تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
الفصل 24
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 24
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
وروح غزتها الجراح تأن بصمت، فلا يسمعها أحد، تبتسم كاذبة فيظن الناس أنها بخير، تخونها الكلمات فتنتصر الهواجس، وأثرت الكتمان؛ فمزقتها الآلام حتى ماتت دون أن تُدفن، وانطفأت لتسكن الظلام.
كانت تجلس شاردة الذهن، تستمع إلى صوت الشيخ "عبد الباسط" الذي يصدح في المكان فيمنحه طمأنينة تعاكس ضجيج روحها المتعبة. هذا التناقض الذي تعيشه أصبح ينهكها، وكأنها تشتت؛ لم تعد تعرف ماذا تريد، ومن هي، وهل هي على صواب أم على خطأ؟ أصبحت تجهل نفسها.
تلك المواقف التي بدأت تتكرر كأنها أصبحت جزءاً من روتين حياتها؛ يغضب فينفعل، ثم يطلب الغفران. كلمات الحب التي يغدقها بها لم تعد تداوي جراح كلماته، ورصيد حبه لم يعد يتحمل أخطاءه، ومخزون صبرها شارف على النفاذ. كل موقف باتت تعيشه معه يهشم جزءاً من روحها حتى أصبحت خاوية، تبلدت مشاعرها ولم تعد تتأثر بكلمات حبه وتوسلات غفرانه.
حتى إنكارها لمشاكلها أمام والدتها وشقيقتها أصبح يخنقها، حتى فرت الدموع من عينها. كانت تتمنى أن تجد شخصاً تشكو له، تبوح له بحزنها، لكن إلى من تشكو؟ فـ "قمر" علاقتها محدودة بها، و"شمس" تخشى أن تشي لأمها.
تنهدت بتعب وأسرعت بمسح دموعها عندما سمعت صوت مفتاحه في الباب. دخل مبتسماً يقترب منها بتوجس وهو يرى آثار تلك الدموع على وجنتها، فاعتصره قلبه؛ يعلم أنه قد قسى عليها في الصباح، فهو أصبح يحرمها من أبسط حقوقها في الترفيه، حتى هاتفها أصبح نقمة في حياتهم. جلس بجانبها وانحنى يقبل رأسها ويردد تلك الكلمة التي حفظتها:
-أنا آسف.
الصمت فقط كان جوابها، حتى ملامح وجهها لم تتأثر؛ كأنها تعرف نهاية هذا المشهد كمسلسل تكررت حلقاته حتى حفظت الحوارات بين شخوصه. أضاف يحاول إقناعها:
-سندس، أنا عارف إني تعبتك وإني غلطان، بس عشان خاطري سامحيني، أنا عصبي وأنتِ عارفة دا.
ومرة أخرى لم يواجه سوى الصمت. تنهد بيأس واستمر في محاولاته:
-سندس، أنا بحبك، والله بحبك وبغير عليكِ.
أنهى حديثه وهو يجذب يدها يقبلها في محاولة لاسترضائها:
-سندس، اتكلمي، قولي حاجة، متفضليش ساكتة.
والغريب أنها لم تعد تقوى حتى على الكلام الذي أصبح بلا جدوى معه؛ لا الخصام ولا العتاب ولا البكاء أصبح يجدي نفعاً، لتقول بصوت مختنق:
-أقول إيه؟
نظر لها بلهفة وقال يحثها بندم:
-أي حاجة بس اتكلمي، خليني أسمع صوتك الجميل.
رفع يده يضمها بقوة ويهتف بحب:
-بحبك... والله بحبك يا روحي، أنتِ قولي إنك سامحتيني.
شعرت بالاختناق، حتى أحضانه أصبحت باردة لا تشعر فيها بالأمان. ابتعد عنها يحيط وجهها بكلتا يديه ويسألها بلهفة، ويهز رأسها يحثها على السماح:
-سامحتيني، مش كده؟
تعجب من نظراتها المنكسرة التي حطمت قلبه، واكتفت بابتسامة باهتة يملؤها القهر كإجابة على سؤاله، لتتسع ابتسامته رغم أنه يعلم أن عفوها مصطنع. رفع ذلك الكيس الذي أحضره معه ووضعه على حجرها:
-دا فستان عربون الصلح بينا.
ظلت تحدق به بصمت كأنها في عالم آخر، حتى وجدته يربت على فخذها يحثها على النهوض:
-ممكن تقيسيه؟ عاوز أشوفه عليكي.
أومأت برأسها ونهضت تطيع أوامره بذهن مشوش ومرهق. دخلت الغرفة وأخرجت الفستان من الحقيبة ورفعته أمام ناظرها لتتهكم باستهزاء وهي تقبض على قماشه؛ فحتى هديته لترضيه لا ترضيها، ثوب رائع الأناقة لكن بلون داكن لا يناسب عمرها، وفضفاض حتى يبدو أنه أكبر من حجمها. ارتدته على مضض وخرجت إليه ليبتسم بسعادة ويطالعها برضا قبل أن ينهض نحوها يرفع يديها ويقول باستحسان:
-تحفة يا روحي، يجنن عليكي.
