الفصل 27 | من 27 فصل

الفصل 27

المشاهدات
7
كلمة
4,161
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز نبض ذلك القلب بصمت، وارتجف بهمس، حتى عشقه كان كلحن أغنية هادئ تسحر من يسمعها، ليحكم شباكه على ذلك العقل الواعي، يأسره فيشل حركته بلا رحمة، يقيد تعقله ويغيبه في لحظة قد تهدم حياتك فيها دون أن تشعر، فتبيح لنفسك الخطأ تحت مسمى الحب. ​ارتجفت يده بعد أن هيمن غضبه عليه، فتقدت نيران انفعاله، فلا يكاد يصدق أنه فعلت ذلك! كيف لها أن تجرؤ على إرسال تلك الرسالة وإن كانت قد محتها؟

هل جنت لتتخطى حدودها بهذا الشكل، متجاهلة تربيتها وأخلاقها، لتنزل إلى مستوى ضحل من "الأهانه" لتعرض حبها على شاب؟ ورغم أنه كان يتمنى أن يسمع تلك الكلمة منها، لكن بهذه الطريقة وبدون ارتباط رسمي، نزلت تلك الكلمة على قلبه كجمرات تحرقه. أما هي فتحجرت حواسها بذهول، تجلد ذاتها: كيف فعلت هذا؟ كيف انزلقت قدماها لتسقط في المحظور؟ كيف لها أن تخون ثقة أهلها وتعرض حبها بهذا الرخص؟ ارتجف قلبها عندما

تقاذفت المخاوف إلى رأسها: ماذا لو لم يكن "أصيل" يبادلها نفس المشاعر؟ والأسوأ: ماذا لو أخبر "حسن"؟ قضمت أظافرها بتوتر تدعو برعب: _"يا رب ما يكونش قرأها، يا رب أكون مسحتها قبل ما يشوفها". *************************

​كانت تهم بالنوم بعد يوم مرهق في المعرض، وضعت جو هاتفها جانباً وتمددت لتلمح روايته التي كانت موضوعة على طاولة الزينة حيث تركتها، فساقها الفضول لمعرفة أسلوبه الكتابي. نهضت تجلبها وتعود لتتسطح على السرير، فتحت أوراق تلك الرواية التي أعجبها تصميم غلافها وبدأت تقرأ، ليجذبها أسلوب سرده وطريقة الغموض التي أسرتها لتكمل، فاندمجت مع أحداثها بسلاسة رغم عدم شغفها بالقصص البوليسية، لكن لا تنكر أنه يمتلك أسلوباً جذاباً، حتى قطع اندماجها صوت الإشعارات على هاتفها. التقطت الهاتف لتتبين ما هي تلك الإشعارات، فتفاجأت بأنه أرسل لها طلب صداقة؛ ترددت في قبوله وفكرت لثوانٍ لتقرر تجاهل طلبه، وعادت تندمج مع فصول روايته.

************************* ​كانت تجلس في مكانها المعتاد، عقلها كبحر تتلاطم فيه الأفكار فيه كما تتلاطم الأمواج في ليلة عاصفة. لم تستطع دخول أي محاضرة، فآثرت الجلوس في ظل تلك الشجرة، تمنح نفسها وقتاً لعلها تستطيع نسيان ما فعلت. تتذكر بألم كيف خجلت اليوم من النظر في عيني والدها وأشقائها، وكيف تواجه عيونهم وقد أجرمت في حقهم، ومزقت عهد الثقة الذي بينها وبينهم. _"مليكة".

حبست أنفاسها وهي تسمع صوته خلفها، تسارعت دقات قلبها بخوف مع اقترابه، لتتسع عيناها برعب عندما وجدته يقف أمامها يرمقها بنظرات تشع غضباً، يضغط على أسنانه ليتفادى الصراخ في وجهها: _"إيه الرسالة اللي بعتيها ليه امبارح؟ ابتلعت ريقها الذي جف بحرج وقالت متلعثمة: _"أنا ما بعتش رسالة". ازدادت نظراته غضباً ليقول بصوت ملأه الانفعال رغم خفوته حتى لا يلفت نظر أحد إليهم: _"ما تكدبيش، الرسالة وصلتني وشفتها". أصرت على

إنكارها تهز رأسها نافية: _"ما بعتش حاجة، أنت غلطان". _"لا بعتي". قالها بنبرة حادة أجفلتها لتحتضن كتبها كأنها تحتمي بها من نيران غضبه: _"إزاي تعملي حاجة زي كده؟ إزاي تخوني أخلاقك وتربيتك وثقة أهلك فيك؟ مفكرتيش في والدك، والدتك، إخواتك؟ لو عرفوا إنك بتعترفي لراجل بحبك، حتى لو كنت بحبك بس اللي عملتيه غلطة كبيرة في حق نفسك وأهلك". صمت يلتقط أنفاسه وتحولت نظراته إلى لائمة كأنها كسرت شيئاً داخله:

_"كنت أتمنى أسمع الكلمة دي منك بس يا خسارة مش بالطريقة دي، أنتِ خليتيني أكرهها". لتقتم نظراته من جديد ويقول بحزم: _"هعتبر نفسي ما سمعتش الكلام دا، وأنتِ تركزي في دراستك، أنتِ لسه صغيرة على الحكايات دي، مفهوم؟ انسابت دموعها قهراً وهي تتجرع إهانته لها، حتى وإن كانت تستحقها لكنه جرحها وسحق كرامتها. _"ردي، مفهوم؟ أومأت برأسها فلقد أخرسها هجومه القاسي عليها.

