تكسرني أكتر؟
اقتربت هذه المرة منه تضرب على موضع قلبه، كأنها تعاقب ذلك القلب الذي خذلها وتخبره بحرقة:
_ كسرتني في اليوم اللي كان المفروض يكون أحلى يوم في حياتي، وفكرت إنك ترضي ضميرك على حساب مشاعري.
طأطأ رأسه بندم لتزداد ضرباتها قوة تهز جسده وهو مستسلم لها، يعلم أنه يستحق ذلك، فأكملت بصوت مختنق:
_ طلبت مني فرصة وسامحتك، وأديتك فرصة، حبيتك وحبيت اهتمامك، وافتكرت إنك بتحبني زي ما بحبك.
لتغص بقهر وتتحشرج الكلمات في صدرها تخنقها بالدموع التي انهمرت، لكنها أكملت بصعوبة:
_ طلعت عايشة في وهم، وكل اللي بيحصل تمثيل عشان حضرتك ترضي ضميرك.
توقفت تلتقط أنفاسها وتمسح دموعها بعجز وتضيف:
_ لكن تعرف؟ المرة دي أنت حطمتني، وجعت قلبي اللي حبك.
هزت رأسها بوجع تردد بقهر:
_ مش هسامحك يا "زياد"، وهعلم قلبي يكرهك، ربنا ينتقم منك على كسرة قلبي.
استدارت تلملم باقي أغراضها، ليعاود التوسل بها معتذراً:.
_ "رحمة" أنا آسف، عارف إني وجعتك بس أرجوكِ ما تمشيش، عاقبيني، أنا أستحق العقاب بس ما تمشيش وتسيبيني.
_ اطلع بره.
قالتها بخفوت قبل أن تصرخ بها بغضب عندما رأت استمرار وقوفه أمامها:
_ اطلع بره! مش عاوزة أشوف وشك.
خرج يجر أقدامه بحزن وندم نحو الخارج، وقف بالقرب من الباب فلم يستطع الابتعاد حتى وجدها تخرج تجر حقيبتها خلفها ليركض خلفها يحاول التمسك بها لآخر مرة:
_ "رحمة" أرجوكِ ما تمشيش.
التفتت إليه وقالت بحزم وبنبرة صوت غاضبة:
_ طلقني يا "زياد"، لو ليا خاطر عندك طلقني.
ثم أكملت بسخرية متهكمة:
_ ده آخر كلام عندي لو عاوز ترضي ضميرك.
أفلت يدها مرتد نحو الخلف يطالعها بنظرة متألمة، يعلم أن جرحه منها هذه المرة كان نافذاً يصعب مداواته:
_ طب سيبيني أوصلك، الوقت متأخر.
دفعتُه بعيداً تزيح جسده بقرف:
_ مش عاوزة حاجة منك.
خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة، لينظر حوله بضياع وبدأ يستوعب أنه خسرها، لكن إدراكه جاء متأخراً بعد فوات الأوان.
*****************************
أنهت ذلك الفيديو لتتنهد بإرهاق، تدعك عينيها ثم تحرك رقبتها يميناً ويساراً عل ذلك التشنج يتبدد. أعادت مشاهدة ما صنعت مرة أخرى لتتأكد، لتتطلع إليه باستحسان وابتسامة رضى شقت ثغرها حتى انتهت مدة الفيديو.
زفرت أنفاسها بارتياح، وحركت أناملها على الشاشة لفعل ما اعتادت عمله، إرسال ذلك الفيديو لـ "أصيل" كي يعطيها رأيه، لكن أصابعها توقفت عند زر الإرسال، لتتوقف فجأة بعد سؤال داهمها:
_ لماذا ترسلين الفيديو لـ "أصيل"؟
لتجاوب ذاتها تبرر لنفسها:
_ عشان يديني رأيه قبل ما أبعته للجنة.