هزت رأسها بالموافقة المزيفة ولم تعقب، فلم تعد تقوى على المجادلة لتستسلم له؛ لعل استسلامها يمنحها شيئاً من الراحة.
*******************************
جلست على سريرها بحزن تطالع شاشة هاتفها التي لم تتوقف عن الإضاءة والاهتزاز مع رسائله التي تجاوزت المئة رسالة، ومكالماته التي لم تعد تحصي عددها. تمسح دموعها التي انسابت رغماً عنها؛ فثلاثة أيام مضت منذ حفلة زفاف صديقهم وهي تتجاهله، فكلماته التي قالها كانت كحجر ألقاه في بركان مشاعرها الخامد لتثور معلنة حقيقة دوماً أنكرتها؛ هي تحبه، نعم تحبه. كانت والدتها محقة، هو ليس شقيقها ولا ابن عمها، هو حبيبها. كيف يكون من نصيب غيرها؟ هي لا تعرف أحداً غيره ولم يكن لها صديق سواه.
نيران الغيرة والخذلان تشتعل في صدرها منذ ثلاثة أيام، تلوم حالها؛ ليتها سمعت حديث والدتها وتجنبت تلك العلاقة، ليتها وضعت حداً وعرفت حقيقة مشاعرها تجاهه قبل أن يخبرها أنه ينوي الارتباط بغيرها. لكن كل هذا اللوم لم يعد يجدي نفعاً، فقد وقعت في شراك حبه وهو لا يشعر بها.
أما على الجانب الآخر، كان شريف يطالع هاتفه بين الحين والآخر ينتظر إجابتها لكن دون جدوى. يتصل فلا ترد على اتصاله. نظر إلى الرسائل التي لم تقرأها وتساءل بدهشة وقلق:
-هي مابتردش ليه؟ ليكون جرالها حاجة؟
ثم أجاب سؤاله عندما تذكر حديث شقيقته:
-بس "قمر" كانت عندهم إمبارح، ماجبتش سيرة حاجة وحشة.
-شريف، شوف الولاد رتبوا البضاعة كويس.
قالها "فارس" ينادي عليه لتصيبه الدهشة عندما رأى شروده، فاقترب منه يكرر نداءه:
-شريف، مالك يا شريف؟ أنت يا ولد سرحان فين؟
نداء والده انتشله من حيرته ليلتفت نحوه يطالعه بنظرات ضائعة:
-نعم يا بابا.
-سرحان فين؟ بقالي ساعة بكلمك.
ليمثل الإصغاء:
-معاك يا بابا، قلت إيه؟
يكرر "فارس" حديثه مستهزئاً:
-معاك وقلت إيه؟ لا واضح إنك سمعتني!
ثم عاد يسأله بريبة:
-مالك؟ فيه حاجة شاغلاك؟ أنت مش على بعضك بقالك يومين.
هز رأسه نافياً وقال يبرر له:
-لا يا حبيبي، مافيش حاجة، متقلقش، أنا بس عندي شوية صداع.
إجابته زادت من قلق "فارس" ليقول معاتباً:
-يا بني، كنت كلمت أخوك والا والدتك يكتبولك علاج.
-ملوش داعي، دي حاجة بسيطة.
اقترب منه يتلمس جبهته بخوف:
-طب قوم روح نام وارتاح، وأنا هنا مكانك.
ابتسم "شريف" يطالع خوفه بامتنان:
-يا بابا متخافش، أنا كويس، بلاش قلق يا بوس، وبعدين مش هقدر أسيب المحلات النهارده، البضاعة وصلت والأولاد بيرصوها يعني لازم حد معاهم.
ضرب "فارس" وجنته بخفة، عينيه تشمله بفخر، ليدعو له وهو يربت على كتفه:
-ربنا يرضى عنك يا ابني
-تسلم يا أجمد بوس في الدنيا، ربنا يحفظك لينا.
قالها "شريف" وهو يجذب يده ويقبلها قبل أن ينهض يغادر من أمامه قائلاً:
-عن إذنك، أروح أشوف الشباب عملو ايه.
رحل من أمام والده وأخذ يدور في المكان يراقب عمل العمال بدقة، لكنه لم يتحمل ذلك القلق الذي تملكه فترة طويلة لينزوي في إحدى الأركان وأخرج هاتفه يتصل بـ "ورد" التي ولحسن حظه كانت في غرفتها تطمئن عليها وتسألها سبب انعزالها عنهم في هذه الأيام:
-ممكن أعرف مالك؟
قالتها "ورد" الجالسة أمام شقيقتها لتجيبها باقتضاب:
-مليش.
لوت شفتها باستهجان وقالت مستنكرة:
-ملكيش إزاي وأنتِ ضاربة بوز وعنيكي دبلانة كأنك معيطة؟ مالك يا بنتي؟
-مليش يا ورد، قلتلك مصدعة شوية، الظاهر منمتش كويس.