أضعفته رؤيتها لدموعها لكنه كان يجب أن يردعها كي تفهم خطأها، ليفر هارباً من أمامها قبل أن يتراجع ويعتذر لها على قسوته، لتكفكف دموعها بحزن، تحاول السيطرة على نفسها قبل أن تنهار ويفتضح أمرها أمام زملائها. ********************* ​كانت تدور في أروقة المعرض بضجر وشعور الفشل يتسلل إليها رغم مقاومتها له، لكن كلما رأت نجاح من حولها شعرت بخيبة الأمل. عادت إلى جناح دار النشر لتلمحه يقف مع معجبيه، لتشيح نظرها نحو الجهة الثانية.

_"كاتبتنا الجميلة". صوت أجبرها على الالتفات لتتسع ابتسامتها وهي ترى "شريف" و"أحلام" يقفان أمامها: _"أحلام، شريف! إيه اللي جابكم؟ _"رجلينا اللي جابتنا، إيه السؤال دا؟ قالها "شريف" يسخر من سؤالها باستهزاء، لتضحك على كلماته وتقول موضحة: _"يا بني مش كدا، إزاي أفرجوا عنكم وسابوكم تخرجوا سوى؟ لينحني "شريف" نحوها ويغمز لها هامساً: _"بيني وبينك إحنا مزوغين". نظرت إليهم ورد بدهشة وقالت معاتبة: _"هو إنتو مش بتحرموا؟ "..

حركت "أحلام" يدها في الهواء بقلة حيلة تلوم "شريف": _"شفت؟ مش قلتلك هتصدق". ضحك "شريف" يشير لها نحو الخلف بانزعاج: _"جيبان معانا بودي جارد يا ستي". نظرت "ورد" نحو ما يشير إليه لتجد "قمر" تسير خلفهم، استقبلتها بسعادة لتحتضنها "قمر" مهنئة: _"ألف مبروك يا ورد، أنا فرحانة أوي ومكسوفة، عارفة إني اتأخرت عليك". _"الله يبارك فيك يا روحي". _"عن إذنكم إحنا بقى". قالها "شريف" لهم، ليمتعض وجه "قمر" وتسأله: _"على فين؟

أحلام أمانة معايا". انفلتت ضحكات "أحلام" وهي تجد وجهه يتجهم قبل أن يزفر أنفاسه ويشير نحوها يخبر شقيقته بيأس: _"خطيبتي.. يا قمر هانم.. خ.ط.بتي". ثم أضاف بندم وتوعد: _"أنا غبي، كان المفروض أعملها كتب كتاب.. بس ملحوقة أما كنت أكتب كتابي الشهر اللي جاي". وضعت "قمر" يدها على خصرها وقالت بسخط: _"عارفة إنها خطيبتك بس... سكتت تنظر له بذهول وهو يتجاهلها، ساحباً "أحلام" خلفه دون الاكتراث لسماع باقي حديثها. جذبت "ورد"

يدها قائلة: _"سيبك منهم، تعالي أوريكِ الرواية". تبعتها حيث تتواجد روايتها والتقطتها منها بسرور تثني عليها: _"ألف مبروك يا ورد، يله اكتبي لي إهداء أنا هشتريها". لمعت عيناها بسعادة وهي تكتب الإهداء عليها، وأشرق وجه "قمر" وهي تقرأ كلمات "ورد" بعد أن تخطتها، لتدمع عيناها عندما وصفتها بـ "أختي وصديقتي الغالية". كانت "قمر" مستمتعة بتقليب صفحات الرواية التي سلمتها "ورد" لها، عندما سمعت:

_"ألف مبروك، شكل فيه نسخ تانية اتباعت". رفعت عينها بسرعة تنظر بوجه ممتعض إلى هذا المتطفل الذي حشر أنفه بينهم، وتوقفت عيناها تطالع حواره مع "ورد" بترقب: _"آه، الحمد لله بس دي قمر بنت خالتي وأختي". التفت لها وقال مبتسماً: _"أهلاً وسهلاً". ردت باقتضاب: _"أهلاً يا فندم". لتعود نظراته نحو "ورد" يشجعها: _"مش مهم مين اللي اشترى، الأهم إنك تعرفي إنه فيه ناس بتدعمك". _"الحمد لله".

