رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز في هذه الحياة طرق نسيرها بمحض إرادتنا، وأخرى نجبر أن نسيرها مرغمين، وبين مفترق الطريقين نقف، نجهل النهاية ونأمل بمستقبل أجمل من حاضرنا. عادت إلى عملها في دار الأيتام منذ فترة، لكنها عادت بروح مطفأة ميزها الجميع، فيكررون عليها ذات السؤال دوماً: "هل أنتِ بخير؟ "، لترسم ابتسامة مزيفة تداري خلفها وجعها وتجيب ذات الإجابة الكاذبة: "نعم، أنا بخير".
تجاوزت تلك البوابة، عيناها بدأتا تبحثان عن أولئك الصغار، كانوا دوماً يلعبون في حديقة الدار صباحاً، تتعالى ضحكاتهم فتطرب مسامعها وتنسيها آلامها ولو مؤقتاً. انتابها القلق من اختفائهم، وعند باب المبنى الداخلي التقت بزميلتها "أية" لتسألها بتعجب بعد إلقاء التحية: _"أية"، همة الولاد فين؟ أشارت لها نحو إحدى الغرف وقالت: _فيه دكتور متطوع جمعهم في درس توعوي. قطبت حاجبيها بتعجب، تردد ما أخبرتها به بدهشة: _دكتور متطوع؟
_أيوه، ومز كمان! مطت شفتيها بعدم اهتمام وقالت تهز رأسها بقلة حيلة: _وأنا مالي مز ولا لأ، بس غريبة! ذهبت إلى إحدى الغرف المخصصة لهم وتفاجأت بباقة زهور كبيرة وضعت على الطاولة الخاصة بها. اقتربت منها بتوجس تتلمسها قبل أن تحملها منبهرة من جمالها، التقطت عيناها ذلك الكارت المرفق، ومدت يدها تلتقطه ليتحول انبهارها لتعاض عن علمت بهوية المرسل، قرأت الكلمات بضيق: _صباح الخير على أحلى عيون، وحشتيني يا "رحومة"..... بحبك.....
"زياد". قذفت الباقة على الطاولة باشمئزاز كأنها تحمل وباءً، والتقطت ذلك الكارت تمزقه وتنثر أجزاءه على الطاولة بإهمال. لكن غضبها تصاعد عندما هداها تفكيرها إلى هوية الطبيب المتطوع لتندفع بانفعال نحو تلك الغرفة. فتحت الباب بحنق دون استئذان لتجد الأطفال ملتفين حوله يتابعون بشغف ما يخبرهم به، اقتربت بخطوات سريعة تباطأت بتعقل عندما وجدت مديرة الدار تجلس في إحدى الزوايا، أشارت لها بتحية واقتربت أكثر.
انتبه الأطفال لوجودها ليهرولوا بسرعة نحوها يرحبون بها بسعادة ويهتفون بصوت عالٍ: _أبلة "رحمة"! أحاطوها يتناوبون على احتضانها، ووقف هو يطالعها بقلب خافق يصرخ شوقاً لها، تردد في الاقتراب لكنه خطى خطوة نحوها بحذر، وتسمر مكانه عندما شاهد الغضب مرتسماً على ملامحها، ليقف مكانه يشاهدها تسحب الأطفال خلفها من دون أن توجه أي كلمة له، وتجاهلت حتى وجوده.
تنهد بيأس واستأذن من مديرة الدار، واعداً إياها أنه سيعود غداً مع أدواته يجري فحوصات مجانية للأطفال. خرج من الغرفة لتتسع عينيه بصدمة وهو يجد الأطفال كل منهم يحمل زهرة سعيد بها، لكن ما أدهشه أنها ذاتها زهوره التي أحضرها لها، ومع خروج آخر الأطفال اقتحم الغرفة عليها لتصرخ عليه وبغيظ: _ممكن أعرف أنت بتعمل إيه هنا؟ تحلى بالصبر وحاول السيطرة على ضيقه ليجيبها بهدوء: _متطوع زي زيك.
ثم اقترب منها خطوة لتتراجع هي أخرى مع حفاظها على ثباتها المزعوم أمامه، انحنى نحو الأمام مقترباً منها يهمس ببطء: على فكرة إحنا متفقين على كده من زمان. تعمد الاقتراب أكثر، وتحدته هي بعناد ولم تتحرك؛ كأنها تريد أن تثبت له أن لا تأثير له عليها رغم ارتجاف قلبها بين أضلعها: _فاكرة ولا أفكرك؟ يمكن نسيتي! استفزها حديثه فرمقته بنظرة جانبية مستهجنة، ورافقت ابتسامتها الساخرة حركة رأسها بعدم الاكتراث، لكنه
همس لها بصوت منخفض أكثر: _لما كنتِ نايمة بحضني وبتحكيلي زي مكنا متعودين عن الولاد هنا، قلتلك أنا عاوزة أعمل حاجة ليهم، أنتِ وقتها اقترحتِ عليا الفكرة دي. أنفاسه القريبة أربكتها وزاد من توترها عينه المحدقة بها، لكنها حاولت الصمود ولم تتزعزع، بل تفاجأ بها ترفع يدها تصفق بها وتقول بتهكم: _برررافوووو يا دكتور، مشكورين على جهودك! ثم أضافت مشيرة نحو ما تبقى من الشرائط الملونة التي كانت تحيط باقة الورد وأجزاء الكارت
الذي مزقته متناثرة حولها: _ومتشكرين على الورد، بصراحة عجب الولاد أوي! ختمت حديثها بضحكة ساخرة حاول بها إضاعة توترها وإغاظته انتقاماً منه. غص قلبه بحرقة وهو يرى تلك البطاقة الممزقة كما يتمزق قلبه بقهر، وعينه تتوزع بينها وبين ما تشير له، ليقول بصوت مهزوز بعد أن تلاشت ثقته وحل محلها خيبة الأمل: _أنتِ ما قريتيش اللي مكتوب في البطاقة؟ ضربت كفاً بآخر تخبره بحنق: _ولا شفتها لأنها متهمنيش! ثم أكملت ترفع سبابتها
أمام وجهه تقول بتحدي: _ابعد عني يا "زياد" ومتحاولش... أنا مش هسامح.. طلقني! شهقت فزعة عندما باغتها يقبض على عضدها يجذبها نحوه بغضب ويقول بتحدي: _مش هطلقك، متحلميش أطلقك يا "رحمة". ليجذبها نحوه أكثر حتى لامست جبهته جبهتها، وعينيه تواجه عينها يخبرها بحسم: _مش هطلقك.. عشان بحبك. ثم صمت يلتقط أنفاسه الغاضبة قبل أن تتحول نبرة صوته إلى نبرة عاشقة: _بحبك ومقدرش استحمل بعدك.. افهمي... بلاش عناد. وواصل برجاء:
_بلاش تنهي كل حاجة، إحنا محتاجين نبتدي مش ننتهي، اديني فرصة أداويكي. كادت أن تفتح فمها ليسبقها كف يده الأخرى يضعها على فمها يكممها، فتتسع عيناها بذهول تحاول مقاومته: _متستعجليش في الرد عشان أنا عارف إني غلطت وأستحق العقاب، وأنتِ تستحقي أحارب عشانك، بس خلي عندي أمل إنك تسامحيني، هعيش عشان الأمل دا وأستحمل. أبعد كف يده لتنطلق كلماتها الجارحة له: _متحلمش بأمل يا "زياد"، أنتِ متستحقش حتى الأمل دا.