وقبل أن تعقب "ورد" رن هاتفها لتجيبه بسرعة:
-ألو... أهلاً يا شريف.
-أهي قدامي.
قالتها "ورد" قبل أن تلمح إشارة "أحلام" لها أنها لا تريد الإجابة، لتجدها تمد لها يدها بالهاتف. التقطت الهاتف بتردد وعينيها تهرب من عيني شقيقتها المعلقة بها لتجيب بتوتر:
-ألو.
ليأتيها صوته المتلهف يسألها بقلق:
-ألو أحلام، أنتِ فين؟ مش بتردي على اتصالاتي والرسايل ليه؟ مالك؟ فيكِ حاجة؟
خفق قلبها بعنف بين أضلعها كأنها تسمع صوته لأول مرة بوضوح بعد أن انقشعت تلك الكذبة المسماة صداقة بين فتاة ورجل؛ فها هو صوته يؤكد لها ما تشعر به. أجابته بصوت مهزوز وكلمات متقطعة:
-معلش، عندي صداع.
تضاعف قلقه يسألها بخوف:
-ألف سلامة عليكِ، أجيبلك دوا؟
لتجيبه باقتضاب:
-لا متشكرة، بابا جابلي دوا.
ثم أضافت بشيء من الحدة كأنها تقطع عليه وعلى نفسها الاسترسال في الحديث كما تعود منها:
-عن إذنك، أنا تعبانة وعاوزة أنام... مع السلامة.
أغلقت الهاتف قبل أن تسمع إجابته، وأعطته لـ "ورد" التي سألتها مستفسرة بعد أن استغربت أسلوبها في الحديث معه:
-أنتِ متخانقة مع شريف؟
-لا.
ثم تمددت تشير لشقيقتها بالخروج:
-لو سمحتي يا ورد، عاوزة أنام، ابقي اقفلي الباب وراكي.
نظرت لها "ورد" بتعجب قبل أن تمط شفتيها وتغادر بقلة حيلة. أما هو فما أن أغلقت الهاتف حتى نظر إلى الشاشة بدهشة يسأل نفسه ما سر هذا الغضب؟ ولماذا تتحدث معه بهذا الأسلوب؟ لكنه برر ذلك ربما كانت صادقة وهذا من تأثير الصداع.
******'' '' *******************
كان يوزع الهدايا على الأطفال في الدار، لا ينكر أن قضاء الوقت معهم يمنحه شعوراً بالراحة؛ فابتسامتهم تسعده ويجعله يتذوق لذة العطاء. استمر بالتوزيع والأطفال يتجاوبون معه مسرورين، حتى لمحها تجلس بجانب طفل منعزل يجلس وحيداً يبكي وهي تواسيه، فتذكر حديثها؛ يبدو أنه اليوم الأول لهذا الصغير في هذا المكان.
اقترب منهم بتوجس وجلس بجانب الصغير دون استئذان، لينكمش الصغير فتنظر له "رحمة" بامتعاض. أشعر الهدية أمامه وقال:
-أنا دكتور زياد، ودي حصتك يا بطل.
طالعه الصغير بخوف ولم يتقبل ما يقدمه له، بل ظل يمسح دموعه بأصابعه الصغيرة، و"رحمة" تمسح على ذراعه تحاول تهدئته بوجه متجهم من تطفل "زياد" الذي قطع عليها حوارها مع الصغير. لكن "زياد" عاد يحاول من جديد فقال بفكاهة يهز أمامه الكيس:
-بصي يا بطل، متخافش، دي فرشة أسنان صغيرة ومعجون أسنان، وبص دي.
ليخرج من جيبه مرآة خاصة بأطباء الأسنان موضوعة داخل مغلف، أزال الغلاف وبدأ يشرح له والطفل توقف عن البكاء وبدأ يراقبه بفضول:
-بص يا سيدي، دي مراية هنقدر نشوف بيها السوسة اللي في السنان.
بدأ الصغير يعقد حاجبيه بعدم فهم، لتتفاجأ "رحمة" به ينهض ويتجه نحوها ويباغتها بأن يمسك فكها يجبرها على فتح فمها. انتابها الغضب وحاولت التملص منه ليقول لها هامساً:
-بس هتخوفي الولد، اهدي.
حاولت دفع يده بقوة لكنه كان يحكم قبضته على فكها ودس تلك الأداة في فمها، ووجهه تزينه ابتسامة من تعابيرها المنفعلة، ليهتف محاولاً تهدئتها:
-تعالى يا حبيبي، شوف السوسة اللي في سنان أبلة رحمة.
هدأت حركتها عندما وجدت الصغير يقترب منهم، واستجابت مرغمة لأصابعه التي تضغط على فكها، وفتحت فمها وهي تجد الصغير يميل ليشاهد ما يريه "زياد" الذي بدأ يتغزل بها مستغلاً هذا الموقف:
-شايف يا حبيبي، سنان أبلة الجميلة زي اللولو، دا عشان بتفرش أسنانها.