_ إذن لماذا "أصيل" بالذات؟ لماذا لم ترسله لأحد أخويها أو بنات خالاتها؟ لماذا هو؟
لتحاول إقناع نفسها من جديد:
_ لأن هو اللي دايما بيساعدني وبيديني رأيه.
ليعاود ذلك السؤال من جديد:
_ لماذا هو؟
شرد ذهنها تتذكره وتبتسم، ليخفق قلبها باضطراب، لا تنكر أنه وسيم ومميز بعقله الرزين وشخصيته التي تفرض وجودها في أي مكان.
توقفت تزجر حالها بحدة وتلومها على التفكير به بهذه الطريقة، هو ليس سوى شخص قدم لها مساعدة وردت له جميله.
لتخفق من جديد وتعاود الإصغاء لقلبها الذي يعترف أنه بدأ يميل له في لحظة غفلة من عقلها لتزجره وتؤنبه على ذلك، تصنع حدوداً لتلك المشاعر وتغلق على قلبها باب التفكير، لتقرر ألا ترسل له فيديو آخر بعد اليوم.
*******************************
جافاها النوم وشعرت بثقل على صدرها، لا تعلم سببه، لتستعيذ من الشيطان وتنهض تتوضأ وتصلي ركعتين علها ترتاح وتسكن روحها المضطربة. كان تقلب حبات المسبحة بأصابعها وتذكر الله عندما أجفلتها طرقات ثقيلة على الباب، التفتت تنظر نحوه وتقول مندهشة:
_ مين اللي هيجيلنا الساعة دي؟
لتنهض بسرعة تتجه نحو الباب بقلق، وقفت خلفه تسأل بخوف:
_ مين؟
لتشهق برعب عندما سمعت صوتها المبحوح تجيبها بوهن:
_ أنا يا ماما.
فتحت الباب بسرعة ليهوى قلبها بهلع تسألها بفزع:
_ "رحمة"، مالك يا بنتي؟
ارتمت بين أحضانها تنتحب بدموع منهمرة تردد:
_ طلع مش ناسي يا ماما، طلع بيكدب عليا.
سحبتها نحو الداخل بتعجب تسألها بانهيار:
_ اتكلمي مالك؟ سيبتي ركبي.
سقطت على الأريكة بجسدها المنهك، تعلو شهقاتها فتخرج كلماتها من بينها بحرقة:
_ أنا عاوزة أطلق يا ماما.
صعقتها الكلمات فتعثرت وكادت أن تسقط، لكنها تمالكت نفسها وجلست بجانبها بثقل، ترجوها بعين خائفة ولسان متوسل:
_ وحياتي يا بنتي تفهمني، قلبي هيوقف.
قصت عليها ما حدث منذ ليلة زفافها حتى هذه اللحظة، لتتحول نظراتها من الحزن للغضب وتملكتها الحسرة، لتصرخ عليها بانفعال تلومها
_ ورضيتي ترخصي نفسك ليه؟ وافقتي تفضلي معاه ليه؟
نظرت لها بقهر وغص صدرها بمرارة الخذلان، وبصوت مكسور أجابتها:
_ كنت فاكرة إنه هينسى.
حدجتها بنظرة حانقة أخافتها، تلومها متهكمة:
_ وأهو ما نسيش يا خايبة.
ثم بدأت تضرب أفخاذها تندب حظ ابنتها بحسرة ووجع:
_ يا ميلة بختك يا بنتي... حظك طلع زي حظ أمك.
احترق قلبها بقهر وكأن ما حدث فتح جرح الماضي، لكنه اليوم أقسى؛ فهي كانت تستطيع أن تتحمل وجعها، لكن وجع صغيرتها وجرحها الذي لا تستطيع تحمل دموعها جعلها تتمنى لو تستطيع حمل الوجع عنها.
ارتجف قلبها بخوف وهي تراها تنهض تتجه بخطى مثقلة تجر أقدامها جراً وتتجه نحو غرفتها، وتجلس على سريرها تنتحب بانهيار ترثي حباً ظنته حقيقة.
