تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
الفصل 25
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 25
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
كم جميل أن تملك حلمًا تتمنى أن تصله، لكن الأجمل أن تلمس ذلك الحلم بيدك، أن تستنشق رائحة نجاحك وتتذوق حلاوة الوصول، وإن كان حلمك بسيطًا يبقى حلمًا أغمضت عينك ذات يوم وتمنيت حدوثه.
سارت بجانب والديها لتدخل ذلك المكان، صرح كبير وحدث ضخم، دخلته في السنوات السابقة كقارئة، لكنها اليوم تدخله ككاتبة. خفق قلبها بمزيج من الخوف والسعادة، تملكها شيء من الرهبة، قشعر جسدها لها وهي تسير بين الجموع؛ خطوات مزدحمة، أصوات متداخلة، كتاب حملوا ثمار جهودهم بفخر، وقراء التمعت عيونهم لرؤية مفضليهم. رائحة الكتب كانت تملأ المكان، تعطيه طابعًا مختلفًا وتمنحه جوًا من الرقي يخلد فيها أسماء.
خطت بالورق والقلم قصصًا وروايات، أفكارًا كانت تنسج في خيالها لترى النور اليوم عبر صفحات الكتب.
عينيها كانت تدور بانبهار، لسانها يلهج بالحمد، لكن خطواتها كانت تحمل نوعًا من التوتر كلما اقتربت من المكان المخصص لدار النشر.
اضطربت دقات قلبها فجأة، وجثا على صدرها خوف أقلقها، حاولت أن تزيحه عن فكرها. التفتت يميناً ويساراً لتشعر بالدفء في نظرات والديها، كانا يطالعانها بفخر، منحها ذلك شيئاً من الطمأنينة لتغدو خطواتها أكثر ثقة بوجودهم معها. شعرت بيد "طارق" تلمس يدها الباردة، فتوقف فجأة لتتوقف بعده "ندى" التي كانت متأخرة عنهم بخطوة، والتفت إليها تشق ثغرها ابتسامة هادئة:
_ وردتي، مهما حصل إحنا هنكون فخورين بيكِ، وجودك النهاردة هنا في حد ذاته إنجاز إحنا فخورين فيه.
مسحت "ندى" على يدها تدعم كلام "طارق" وتقول بصوت دافئ:
_ افتكري دايماً إنك سعيتِ للحلم ده، وعملتِ اللي عليكِ، وكفاية إن اسمك اتحط جنب أسماء كبيرة.
تلالأت عينيها بالدموع، وحمدت الله على نعمة وجودهما في حياتها. يدها الباردة هدأت بعد أن تسلل دفء يد والدها إليها، وسكنت دقات قلبها الخائف بعد نظراتهم المطمئنة لها.
وصلت إلى الجناح حيث تمكث رواياتها على الرفوف بين روايات أخرى، لمعت عينيها بسرور عندما لمحتها بغلافها الجميل تزين المكان، وكأن عينيها لا ترى سواها. اقتربت منها تلتقطها بيد مرتعشة شابهت ارتعاش قلبها لتنساب دموعها فرحاً، فمسحتها كفوف والدها الذي ضمها إليه مبتسماً:
_ ألف مبروك يا وردتي.
ابتعد يفسح المجال لـ"ندى" التي ضمتها هي الأخرى تبارك لها:
_ ألف مبروك يا حبيبتي.
_ الله يبارك فيكم، متشكرة أوي لأنكم معايا.
قالتها بامتنان صادق ليبادلها الاثنان الابتسامة بفخر.
وبعد مضي وقت قليل قرر "ندى" و"طارق" أخذ جولة في المعرض بينما هي آثرت البقاء بجانب روايتها، كأنها تنظر لها كأنها ابنتها التي تخشى عليها البقاء بمفردها.
كانت تراقب المارة مستاءة بعد أن تسلل الضجر إليها، فقررت الذهاب إلى روايتها علها تستمد منها قوتها. انحنت تمد يديها في محاولة لالتقاطها، فارتطم رأسها بجسد باغتها مندفعاً نحو المكان، خرجت تأوه خافت منها:
_ آه.. آه.
ثم دعكت رأسها بضيق.
_ أنا آسف، حضرتك اتعورتِ؟ معلش أنا ماكنش قصدي، لكن المكان زحمة زي ما أنتِ شايفه.