ثم نفضت يده بعنف عن عضدها وتراجعت إلى الوراء تدعك يدها ليدهشها عندما ابتسم ابتسامة حزينة وقال بقهر: _مش هيأس وهتسامحيني. غادر بسرعة وتركها لتنهار معلنة هزيمة مقاومتها الواهية لتلك الدموع الحبيسة، تمسحها بوجع، وكلماته سهام ضربت قلبها بألم فقد جاءت بعد فوات الأوان. *********************،،،،،،
في أحد مواقع البناء قيد الإنشاء كان يسير بحذر، عينيه تقيم العمل المنجز بدقة، حتى وجد من يركض نحوه ملوحاً له بيده من بعيد، اقترب ليتبين هويته فاتسعت ابتسامته مرحباً به: _"حسين الجوهري"، نورت يا باشمهندس! بادله العناق بود: _منورة بيك يا "منتصر"، أخباركم إيه يا باشمهندس؟ مسح "منتصر" على وجهه يزيل عنه حبات العرق ويخلع عنه خوذته البيضاء يخبره بعملية: _تقريباً نقدر نقول 80% شغل منجز، يعني إحنا بنركب الإزاز النهارده.
ثم ضرب على كتفه بمزاح وقال بثقة: _ماتخافش على صاحبك يا "حسين"، الرسومات اتنفذت بالملي يا موسس! ضحك على تعقيبه يخبره بعملية مادحاً: _بالعكس، أنا مرتاح عشان اتنفذت على إيدك، بس أنت عارف بحب دايماً أشوف النتيجة، جايز عشان جديد. لامه "منتصر" بثناء: _جديد إيه يا بني؟ دا شغل فاخر على الآخر، صاحب الفيلا متكيف أوي من التصميم، تعالى شوف يا جديد.
أشار له نحو الأمام يحثه على التقدم ليتجول في المكان مبتهجاً بثمرة إنجازه، لكن فجأة وعلى حين غفلة منه انزلق لوح زجاج كبير من أيدي العمال خلفه وسقط عليه وسط صرخات العمال: _حاسب يا باشمهندس! لكنه لم يستطع تفادي ذلك اللوح ليتحطم على جسده بعد أن سقط على الأرض، هرول "منتصر" يزيح عنه القطع المتكسرة ويصرخ ينادي عليه بفزع: _"حسين" أنت كويس؟ رد عليا!
تأوه من الألم وصرخ وهو يحاول تحريك يده التي بدأت تنزف، ليصيح "منتصر" به يمنعه من الحركة بعد أن أصابه الهلع وهو يرى قميصه قد تلوث واصطبغ بدمائه: _حاسب يا "حسين"، متتحركش خلينا نشيل القزاز الأول. نفض عنه قطع الزجاج وخذه إلى المستشفى، ليتبين بعد ذلك إصابة يده اليسرى وكتفه الأيسر بجروح بليغة اضطر الأطباء لخياطتها، أما وجهه وباقي جسده فقد أصيب بخدوش وجروح بسيطة.
عاد إلى شقته، فتح الباب بألم ودخل، كانت "قمر" تجلس في الصالة عندما رأته لتشهق بفزع وتهرول نحوه تسأله بلهفة: _مالك يا "حسين"؟ حصل إيه؟ أغمض عينه بوجع وقال يحاول طمأنتها: _مفيش حاجة، حادثة بسيطة. استنكرت حديثه وعيناها تتجول على جسده بتفحص: _بسيطة إيه يا "حسين"؟ هدومك مليانة دم! تجاوزها متجهاً نحو غرفته يردد بألم: _ماتخافيش، مفيش حاجة.
تتبعته إلى غرفته ليدخل فتدخل خلفه، ودون طلب منه أخرجت له ملابس واتجهت نحوه تحاول مساعدته في تغيير ملابسه، لكنه رفع يده يمنعها قائلاً: _أنا هعرف أغير لوحدي. تجاهلت حديثه ومدت يدها بعناد تفتح أزرار قميصه وسط دهشته من هلعها عليه، لكن عقله لجم قلبه وأقنعه أنها تشفق عليه، خلعت عنه قميصه بهدوء وحذر، كان يغلق عينيه بألم ويتأوه مع حركاته، ثم سألته: _مش هتقدر تاخد شور صح؟ أومأ لها برأسه ليجدها تتركه مسرعة تتمتم: ثواني.