عقدت "قمر" حاجبيها بتعجب عندما وجدته يسأل "ورد": _"أنا بعتلك امبارح طلب صداقة بس باين إنه الإشعار ما وصلش". بهتت ملامح "ورد" وهي تجيبه مرتبكة: _"آه.. باين كده، وأنا بصراحة مش بقبل صداقات كتيرة خصوصاً لو رجالة". ليقول بثقة وجرأة استفزتها كما استفزت "قمر" التي تراقبه بضيق: _"ياريت توافقي، اعتبريه شغل فيه ندوات لكتاب، هبقى أبعتلك دعوة عشان تحضري، هتستفادي كتير". هزت رأسها تجيبه بحرج من نظرات "قمر" المحدقة بهم:

_"إن شاء الله". تركهم مبتعداً وعين "قمر" تتبعه قبل أن تلتفت تسأل "ورد" باستهجان: _"هو مين دا؟ _"كاتب معانا في الدار". رمشت عينيها بحنق قبل أن تلوي شفتها بسخط وتقول باستياء: _"شكله مركز معاكي أوي وجريء أوي". رفعت كتفيها بلا مبالاة وقالت تسحبها خلفها: _"سيبك منه وتعالي نلف شوية في المعرض، وأهو بالمرة ندور على شريف وأحلام".. ************************

​تحلى بأعلى درجات الصبر وعيناه تراقب تنقلها من مكان إلى آخر، تلملم أغراضها بلهفة وتضعها في تلك الحقيبة التي لم تكن صغيرة، ما جعل قلبه يرتعب بين أضلعه. دعك يديه ببعضهما يعتصرهما بقوة، لعله يستطيع أن يسيطر على انفعاله قبل أن يتهور ويخبرها أنه تراجع عن قراره ولا يريدها أن تسافر وتتركه، فهو لا يقوى على فراقها. فرغت مما كانت تفعله وأغلقت الحقيبة تحت نظراته المحتقنة، يطالع الساعة الجدارية بين الحين والآخر كأنه يحب الوقت المتبقي لها معه، وتلك الهواجس المخيفة بعدم عودتها تضرب عقله بلا رحمة.

حتى إنه لم يشعر بوقوفها أمامه حتى سمع صوتها المبتهج: _"حسن، أنا خلصت، تقدر تساعدني وتنزل شنطتي؟ رفع نظراته نحوها ببطء أقلقها، فصمته وتحديقه بها زاد من توترها، فارتدت خطوة نحو الوراء عندما وجدته يستقيم واقفاً، وارتعشت بريبة عندما وجدته يمد يده يتلمس وجنتها بحنان وعيناه تتأملها بحب كأنه يحفظ ملامحها: _"هتوحشيني أوي".

ابتسمت ابتسامة باهتة عكست خوف صاحبتها من تغير رأيه، تضاعفت دهشتها عندما تبعت يده الثانية شقيقتها ليرفعها يتلمس وجنتها الأخرى، قبل أن يحيط وجهها بيديه يرفعه قليلاً كي تواجه عيناه عينيها، يروي لها مخاوفه: _"مش عارف هعيش الأيام الجاية من غيرك إزاي". تحرك إبهامه على وجنتيها ونظرات عينيه تتوسلها: _"ما تتأخريش عليا".

كانت عيناها مثبتة عليه وكأنها ترى شخصاً مختلفاً يخشى خسارتها، عيناه كان يكسوها ضعف هز وجدانها. وللحظة كانت ستتراجع عن قرارها، لكنه تعلم أنها بحاجة إلى الابتعاد، لعله البعد يمنح علاقتهم جرعة أمان قبل أن تنهار أركانها وتنهي كل شيء معها. أغمضت عينيها تستشعر ملمس شفتيه على جبهتها وعينيها ثم وجنتيها قبل أن يحتضنها بقوة، فقد كان يخاف أن يكون هذا الوداع الأخير. أخذ نفساً عميقاً يعبئ صدره برائحتها يهمس لها بعشق: _"بحبك أوي".

_"وأنا كمان بحبك يا حسن". أطربت قلبه كلماتها ومنحته خيط أمل أنها لن تتركه وسوف تعود وإن طال غيابها. ********"***" *************** ​ثلاثة أيام انقضت دون أن يقترب أحد من روايتها، أحست بخيبة الأمل وشعور بالحزن تملك منها. سارت وجلست في إحدى الزوايا الهادئة، جلست بضجر تزفر أنفاسها بيأس، وبعد مدة من الزمن قضتها في مطالعة المارة رفعت رأسها عندما سمعت صوته: _"على فكرة دي حاجة طبيعية لتجربة أولى". مد يده لها بكوب من القهوة:

_"اتفضلي". نظرت له ثم إلى ذلك الكوب الذي تتصاعد أبخرته بتردد: _"آنسة ورد، إيه؟ هتتحرق.. اتفضلي". التقطت منه الكوب على مضض ترتشف منه القليل، تهرب بعينيها عن مرمى عينيه: _"ما تزعليش، على فكرة أنا قرأت روايتك وكتجربة أولى ممتازة ما شاء الله". رمقته بنظرة جانبية، فهم مغزاها ليضحك بخفة يخبرها بجد: _"أنا بتكلم جد مش بجامل". زفرت أنفاسها بقلة حيلة وأتبعتها بكلمة امتنان مقتضبة: _"متشكرة". رفع حاجبيه باستياء وقال يشاكسها:

_"هو رأيي مش مهم للدرجة دي؟ دا أنا كاتب معروف ومش بقرأ لأي حد". أزعجه غرورها لكنها تأسفت منه قائلة: _"آسفة، مش قصدي بس أنا نفسيتي تعبانة شوية". حاول مواساتها فقال باسماً: _"يا ستي، ما تزعليش وابتسمي، ما فيش حاجة تستاهل حد يزعل عليها". _"أنا مش زعلانة". قالتها كاذبة وبصوت خافت ليمازحها قائلاً: _"أمال مقموصة بس؟ ابتسمت رغماً عنها وهزت رأسها نافية: _"ولا مقموصة".