زفرت أنفاسها بحنق وقررت أن توبخه بأدب، رفعت رأسها ببطء تستعد لصدام معه لكنها تسمرت مكانها لتتجمد عينيها وهي تجده يقف أمامها. بلعت ريقها بتوتر تسأل نفسها: هل يمكن لأبطال الروايات أن يوجدوا في الحقيقة؟ كيف خرج من الرواية ليقف الآن أمامها؟ هو نسخة منه؛ حتى ذلك الشيب الذي خالط خصلات شعره الداكنة، هيبته ووقاره، حتى عينيه التي تحمل تلك الحدة التي وصفتها الكاتبة.
تحديقها به واستمرار صمتها جعله يكرر أسفه ويسألها بقلق:
_ أنا آسف، أنتِ بخير؟
صوته أفاقها لتحاول لملمة شتاتها وتقول بارتباك:
_ محصلش حاجة، عن إذنك.
ابتعدت عن المكان بإكمله تخفي توترها، متخذة من البحث عن والديها حجة تشغل فيها عقلها عن لقائها به.
**********'' '' ***'*' ''*******'***' '
نظرت إلى ذلك التصميم الذي صنعته باستحسان وابتسامة رضى تهمس لنفسها تشجعها:
_ برافو يا قمر، والله تحفة.
رغم أنه كان تصميمًا تجريبيًا لكنها كانت سعيدة به كأول تصميم لها معهم. لتحمل جهازها اللوحي وتقرر أخذ رأيه به، اتجهت نحو مكتبه بسعادة غامرة، فتحت الباب لتتبدل سعادتها لصدمة شلت تفكيرها؛ وهي ترى "سالي" تقف قريبة منه، تميل باتجاهه تريه شيئاً وتبادله الضحكات. كادت نيران تنشب في قلبها، وكانت ستفر من المكان، لكن نظرة "سالي" التي انتبهت لصوت الباب جعلتها تتراجع عن قرارها وتتقدم نحوهم بثبات دون أن تنطق بكلمة.
_ أهلاً يا قمر.
عينيها المسلطة نحو تلك التي ابتعدت عندما وجدت خطواتها تقترب.
_ كنت جاية أوريك حاجة.
أطفأ سيجارته وعاد بنظراته نحو ذلك التصميم الذي وضعته "سالي" بين يديه.
_ ثواني وأكون معاكِ.
نظراته التي توزعت بين "سالي" والتصميم كانت كبنزين صب فوق نيران قلبها الذي لا تعلم لماذا بدأ يعتصرها بألم.
_ عدلي اللي قلتلك عليه وهاتي أشوفه تاني.
ابتسمت له شاكرة، وسط نظرات "قمر" التي كانت تتمنى في هذه اللحظة أن تجذبها من خصلات شعرها وتصفعها كي تزيل تلك الابتسامة السمجة عن وجهها.
_ آسفة، اتأخرت عن قهوتك، اتفضل.
قالتها "سالي" تقدم له فنجان القهوة الموضوع جانباً، لكن اضطرابها من نظرات "قمر" التي تخترقها جعل يدها ترتبك، فتنسكب القهوة على بنطاله لتشهق معتذرة:
_ آسفة.. آسفة.. ماكنش قصدي.
أجابها بسرعة:
_ حصل خير.
نفض بنطاله لكنه تفاجأ بيد "قمر" التي سبقت يده تسأله بقلق:
_ هي كانت سخنة؟
خفق قلبه بشدة ويدها تلامس جسده وعينيها تطالعه بلهفة. ثم نهضت تنتشل المناديل من يد "سالي" التي كانت تحاول الاقتراب منه، قبل أن ترمقها بنظرات حادة أوقفتها متصنمة في مكانها، لتتبع نظراتها بجملة ضغطت على حروفها علها تصل إلى تلك المتطفلة:
_ هنظفهولك حالاً، بس لو تقدر ترفعه عشان لو فيه حرق.
أخفضت "سالي" عينها بكسرة وانسحبت من المكان بعد أن فهمت رسالة "قمر"؛ فهي زوجته والأحق بالبقاء.
اتجهت نحو الثلاجة وأحضرت القليل من الماء تبلل تلك المناديل، ثم جثت على ركبتيها تنظف له تلك البقعة، وترفع رأسها تسأله:
_ ليكون فيه حرق؟
عينيه التي كانت تتبعها بشغف، وقلبه سعيد بحركتها رغم ذلك الخوف الذي يكبلها، بالكاد استطاع إخراج الكلمات من فمه بتلعثم:
_ لا، هي ماكنتش سخنة.