اقتربت منها "سماح" وجلست بجانبها، جذبتها نحو أحضانها لتبكي داخلها ترجوها:
_ خبيني بحضنك يا ماما، قلبي بيوجعني يا ماما، مش قادرة، حاسه إني هموت.
شاركتها "سماح" البكاء تضمها بقوة وتنهها بسرعة قائلة:.
_ بعد الشر عليكِ من الوجع يا روح أمك، متقوليش كده يا حبيبتي، محدش يستاهل يتبكي عليه، اللي باعك بيعيه بأرخص وما تندميش.
اختنق صوتها وبكلمات مهزوزة شكت لها:
_ يا ريتني ما حبيته يا ماما ولا اتعلقت بيه.
مسحت على ظهرها تواسيها وتهدئها:
_ بس يا بنتي محدش يستاهل حبك يا قلب أمك، اهدي يا نور عيني، ربنا ينتقم منه على كسرة قلبك.
ضمتها أكثر تضيف معتذرة:
_ سامحيني يا روح أمك، أنا السبب، كنت فكراه راجل، طلع حقير زي أبوكِ.
وها هو الماضي يعود بأبشع صورة يحيي جراحهم بلا شفقة...
****************************
أطل الصباح وكانوا يظنون أنه صباح عادي، ولم يعلموا ما يخبئه القدر، فمع ضحكاتهم التي ملأت المكان وهم يتناولون طعام الإفطار كما اعتادوا، هدوء قطعه طرقات على الباب، لتنهض "أحلام" تفتحه وتشهق بذعر تردد اسم شقيقها:
_ "زياد"!
هرول "ندى" و"طارق" نحوه ينظرون له بصدمة ويسألونه بخوف:
_ مالك يا "زياد"؟
رفع عينيه نحوهم ببطء وقال بصوت مضطرب:
_ أنا هطلق "رحمة".
ترنح جسد "ندى" وصعقها جوابه لتدعك جبهتها وتتمسك بذراع "طارق" تسأله بضياع:
_ هو بيقول إيه؟
ربت "طارق" على يدها بعد أن رأى شحوب وجهها:
_ اهدي يا "ندى"، خلينا نفهم.
لتضرب على وجهها بقوة تصرخ بهستيريا وسط ذهول أولادها:
_ أفهم إيه؟ ده بيقولك هيطلق الغلبانة!
صاح بها "طارق" يحاول إيقافها عن انهيارها لكنها استمرت كأن عقلها قد غاب:
_ بس يا "ندى" مش كده...
أمسك يدها يمنعها عن الهياج الذي أصابها، لتتوقف تنظر له وسقطت مغشياً عليها، ليهرع نحوها "طارق" بخوف يحمل رأسها ويضرب على خدها يحاول إفاقتها:
_ "ندى"... "ندى"... ردي عليا يا حبيبتي.
لكنها كانت كالجثة الهامدة، حملها نحو غرفتهم وتبعها أولادها، وضعها على السرير وهتف نحو "ورد":
_ هاتي برفان يا "ورد".
أحضرت له العطر وبدأ يرشه على يده ويقربه من أنفها ينادي عليها من جديد:
_ "ندى" حبيبتي، اصحي.
ضرب على وجنتيها من جديد:
_ "ندى".
تنفس الصعداء عندما وجدها تفتح عينيها بصعوبة ليسألها بلهفة:
_ حبيبتي، أنتِ كويسة؟
_ "طارق"...
لفظت اسمه وانهارت باكية ليضمها إليه:
_ بس يا حبيبتي اهدي.
لتلمح "زياد" أمامها فتهتف بضعف وتتمسك بأحضان "طارق":
_ خليه يطلع بره، مش عاوزة أشوف وشه.
ليلومها برفق:
_ مش كده يا "ندى"، اهدي.
أخفض عينيه بخزي وشعور الندم يتأكله ليتوسلها:
_ ماما أرجوكِ...