عادت تحمل طبقاً من الماء وضعت فيه قطعة كبيرة من القطن، أشارت له بالجلوس ليجلس، جثت على ركبتيها أمامه وعاد يعترض من جديد: _أنا ممكن أمسح... لم تسمع باقي حديثه بل بدأت تمسح آثار الدماء التي تجلطت وجفت على جسده، كانت عيناه تتبع حركة يدها بقلب خافق، وخشى أن يخونه وينسى، أغمض عينيه عندما لامست برودة الماء جسده لتتصلب عضلات صدره تحت لمساتها الحذرة.
أزاحت هي خجلها جانباً واندمجت في البحث عن بقع الدماء متجنبة إيذاءه، تحاول أن تشغل عقلها أنه أمامها عاري الصدر، رفعت نظرها نحوه وسألته دون أن تنظر لعينه، واتخذت من إبعاد خصلات شعرها الهاربة عن وجهها ذريعة لذلك: _لو وجعتك نبهني.
هز رأسه بالموافقة وعادت عيناه تراقبها بعشق، ليتوتر عندما وجدها تنتقل من صدره ويديه لوجهه، اضطرب كثيراً عندما شعر بقرب أنفاسها منه تمسح على جرح في وجنته، أغمض عينيه تحسباً لفقدان سيطرته، فقربها بهذا الشكل يرهقه، قاوم تلك المشاعر التي ضربته عندما وجدها تنفخ على ذلك الجرح، أنفاسها الباردة ضربت قلبه قبل أن تضرب بشرته، ابتلع ريقه بارتباك وقال بتلعثم يحاول التخلص من هذا القرب المهلك: _خلاص يا "قمر"، متشكر.
توقفت تنهض من جديد تلتقط قميص بيجامته وساعدته على ارتدائه قبل أن تبعد الغطاء سامحةً له أن يتمدد. حاول أن يتمدد رغم صعوبة حركته، لم يسمح لها بمساعدته بل اكتفى بحركة سريعة تنهي الأمر، رفضه مساعدتها زاد من توترها، حملت ذلك الطبق وخرجت من الغرفة. وما إن خرجت حتى التقطت أنفاسها المتسارعة، وأخفضت عينيها نحو ذلك الطبق الذي تعكر صفو مائه بعد أن خالط دمه، ونظرت إلى يديها وتنصتت إلى قلبها الذي
يخفق باضطراب لتسأل نفسها: لماذا خافت عليه وساعدته؟ هل تشفق عليه أم تلك المشاعر التي بدأت تتسلل لقلبها بقوة هي السبب؟ كان يتألم بصمت وتلك الخدوش تحرقه، بدأ ينفخ بيأس على خدوش يده اليمنى علها تهدأ، أما يده اليسرى التي اختفت تحت لفات الشاش الكثيرة، بدأ يختفي ذلك البنج المؤقت ليشعر بوخزات الألم تشتد، حاول أن لا يحركها.
التفت يميناً ويساراً يحاول أن يتذكر أين وضع كيس الدواء ليجفل فجأة يسمع طرقات الباب الذي فتح، وأطلت منه هي تحمل حاملة طعام وضعت عليها طبقين وكأس عصير وقالت مبتسمة: _أنا جبتلك حاجة بسيطة عشان تتعشى. ليقول باقتضاب دون النظر إليها: _متشكر، مليش نفس. لتقول معترضة وهي تضع أمامه الطعام: _لا.. لازم تأكل عشان الدوا. ثم أضافت تحاول إقناعه: وبعدين دي شوية شوربة وسلطة تونة اللي أنت بتحبها.
نظر لها بتعجب كيف علمت أنه يحبها، يبدو أن علب التونة قد أعلمتها بذلك، ارتبك عندما وجدها تجلس على السرير أمامه وتحاول التقاط الملعقة لإطعامه، لتسبقها يده برفض معلن يلتقط الملعقة ويحاول أن يتناول الطعام بنفسه.
أصابتها فعلته بتوتر وكادت أن تنهض من أمامه، لكن أوقفها إمساكه للملعقة بصعوبة ومكابرته الواضحة، يعتصر عينيه بقوة يقاوم الألم حتى لم يستطع المواصلة وأفلت الملعقة لتسقط من يده، التقطتها هي بسرعة متجاهلة اعتراضه بعناد ودستها في الوعاء تحمل القليل من الطعام وتقربها من فمه، لحظات لامست الملعقة شفتيه وعيناه تهرب من مواجهة عينيها، يخشى أن يضعف قلبه أمام نظراتها، وبعد تردد فتح فمه مرغماً وتناول ما تقدمه له.
بضعة لقمات معدودة رفع بعدها يده يشير لها أن تتوقف: _خلاص الحمد لله. رفعت قدح العصير نحو فمه تحاول إقناعه: _دا عصير برتقال، أنت محتاج تعوض الدم اللي فقدته. استسلم لها كي يتخلص من هذا القرب الذي بدأ يفتك به ويشتت ثباته المزيف، ارتشف القليل وتمتم: _متشكر.
التقط منديلاً ويزيح ما علق بفمه، نهضت من أمامه وخرجت لتعود بكيس الدواء وقدح الماء، أخرجت علب الدواء الواحد تلو الآخر تساعده في تناولها حتى انتهت ليتمدد بصعوبة، دثرته بالغطاء وخرجت لتتوقف عند الباب عندما سمعت صوته: _متشكر يا "قمر". كانت إجابتها ابتسامة بسيطة غادرت بعدها، جلست على الأريكة تتعجب مما فعلته ومساعدتها له، لكن رغم حيرتها، لا تعلم لماذا ما فعلته منحها شعوراً بالراحة. **************************
قذفت القلم بتذمر وتأففت وهي تطالع أوراق المحاضرة المتراكمة أمامها: _أف... تعبت من المذاكرة، امتى أخلص بقى؟ مدت يدها تمسك الهاتف تقلب صفحاته لتجد أصابعها تسوقها نحو رقم هاتفه، تفتح محادثاتهم السابقة، تراجعها رغم أنها تحفظها، لا تعلم لماذا رؤيتها له اليوم بعثرت وهم صمودها وعاد قلبها يخفق بشوق له. كادت أن تكسر قرارها وتحدثه، لكنها تراجعت تلوم نفسها: _بتعملي إيه يا "مليكة"؟ إحنا مش اتفقنا نبعد خلاص؟ استحملي.