تنهدت بارتياح متمتمة:
_ الحمد لله.
نهضت وقالت تمازحه:
_ يله الحمد لله، البنطلون أسود مش هتبان البقعة عليه.
_ متشكر يا قمر.
ألقت المناديل المتسخة في القمامة، وقفت تلتقط جهازها اللوحي تهم بالمغادرة:
_ محتاج حاجة مني؟
_ لا، متشكر.
ابتلعت غصة مرة تخنقها تلك الرسمية التي يعاملها بها، لتجر خطاها بخيبة أمل نحو الخارج حتى استوقفها صوته:
_ "قمر"، هو مش كان فيه تصميم عاوزة توريهولي؟
ابتهجت ملامحها وهزت رأسها بنعم قبل أن تتجه نحوه بلهفة تقترب منه حتى وقفت بجانبه وانحنت تريه التصميم والصور ثلاثية الأبعاد التي صنعتها.
حاول السيطرة على توتره بقربها وتلك المشاعر التي تأججت من نظراتها وأنفاسها القريبة، لكنه كان سعيداً وهو يرى ابتسامتها التي تتسع كلما تنقلت بين الصور تشرح له أفكارها، بادلها الابتسامة يخبرها مادحاً:
_ برافو يا "قمر"، طلعتِ شاطرة، التصميم متناسق وألوانه هادية، مازج بين الحداثة والكلاسيكية.
لمعت عينيها بفرحة وسألته بريبة:
_ أنت بتتكلم بجد وإلا بتجاملني؟
ضحك على حديثها لتحدق به متعجبة؛ لم يضحك معها منذ زواجهم.
_ أنا مش بجامل في الشغل أبداً يا "قمر".
شعرت بالغبطة لتهتف وهي تصفق بلا وعي:
_ يس.. يس.. متشكرة أوي يا "حسين".
_ على إيه؟ يله عاوزك تحفظيه وتنسخيه عشان أعرضه على صاحب الفيلا، ولو وافق هيكون ليكِ مكافأة.
اتسعت عيناها بسعادة فقالت بامتنان وهي تحمل الجهاز:
_ متشكرة أوي.
وقبل أن تغادر التفتت إليه قائلة بحماس:
_ أوعدك إني دايماً أكون عند حسن ظنك..
ثم أضافت تمازحه:
_ ليك مني صينية مكرونة بالبشاميل على العشا.
ليسألها بذات المزاح:
_ يعني دي رشوة؟
هزت رأسها نافية:
_ لا، مكافأة.
خرجت وأغلقت الباب خلفها، لينظر إلى الباب المغلق ويضع يده على قلبه المنتفض بين أضلعه كبركان أثاره قربها، وأغمض عينيه يغمغم بأسى:
_ ياريتك كنتِ عند حسن ظن قلبي يا "قمر"، وحبيتِ زي ما حبك.
************************
جلست على ذلك الكرسي الخشبي تحت تلك الشجرة العملاقة تراقب الطلبه من حولها، تشعر بالملل. أنهت محاضراتها منذ نصف ساعة، وكانت تستطيع المغادرة، لكن جسدها تخشب كأنه أصبح جزءاً من الكرسي الذي تجلس عليه، يقاوم حركتها راضخاً لأوامر ذلك القلب الذي أرهقه الشوق في انتظاره. كانت تتصنع الصدفة وتصنع الفرصة كي تلتقي به بعد أن حفظت موعد حضوره للكلية. لم تستطع كبح جماح مشاعرها ولا منع قلبها من السقوط في بحر عشقه، حتى وجدت نفسها أسيرة عينيه، تعلم أنها مخطئة وتسير في طريق مجهول لا تعلم نهايته، لكن ماذا تصنع وقلبها لم يعد ملكها بل أصبح ملكه؟ لامت نفسها وكادت أن تجبر قدميها على النهوض قسراً، لكنها لم تستطع، أدمعت عينيها بقلة حيلة قبل أن يخفق قلبها بجنون عندما سمعت صوته:
_ "مليكة"، صدفة حلوة إن أشوفك النهاردة، إزيك عاملة إيه؟
_ الحمد لله.