وقبل أن يكمل ترجت "طارق" بصوت مبحوح:
_ مش عاوزة أسمع صوته، خليه يطلع بره.
ضمها أكثر وربت على كتفها قبل أن ينظر لـ "زياد" ويقول بغضب:
_ اطلع بره.
مسح دموعه وتوسله:
_ بابا...
_ بره، اطلع بره، مش شايف وضع أمك؟
هكذا صرخ به "طارق" بانفعال، ليغادر بسرعة وسط نظرات الشفقة والحزن من شقيقته.
أما "ندى" فظلت تنتحب بين أحضانه، ولم يكن هو بأقل حزناً منها، لكن ليس عليها فقط بل على "رحمة" رغم أنهم لم يعلموا السبب، لكنه كان متأكداً أن فتاة بتلك الطيبة لن يصدر منها خطأ.
كان ينتظر أن يطمئن عليها كي ينفرد بولده كي يفهم فيستطيع أن يحكم.
********************************
ذهبت إلى بيت خالتها بعد ما اتصلت "مليكة" بها، وتفاجأت بتجمعهم في الصالة، حتى هو كان معهم. أصابه الحرج عندما دخلت وحيدة، والأكثر تجاهلها، وجلوسه معهم بدونها أصابها التوتر وهي تقترب تلقي السلام عليهم، لتلتقي عيناها بعينيه في نظرة عتاب، لكنه أشاح عينيه بعيداً بجفاء.
استقبلها الجميع بالترحيب فجلست على استحياء بعيداً عنه. بدأت "مليكة" تروي لها بحماس خطتهم ليصنعوا مفاجأة لجدها وجدتها بمناسبة عيد زواجهم، كانت "قمر" تستمع بذهن تائه، يسيطر عليها شعور بالغربة، كأنه ليس بيت خالتها أو أهل زوجها.
شعرت كأنها ضيف على هذا المكان، لتحاور نفسها بتهكم ساخرة من وضعها المؤقت، فهي حقاً ضيفة ستغادرهم بعد أشهر كما اتفق معها. ضمت كفي يدها ببعضهما تعصرهما كأنها تكتم ألم قلبها بهذه اللحظة التي شعرت بها بضيق. كانت تجامل "مليكة" بابتسامة هادئة تقاوم بها اختناقها، حتى خالتها التي كانت متشوقة لتشاهد فرحة عمها وزوجته كانت تستشيرها بحماس:
_ إيه رأيك يا "قمر"؟ عندك مقترح عن محل حلويات نقدر نجيب منه كل حاجة؟
لتجيبها بارتباك:
_ والله يا خالتو أنا مش عارفة أنتم إيه طلباتكم، بس ماما وبابا بيجيبوا من محل اسمه "رودي Sweet". هو محل فاتح من زمان ومعروف، هتلاقوا موقعه على "الفيس" و"الإنستجرام".
رفعت "هدى" حاجبها باقتناع وقالت بفكاهة تهز رأسها:
_ آه أكيد كويس، "شمس" أروية في الاختيارات.
ضحك الجميع لتلتفت "هدى" نحو "حسن":
_ طب ما تشوفوا يا "حسن" كده خلينا نختار.
التفات خالتها نحوه أجبرها على تحريك عينيها تجاهه، لينغزها قلبها بحسرة عندما وجدته يجلس بجانب "سندس" يهمس لها ثم يبتعد ليطالعها بنظرة تحب تخجلها لتسمع:
_ ولد يا "حسن"، مش بتكلم معاك؟
انتبه لنداء والدته ليجيبها باستغراب:
_ أيوه يا حبيبتي، آسف ما سمعتكيش، قلتي إيه؟
كررت حديثها بامتعاض قابله استهجان منه ليقول مستنكراً:
_ وأنا إيش عرفني أصلاً؟ تلفوني مش معايا.
_ طب شوفيه كده يا "سندس" لو نقدر نتواصل معاه ونحجز.