ابتسم الطفل بعفوية وعينيه تبصر بانبهار ما يفعله "زياد" وهو يحرك المرآة على أسنانها. لكنها احمرت بخجل عندما تنهد بهيام يخبر الصغير:
-شايف عينيها؟ تجنن إزاي! وحشوني أوي.
-عينين إيه يا عمو؟
سألها الطفل ببراءة، ليرتبك "زياد" يكتم ضحكاته ويصحح له:
-عينين إيه؟ سنان يا حبيبي.
ضربت بقدمها على قدمه تجبره على الابتعاد، ليصرخ متأوهاً وابتعد عنها قليلاً، فنفضت يده عنها بعنف:
-آه... رجلي يا مجنونة.
نظرت له بتحدٍ وقالت حانقة:
-أحسن، عشان تحرم يا مستغل.
كان الطفل يوزع نظراته بين الاثنين بتعجب وعدم فهم. قهقه "زياد" ضاحكاً على امتعاضها واقترب من الصغير ينزل لمستواه ويخرج أداة جديدة يعطيها له ويقول له مبتسماً:
-دي جديدة عشانك يا بطل، عشان لما تكبر تكون دكتور أسنان زيي.
ثم ناوله هديته لينسى الصغير بكاءه ويتشبث بالهدية فرحاً بها، فانصرف بعد أن انحنى يهمس لها:
-مع السلامة يا حبيبة روحي.
تركها تنظر لأثره بغيض، فكل مرة يقترب منها يشعرها بضعفها أمام قربه، فتعود لتجلد قلبها الخائن وتبني سوراً حوله من جديد.
**************'' '****************
كانت تجلس بجانب "صفاء" السعيدة بوجوده اليوم معها بعد مرور فترة على تلك الحادثة وجراحها التي التأمت بشكل جيد، فقررت دعوته هو و"قمر" لتناول العشاء معهم. انتبهت "صفاء" لذلك الحزن الذي سكن عينيها لتسألها بقلق:
-مالك يا قمر؟ شكلك زعلانة، فيه حاجة مضيقاكي يا بنتي؟
تنهدت بيأس تجيبها بقلة حيلة:
-ثالث شركة يا تيتة أقدملها الـ (سي في) بتاعي وأترفض، بابا عرض عليّ يكلم صحابه بس أنا رفضت، كنت عاوزة أشتغل في اختصاصي.
رغم ادعائه اندماجه مع جهازه اللوحي لكن أذنه التقطت شكواها لجدته ليعلم سبب ضيقها في الأيام الماضية. ليتفاجأ بنداء جدته التي صدمته بطلبها:
-حسين، ما تاخد قمر تشتغل معاك في المكتب.
رفع نظره نحوها ببطء فصدمت بعينها التي كانت تترقب جوابه ليسألها:
-أنتِ عاوزة تشتغلي معايا في المكتب يا قمر؟
وقبل أن تجيب سبقتها "صفاء" التي قالت بحدة تؤنبه:
-أيوه تشتغل مع جوزها أحسن ما تشتغل مع الغريب، وبعدين باختصاصها هتنفعك في المكتب.
ثم أضافت تجبره على الموافقة:
-ممكن تدي عرض بعد التنفيذ، ممكن تصميم الديكور كمان.
كانت "قمر" توزع نظراتها بينهم، وأدهشها عرض "صفاء" التي شعرت أنها تضغط عليه كي يوافق، عيناها تثبتت عليه عندما قهقه ضاحكاً يشاكس جدته:
-إيه دا يا صافي؟ دا أنتِ داخلة حامية ولقيتي العرض كمان!
لتتحول نظراته إليها وقال مازحاً:
-خلاص يا قمر، أنتِ واسطتك قوية، من بكرة تقدري تيجي المكتب وتستلمي شغلك.
ابتهج وجهها بسعادة لتقول بصوت متلهف:
-متشكرة أوي.
لتزجرها "صفاء" تلومها مستنكرة:
-بتشكري على إيه يا هبلة؟ دا جوزك يعني دا واجبه.
-صافي، مالك قالبة عليّ النهاردة ليه؟ وإلا من لقى صحابه نسي أحبابه.
هتف بها "حسين" متذمراً، لكن "صفاء" استمرت تحادثه بتحدٍ:
-دي الحقيقة يا ابن علي، هي الراجل إذا ما كانش يسند مراته هتتسند على مين؟
لتربت على يد "قمر" مبتسمة:
-وبعدين دي "قمر" مرات الغالي، يعني غلاوتها من غلاوتك يا سونة.
لتقبل "قمر" وجنتها بامتنان:
-متشكرة يا تيتة.