لتتنهد بحزن تهمس لنفسها بذلك السر الذي علمت حقيقته بعد رؤيتها له رغم إنكارها المستمر: _أنا بحبه... أيوه بحبه، قلبي النهاردة كان عاوز ينط ويروحله. لتتأوه بحسرة وهي تمسح على وجهها بضيق: _كنت فاكرة إنه إعجاب بس. وعلى الجانب الآخر كان هو أيضاً يفكر بها، يجلد قلبه بقسوة على تهوره ويلومه معاتباً إياه: كيف لم يستطع كبح جماح شوقه لها؟ بل والأدهى أنه أصبح كالمراهق يقف ينتظر رؤيتها! هل جن وفقد تعقله إلى هذه الدرجة؟
وعاد يذكر قلبه بمخاوفه عله يتوقف عن الصراخ بحبها. هي لا تزال صغيرة وربما لا تفكر بالارتباط الآن، وما يخيفه أكثر، ترى هل ستوافق على الارتباط بشخص يعيش في الصعيد؟ هل ستترك القاهرة وحياة المدينة لتسكن في الريف وإن كانت حياة مرفهة؟
تنهد بحيرة تملكت منه، وصراع نشب بين عقله وقلبه، وما بين رافض ومؤيد، أحدهما يجره جراً نحوها والآخر يحيطه بقيود مخاوفه ويمنعه من الانجراف وراء مشاعره، حتى توقف عند مفترق الطرق بينهما وأقنع نفسه أنه سينتظر انقضاء سنة الامتياز ليعتبرها هدنة لهذا الصراع، يستطيع بعدها أن يتخذ القرار الصائب. ********************** لمعت
عيناها بسعادة تنظر لكلمة: ""، بفخر، هكذا تكون انتهت روايتها، بعد التدقيق لم يبق سوى إرسالها لدار النشر كي تكون جاهزة للطباعة، حلماً بدأ يقترب من تحقيقه، وأدت هواجس الفشل التي بدأت تراودها، وأيقنت أنه وإن فشلت ستبقى تلك الخطوة نجاحاً بالنسبة لها، تنهدت بارتياح وهي تشعر أنها استطاعت أن تنفض عنها غبار
الماضي، وابتسمت بحمد تؤازر نفسها، فبعد تجربة "زياد" أصبحت تدرك أن الله اختار لها الأفضل، فيبدو أن الحب من طرف واحد ليس سوى سراب يهوي صاحبه نفسه فيه حتى يظن أنه يغرق رغم أنه يقف على أرض صلبة. لاح طيف ذلك الذي كان يسكن قلبها لتضرب آخر حجر في وهم حبه وهي تدعو له بصدق: ربنا يسعدك يا "سيف". ثم ابتهجت وهي تتذكر أنها بعد انتهاء كتابتها للرواية ستأخذ قسطاً من الراحة لتعود فيه إلى صفوف القراء، وتبحث عن روايات جديدة لتقرأها.
************************* في شقه حسين اليوم التالي فتحت الباب لشقيقها الذي ابتسم عند رؤيتها: _"قمور" حبيبي، إزيك؟ وحشاني. اتسعت ابتسامتها ترحب به بحب: "سيف" حبيبي، أنت كمان واحشني، اتفضل. دخل يسألها بقلق: _الباشا أخباره إيه النهارده؟ أجابته بدهشة: _الحمد لله، أنت عرفت منين؟ ما أنا كنت معاه إمبارح في المستشفى. _أصله نبه عليا إن محدش يعرف، خايف على خالتو "هدى" وتيته "صفاء". ليقترب منها ويهمس ساخراً
يحاول مشاكساتها: _عنده حق، عارف إنه مجوّز "وكالة رويترز"! امتعض وجهها لتضرب صدره بخفة وتقول بعبوس: _كده يا "سيف"؟ ربنا يسامحك. قرص وجنتها مازحاً وقال محاولاً إرضاءها: _بهزر معاكِ يا جميلة. ثم أضاف بجدية مشيراً لها نحو الداخل: _يلا شوفي جوزك، اتأخرت على المستشفى. اتجهت نحو غرفته، طرقت الباب وقالت بتوتر بعد أن فتحته ورأته يجلس على السرير المفرد: _"سيف" هنا وعاوزك، أخليه يدخل... توقفت تفرك أصابعها بارتباك
قبل أن تكمل بتلعثم: _بس مش هقدر أدخله هنا، ممكن تروح الغرفة التانية أو تخرج للصالة عشان ما يفهمش... حرجها منعها أن تكمل سرد مخاوفها أن يعلم شقيقها حقيقة زواجهم عندما يرى إقامة زوجها في غرفة أخرى. أومأ لها متفهماً خوفها لينهض ويتجاوزها بجمود نحو الخارج، لتتنهد بضيق تعلم أنها تضغط على جرحها له، لا يعلم أنها تتعذب مثله بشعور الذنب، اتجهت نحو الخارج لتجده
يجلس أمام "سيف" ويعطيه ظهره، و"سيف" يحل رباط كتفه ويشرع في تنظيف الجرح، يبدو أنه يتألم كثيراً ويحاول كتم آهاته بالضغط على شفتيه، اقتربت لتغمض عينها التي وقعت على ذلك الجرح الغائر الذي تسده عدة قطيبات في كتفه، تألمت لألمه وحاولت الابتعاد والهروب، لكن صوت "سيف" جذبها وهو ينادي عليها لتصيبها الصدمة عندما سمعت طلبه: _تعالي يا "قمر" عشان أعلمك إزاي تنظفي الجرح، أنا مش هقدر أجي بكرة، عندي نبطشية في المستشفى.