قالتها "مليكة" مشيرة لـ "سندس" نحو هاتفها القابع بين يديها، لتبتلع ريقها بتوتر تنظر نحو "حسن" الذي أزعجه حديث شقيقتها، كانت تخشى من ردة فعله بعد أن وجدت علامات الغضب تتسلل إلى وجهه.
"مليكة" التي ارتبكت بعد أن أدركت حساسية الأمر بالنسبة لـ "حسن"، حاولت فك جو التوتر لتحول حديثها إلى نبرة هزلية تحاول تبرير موقفها:
_ آسفة يا "أبو علي"، تلفوني بيتشحن، نسيت إنك ما بتحبش "الفيس" و"الإنستجرام" وفيه تار بايت بينكم.
ليكمل "حسين" مصطف بجانب شقيقته بذات الفكاهة ضاحكاً:
_ أيوه، ويتمنى أن يصبح "هكراً" حتى يتخلص منها.
لانت ملامحه وقال بجدية:
_ يا ريت أقدر أحذف كل البرامج دي اللي مش وراها غير المشاكل وبس. أنتم مش بتقروا الأخبار وتشوفوا الجرائم اللي بتحصل؟ مش شايفين كم البنات اللي بيقعوا بالغلط؟ والأولاد اللي بيخشوا علاقات غريبة ومحرمة؟ والازواج اللي بيطلقوا بسبب الخيانة؟ آه والله أنا الصراحة أتمنى نتخلص منها ونريح الناس من القرف اللي بقينا فيه، الواحد بقى مش مأمن على نفسه.
لوت "هدى" شفتها بعدم رضا قبل أن تهز رأسها بيأس وتقول:
_ يا بني دي حالات فردية، غلط إنك تحكم بيها على الأغلبية.
_ ماما عندها حق.
هكذا أيدت "مليكة" والدتها، لتحد ملامحه بعدم اقتناع.
احمر وجه "سندس" بخجل، فماذا يقصد بحديثه هذا؟ نبرة الشك التي اندست بين ثنايا كلماته...
أما "قمر" فظلت تطالعه بدهشة، فحديثه الغريب يثير تعجبها؛ أيعقل حقاً أنه يفكر بهذه الطريقة؟
تحولت أنظارها نحو "حسين" الذي كان ينظر إلى شقيقته مشيراً نحو "حسن" الممتعض، ثم خرجت كلماته مُشفرة لا يفهمها سواهم:
_ "لوكا" يا حبيبتي، "حسن" لو عليه، كان حب يعيش في عصر الفراعنة؛ عشان كده الحل الوحيد إننا نقطع التواصل.
أنهى حديثه يغمز لها، لتضحك "مليكة" وتهز رأسها مؤكدة حديثه قبل أن تقول مازحة:
_ بس كان فيه ورق بردي!.
وزع "حسن" نظره بين الاثنين حانقاً، وقال بانزعاج:
_ طب تصدقوا أنتم الاتنين تافهين!.
ثم أكمل بضيقٍ متضاعف يؤكد حديثهم بعناد:
_ ويا سيدي يا ريت فعلاً! أهو الواحد كان خلّص من دوشة الدماغ بتاعة الأيام دي، والمشاكل اللي بتحصل بسبب البرامج دي.
هتف "حسين" مستنكراً حديث شقيقه:
_ يا بني، وهي البرامج دي مش ليها منفعة زي ما ليها أضرار؟
ليهز الآخر رأسه متهكماً:
_ أهو مشاكلها غطت على منافعها.
ضحك "حسين" وهو ينظر له بقلة حيلة وقال ساخراً:
_ يا "حسن"، عيش في الصحراء يا بني وريحنا!.
بادله الضحكات وأشار له كأنه يؤيده:
_ بالضبط، أهو أنا محتاج كده.. أعيش معزول عن العالم.