صوتها المختنق ونبرته المضطربة أصابه بالقلق ليسألها:
_ "مليكة"، مالك؟ فيه حاجة؟ صوتك مش طبيعي.
هزت رأسها نافية وقالت بارتباك:
_ لا، الظاهر بداية برد.
تبريرها لم يقنعه ليهتف بريبة:
_ "مليكة"، عينك مدمعة، اتكلمي فيه إيه؟ قلقتيني.
مسحت تلك الدمعة الهاربة بسرعة؛ فاهتمامه زاد من تعلقها به، لكنها مثلت الثبات:
_ لا مفيش حاجة، بس كان عندي امتحان صعب وما حلتش كويس.
تنهد بارتياح مبتسماً وهو يجلس على أحد الكراسي القريبة منها:
_ خوفتيني.. يا ستي ده امتحان بكرة تعوضيه.
عم الصمت لحظات كانت خالية سوى من زفير أنفاسهم ونظراتهم الحرجة، كأنهم يسرقون من الزمن لحظات يعلم كل منهم أنها لحظات خاطئة.
_ أخبار الأهل، إزيهم عاملين إيه؟
_ الحمد لله.
أجابته بابتسامة هادئة وسألته بفضول:
_ إزاي الشغل في المستشفى؟ مرتاح هناك؟
ابتسم يخبرها بتهكم:
_ مفيش دكتور امتياز مرتاح، بس أكيد بتعلم وبكتسب خبرة، لكن بعافر عشان أوصل.
_ كل حاجة متعبة في البداية.
هز رأسه مؤيداً:
_ أكيد.. بس هو عشان أنا طموح زيادة عن اللزوم بتعب أكتر.
_ بس دي حاجة حلوة.
_ عندك حق.
ثم استرسل يسألها عن بعض الأمور التي أخبرتها عنها في دراستها، استمر الحديث بينهم حتى مضت ساعة كاملة مندمجين في النقاشات في مواضيع مختلفة، ليقطع هذا الاندماج صوت هاتفها.
رفعت الهاتف ونظرت له بتعجب من مضي الوقت بسرعة لتقول مندهشة:
_ ده "حسين"، شكلي اتأخرت.
أجابت على شقيقها معتذرة منه بعد أن أخبرها أنه ينتظرها منذ فترة في الخارج، لتغلق الهاتف بعد أن اعتذرت منه بحرج، ونهضت تحمل أغراضها وتتمتم باستغراب:
_ معرفش الوقت مشي بسرعة كده إزاي وما حسيتش بيه.
ثم نظرت إلى عينيه المعلقة به وقالت معتذرة:
_ معلش يا دكتور، آسفة مضطرة أمشي.
لكنها توقفت لحظات عندما وجدته يحدق بها بشكل غريب، لتتحمحم بحرج تستأذن منه للمغادرة:
_ عن إذنك يا دكتور.. مع السلامة.
خطوتين خطتهما مبتعدة عنه ليستوقفها سؤاله الذي ضرب أوصالها لتتيبس مكانها بتوتر:
_ "مليكة"، هشوفك تاني الأسبوع اللي جاي؟
لعنت تهورها وقلبها الغبي؛ هل يعقل أنه فهم أنها تنتظره وأن وجودها ليس محض صدفة، إنما هي من رتبت للقائه؟ خرجت كلماتها مبعثرة بتوتر:
_ إن شاء الله لو فيه نصيب.
غادرت من أمامه هاربة بخطى مسرعة، لكن ما لم تعلمه هي أنه هو أيضاً يخطط للقائها، بل والأدهى أنه رتب جدول حضوره للكلية ليتوافق مع أيام تناسب جدول محاضراتها.
ظل ينظر لأثرها، يضع يده على قلبه الذي يخفق بشدة ويتذكر عيونها التي تسحره وتغيبه عن العالم، ثم تمتم لنفسه معترفاً لنفسه: لقد أصبح يعشقها، لكن لا زالت تلك الأفكار تقيده؛ هل ستوافق أن تعيش في الصعيد؟ أم هل سيوافق أهلها على ارتباط ابنتهم قبل تخرجها؟ تنهد بيأس؛ وهذه الأفكار أصبحت كالنار تكوي قلبه وتحبسه في سجن مخاوفه من ألا تكون من نصيبه، ويكتب لحبه الضياع.