ليعترض هو بسرعة: _لا، ملوش داعي تعلم "قمر"، أنا هخلي "حسن" أو ممكن أحاول أنا، بلاش "قمر". قطب "سيف" حاجبيه باستهجان وقال مستنكراً: _وليه يا ابني؟ هي مراتك وهيكون أسهل إنها تطهرلك الجرح. ليقول مبرراً رفضه ويخترع له أي حجة مزيفة كي يمنع اقترابها منه بهذه الطريقة: _أصلها هتخاف من منظر الدم. حرك "سيف" شفتيه باستهزاء قبل أن يقول متهكماً: _يا عم النحنُوح... ملكش دعوة، هي أختي وأنا عارف إنها مش بتخاف.
ثم نادى عليها بإصرار: _تعالي يا "قمر". اقتربت تراقب "سيف" وما يفعله، ورغم انزعاجها من منظر الدم لكنها ادعت عدم مبالاتها حتى طلب منها الاقتراب أكثر لتساعده كي تتعلم كيف تربط الجرح. يدها التي لامست جلد عضلاته تشتد وأنفاسه تضطرب حتى أنهت المهمة، لينظر "سيف" إلى ما صنعت ويقول باستحسان: _تسلم إيدك يا حببتي، شاطرة يا "قمر". ******"******'' *'' ***************
وصل إلى المنزل في وقت متأخر، حيث كان ظلام الليل قد أسدل ستاره، ونسمات الهواء الباردة تطوف بالمكان، تضفي على الأجواء نوعاً من السكون. خطا خطواته نحو الداخل بتعب، يفرك جبهته بإرهاق، حتى تجمّد في مكانه حين وصلت إلى مسامعه همهمات خافتة كسرت هدوء المكان. التفت إلى مصدر الصوت لتتسع ابتسامته؛ فقد وجدها تجلس في إحدى زوايا الحديقة تذاكر، ويبدو أنها تحاول حفظ إحدى القصائد. اقترب منها، وتنحنح قبل أن يصل إليها.
قطع صوته اندماجها، فالتفتت إليه، وارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية حين وجدته يقف أمامها. _مساء الخير. _مساء النور. سحب كرسياً وجلس بالقرب منها، يسألها بفضول: _بتذاكري؟ أومأت برأسها مجيبة بسعادة: _أيوه، عاوزة أحفظ أول بأول، مش عاوزة المادة تتراكم عليا عشان أجيب علامة كويسة في الامتحان زي ما وعدتك. لا يعلم لماذا خفق قلبه حين ذكرته بوعدها له؛ نظر إليها بفخر وقال مشجعاً إياها: _برافو يا "نونو"، شاطرة!
ثم أضاف وهو ينتشل الكتاب منها، وقال بتحدٍ مرح: _طب خليني أسمّع لك، عشان نشوف أنتِ حافظة صح ولا لأ. توردت وجنتاها بحرج، وأربكها طلبه لتقول ببراءة: _بس ما تحاسبنيش قوي، أنا لسه ما سيطرتش عليها كويس. قهقه ضاحكاً وقال يشاكسها: _شكلك مش حافظة أصلاً يا "نونو"! امتعض وجهها قليلاً وقالت بإصرار: _لا حافظة، بس خايفة أغلط. نظراته المشككة بكلامها منحتها دافعاً من التحدي؛ فنظرت إليه وقالت بحزم: _هتشوف إني حافظة.
_هنشوف يا "نونو"، يلا ابتدي. بدأت تلقي عليه ما حفظته، وكان يصحح لها أخطاءها. وحين انتهت، رفع كفيه يصفق لها مشجعاً: _برافو يا "نونو! بس محتاجة مراجعة كمان. أسعدها تشجيعه، وجعلها تطمع في المزيد؛ فطلبت منه بخجل وهي تفرك يديها ببعضهما بتردد: _طب ينفع تسمع لي تاني؟ _أكيد يا "نونو، يلا ابتدي من تاني، وهفضل أسمّع لك لحد ما تحفظي تمام.
عادت تلقي عليه ما حفظته، مع تقلص واضح في عدد الأخطاء عن المرة الأولى. ورغم تعبه الشديد، استمر يستمع لها بصبر، حتى منحها الثقة بأنها قد أتمت مهمتها، وحفظت القصيدة بامتياز. *************" *"*********** جلست بجانبه تتلمسه بعين دامعة، يدها تتحرك على وجهه بقلق وهي تعاتبه: _"كده يا روح صافي؟ تخبي على حبيبتك؟ كده تهون عليك وتحرق قلبي؟ رفع يدها وقبلها محاولاً طمأنتها:
_"والله أنا كويس يا حبيبتي، كنت خايف عليكي.. متزعليش، حقك عليا." حولت نظرها نحو "قمر" تعاتبها هي الأخرى: _"وأنتِ يا قمر، أتصل عليكِ وتخبي عليا وتقولي لي مسافر مأمورية؟ نظرت إليها "قمر" بحرج ولم تجد ما تقوله، لكنه تدارك الموقف مدافعاً عنها: _"أنا يا صافي اللي منعتها تبلغك."
رمقته بنظرة حنق قبل أن تمسح دموعها التي انسابت على وجنتيها. ثم التفتت نحو "هدى" التي تنهدت بارتياح بعد أن اطمأنت على ولدها، وبجانبها يجلس "حسن". _"لولا حسن حبيبي قالي، كنت بقيت آخر من يعلم." اختطف نظرة لوم نحو شقيقه الذي هز رأسه بقلة حيلة، ثم عاد بنظراته إليها يحاول استرضاءها: _"يا حبيبتي، والله أنا كويس." صمت قليلاً، ثم أشار نحو "قمر" بامتنان: "وقمر ما قصرتش، خدت بالها مني.. ما تخافيش."