_"أيوه كدة، ابتسمي وخليكِ متفائلة دايماً، كل اللي بيحصل لنا أقدار مكتوبة". أومأت له تؤيد حديثه. ***************************،، *، ​جلست على سريرها لتتنهد بارتياح، عينها تدور في غرفتها بغبطة، تستنشق الهواء القادم من شباك غرفتها المفتوح بانتعاش، تشبع رئتيها من رائحته النقية الممزوجة بطيب التراب ورائحة العشب والأزهار الزكية. يا إلهي! كم اشتاقت لهذا الهدوء، وكم اشتهت هذا الصفاء!

أغمضت عينيها باسترخاء تريح عقلها من ضجيج أفكاره وتنعم بتلك الحرية المؤقتة. تحاول الاستمتاع بكل ثانية في منزل والدها، يا له من شعور أن تعود إلى أرضك وجذورك حيث تنتمي! تشعر كأنها سمكة دبت بعروقها الحياة بعد أن عادت إلى الماء. لكن لحظاتها الهادئة لم تدم طويلاً، لتجد هاتفها يتصاعد رنينه وكان هذا الاتصال الثالث له منذ وصولها، لتجيبه: _"ألو". _"ألو، أيوه يا سندس، وحشتيني، بتعملي إيه؟ نايمة؟

_"كنت لسه هنام يا حسن، تعبت من الطريق". _"حبيبتي ربنا يعينك". _"تسلم يا حبيبي". صمت لحظات وتفاجأت به يقول: _"طب ابعتيلي صورة، وحشتيني أوي أهو أصبر فيها نفسي". هزت رأسها بيأس وقالت بوهن تسايره: _"حاضر". أغلقت الهاتف وبعثت له صورة كما طلب منها، لكنها تفاجأت به يرسل لها فيديو قصير جداً له وهو يقول لها: "بحبك". عقدت حاجبيها بتعجب من تصرفه، لم تعد تفهمه لكنها لن تنكر أن تصرفه أسعدها.

وضعت هاتفها جانباً وعادت تمتع بأجواء منزلهم الدافئ، تتذكر كيف استقبلها والدها بشوق يحيطها بحب، وكيف دللها وسعد لرؤيتها، ابتسمت تتذكر جملته: _"نور البيت بيك يا حبيبة أبوكِ". وضحكت وهي تتذكر غيرة أشقائها الصغار من اهتمامه بها وتدليله لها، واتسعت ابتسامتها تتذكر كيف وضعت والدتها الطعام أمامها تطلب منها أن تتناول الكثير منه بعد أن تأثرت بشحوب وجهها: _"كلي يا بت، شكلك هفتان".

ابتسمت براحة وحب، شعور غريب لامس قلبها فهي لم تكن تشعر بكل هذا القدر من الحب قبل أن تتزوج. انفلتت ضحكاتها تتذكر جملة شقيقتها "بسملة" التي نطقتها بتمني: _"إمتى أتجوز بجى عشان تحبوني كدة زي سندس؟ حمدت الله على نعمة وجود والديها وحنانهم الذي منحها الأمان والطمأنينة. قطع صفو تلك اللحظة دخول "زهرة" المبتسمة: _"مساء الخير". _"أهلاً يا ماما، مساء النور".

جلست "زهرة" أمام ابنتها تشملها بنظرة متفحصة، تمعن النظر إليها بطريقة أصابتها بتوتر قبل أن تسألها بقلق: _"كيفك يا سندس؟ طمنيني عنك يا بنتي". أجابتها "سندس" بدهشة: _"الحمد لله يا أمي". تعلقت عين "زهرة" بها ثم مسحت على ذراعها تخبرها بريبة: _"يعني أنتِ مرتاحة في بيت جوزك؟

أصل يا بنتي لما كنت بتكلمينا في التليفون ما كانش شكلك يبان كده، أنا اتخضيت لما شفتك واتكسفت أسألك، بجى أنتِ سندس اللي كانوا خدودك موردة كيف الورد البلدي؟ شكلك تعبانة وخاسة كمان". لم تعقب "سندس" على حديثها، لتسترسل "زهرة": _"يا بنتي لو فيكِ حاجة اتكلمي، أنتِ مرتاحة مع الجماعة؟ حماتك بتضايقك؟ هزت "سندس" رأسها نافية بسرعة وقالت مادحة:

_"بالعكس، خالتي هدى ست طيبة جوي وبتعاملني كيف بنتها، ودايماً بتعمل حاجات حلوة وتبعث لي نايبي مع حسن، ودايماً تسأل عليّ وتجولي: أنا مكان أمك". حدقت بها "زهرة" وسألتها بحيرة: _"طب جوزك بيعاملك حلو؟ بلعت ريقها بتوتر وقالت بارتباك: _"حسن كويس بس بيتعصب بسرعة". لطمت "زهرة" صدرها وقالت بخوف: _"أوعى يكون بيمد إيده عليكِ". لوحت "سندس" بيدها نافية: _"لا، عمره ما عملها، هو بزعق بس عمره ما شتمني ولا مد إيده عليّ".