********'' '*****************
اليوم هو ثالث أيام المعرض، لكنها اليوم ستذهب بمفردها. دخلت إلى جناح الدار لتقف مصدومة وهي تجده يقف بطوله الفارع، منحني يوقع روايته لقرائه المتجمهرين حوله؛ إذن هو كاتب وليس قارئ كما توقعت. ظلت تطالعه بحسرة، كانت تتمنى أن يتجمهر القراء حولها مثله، رحلت عيناها نحو روايتها التي لم تغادر أي نسخة منها رفوف المعرض، لتتنهد بخيبة أمل وهي تجد القراء يلتفون حول كتابهم المفضلين وهي تقف وحيدة.
رفع رأسه بعد أن تشنجت رقبته بإرهاق ما بين توقيع ومجاملات والتقاط صور، حرك رأسه يميناً ويساراً كي يخفف من ألم رقبته ليلمحها تقف منعزلة، يبدو على وجهها الحزن.
حمل إحدى نسخ روايته واتجه إليها اقترب منها بتوجس:
_ مساء الخير.
التفتت إليه مندهشة وأجابته باقتضاب:
_ مساء النور.
أشهر روايته أمامها وقال يعرفها بنفسه:
_ "مهاب صادق".. محامي وكاتب روايات بوليسية.
أجابته برسمية مفرطة:
_ أهلاً وسهلاً، بتوفيق إن شاء الله.
_ متشكر، حضرتك كاتبة وإلا قارئة؟
أجابته بصوت حمل بين طياته حزناً مبطناً لمسه هو في نبرة صوتها:
_ كاتبة.. روايتي اللي هناك.
التفت حيث أشارت إليه ليبتسم مشجعاً:
_ رومانسي حلو أوي.. أول مرة؟
أومأت برأسها تؤكد صدق ظنه:
_ أيوه.
لتتسع ابتسامتها بسعادة عندما أدهشها طلبه:
_ طب أنا عاوز أشتري نسخة، ممكن تمضي لي عليها؟
لمعت عينها بفرح أشرق معه وجهها وأسرعت تحضر له واحدة، أشار هو لمدير الدار أنه قد اشترى النسخة.
أخرجت قلماً من حقيبتها ووقعت النسخة قبل أن تعطيها له.
فتحها يقرأ اسمها ببطء:
_ "ورد طارق الجوهري".. اسم جميل.
توردت وجنتاها لإطرائه وحافظ على ابتسامته، ثم أغلق الرواية يخبرها مازحاً:
_ رغم إني مش من هواة الرومانسي، لكن هقرأ وأديكِ رأيي.
ثم فتح روايته ووقع اسمه عليها قبل أن يهديها لها:
_ دي هدية مني ليكِ.. عاوزك تقرئيها وتديني رأيك من غير مجاملة.
التقطت منه الرواية على استحياء وكررت حديثه:
_ متشكرة.. رغم إني مليش في البوليسي لكن هقرأ وأديك رأيي.
انفلتت ضحكته وقال يحثها:
_ هستنى رأيك بفارغ الصبر، ما تتأخريش.
قبضت على الرواية بقوة تعده:
_ لا، إن شاء الله مش هتأخر.
ابتعدت عندما وجدت القراء يقتربون منه ويحيطون به من جديد. كانت سعيدة جداً أن أول نسخة من روايتها قد بيعت. كان يختلس النظرات نحوها ويبتسم سعيداً أن استطاع أن يمنحها الفرح في هذه اللحظات.
**************************،،،
سرت رجفة في أطرافها حتى اهتز الفنجان بين يديها، وتلاطمت القهوة بداخله، وكادت تنسكب هاربةً من حصار جدرانه الخزفية.
لم تكن قطرات القهوة وحدها من تشتهي الهروب؛ هي أيضاً أرادت التملص من قبضته، ولو لفرصة مؤقتة، هدنة قصيرة من حروبٍ استنزفت عقلها حتى تبلدت مشاعرها، وأضحى مذاق حياتها باهتاً كرمادٍ لا لون له.
تارةً يُشعرها أنها تحيا في ربيع سعادته، وتارةً تقذفها نيران غضبه في جحيم لا يُطاق، وأخرى تُغرقها في صقيع مشاعره المتجمدة؛ حياةٌ روتينية حفظت خطواتها حد الملل.