رغم نبرة صوته البارده وعينيه اللتين كانتا تهربان من نظراتها، إلا أن قلب "قمر" نبض بسعادة لأنه لم ينكر اهتمامها به، رغم أنه رفض مساعدتها في تغيير ضماده واستعان بشقيقه لتلك المهمة. تدخل "علي" بفكاهة وهو يعدل نظارته الطبية ويتفحص نوعية الأدوية المعطى له بمهنية: _"خلاص يا ماما، أهو بيقولك مراته مهتمية بيه ومدلعاه! قالت "هدى" بصدق وعيناها تلمعان شكراً لابنة شقيقتها:
_"ربنا يخليكم لبعض ويديم المحبة بينكم.. تسلمي يا قمورة." أجابتها "قمر" بابتسامة باهتة: _"ده واجبي يا خالتي." التفتت إليها "صافي" وقالت بصوت مختنق تتوسلها: _"أيوه يا قمر يا حبيبتي، خلي بالك منه.. ده الغالي." اقتربت "قمر" منها وجلست بجانبها تبتسم: _"ما تخافيش يا تيتة، حسين في عيني." ضمتها "صافي" شاكرة وقالت بود: _"تسلمي يا حبيبتي، هو كمان بيموت فيكِ." أصابت كلماتها الاثنين بتوتر شديد، وما زاد من
ثقل الموقف استرسال الجدة: _"اسأليني أنا! دايمًا كان بيجي ويحكي لي عنك وعن حبه ليكِ، دا بيعشقك! كانت عينا "قمر" مثبتتين على "صافي" تتابع كلمات الجدة، وقلبها يعتصر حزناً؛ فهي تعلم أنه يحبها، لكن كم كان فخوراً بهذا الحب حين سرد تفاصيله لجدته. أسبلت عينيها بندم؛ فهي تعلم أنها هي من داست على هذا العشق وحطمته تحت أقدامها. أما هو، فزاد حديث جدته من نزيف جرحه وأيقظ أوجاعه الخامدة، ولم يستطع الرد ليعم الصمت المكان.
_"ماما، فضحتِ أسرار الراجل! قالها "علي" ساخراً من حديث والدته، فرمقته "صافي" بنظرة مستهجنة ورفعت كتفها بعدم اكتراث، بينما ربتت "قمر" على يدها قائلة بثقة: _"مالكش دعوة، هما بيحبوا بعض وهيفرحوا باللي قلته." حدث نفسه متهكماً من ثقة جدته في حبهما: _"آه يا صافي، لو تعرفي حقيقة هذا الحب.."
أما "قمر"، فلم تعد تستطيع الثبات أو مقاومة تلك الحقائق؛ التي بدلاً من أن تسعدها، مزقتها، وتمنت أن تنقضي هذه الزيارة بسلام قبل أن تفضحها دموع الندم أمامهم جميعاً. *********************،، ******
ظنت أنه لن يعود إلى الدار مجدداً، لكنه فاجأها بتكرار زياراته؛ يحمل في كل مرة باقة ورد يرافقها كارت اعتذار وطلب للسماح. كانت تسمع ضحكاته المجلجلة ونصائحه للأطفال، فتجبر عينيها على عدم الالتفات نحوه، تقاوم قلبها الذي يصرخ شوقاً له، لكنها تكتم صراخه بتذكير نفسها بجراحها. كانت تتجاهل وجوده وتتجه نحو الغرفة التي تمكث بها، ورغم ذلك، كان يتملكها شغف خفي لمعرفة لون الزهور التي اختارها اليوم، رغم توزيعها للزهور على أطفال الدار وقراءة عبارات الاعتذار التي
-كانت تقرأها ثم تمزق البطاقة إمعاناً في "الانتقام" الصامت. دخلت الغرفة ورأت باقة زهور بلون أصفر مباغت؛ استغربت اللون واقتربت منها يسوقها الفضول لمعرفة ما دوّنه على البطاقة. أخذت تبحث عنها فلم تجدها، حركت الباقة يميناً ويساراً، وعيناها تتنقلان بين الزهور بتلهف، لكن دون جدوى. لم تكن تعلم أنه يقف عند باب الغرفة يراقب حيرتها بابتسامة، قبل أن يقترب منها بهدوء ويخبرها بلهجة مشاكسة:
—ما تتعبش نفسك، مفيش بطاقة النهاردة. مادام بتقطعيها، قررت إني أنا اللي أقول الكلام؛ أهو نوفر تمن البطاقة! اتسعت عيناها بذهول حين سمعت صوته خلفها، تملّكها الارتباك، فحاولت رسم ملامح الغضب والاستدارة كي تواجهه بكلمات لاذعة: —أنت إزاي.... وما إن استدارت حتى باغتها مُحيطاً خصرها بذراعيه، وقال بصوت خافت مشبع بالحب: —صباح الخير على أحلى عيون في الدنيا، على عيون حبيبتي.. بحبك يا رحمة، ومش عايز غير فرصة أعوضك فيها.
كادت تنساق مع نبرته الدافئة، لكن استيقاظ كرامتها جعلها تستجمع قواها؛ وضعت يديها على صدره ودفعته عنها بعنف، قائلة بحدة: —أنت إزاي تعمل كده؟ أنت اتجننت؟ افرض حد شافنا في الدار؟ ما فكرتش في منظري قدامهم؟ ومحدش يعرف إنك...... ابتلعت الكلمة التي لم تقوَّ على نطقها، فقد باتت غصة تذكرها بآلامها، فأكمل هو بهدوء وثبات استفزها: —إني جوزك. قالت بتحدٍ مرير: —لأ.. طليقي، باعتبار ما سيكون!