لوت "زهرة" شفتها بسخط وقالت مستهزئة تكرر حديثها: _"بيزعق بس؟ هو أنتِ يا بت مش عشتي مع أبوكِ وشفتي جد إيه؟ هو بيتعصب ويزعق، هو فيه راجل مش بيزهق يا هبلة؟ دا الزعيق الغنيوة بتاعتهم، بيتونسوا بيها". ثم ربتت على يدها تلومها: _"أنتِ اللي حساسة بزيادة يا بت". ظلت تطالع والدتها تود أن تخبرها أن والدها يغضب في مواضع الغضب ليس كزوجها يغضب من أقل الخلافات، لكنها تراجعت، تعلم أن والدتها لن تفهمها. **********************،،،،،

​دخلت غرفتها المظلمة واقتربت من جسدها الممدد على السرير تنظر لها بقلق، جلست بجوارها تمسح على خصلات شعرها بحنان، ثم انحدرت تمسح على وجهها ليصيبها الخوف عندما لمست أصابعها آثار دموع، لتسألها بفزع: _"لوكا حبيبتي، مالك يا بنتي؟ وحياتي طمنيني، بقالك تلات أيام ما رحتِش الكلية وكل يوم تقولي حجة شكل، اتكلمي يا بنتي ما تقلقينيش عليكِ". لتجيبها دون أن تستدير نحوها: _"ما فيش حاجة، ما تقلقيش يا ماما". _"أمال بتعيطي ليه؟

فهميني يا بنتي الله يرضى عليكِ، أنا قلبي والِع نار". _"قلت لك يا ماما، عندي امتحان جبت فيه علامة وحشة". أغمضت عينيها بألم وقالت تعاتبها: _"وهي دي حاجة تخليكِ تعيطي وتقعدي تلات أيام في البيت؟ يا بنتي كده راحت عليكِ محاضرات ياما". _"ما تخافيش، ما عندناش محاضرات كتير، في احتفالية وندوة في الكلية". ربتت على عضدها وقالت: _"طب قومي عشان تأكلي شوية، أنتِ ما أكلتِش حاجة من امبارح". _"ماليش نفس".

_"يا بنتي وحياتي قومي، ما تتعبيش قلبي". _"سيبيني يا ماما أرجوكِ، أنا مش جعانة وحاسة بصداع، عاوزة أنام شوية". _"يا بنتي... طرقات على الباب ودخول "قمر" قطع توسلات "هدى": _"خالتو، أنتِ هنا؟ _"أهلاً يا قمر". نظرت "هدى" إليها برجاء قبل أن تشير لها نحو "مليكة"، ففهمت "قمر" ما تريده لتومئ لها تطمئنها. نهضت "هدى" مغادرة، لكنها وقفت بالقرب من "قمر" لتربت على عضدها كأنها تتوسلها، وعادت "قمر" تومئ لها تطمئنها.

​جلست "قمر" حيث كانت تجلس "هدى" تربت على عضدها وتقول بحزم: _"لوكا، خالتو هدى مشيت، قومي كلميني". لتجيبها باقتضاب: _"مش عاوزة أتكلم". لكن "قمر" أصرت وعادت تضرب على يدها بعناد: _"مش ماشية غير لما تكلميني". لم تستجب لها، لتقول بتحدٍ: _"قومي يا مليكة بدل ما أقول لحسين إنك مش بتأكلي ومش بتحضري محاضرات ولا فيه ندوة ولا فيه احتفالية". نهضت على مضض وقالت بضيق: _"سيبيني يا قمر أرجوكِ". اتسعت عين "قمر" بخوف عندما

رأت وجهها لتسألها بلهفة: _"أنتِ كنتِ بتعيطي؟ مسحت "قمر" على رأسها وذراعيها برفق وقالت بخوف: _"مليكة مالك؟ اتكلمي، ما تشغليش بالي، اتكلمي يا حبيبي". لم تستطع السيطرة على نفسها لتنتفض مدامعها ببكاء أصاب "قمر" بالفزع: _"مليكة ما تعيطيش، اتكلمي". لحظات من التردد سبقت انفجارها وسردها كل ما حصل حتى مجيئه للكلية وكيف جرحها وسحق كرامتها. تصنمت "قمر" لا تصدق ما تسمعه، لتقول لها لائمة: _"أنتِ يا لوكا تعملي كده ليه؟

أخفت وجهها بين كفيها وانهارت باكية بندم: _"مش عارفة... يا قمر أنا غبية... غبية... مش عارفة اتهورت كدة إزاي". ضمتها "قمر" بقوة تمسح على ذراعها لتهدئها: _"اهدي يا مليكة، خلاص اللي حصل حصل، ما تحمِليش نفسك فوق طاقتها". ثم استرسلت تحاول مواساتها: _"ما تخافيش أكيد أصيل مش هيقول لحد، هو وعدك... وباين إنه بيحبك بس تصرفك ما عجبوش، ما تزعليش وحتى لو ما حصلش نصيب أنتِ ألف من يتمنى لكِ". خرجت من أحضانها

تمسح دموعها تخبرها بحرقة: _"أنا زعلانة من نفسي يا قمر وبحتقرها، إزاي رخصت نفسي كدة؟ إزاي خنت ثقة أهلي بالشكل دا؟ ... أصيل حقه يقول أكتر من كده". مسحت "قمر" على ذراعها بلطف تؤازرها: _"خلاص يا مليكة، هوني على نفسك". وبعد مدة و"قمر" تحاول إقناعها ومواساتها، حتى تنهدت بارتياح عندما تبسمت بعد أن حايلتها كثيراً، لتقترح عليها أن يتناولوا العشاء في الخارج في محاولة منها لإخراجها من حزنها، لكن "مليكة" رفضت ذلك.