تنهدت بيأسٍ تستجمع شجاعتها؛ يجب أن تستغل وجود والدتها، الفرصة سانحة، والهروب بات ضرورة. كانت خطواتها نحو مقعده تشبه خطوات سجينٍ يسير إلى محكمته؛ إما البراءة والخلاص، أو الحكم بالسجن المؤبد. كان قلبها يخفق برعب، ولسانها يلهج بدعاء الخلاص.
وضعت القهوة أمامه وقالت بصوتٍ حاولت جاهدةً إظهار الثبات فيه رغم ارتعاشه:
_ اتفضل.
ابتسم لها وهو يلتقط الفنجان شاكراً:
_ تسلمي يا حبيبتي.
جلست بجانبه تنظر إلى هدوئه بتهكم، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة التي سيُحدثها طلبها بعد قليل. ساد الصمت بينهما، لم يقطعه إلا صوت مذيع نشرة الأخبار يتلو أنباء الحروب والقتال والجرائم. ابتسمت بسخرية، فداخلها لا يقل صخباً عن تلك الأخبار. أغمضت عينيها، أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بقوة، استعداداً لمواجهة إعصار غضبه القادم.
_ "حسن"، ممكن أطلب منك طلب؟
التفتَ إليها مجيباً ولا يزال فنجانه بين يديه:
_ أيوه يا حبيبتي.
استجمعت شجاعتها الواهية وقالت دفعة واحدة:
_ ماما جاية تزورنا بكرة، هي وأصيل أخويا.
وضع فنجانه جانباً وقال بترحيب:
_ أهلاً وسهلاً، يجوا ويشرفوا في أي وقت. البيت بيتهم، وإن ما شالتهمش الأرض أشيلهم فوق راسي، دول أهلك يعني أهلي.
منحه حديثه شيئاً من الطمأنينة، وأعطاها جرعة من القوة لتكمل، فابتسمت له بامتنان:
_ متشكرة يا حبيبي.
تنحنحت وحاولت استجداء دلالها، فمسحت على ذراعه قائلة:
_ ممكن أسافر معاهم "قنا"؟ بابا وحشني أوي.
_ لا.
كان جواباً حاسماً بدد كل آمالها، فتبدلت ابتسامتها إلى عبوس، وسألته بعينين راجيتين:
_ ليه يا "حسن"؟ بابا وإخواتي وحشوني، وأنا هروح معاهم وهرجع مع "أصيل"، يعني مش هطول.
نظر إليها بعمق بعد أن زلزل طلبها كيانه. هل تريد الابتعاد عنه بعد أن أدمن وجودها؟ ربما ما كان يخشاه هو ألا تعود؛ فهي الآن ضعيفة، لكن وجودها وسط أهلها قد يمنحها القوة لاتخاذ قرار الفراق الذي يرتعب منه.
_ اديني كم يوم آخد إجازة من الشغل وأسافر معاكِ.
حجةٌ حاول بها اكتساب الوقت وضمان بقائها تحت حصاره.
_ يا "حسن"، أنت قلت إن عندكم ضغط شغل، وأهي فرصة أسافر مع ماما، ولما تفضى أبقى الحقني. وحياتي يا "حسن" وافق.
هل يريد السفر معها؟ هي تحاول أخذ هدنة من وجودها معه لتقضيها بعيداً عنه، وهو يريد مرافقتها ليبقى مسيطراً. هكذا حاورت نفسها، لكن خوفها تضاعف حين تجهم وجهه وقال بحدة:
_ قلت لا يا "سندس".. يعني لا.
كلماته الحاسمة قطعت جميع آمالها ونسفت جميع مساعيها في إقناعه؛ لتنهض بعد أن استنفذت جميع السبل، وأخذت طريقها نحو غرفتها بخطوات سريعة تكتم معها شهقاتها، تلجأ إلى البكاء؛ الحل الوحيد الذي يخفف عنها ألمها، فتلك الدموع هي المتنفس الوحيد لتتخلص من ضغطه عليها.
حاول أن يتجاهل صوت بكائها الخافت ويشغل نفسه عنها بمطالعة التلفاز، لكن صورتها وصوت توسلاتها أبت مغادرة عقله. ضغط بيده على جهاز التحكم يتمنى لو كان يملك القدرة في التحكم بغضبه أو حتى أفكاره السلبية التي صارت تصنع المسافات بينهم. يعلم أنه يقسو عليها وهي تتقبل قسوته لضعفها، حتى بدأ حبها المتوهج يخفت شيئاً فشيئاً، حتى صورته الجميلة التي كان يبصرها في بريق عينها لم يعد يراها؛ عينها أصبحت تحمل الظلام، الظلام فقط.