أما "حسين" فنهض من مكانه حتى جلس بجانبها يحتضنها بعد أن قبل رأسها:
-حبيبتي يا صافي يا ست الكل، أيوه كده، دا أنا ابتديت أغير، افتكرتك نسيتيني، بس أدام قلتي "سونة" أنا اطمنت.
-حد بينسى روحه يا سونة؟
قالتها وهي تبادله العناق. ابتعد عنها لتضرب فخذه بخفة وتأمره بجدية:
-ما تقوم تشوف أبوك وأمك اتأخروا ليه.
استقام واقفاً ينفذ طلبها ليتوقف عندما هتفت تناديه:
-خد قمر معاك.
ولم تنتظر جوابه بل التفتت نحوها تحثها على مرافقته:
-يالا روحي مع جوزك.
ارتبكت توزع نظراتها بينهما لتجد الإصرار في عين "صفاء" والهروب في عينيه. نهضت بتردد واتبعته ليسبقها بخطوة نحو الخارج، سارت خلفه في صمت حتى وجدته يقف في منتصف الحديقة، والتفت إليها مشيراً نحو منزل والديه:
-اسبقيني يا قمر، أنا هدخن سيجارة وألحقك.
أخرج علبة سجائره وأشعل إحداها ليتفاجأ بها لا تزال تقف مكانها، فيطالعها بتعجب:
-أنتِ لسة واقفة ليه؟
فركت يديها بارتباك وقالت خجلة:
-معلش هستناكِ، بتكسف أدخل لوحدي.
ابتسم ساخراً يردد حديثها باستهجان:
-بتتكسفي من بيت خالتك؟
احمرت وجنتاها بحرج لتزداد فتنة، أشاح وجهه بعيداً يهرب من مشاعره التي تتأجج بحضورها:
-أهو بتكسف وخلاص.
أجابته هاربة هي الأخرى من عينيه، ليعم الصمت الذي تخلله صوت أنفاسهم المضطربة، حتى اخترق سؤالها جدار ذلك الصمت حين سألته بتوتر:
-حسين، هو أنت وافقت على شغلي معاك بسبب ضغط تيتة صفاء؟
نفث دخان سيجارته وسألها بجمود:
-ليه بتقولي كده؟
تنهدت بحيرة قبل أن تجيبه:
-مش عارفة، حسيت كده.
التفت نصف التفاتة لها ورمقها بنظرة جانبية أربكتها، قبل أن يعود لينفث دخان سيجارته من جديد ويقول ببرود:
-محدش يقدر يجبرني على حاجة أنا مش مقتنع فيها وتيتة عارفة دا كويس، أنا وافقت على شغلك عشان هي عندها حق، أنتِ تشتغلي معايا أحسن ما تشتغلي عند الغريب.
ثم أضاف متهكماً بمراره:
-أهو في الآخر اسمي جوزك.
نبرته المتهكمة نغزت قلبها بضيق، تجاوزته واكتفت بالصمت وانتظاره، لكن سيجارته أتبعها بأخرى. ظنت أنه يحاول استفزازها لتقول بحنق:
-دي سيجارة تانية.
-عندي صداع.
قالها ببرود زاد من غيضها، لتربع يدها على صدرها بانزعاج وتنفخ أنفاسها متأففة بضجر. لكن ما لا تعلمه أنه كان يحاول أن يطيل الوقت بلا وعي مستجيباً لنداء خافقه.
-هو أنتِ مجربتش تبطل تدخين؟
-كنت ناوي بس الظروف مسمحتش.
ابتسم ساخراً بحزن قبل أن يردف:
-بالعكس، أنا دلوقت بدخن أكتر.
لا تعلم لماذا أشفقت عليه، تعرف أنه يقصدها لتقول له ناصحة:
-لازم يكون عندك إرادة عشان تبطل، كده مش كويس عشان صحتك.
-عمر الشقي بقي.
هكذا أجابها قبل أن يلقي عقب سيجارته ويدهسه، ثم استدار نحوها يشير لها أن تسبقه.
دخلا بيت خالتها ليخلع عنه جموده ويهتف بمرح:
-يا أهل الدار، أين أنتم؟
-نحن هنا، تعالى يا حبيبي.
هتفت بها "هدى" بفكاهة وهي تستقبله حيث كانت تجلس هي و"علي" و"حسن" و"سندس" في صالة منزلهم. رحب الجميع بهم ليسألهم "حسين" بدهشة:
-أنتوا جاهزين؟ تيتة بتستناكم، اتأخرتوا ليه؟
لوت "هدى" شفتها باستهجان وقالت متذمرة:
-آه والله جاهزين، بس بنستنى ست "لوكا" اللي بقالها ساعة بتجهز.
ثم أشارت إليه أن يجلس:
-اقعد يا حبيبي، واقف ليه؟
ثم حولت نظرها نحو "قمر":
-قعدي يا قمر.