وعادت "قمر" تحايلها وتترجاها حتى اقتنعت "مليكة" بعد محاولات عديدة، لتضمها "قمر" بحماس وتقول شاكرة: _"حبيبتي يا لوكا، أيوه كدة، خلينا نخسر أخوكِ عشا معتبر". ​جلس الثلاثة في أحد مطاعم المشويات نزولاً عند اقتراح "قمر" التي كانت تتحدث مع "مليكة" بحماس، تلقي عليها النكت، ويتذكران معاً مواقف من الطفولة حتى شعرت بسرور ومليكة تندمج معها وتضحك على حديثها. أما "حسين" فجلس يطالعهم ويصغي لتلك الذكريات التي كان جزءاً من بعضها.

خفق قلبه وهو يراقب ابتسامتها وعلاقتها الجميلة مع شقيقتها كأنهما أصدقاء مقربون رغم وجود فارق عمر بينهما. تنهد بألم يفكر في تلك العلاقة التي ربما سوف تنتهي بعد انفصالهم. _"فاكر يا حسين؟ سؤال شقيقته سحبه من أفكاره. _"أيوه يا حبيبتي". _"فاكر لما كنت تخطف العروسة من قمر بس عشان تتكلم معاك وتزعقلك وتقلها بحب أشوفك وأنتِ متعصبة بتبقي حلوة أوي؟

ارتبك بتوتر من تلك الذكرى التي أصبحت اليوم مؤلمة وجارحة رغم أنه قبل أشهر كان يعتاش على هذه الذكريات التي تجمع بها. رحمه قدوم النادل من الإجابة على سؤال شقيقته، واختطف النظرات نحو "قمر" التي بهتت ملامحها وكأنها دفنت هذه الذكريات في سراديب الماضي وجاءت "مليكة" لتضيء النور عليها وتذكرها بها. هي لم تكن تراها حباً منه، كانت تراه مزعجاً وتصرفاته لم تكن سوى ليضايقها، اليوم فقط أيقنت أنه كان يحبها منذ زمن بعيد.

_"يله يا قمر مدي إيدك، مالك سرحانة فين؟ مش كان نفسك في الكباب والكفتة؟ قالت لها "مليكة" تشير لها نحو الطعام، لتومئ برأسها وتبدأ بتناول الطعام بصعوبة، فمرارة ما علمته من تلك الذكريات علق في فمها تتجرعه بحسرة. غمس قطعة الخبز بصلصة الطحينة يقربها من فم شقيقته: _"دوقي يا لوكا، الطحينة حلوة أوي". لكن "مليكة" دفعت يده نحو "قمر" حتى أصبحت لقمته أمام فمها: _"أنا ما بحبش الطحينة، قمر بتحبها".

وتحت نظرات "مليكة" التي تراقبهم كان يجب أن يمثلا دور الزوجين المتحابين، ليقرب لقمة من فمها أكثر واستجابت هي تفتح فمها تلتقطه منه بشفتيها بخجل زاده تشابك نظراتها، وتفاجأت به يمسح ما علق على شفتيها بإبهامه قبل أن يلعق إبهامه بعفوية جعلت قلبها يرتعش بمشاعر جدة، يتذوقها معه بتلذذ جعلت عينها تتبعه بشغف بين الحين والآخر، وظنت أنها لم تعد تعني له شيئاً، وأنه ما يفعله هو غطاء يمثل فيه السعادة أمام شقيقته.

لكن ما لم تعلمه أن قلبه العاشق خفق باضطراب عندما لامست شفتها أنامله، وازدادت خفقاته بجنون عندما تذوق بقايا طعام لامست شفاهها. ********"" ************ ​دخلت غرفتها وذلك الألم لا يزال يتعبها، أمسكت بطنها تتحامل عليه كي لا تقلقه، وغطت وجهها بابتسامة مزيفة. اقتربت منه وانتابها الفضول عندما رأته مندمجاً مع هاتفه حتى إنه لم ينتبه لوجودها، وعيناه لم تفارقا شاشة هاتفه. جلست بجانبه تسأله بترقب: _"بتعمل إيه يا طارق؟

التفت إليها بنظرة خاطفة قبل أن يعود إلى ما كان يفعله: _"بشتري نسخ من رواية ورد". عقدت حاجبيها بتعجب تكرر جملته وتسأله مندهشة: _"تشتري نسخ؟ يعني إيه ما فهمتش، وليه تعمل كده؟ أجابها دون أن تحيد عيناه عن هاتفه: _"عاوز أفرحها يا ندى". لتسأله بريبة بعد أن بدأ الشك يتسلل إليها: _"يعني هي عارفة إنك أنت اللي هتشتري النسخ دي؟ _"لا، أنا هشتريها من غير ما تعرف وأوزعها هدايا على أصحابي". اتسعت عيناها بسخط وقالت مستنكرة:

_"بس أنت كدة بتغشها وتخدعها". وضع هاتفه جانباً والتفت إليها بهدوء يحاول إقناعها: _"ندى، هو أنتِ مش شايفة هي زعلانة قد إيه عشان محدش اشترى الرواية؟ وأنتِ عارفة إني ما أقدرش أشوفها زعلانة وفي إيدي إني أسعدها". _"بس يا طارق... قاطع جملتها بسرعة وأمسك يدها يرجوها: _"ندى أرجوكِ بلاش تجيبي ليها سيرة، أنا عاوز أساعدها وأسعدها وبس، سيبيها تفرح ولو كنا عارفين إنها سعادة مزيفة".