لكن خوفه من أن يفقدها كان أقوى مخاوفه، حتى تخيل هذه الفكرة يرعبه، هو يحبها بل يعشقها؛ كيف يعيش بدونها؟ فراقها يعني الموت بالنسبة له. تباً لتلك الهواجس والأفكار السوداء، تباً لغضبه الذي يلغي عقله في لحظة هوجاء تجعله يخسرها ويخسر حبها له. هكذا كان يجلد ذاته كلما تعالت شهقاتها. نهض من مكانه معلناً استسلامه لرغبتها؛ يعلم أن ما سيفعله ربما يعني النهاية وضياعها، لكن سيبقى يتشبث بخيط أمل أنها ستعود.
كانت تبكي بحرقة على ضياع فرصتها لتشعر بأنامله تسير على وجنتها بحنان تزيح تلك الدموع. لم ترفع عينيها بل ظلت ساكنة تراقب جلوسه أمامها قبل أن يتنهد يعاتبها بحزن:
_ بتعيطي ليه؟ للدرجة دي عاوزة تبعدي عني؟
_ بابا وحشني ونفسي أشوفه هو وإخواتي.
هكذا بررت له بصوت بح من شدة البكاء دون أن ترفع عينها. لوى شفته بتهكم وعاد يكمل عتابه:
_ ما أنا بقولك نروح سوى، بس شكلك زهقتِ مني.
هزت رأسها نافية ليطأطأ رأسه بحزن عميق ساخراً من نفسه بألم، حتى لسانها لم ينفِ رغبتها.
مد يده يرفع رأسها لتواجه عينيها الباكيتين عينه التي تناظرها بأسف، وأخذ يمسح دموعها يؤنبها:
_ ما بحبش أشوف دموعك وعارف إني سببها.
غص صوته حتى تحشرج فخرجت كلماته صادقة لمست قلبها الذي يحبه:
_ "سندس"، أنا آسف، عارف إني بقسو عليكِ، بس عاوزك تتأكدي من حاجة واحدة بس، إني بحبك، بحبك أوي، يمكن أكتر ما أنتِ بتتصوري.. وبغير عليكِ من نسمة الهوا لو لمست خدودك.
تنهد وأفلتت يده وجهها منحدرة نحو يدها، يمسك كفيها بقوة ويخفض عينيه بندم جعل الدموع تتجمد في عينها ويرق قلبها:
_ عارف إني بوجعك، بس أعمل إيه؟ غصب عني، أنا طول عمري كده، بتعصب بسرعة.
_ بس ده غلط.
قالتها بتوجس ليرفع رأسه يبتسم ساخراً بحزن:
_ عارف.
ثم حاول تغيير مجرى الحديث لأنه يعلم أنه لا دواء لدائه، فاتسعت ابتسامته قائلاً:
_ أنتِ عاوزة تسافري معاهم؟
هزت رأسها بتوتر تجيبه:
_ أيوه.
ليقرص أنفها يتصنع عدم المبالاة رغم خوفه وانهياره الداخلي:
_ خلاص يا ستي أنا موافق.
اتسعت عيناها بدهشة وهتفت بفرح:
_ بجد يا "حسن"؟
_ بجد يا روح "حسن"، بس عندي شروط.
تهاوى قلبها وانطفأ بصيص الأمل الذي رافق حديثه حتى ظنت أنه يحاول أن يتغير، عندما وجدته يضع شروطه:
_ تتصلي بيا كل يوم تلات مرات أو أربعة أو خمسة تطمنيني عنك، وتردي عليا بسرعة لو اتصلت بيكِ، ما تتأخريش عليا، ماشي؟
لا تعلم لماذا نغزها قلبها من شروطه، لكنها حافظت على ابتسامتها وأومأت له تعده بتنفيذ شروطه.
ليفتح ذراعيه لها يدعوها:
_ ممكن أحضنك؟ عاوز أشبع منك قبل ما تسافري.
ارتجف قلبها العاشق لطلبه لتلبي دعوته بسرعة ترمي نفسها بين أحضانه ليحتضنها بقوة آلمتها لكنها لم تمنعه، بل استكانت تروي روحها بلحظات تتمنى دوامها وهي تشعر بحنانه ولهفته عليها. أخذ يستنشق عطرها ويقبل رأسها وفكرة واحدة تسيطر عليه: ربما كان هذا عناق الوداع.