جلس لتجلس بجانبه على استحياء، اندمج هو بالحديث مع والديه، اكتفت هي بالاستماع، لكن وقعت عينيها على "سندس"؛ لا تعلم لماذا تشعر أن الحزن يكسو ملامحها. لمحت ثوبها بلونه الداكن ومقاسه الواسع قليلاً وتعجبت من شرودها، رغم أن "حسن" يحادثها لكنها لا تجيب سوى بإيماءة وابتسامة باهتة خالفت ابتسامتها السابقة؛ كانت يملؤها الحياة لكنها اليوم خامدة كشمس خريف غطتها الغيوم. لتداهمها تساؤلات عديدة: ترى هل بعدها عن أهلها هو السبب أم حياتها مع "حسن"؟ هل ما تسمعه من "مليكة" عن مزاج "حسن" المتعسر وانفعاله السريع طغى على علاقته مع زوجته؟ أم هي فقط من تعتقد ذلك؟ عيناها رحلت نحو "حسن" الجالس بجانبها تمعن النظر إليه؛ لتنتبه لحاجبيه المعقودين ووجهه المتجهم كأنها تراه للمرة الأولى.
*******'' '' '***************
هبط سلالم منزلهم بإرهاق، يعلم أن الوقت متأخر لكنه يحتاج إلى فنجان قهوة، ربما يستطيع التخلص من هذا الصداع الذي لازمه منذ ساعات. اتجه إلى المطبخ ليقف مبتسماً وهو يراها تقف أمام الموقد تعد قهوة هي الأخرى. استند على حافة الباب لحظات يراقبها قبل أن يتحمحم كي تنتبه.
لتجفل فزعة وتلتفت بسرعة واضعة يدها على صدرها:
-بسم الله الرحمن الرحيم.
التقطت أنفاسها بارتياح عندما شاهدته لتعاتبه بأنفاس لاهثة:
-خضتني يا دكتور.
ابتسم يخبرها معتذراً:
-آسف، والله ما كانش قصدي.
-خلاص، ولا يهمك.
اقترب يسحب أحد الكراسي وجلس يسألها برجاء:
-ممكن تعمليلي فنجان قهوة معاك يا نونو؟
ابتسمت بطاعة وقالت:
-من عينيا، حاضر.
وفي لحظة إدراك وهو يراقب حركتها سألها بفضول:
-بس أنتِ ليه بتعملي القهوة هنا مش في مطبخ الجناح؟ هو أنتِ ناقصك حاجة؟ قولي يا نونو متتكسفيش.
هزت رأسها نافية تجيبه بحرج:
-لا والله، مش ناقصني حاجة بس كنت بذاكر في الجنينة وجلت أعمل قهوة عشان أقدر أذاكر.
ليلومها بخوف:
-بس الجو ابتدى يبرد، كده هتاخدي برد.
هزت رأسها مؤيدة لمكانه بررت له:
-أصلي بحب جو الجنينة، بحس إنه بيفتح نفسي عالـمذاكرة.
-خلاص، البسي تقيل ومتتأخريش بالليل.
-حاضر.
وضعت أمامه القهوة وسحبت كرسياً قريباً تشرب قهوتها معه. رفع فنجانه يستنشق رائحة القهوة كما تعود قبل أن يرتشف القليل بتلذذ فيخبرها باستحسان:
-حلو أوي يا نونو، تسلم إيدك.
اتسعت ابتسامتها بخجل إثر مديحه ليسألها مستفسراً:
-هاااا، أخبار الدراسة إيه؟
تبدلت ملامحها ورحلت تلك الابتسامة التي كانت تنير وجهها ليحل محلها عبوس أقلقه:
-إيه؟ مالك يا نور؟ هو فيه حاجة؟
تلالأت الدموع في عينها وأجابت بصوت مختنق:
-أقولك ومتضحكش عليا.
ضحك بعد جملتها ليمتعض وجهها وتقول مستنكرة:
-أنت بتضحك قبل ما أتكلم!
هز رأسه يحاول السيطرة على ضحكاته وقال معتذراً يضع كفه على فمه:
-لا خلاص مش هضحك، قولي أنا سامعك.
-حاسة بالغربة جوي، مش قادرة أصاحب حد، خايفة من كل اللي حواليا وساعات بتكسف لما بشوفهم بيبتسموا على طريقة كلامي.
ابتلع ضحكاته متأثراً بحديثها ودموعها التي تزامنت مع كلماتها كأنها كانت تحبسها وتحررت مع بوحها بمشاعرها المكتومة ليسألها بقلق:
-هو فيه حد من زملائك بيضايقك؟
هزت رأسها نافية وهي تكفكف دموعها:
-لا، ما حدش جرب لي، بس أنا حاسة إني غريبة عنهم مش زيهم.
-طب ليه حاسة كده؟ أنتِ ناقصك حاجة؟ لو ناقصك حاجة وبتجلي كأنها، قوليلي إيه اللي عندهم مش عندك.
طأطأت رأسها بحرج وقالت بخفوت:
-مش ناجصني حاجة، بالعكس لبسي حلو وحاجتي حلوة، بس...