حاولت أن تعقب على حديثه لكن نغزات الألم التي كانت تحاول أن تخفيها منعتها لتتأوه ممسكة ببطنها: _"آه.. آه". خفق قلبه بخوف يسألها بقلق ويده تتحسس وجنتها باضطراب: _"لسه الألم تاعبك ندى؟ لازم نعمل تحاليل، العلاج ما عادش نافع، خلينا نعمل العملية ". أومأت له تؤيد حديثه، فلم تعد تتحمل ألم جسدها الذي تضاعف هذه الأيام. *******************"*" *"******

​دخل إلى شقته التي تسبح في الظلام، يكسو أركانها الحزن منذ أن رحلت عنها، ضج المكان برائحة الوحدة والشوق. ذلك السكون القاتل إلا من صوت قلبه المتألم لفراقها وأنفاسه المتلهفة لاستنشاق عطرها، منذ فراقها وهو يدرك يوماً بعد آخر أنه أصبح أسير حبها ولم يعد يطيق العيش بدونها، رغم أنه يتحدث معها في اليوم أكثر من مرة لكن حياته بدونها ينقصها الكثير.

أصدر هاتفه تنبيهاً على وصول رسائل متتالية، أخرجه من جيب سترته بضجر يطالع تلك الرسائل لتتسع ابتسامته عندما وجد الرسائل منها: _"حسن، أنت رجعت من الشغل؟ اتعشيت وإلا لسه؟ أنعش قلبه اهتمامها ومنحه ومضة أمل أنها لا زالت تحبه، يعلم أنها طيبة القلب لكن يخشى من نقطة اللا عودة، يخشى أن ينضب حبها له ويخسر وجودها في حياته. _"مليش نفس". وصلت رسالتها تؤنبه بحنان أسعده: _"ليه يا حسن كدة؟ مش كويس عشانك، أنت تعبان في الشغل".

_"الأكل ما لوش طعم من غيرك، كل حاجة ما لهاش طعم من غيرك". خفق قلبها وهي تقرأ رسالته رغم كل الألم الذي يسببه لها، لكنها لا زالت تحبه وتشتاق له: _"طب عشان خاطري أتعشى يا حسن". انتظرت إجابته بترقب لتصلها رسالته: _"عشان خاطرك أنا أعمل أي حاجة... ماشي يا روحي، هاكل حاجة خفيفة". شقت ابتسامة رضا وجهها من جديد، تعلم أنه بارع في مغازلتها وإرضائها. _"خلي بالك من نفسك". _"وأنتِ كمان يا قلب حسن، خلي بالك من نفسك".

ابتسمت على رسالته وتمنت لو عاشت هذا الهدوء وهذا الاهتمام واللهفة دائماً معه. ********************************** ​اضطربت دقات قلبه وهو يقف عند عتبة مسكنها؛ ذلك المسكن الذي كان مُقدراً له أن يجمعهما، لكنها اليوم تعيش وحيدة خلف جدرانه. لم يتجرأ من ذي قبل على طرق بابها في هذا الوقت المتأخر، لكنه جلب لها بعض الحلويات والشوكولاتة التي تحبها، معتبراً إياها محفزاً لها.

طرق الباب طرقات خفيفة ومتقطعة، وكاد يستدير مغادراً بعد عدم استجابتها، حين سمع صوتها القلق يتساءل من خلف الباب: _"مين؟ شقت شفتيه ابتسامة عريضة وهو يجيبها: _"أنا سيف، افتحي يا نور". فتحت الباب بتردد ووقفت أمامه متوترة، عيناها تهربان من مواجهة عينيه: _"أهلاً يا دكتور". _"أهلاً يا نونو". ثم رفع أمامها الكيس يلوح به مبتسماً: _"الشوكولاتة اللي بتحبيها يا ستي". التقطت منه الكيس وقالت باقتضاب، وكأنها تحاول إنهاء اللقاء:

_"متشكرة". كان صوتها خافتاً ومثقلاً، وكأنها تحاول مقاومة شيء ما؛ فسألها بريبة: _"مالك يا نونو؟ فيكِ حاجة؟ استدارت بحركة مفاجئة، تخطو نحو الداخل هروباً منه: _"لا، ما فيش حاجة". إنكارها زاد من قلقه، وأصبح يعلم يقيناً أنها تخفي شيئاً خلف ارتباكها. تبعها نحو الداخل واقترب منها بتوجس، وتحولت ملامحه ليسألها بحدة: _"نور، ما تقلقينيش، مالك؟ اتكلمي".