كانت عيناها تتنقل بينهم بصدمة؛ فرغم أنه كان حديثاً فكاهياً، إلا أنه رفع الغطاء عن جانبٍ لم تكن تعلمه فيه، ودقَّ إسفيناً في ذلك التمثال المثالي الذي كانت تصنعه له في مخيلتها. رحلت عيناها بتلقائية نحو "سندس"، تلك التي كانت تحسدها منذ قليل وهي تراها تداري خلف ابتسامتها الباهتة لمحة حزن مكتوم؛ فمهما حاولت إظهار السعادة، كانت نظرة عينيها تروي شيئاً خفياً.
لتخرج هي هاتفها من جيب فستانها تقترح المساعدة:
_ خليني أنا أدور عليهم.
وجدت الموقع بعد بحث لتريه لخالتها و"مليكة" اللتين بدأتا تبحثان، لكن "هدى" قالت بريبة بعد عدم قدرتها على الاختيار:
_ "حسين"، ماتروح أنت العنوان وخد معاك "قمر"، هي عارفة المكان.
كانت تود لو ترفض بعد أن رأت توتره ونظراته الرافضة، لكن حرجها من خالتها أجبرها على النهوض لتضطره للنهوض هو أيضاً.
ركبت السيارة بجانبه وكان الصمت رفيقهم طيلة الطريق حتى وصلا إلى المحل، لتترجل من السيارة وتتبعه للداخل. اقتربوا من قوالب الحلوى لتقف عيناها تتطلع يميناً ويساراً تحاول اختيار ما يناسبهم.
وقف هو بجانبها وعيناه تبحث هو الآخر لتهمس له:
_ إيه الألوان اللي بيحبوها؟
_ "تيتا" بتحب الأبيض، و"جدو" مش عارف.
أشارت إلى أحد القوالب المزين بكريمة بيضاء وقلوب حمراء صغيره فأعجبه هو أيضاً، كما اختاروا معاً بعض الحلوى، ليتفاجأ بها تقرب من فمه أحد الأنواع:
_ ذوق دي يا "حسين".
مد يده يلتقطها من يدها ويدسه هو في فمه يجيبها ببرود أحرجها:
_ جميلة.
ابتلعت ريقها بخجل وابتعدت عنه، ليجذب انتباهها نوع من "تشيز كيك"، كان نوعها المفضل، وقفت تسأل عن سعره وتتبادل الحديث مع البائع الذي بدأ يطلعها على الأنواع. انشغل هو في دفع الحساب ثم انتبه لها، حتى قطع انتباهه العامل الذي غلف لهم ما طلبوا، حمل منه الأكياس واقترب منها:
_ عاوزة حاجة يا "قمر"؟
هزت رأسها كاذبة:
_ لا متشكرة.
رفع رأسه يشير نحو الخارج ويأمرها بعد أن مد لها يده بالمفتاح:
_ اخرجي استنيني بره، هحاسب وراجعلك.
امتثلت لحديثه وخرجت إلى السيارة لتجلس شاردة الذهن، وحديث "حسن" يتكرر على مسامعها بتعجب تحاور نفسها باستغراب:
_ هو فيه حد بيفكر كده لغاية دلوقتي؟ معقولة يا "حسن" يكون تفكيرك كده؟
أخرجها من شرودها عودته يضع الأغراض في السيارة قبل أن يتجه إلى كرسي السائق، جلس يحمل علبة صغيرة أعطاها لها وقال لها قبل أن يشغل السيارة وينطلق:
_ دي عشانك.
أشارت نحو نفسها بتعجب:
_ عشاني؟
التقطت منه العلبة تنظر لها بدهشة، وانتابها الفضول لتفتح الغطاء بحذر وتجده قطعاً من "التشيز كيك" الذي كانت تسأل عنه بجميع أنواعه.
ارتجف قلبها واهتمامه يجلدها ويشعرها بالذنب تجاهه، لكنها كانت سعيدة في ذات الوقت بهذا الاهتمام، ابتسمت تنظر له بامتنان وتقول شاكرة:
_ متشكرة.