احتدت لهجته يسألها بتعجب:
-أمال إيه اللي بيخليكي تحسي كده؟ اتكلمي خليني أفهم.
حدة لهجته ضاعفت خوفها لتجيبه بكلمات متقطعة:
-مابعرفش أتكلم زيهم ولا أتصرّف زيهم، وكمان بتكسف أتكلم.
-ليه يا نور تتكسفي من كلامك؟ بالعكس، دا أحلى حاجة إن الواحد يفخر بأصله ولهجته.
اقترب نحوها وقال يحاول إقناعها برفق:
-بصيلي يا نور.
رفعت عينيها لتتشابك نظراتهم فقال بلطف:
-بلاش يكون تفكيرك سلبي يا نور، أنتِ مش أقل من غيرك، بلاش تنتقصي من نفسك، نظرتك لنفسك هي اللي هتحدد نظرة الناس ليكِ، يعني أنتِ مراية نفسك، زي ما هتبصي لنفسك الناس هتبصلك، فهماني؟
أومأت برأسها ليسترسل:
-وبعدين أخلاقك واجتهادك وتفوقك هي اللي هتجبر الناس تحترمك، مش الكلام ولا اللهجة ولا الأفكار الغريبة اللي في دماغك.
ثم أضاف بحزم ضاغط على كلماته:
-أنا مابحبش أشوفك ضعيفة كده، أنا عاوزك قوية ومتفوقة زي ما واعدتيني.
مسحت آثار الدموع تحرك رأسها بتفهم لتتسع ابتسامته وهو يحثها:
-يالا اشربي قهوتك، وخليني أشوف ضحكتك الحلوة قبل ما تروحي تذاكري.
ابتسمت بحرج واحتست قهوتها التي بردت، ليشاكسها:
-شفتي؟ أهي القهوة بردت يا جبانة.
لتقول بحرج معتذرة بصوت مبحوح:
-أعملك واحدة جديدة؟
ضحك يشربها بقلة حيلة يوهمها بانزعاجه:
-لا يا ستي خلاص، اديني شربتها، ومش عاوز قهوة، عاوز وعد إني مشوفكيش ضعيفة تاني.
-حاضر.
ليجد نفسه يضع يده على يدها الموضوعة على الطاولة بلا وعي يكرر طلبه:
-وعد؟
سحبت يدها بسرعة وقالت وهي تنهض بارتباك وقالت قبل أن تفر من أمامه مسرعة:
-وعد، عن إذنك.
نظر إلى أثرها ليدرك خطأه متأخراً فيلوم نفسه على تصرف لم يكن يقصده، لكن يبدو أنه قد ضايقها.
***************************'
اليوم ستبدأ عملها معه، اختارت ثوباً أنيقاً وانضمت إليه في سيارته ليطالع مظهرها برضا قبل أن ينطلق نحو مكتبه، وفي داخله شعور متضارب بين سعادة لأنها ستكون معه دائماً، وخوف أن يتعبه هذا القرب ويضعف قلبه أمامها. ساد الصمت طيلة الطريق حتى وصل إلى المكان، فترجل من السيارة وتبعته هي كما الطفل والدته.
دخلا إلى المبنى الضخم وصعدا المصعد نحو الطابق المنشود. خرج من باب المصعد ليتفاجأ بها تتشبث بذراعه؛ فقد أحاطت عضده وساعده بكفيها. انتفض قلبه من لمستها، ثم سكن جسده لحظات يحاول أن يستوعب ما تفعله. اختلس نظرة نحوها، فرأى حدقتيها تتحركان باضطراب، مما جعله يتفهم قلقها من المكان.
توسل إليه قلبه أن يطمئنها، لكنه بات يخشى أن يمنحه الأمل فيطعنه خنجر الخذلان من جديد. عاد يتحرك وهي تتبعه، فأشار لها نحو المكان. تحولت عيناها المضطربتان إلى عينين مبهورتين؛ فقد كانت تظنه مجرد مكتب صغير، لكن ما تراه أمامها الآن مكتب فخم يشبه شركة مصغرة. كانت تراقب دخوله المكان بخطوات متزنة يملؤها الثقة، وتراقب الموظفين الذين يقفون له باحترام، ورغم قلتهم، إلا أنهم كانوا يطالعونه بهيبة.
ـ صباح الخير.
ـ صباح الخير يا باشمهندس.
وقف لثوانٍ يعطي أوامره بعملية، وهم ينصتون له بإمعان، يعقبون على حديثه ويستلمون منه التعليمات. حاولت أن تخفي دهشتها مما تراه؛ هل هذا هو "حسين" الذي كان لا يكف عن المزاح؟ هل هذا هو من كانت تنعته بالتافه؟
أخفضت عينيها تلوم نفسها؛ هل كانت عمياء إلى هذه الدرجة ولم ترَ حقيقته؟ خفق قلبها بقوة عندما أشار نحوها يرسم ابتسامة بسيطة ويعرفهم بها:
-الباشمهندسة قمر.. المدام.