كان سؤاله مفتاح انهيارها، لتنفجر باكية بدموع حاولت حبسها أمامه، لكنها تمردت عليها لتنساب بقهر رغماً عنها. أرعبته دموعها، فمد يده يمسحها برقة وسألها بلطف: _"مالك يا نور؟ اتكلمي أرجوكِ". وكطفلة تشكو لوالدها بخجل، أخبرته: _"جبت درجة وحشة في الامتحان". قهقه ضاحكاً على عبوسها الطفولي، ليمتعض وجهها من ضحكاته وتعاتبه بحزن: _"بتضحك ليه؟ أنا كدة مش هوفي بوعدي ليك".

ختمت كلماتها بحرج وانخرطت في البكاء من جديد، ليضمها ويحرك يده على ظهرها مواسياً في محاولة لتهدئتها: _"طب اهدي، ما تزعليش.. أنا مسامحك يا ستي في الامتحان ده، وابقي عوضيها في الامتحان اللي جاي". خفت صوت بكائها ليعم صمتٌ تخللته شهقاتها المتفاوتة. ظل يضمها إلى صدره، وتعجب من قلبه الذي بدأ يخفق بجنون، وكأنه يتمنى ألا تبتعد عنه أبداً.

أما هي، فشعورها بالأمان الذي افتقدته بين ذراعيه، وحرمانها من الاهتمام، غيّبها للحظات حتى استفاقت، فابتعدت عنه بسرعة ووقفت مطرقة الرأس بحرج، تعيد ترتيب خصلات شعرها خلف أذنيها بتوتر. ابتعادها انتشله من غمرة مشاعره المتدفقة، ليعي انسحابه خلف قلبه الذي يجره نحو منطقة اعتبرها "محظورة"، فقال بارتباك: _"محتاجة حاجة تانية يا نور؟

هزت رأسها نافية دون أن تنبس ببنت شفة. رحل بسرعة، فنظرت إلى أثره، ثم اتجهت إلى الباب وأغلقته خلفه ببطء، مستندة بظهرها عليه، وتوبخ قلبها بعنف: _"أوعى تفكري فيه! **************************** ​بعد مجموعة من التحاليل التي أجرتها وتلك الأدوية المسكنة التي تناولتها، أخبرها الأطباء أن لا حل سوى إجراء عملية جراحية لها واستخراج تلك الحصوات التي استقرت في مرارتها، وحددوا اليوم موعداً لتلك العملية.

​على سريرها الأبيض، تلمست ملابس العمليات؛ فأصدر قماشها صوتاً أرعب قلبها، رغم علمها بأنها عمليةٌ هينة. لكن يظل فقدان الوعي، وأن يستبيح الجسدَ مشرطٌ وتخترقه أنابيب دقيقة، أمراً يثير الرهبة في النفس.

تنهدت، تحمد الله وتتمتم ببعض الأدعية، فقلبها معلق بمن ينتظرونها في الخارج؛ تخشى الرحيل قبل أن تطمئن عليهم، كما رحلت والدتها وقلبها معلق بهم بخوف. ابتسمت بحنان وهي تستشعر أنهم اليوم يعيشون بسعادة مغلفة ببركة دعاء أمها الراحلة، فتمتمت بصوت خافت: _"ربنا يرحمك يا أمي".

التفتت نحو الباب بعد أن سمعت حركة طفيفة، ظنت أن زوجها "طارق" قد جاء، وأن وقت دخولها غرفة العمليات قد حان. خفق قلبها بغصة حين تذكرت ذلك الغائب الذي حُرمت من وداعه؛ كانت تود أن تضمه بين أحضانها، لتخبره أنها تحبه حد الجنون، وأن قسوتها عليه ما كانت إلا لأجله. لم تكن يوماً أماً ظالمة، لكن عجز قلبها عن تجاوز ظلمه لزوجته، وتحمل ذنب حزنها وجرحها بسببه، جعلها تتخذ ذلك الموقف الصعب. كم كانت تود رؤيته الآن!

رغم مكابرتها أمام زوجها بأنها لا تهتم لغيابه، لكن الحقيقة أن قلبها يتمزق شوقاً إليه. كانت تخشى أن تموت وهو يحمل في قلبه حسرة خصامها، فأغمضت عينيها تدعو له: _"ربنا يسعدك يا زياد ويريح بالك". فجأة، فُتح مقبض الباب، فتسلل ضوءٌ شوش رؤيتها، مما جعلها تغمض عينيها بانزعاج وهي تهمس: _"طارق؟ عادت لتفتح عينيها ببطء، ترمش عدة مرات حتى اتضحت الرؤية أمامها. رأت طيفاً يقترب بخطوات متوجسة، ويناديها بصوت باكي: _"ماما..".

خفق قلبها بحنين جارف، ونادت بلهفة: _"زياد؟! ارتمى "زياد" منهاراً، يمسك يدها وينتحب كطفل صغير، يقبل كفها مراراً وتكراراً وهو يردد: _"سامحيني يا ماما.. سامحيني أرجوكِ، حياتي جحيم من غير رضاكِ". أدمعت عيناها، ورفعت يدها الأخرى لتتخلل خصلات شعره الداكنة، تمسح عليها بحنان وهي تقول بصوت متهدج: _"بس يا حبيبي، ما تعيطش". عاد يكرر رجاءه الباكي: "سامحيني يا ماما".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...