**************************
عادت من كليتها تشعر بالإرهاق، تحمل كتبها وتجر خطواتها بتعب، وقبل أن تصعد الدرج نحو غرفتها، وصل إلى مسامعها صوته لتتسمر مكانها حتى ظنت أنه يخيل لها. لكنها أنصتت بدقة لتتيقن أنها لا تتوهم، هو موجود هنا في منزلها! اقتربت من غرفة الضيوف ليتضح الصوت أكثر، لامت قلبها الذي بدأ يخفق بجنون مع ذبذبات صوته لتجد قدمها تسوقها بشوق نحو الداخل. ألقت التحية واتجهت نحو "زهرة" التي كانت تضم "سندس" بين أحضانها ترحب بها:
_ أهلاً يا خالة.
بادلتها "زهرة" التحية:
_ أهلاً يا حبيبتي، كيفك يا بنتي؟
_ الحمد لله.
ثم تحولت أنظارها نحو "أصيل" الذي كانت عيناه تتابعها بشوق جاهد لإخفائه:
_ أهلاً يا دكتور.
_ أهلاً يا آنسة "مليكة".
لترتطم عينيها بعيني "حسن" الذي تجهم وجهه ينظر لها بضيق، فانسحبت مباشرة بعد أن فهمت سبب غضبه.
رحلت نحو غرفتها لتمسك قلبها الذي تسارعت دقاته لرؤيته، سندت ظهرها على باب غرفتها المغلق وأغلقت عينيها تتنهد بهيام مرددة:
_ بحبك.. بحبك أوي.
لتأخذها خيالاتها نحو أحلام تمنتها؛ ماذا لو كان خطيبها أو زوجها؟ لكانت تجلس معه الآن وسط أهلها دون حرج.
ثم امتعض وجهها تتذكر نظرات "حسن" المحتقنة لتقول بسخط:
_ وما كانش "حسن" قدر يبصلي كده.
ثم ابتسمت تكمل خيالاتها مبتهجة:
_ عشان وقتها هكون قاعدة جنب جوزي حبيبي.
كتمت ضحكتها الحالمة خشية أن يسمعها أحد وتكشف مشاعرها.
وفي المساء كانت تجلس مع "زهرة" و"سندس" ووالدتها يتسامرون بعد أن رحل "أصيل" إلى بيت خالتها "شمس".
ووسط حديث طويل سألت "هدى" "زهرة":
_ هو "أصيل" هيخلص السنة دي امتياز وبعدها تكليف كمان في "قنا"، مش كده؟
لتجيبها "زهرة" ببهجة امتزجت بالفخر:
_ أيوه إن شاء الله.
ثم أضافت بتمني:
_ ده أنا بستنى اليوم ده بفارغ الصبر، عاوزة أجوزه وأفرح فيه.
أمنية "زهرة" أطربت قلبها، لكن تجمد جسدها بصدمة عندما أكملت:
_ ده أنا اخترت له عروسة كيف البدر، أبوها صاحب أبو الروح في الروح، والبنت زينة ومؤدبة.
شعرت بأن الأرض تميد بها بعد أن انهارت أحلامها في لحظة واحدة وتبخرت أدراج الرياح. لم تعد عيناها ترى ما أمامها ولا أذناها تسمع ما حولها، كل ما تسمعه هو تحطم قلبها وتناثر أجزائه بألم. تحاول أن تستوعب ما سمعته، اختفى الهواء من حولها واختنقت، كأن الهواء نفد في رئتها كما نفد مخزون صبرها. لتجد نفسها تستأذن منسحبة نحو غرفتها، وفي لحظة غاب فيها عقلها وتعقلها وسيطر فيها قلبها الصارخ بها، يدفعها بتهور إلى التمسك بالأمل والسعي لإنقاذ حبها، وإن كان عبر خطيئة تنافي دينها وتربيتها وأخلاقها؛ فوجدت نفسها ترسل له رسالة غبية. وقبل أن تدرك حجم غلطها وتمسح تلك الرسالة، كان إشعارها قد وصل إلى هاتفه الذي من سوء حظها كان بين يديه، ليتجهم وجهه وتتسع عيناه بذهول امتزج بالغضب عندما قرأ محتواها الجريء:
_ "أصيل"، أنا بحبك.