-أهلاً يا فندم.
توالى الجميع يرحبون بها، فمنهم من حضر زفافها فكانت تعرفهم، ومنهم من تراه للمرة الأولى. سار نحو مكتبه، فتح الباب ودخل. اتسعت عيناها بذهول حاولت إخفاءه عندما وجدت فتاة جميلة تستقبله بوجه مشرق وابتسامة عريضة، تلاشت تدريجياً عندما رأتها معه.
ـ صباح الخير.
صوتها الذي خرج بتوتر، ونظرة عينيها المصدومة، جعلت "قمر" تدرك أن هذه الفتاة تحمل خلفها شيئاً مبهماً. ازدادت صدمتها عندما أجابها "حسين" مبتسماً:
-صباح الخير يا سالي.
ليشير نحو "قمر" ويخبرها محافظاً على ابتسامته:
-باشمهندسة قمر، مراتي.
ثم التفت نحو "قمر" مشيراً لها:
-سالي، زميلتي من أيام الكلية، مهندسة شاطرة وذراعي اليمين هنا في المكتب يا قمر.
لم تستطع إخفاء ضيقها وهو يمدح امرأة أخرى أمامها، ليشعر بأصابعها تضغط على ذراعه عندما التفتت نحو "سالي" ترسم ابتسامة كاذبة وتقول ببرود:
-أهلاً.
أما "سالي" فتلجلجت الكلمات على لسانها، فرؤيتها لزوجته المتشبثة بذراعه حطم قلبها العاشق له، لكنها مثلت الثبات:
-أهلاً يا مدام.
وازدادت صدمته سالي عندما قال لها:
-قمر هتشتغل معانا، هتاخد مكان "عليا" مؤقتاً لحد ما ترجع من إجازتها ونوضب مكتب جديد ليها.
ثم أضاف يخبرها بمقترح جدته لتومئ له:
-اللي تشوفه... عن إذنكم.
انصرفت وعين "قمر" تلاحقها بنظرات مستنكرة. انتبه ليدها التي لا تزال متشبثة به نظر إليها يسألها:
-تحبي أوريكي مكانك وأعرفك على زمايلك، وإلا نكمل اليوم استطلاع بس؟
كانت عيناها لا تزال معلقتين على الباب المغلق لتنتبه لسؤاله وتفلت يده أخيراً:
-براحتك.
اتجه نحو مكتبه وقال بعد أن جلس مكانه:
-خلاص، هعمل كم حاجة وبعدين آخدك عشان تشوفي مكانك وطبيعة الشغل.
ثم أشار إليها:
-اتفضلي، تحبي تشربي حاجة؟
-لا متشكرة.
ظلت تراقبه وهو يعمل وتتابع اهتمامه بعمله وتعامله مع الآخرين، وبذات تلك التي لم يخفَ عليها نظرات الإعجاب التي ترمقه بها، ليتملكها الضيق والانزعاج من تلك النظرات التي لم تَرُق لها.
***********************
الجميع بدأ يلاحظ مزاجه الذي أصبح معكراً دائماً وانفعاله السريع هذه الأيام. هو نفسه لا يعلم لماذا أصبح لا يطيق سماع أحد ويثور من كلمات بسيطة، يشعر بالاختناق غير المبرر.
أغلق محلات والده واتجه نحو سيارته، ركب السيارة ينظر لهاتفه بحنق يطالع رسالته التي لم تُجب عليها منذ يومين، ليبعث لها رسالة أخرى. وتبخر صبره وحاول الاتصال بها، لينفخ أنفاسه بغيض عندما انقطع الاتصال دون أن تجيب. أعاد رأسه إلى الوراء يستنده على المقعد خلفه وزفر نفساً طويلاً يسأل نفسه كأنه يحاور طيفها:
-بطلتي تردي ليه؟ هو أنا غلطت معاكِ في إيه؟ ليه تغيرتِ كده فجأة؟
ثم أضاف معترفاً لنفسه:
-وحشتني أوي، ما كنتش عارف إن بعدها هيأثر فيّ كده.
اهتز هاتفه وتعالى رنينه ليلتقطه بلهفة ظناً منه أنها هي، اختفت فرحته عندما وجد المتصل صديقه "رامز". أجاب بجمود:
-ألو، أهلاً يا رامز.
-أهلاً يا شريف، عامل إيه يا أبو النسب؟
تعجب "شريف" من نعته له بهذه الصفة ليكرر كلمته بدهشة:
-أبو النسب؟
قهقه "رامز" ضاحكاً من دهشته:
-شكلك لسه معرفتش.
قطب حاجبيه باستغراب وسأله:
-معرفش إيه؟
-أنا اتقدمت لبنت عمك "أحلام" إمبارح.
اتسعت عيناه بذهول وشلت الصدمة أفكاره، يحاول استيعاب ما يتفوه به هذا المجنون:
-بتقول إيه؟ خطبت أحلام؟!