لم يجبها وظل يحدق بالطريق، ثم أخرج سيجارة يدسها في فمه ويبدأ بشربها، وما إن انتشر دخانها في السيارة حتى بدأت تسعل، التفت نحوها وأشفق عليها عندما رأى اختناقها ليفتح نوافذ السيارة وينقل سيجارته نحو يده اليسار ويخرجها عبر النافذة.
التفتت نحو النافذة تحاول استنشاق هواء نقي وامتعض وجهها تسأله بتذمر:
_ "حسين"، أنت بتدخن من إمتى؟
أجابها ولا يزال يقبض على سيجارته يمتصها وينفث دخانها عبر النافذة:
_ من زمان.
لتقول بدهشة:
_ غريبة، بس أنا عمري ما شفتكش بتدخن.
التفت نحوها ينظر لها بكسرة وقال بقهر:
_ أنتِ عمرك ما شفتيني أصلاً.
غصة مرة خنقتها وعيناه تحدق بها بعتاب، لتطأطأ رأسها بندم قبل أن ترفعه، تشيح بوجهها إلى النافذة بجانبها تشغل نفسها بمطالعة الطريق.
**************************
طرق باب شقة والده وحاول أن يتحلى بأعلى درجات التعقل حتى يستطيع أن يفهم ما يحدث، فتح "زياد" الباب ليجد والده أمامه، علم سبب حضوره ليستدير نحو الداخل بخطى مثقلة دون أن ينطق كلمة، تبعه "طارق" وأغلق الباب.
سار "زياد" حتى وصل إلى الصالة ليرمي بجسده على الأريكة يخفي وجهه بين كفيه، جلس "طارق" وسأله بهدوء:
_ احكي وأنا هسمع.
كان "زياد" يحتاج لمن يحكي له ليبدأ بسرد ما حدث منذ البداية وما صنعه في ليلة زواجه وسط علامات الصدمة والحزن على وجه "طارق".
لم يترك أي تفصيلة سوى هوية حبيبته الحقيقية؛ فلا داعي للمزيد من التهور الذي لن يعود عليه فقط بالتحقير والانتقاص.
صمت ورفع رأسه بتوجس ينظر لوالده بعين دامعة:
_ هو ده كل اللي حصل.
حدقه "طارق" بغيظ وقال بأسف:
_ يااااااه، يعني كل الأذى ده استحملته المسكينة وساكتة؟
هز رأسه بخزي قبل أن يقول بانهيار:
_ بس والله العظيم كنت صادق وعاوز أنسى يا بابا، بس مقدرتش.
حدجه بنظرة متهكمة وقال باستهزاء حزين:
_ تقوم تعترف لمراتك إنك منستش حبيبتك يا غبي؟ مش كده؟
لم يستطع التعقيب، فقط نظر له بجرح، ليضيف "طارق" بانفعال:
_ وعاوز منها تتقبل وتسكت وتقلك: خلاص يا حبيبي تعالى أديك فرصة تانية وأنسيك حبيبتك اللي مقدرتش تنساها؟ إيه الأنانية اللي أنت بتتكلم بيها؟
مسح على وجهه بندم وقال بتلعثم:
_ ما كنتش أقصد، كنت زعلان من نفسي وحاسس بالذنب، مقدرتش أكدب عليها تاني.
ليصرخ "طارق" بغضب:
_ يا سلام! ودلوقت لما جرحتها وكسرتها ضميرك استريح؟
سالت دموعه يتذكر انهيارها ليمسحها بأكمامه بسرعة، منظره جعل "طارق" يشفق عليه ليزفر أنفاسه باستياء ويحاول أن يتمالك أعصابه يتمتم:
_ استغفر الله.
صمت يلتقط أنفاسه المتسارعة وقال بنبرة هادئة:
_ طب سيبك من حبيبتك لأن هي ماضي خلاص، وكمان يا بني حرام شرعاً تبصلها أو تفكر فيها عشان هي حلال غيرك.