تلك الكلمة التي دأبت على تكرارها كلما رأته، كانت كفتيل أشعل نيران غضبه، لتحرق قلبه وكرامته معاً وهي تستهين برباطهما. ارتاعت حين رأت عينيه وقد احمرّتا بانفعال، اقترب منها وجذب ذراعها نحوه بقوة، ثم قال بنبرة حادة: —في أحلامك يا رحمة! بطلي تقولي الكلمة دي، لأنك هتفضلي مراتي لآخر نفس في عمري. أفلت ذراعها مكملاً بحدة مماثلة، تحت نظراتها الساخطة:
—على العموم، أنا خارج. كنت بقولك الكلام اللي كان مفروض يكون على البطاقة وبس. غادر صافعاً الباب خلفه بعنف. بقيت تنظر إلى الباب المغلق بحزن، تساقطت دموعها بحرقة، وقلبها يتمزق من تلك المواجهات التي تنهك صمودها المزعوم، بينما تحاول جاهدة كبت مشاعرها التي تجتاحها بمجرد قربه. ********************************
استيقظت مبكراً على غير عادتها، ربما كان ذلك الكابوس الذي راودها وسلبها لذة النوم؛ فتعوذت من الشيطان واستغفرت، وقررت النهوض لتشرب كأساً من الماء، لعلها تستطيع بعد ذلك العودة إلى النوم. خرجت متجهة نحو المطبخ، وفي طريقها مرّت بجانب غرفته، لمحَت بابها الموارب، فساقها فضولها لتنظر من خلال الفتحة؛ وجدته يقف أمام المرآة يحاول مداواة جروحه بنفسه. تنهدت بقلة حيلة؛ فلا يزال يرفض مساعدتها بعناد.
راقبت عدم قدرته على معالجة جراحه وصعوبة حركته، ففتحت الباب بهدوء ودخلت دون أن تتحدث. وقع خطواتها جعله يدرك وجودها، وما إن وصلت خلفه حتى تجمدت يده الممتدة نحو ظهره حين لامستها أصابعها، محاولةً التقاط قطعة القطن منه. رغم تمسكه بها، وعودته للمكابرة رافضاً مساعدتها: _"ملوش داعي، أنا هعرف...
لم تمهله لاستكمال رفضه، بل جذبت قطعة القطن منه وبدأت تداوي جرحه. أغمض عينيه، يشعر بلمساتها التي كانت تؤلمه أكثر من جراحه. حتى انتهت من مهمتها، فالتفتت لتصبح أمامه محافظةً على صمتها، جذبت يده لتفك رباطها وتظهر جروحه، وعيناه تتبعانها بعشق وقلبه يخفق بقوة. أمعن النظر في وجهها، كم هي جميلة!
أشاح بنظره عنها ليمنع قلبه من الانسياق خلف شوقه لها. أكملت هي لف الرباط حول يده، واعتقد أنها ستغادر بصمت كما دخلت، لكنها فاجأته عندما التقطت قميصه وساعدته في ارتدائه. وقفت تزرر أزرار القميص، فسخر من قلبه؛ لحظة تمنى حدوثها أن تساعده في ارتداء ملابسه! وكم رسم لتلك الأحلام سيناريوهات عديدة غير وقوفه بجمود هكذا؛ كان سيداعبها، يشاكسها، يقبلها... "آه".. خرجت من قلبه بحسرة وهو يرى ضياع أحلامه.
انتهت وأخذت عيناها تبحثان عن سترته حتى وجدتها، فالتقطتها وحاولت مساعدته في ارتدائها، لكنه قبض على سترته وقال باقتضاب: _"ملوش داعي، مش هلبسها.. متشكر". طالعته بتوتر، فسألت بتلعثم: _"تحب أعملك فطار؟ كان يلملم أغراضه متجاهلاً وقوفها، فأجاب ببرود: _"هشرب قهوة في المكتب".
غادرت بخطى سريعة، تشعر بشيء من الإهانة لتجاهله لها، حتى خرجت. التفت ينظر لأثرها، فانتابه شعور بالندم؛ يبدو أنه قد قسا عليها. رنين هاتفه أوقف محاسبته لنفسه، فأجاب: _"أيوه يا سالي.. لا، أنا في الطريق، عشر دقائق وأكون في المكتب". كانت تقف عند الباب تلتقط أنفاسها الحبيسة بألم عندما وصلها صوت حديثه عبر الهاتف، لينغزها قلبها حين سمعته يتحدث مع امرأة؛ فكررت اسمها بدهشة: _"سالي؟! ثم تساءلت بضيق: _"مين سالي دي؟
هو معاه ستات في المكتب؟ نفضت تلك الأفكار من رأسها؛ فما يعنيها لو كان معه نساء؟ لتتسع عيناها بدهشة وهي تسأل نفسها: هل تغار عليه؟! **************************'***' **
في إحدى قاعات الأفراح، حيث الأضواء المتلألئة وأجواء البهجة، كان "شريف" و"أحلام" مدعوين لحفل زفاف أحد زملائهم القدامى. وقف الاثنان يتبادلان التحية مع أصدقاء الدراسة الذين لم يروهم منذ التخرج، وكلما التقيا بأحدهم، انطلقا في استعادة الذكريات والاستعلام عن أحوالهم. توقفوا أمام "رامز"، فسأله شريف باهتمام: _"وأنت يا رامز، بتعمل إيه دلوقت؟ وبتشتغل فين؟ أجاب رامز بابتسامة: _"بشتغل في شركة بابا."