ثم أضاف يسأله بتعقل:
_ "رحمة"، إيه بالنسبة لك؟ يعني مشاعرك إيه ناحيتها؟
شرد يتذكر لحظاتهم سوية ويعدد لوالده محاسنها:
_ "رحمة" طيبة وبنت حلال ورقيقة ومطيعة وملتزمة وكانت بتحبني أوي.
ليختنق صوته فجأة ويقول بحسرة:
_ بس تستاهل حد أحسن مني، حد يحبها بجد.
_ يعني هطلقها؟
سؤال طرحه "طارق" بترقب:
_ لو هي أصرت، مش عاوز أظلمها أكتر من كده.
ليعاود "طارق" سؤاله بمكر يحاول أن يتأكد من شيء ما:
_ يعني أنت عاوز تطلقها عشان تلاقي حد أحسن منك وتتجوزه؟
تعلقت عيناه بعيني والده، وشيء ما اشتعل داخل قلبه كأن كلمات "طارق" وطئت منطقة محظورة في قلبه، عقد لسانه عن الإجابة، لكن وجهه الذي احمرّ بغيرة مكتومة وعينيه التي جحظت بلحظة إدراك جعلت "طارق" يتأكد من أفكاره:
_ شوف يا "زياد"، أهو ده الفرق ما بينا وما بينكم؛ إحنا كان آخر خياراتنا الطلاق، وأنتو أول خياراتكم الطلاق. يعني أنا ووالدتك مرينا بمواقف وظروف ياما وهي استحملت وأنا استحملت وحاربنا عشان نوصل لبر الأمان. والطلاق كان آخر حاجة ممكن نفكر فيها، لكن شوف أنت استسلمت من أول مواجهة.
ظل يحدق به في ضياع وتشتت ليحاول "طارق" لملمة تشتته:
_ شوف يا بني، أنا هقولك حاجة وفكر فيها، أنا عمري ضعف عمرك وشايف كتير والدنيا علمتني أكتر من اللي اتعلمته في الطب... أنت يا "زياد" بتحب "رحمة".
اعتدل ينظر له بصدمة ليومئ له "طارق" مؤكداً:
_ أيوه ما تبصلّيش كده، أنت بتحبها، لكن وهم حبيبتك القديم هو اللي بيخليك تحس إن حبك لـ "رحمة" خيانة ليها. حبيبتك الحلم اللي ما حققتوش زي الحاجة اللي اتمنعت منها، كل ما تبعد عنك تتعلق فيها، الممنوع مرغوب يا بني. حاجة عزتها وما نلتهاش، لكن جايز لو نلتها تكتشف إنك ضيعت غالي برخيص، ممكن تكون مش زي ما أنت متخيل، زي القمر، النجمة في السما بنشوفها بتلمع ونتمنى نلمسها، لكن لو قربنا منها هنلاقي إنها نار بتلسعنا.
أخذت عيناه تتحرك يميناً ويساراً كأنه يقلب حديث والده في دماغه ليردف "طارق" لمحاولة إقناعه:
_ طب أنا هثبتلك إنك بتحب "رحمة"، جرب تعيش أسبوع واحد من غيرها وشوف هتقدر تستحمل البعد ده؟
نهض "طارق" وجلس بجانبه يربت على كتفه:
_ "رحمة" يا بني بعد اللي حكيته ليا أحسن من أي ست في دماغك، عملة نادرة يا "زياد"، اللي تسمع اللي سمعته وتحب وتعشق وتتحمل دي أصيلة وطيبة، مش دايماً هنقدر نلاقي قلب طيب يحبنا.
عاد يربت على كتفه مبتسماً:
_ ما تخسرش "رحمة" يا "زياد" وحارب عشانها، لأنها تستاهل يا بني، خليك أنت الإنسان الأحسن اللي تستاهلها