رفع شريف حاجبه باستحسان، مثنيًا على تلك الشركة وسمعتها الطيبة في السوق: _"والله برافو! فعلاً شركة الوالد صيتها مسمع في كل مكان." _"متشكر يا شريف." ثم التفت رامز نحو أحلام وسألها بفضول: _"وأنتِ يا أحلام، بتشتغلي؟ هزت رأسها بقلة حيلة، وقالت بيأس ساخر: _"للأسف، أنا عاطلة عن العمل منذ التخرج." عرض رامز سريعاً: _لو تحبي، أنا ممكن أشوفلك شغل في شركة بابا." قبل أن تجيب، قاطعها شريف بحزم:
_"لا، هي هتشتغل معايا إن شاء الله في التسويق." قطب رامز حاجبيه بدهشة، وسأله مستفسراً: _"بس أنت بتشتغل في الملابس الرجالية؟ أجاب شريف بثبات: _"آه، ما إحنا هنفتح قسم نسائي إن شاء الله." كانت أحلام توزع نظراتها بينهما بتعجب؛ فهي لم تسمع منه قط هذه المعلومة. تساءلت في نفسها: هل هو صادق؟ لم تكد تخرج من صدمتها حتى وجدته ينهي لقاءه برامز بلباقة ويشير لها باتباعه: _"عن إذنك يا رامز.. يالله يا أحلام، قمر مستنيانا."
هزت رأسها متفهمة وسارت بجانبه، ثم سألته: "هو الكلام اللي قلته بجد يا شريف؟ "كلام إيه؟ _"شغلي معاك بجد؟ هو عمو فارس هيضيف قسم نسائي؟ _"لا." توقفت تنظر له بامتعاض قبل أن تقول مغتاظة: _"أمال قلت كده ليه قدام رامز؟ التفت إليها قائلاً بجمود: _"عشان مش عاوزك تشتغلي معاه ده." عبس وجهها بحنق، وضربت قدمها في الأرض بضيق كالأطفال: _"ليه؟ ما أنت بتقول شركة والده سمعتها كويسة! كرر جوابه ببرود استفزها:
_"عشان مش عاوزك تشتغلي معاه وخلاص." اشتد غضبها حتى لمعت الدموع بعينيها: _"ليه؟ مادام مش هشتغل معاك، دي فرصة حلوة! جزَّ على أسنانه بغضب مماثل، وانحنى نحوها يهمس لها بانفعال: _"دي شركة أغلب موظفيها رجالة.. هتشتغلي إزاي؟ فهمتي رافض ليه؟ ربعت يدها على صدرها وقالت بانزعاج: _"ما اقتنعتش." قال بعناد: _"ما تقتنعيش.. مش هتشتغلي." _"هو تحكم وخلاص؟ تنفس بعمق ليغير نبرة صوته محاولاً إقناعها:
_"أحلام، مش أنا وعدتك إني هلاقي لك الشغلانة اللي تناسبك في المكان اللي يناسبك؟ وأنا عند وعدي، صدقيني." احتدت عيناها بتحدٍ وقالت: _"إمتى؟ ده بقالي كام سنة متخرجة، وأنت لا حس ولا خبر! أشار نحو نفسه يسألها: _"هو أنا عمري كدبت عليكي؟ هزت رأسها نافيةً، ليقول بثقة:
_"يبقى تصدقيني؛ أنا بدور ولسه ما لقيتش المكان المناسب. ويا ستي وعد، لو ما لقيتش حاجة تناسبك، هكلم بابا وأقنعه نفتح فرع نسائي تكوني أنتِ مسؤولة عنه تحت إشرافي طبعاً." تنهدت بقلة حيلة وعدم اقتناع، لكنها رضخت لوعده ومنحته فرصة أخيرة، قائلة بتوعد: _"هديك فرصة يا شريف، بس لو اتأخرت هشتغل مع رامز." حاول مسايرتها بابتسامة مازحة: _"متشكر يا أحلام هانم على ثقة حضرتك." ثم أشار لها بعينه حيث تجلس شقيقته:
_"يالله، عشان قمر مستنيانا بقالها كتير." *******************. '** خفت الصخب تدريجياً، خفتت الأضواء، وتلاشت حدة الموسيقى لتستحيل أنغاماً هادئة تلامس القلوب. اقترب 'العريس' من عروسته، يضمها في رقصة تمايلت فيها بين يديه بتناغم رومانسي ساحر، خطف أنظار الحاضرين وأسرهم بجمال المشهد. كان 'شريف' يطالعهم بعينين تملؤهما الحسرة، قبل أن يهتف بتمنٍّ عميق: ـ "أوعدنا يا رب.. امتى أرقص مع مراتي كدة؟
أتبع حديثه بتنهيدة طويلة حملت صدق أحلامه المكبوتة. انفلتت من 'قمر' ضحكة ساخرة قطعت عليه اندماجه، قائلة بتهكم: ـ "وهي مين تعيسة الحظ اللي أمها داعية عليها عشان تكون مراتك؟ امتعض وجهه، واستفزه حديثها ليقول بحدة: ـ "ليه يا ست 'قمر'؟ دا أنا 'شريف الجوهري' يعني سعيدة الحظ اللي هكون من نصيبها! لوت 'قمر' شفتيها باستهجان، وكررت كلماته بسخرية لاذعة: ـ "سعيدة الحظ؟ ربنا يعينها على جنانك!
ازداد انفعاله؛ فقد أزعجه حديثها وقرر أن يغيظها انتقاماً لكرامته: ـ "ملكيش دعوة يا ستي، مدوريش ليا على عروسة." ثم أشار بيده نحو 'أحلام' الجالسة بجانبهما، وقال بنبرة ملؤها الثقة: ـ "أنا هخلي 'أحلام' هي اللي تختار لي عروستي." ورغم حرص 'أحلام' على الحفاظ على ابتسامتها، إلا أن كلماته أصابتها بصدمة شلّت تفكيرها؛ شعرت باختناق حاد. يطلب منها هي أن تبحث له عن زوجة؟ اعتصر قلبها الحزن،
لكنها سألت نفسها بحيرة: "لماذا أشعر بكل هذا الحزن؟ ألم أكن دوماً أعتبره شقيقي؟ ولماذا انزعجتُ حقاً عندما تحدث عن الارتباط بأخرى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!