تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
الفصل 28
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 28
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
لم أخشَ يوماً ظلام الحياة لأني أعلم أن وجودك ينيره، ولم أخف يوماً ضياعي بين الزحام لأن يدك تمسك يدي، ولم أهتم يوماً بإرضاء من حولي؛ فرضاك أغلى النعم. أعلم أن دعاءك يحرسني، وعينيكِ تتبعني، وقلبك ينبض من أجل سعادتي.
هزم رجاؤها جيوش مقاومته، فانهمرت دموعها ما بين سعادة لوجوده وحزنٍ على حاله، لتحاول التخفيف عن كاهله:
_مسمحاك يا قلب أمك.
لكن كلماتها لم تكفه؛ كان يحتاج المزيد، فجفاؤها تلك الفترة لم يروِ ظمأه. رمى نفسه يتشبث بأحضانها الدافئة، يستلذ بنعمة رضاها عنه. طوقت جسده بيديها، تضمه إليها بحنان؛ فشوقها فاق شوقه بكثير. انتحب كطفل صغير، وعلت شهقاته بندمٍ فات أوانه، فمزقت دموعه قلبها.
_بس يا زياد، بس يا روحي، ما بحبش أشوفك كده يا حبيبي.
ولتغيير مجرى هذا الموقف، قادته نحو منحدرٍ كان أقسى بكثير، وهي توصيه بأخواته وأبيه وزوجته:
زياد يا حبيبي اسمعني، ما فيش وقت. لو جرالي حاجة، إخواتك وأبوك ورحمة أمانة في رقبتك.
أمانتها ضاعفت انهياره وأثقلت كاهله بحمل فوق طاقته، ليعاتبها بحزن:
_ليه يا أمي بتقولي الكلام ده؟ وحياتي بلاش السيرة دي!
ثم انحنى يقبل يدها بتوسل:
_بلاش سيرة الموت يا أم زياد، العملية بسيطة وبابا معاك.
شحب وجهها وزاغت عيناها في المجهول، كأن عقلها رحل إلى مكان آخر، حتى أحس برعشة يدها التي تلامس يده. أدهشه شرودها، وظل يراقبها بقلق حتى وجدها تلتفت إليه بلهفة كأنه طوق نجاتها:
_بلاش بابا يدخل معايا العملية.
زياد، الذي كان يمسح الدموع عن عينيه، أصابته الحيرة ليسألها بتعجب:
_ليه يا ماما؟ هو مش هيطمن غير لما يكون معاكِ، أنتِ عارفة هو بيحبك قد إيه.
هذه المرة كان الرجاء من نصيبها وهي تمسك يده بخوف:
_خايفة يجرالي حاجة ويلوم نفسه.. خليه بعيد أحسن، واقنعه أنت يا زياد.
تعلقت عيناها به بأمل، لكنه أشاح بوجهه بعيداً يخبرها معتذراً:
_آسف يا ماما، ما أقدرش أقنع بابا بحكاية زي دي.
_تقنعني بإيه يا زياد؟
كان هذا صوت طارق، المسرور بعودة ابنه الضال إلى أحضان أمه، ليقترب منهما مبتسماً، يربت على كتف زياد بفخر، وعيناه مثبتتان على ندى التي تطالعه باضطراب، ليشاكسها:
_حبيب القلب رجعلك ونسيتِ أبوه يا ندوش؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة تتأمله بحب:
_محدش يقدر ينسيني حبيبي.
وزع زياد نظراته بينهم وقال مازحاً:
شكلي بقيت عزول!
ثم نهض من جانب والدته، واتجه منسحباً نحو الخارج، ليأخذ طارق مكانه أمامها، يمسح على وجنتها بحنو ويقول مشجعاً:
_جاهزة ياحبيبتي؟
أومأت برأسها قبل أن تمسك يده ترجوه:
_بلاش تدخل العملية معايا، أنا عارفة إنه هيرفض وأنت مصر تدخل على مسؤوليتك، بس بلاش يا حبيبي.
تبدلت ابتسامته لوجوم وقال معترضاً:
_ليه يا ندى؟ أنا عاوز أكون معاكِ، كده هطمن.
ربتت على يده ونظرت إلى عينيه بعمق تفسر رغبتها:
_خايفة يجرالي حاجة وتلوم نفسك.
جذبها نحو أحضانه يضمها بقوة، ينهرها عن مواصلة حديثها ليوقف سيل تلك المشاهد السلبية التي اقتحمت عقله لمجرد الفكرة:
_مش عاوز أسمع منك الكلام ده. ما تخافيش يا ندى، دكتور مجدي صاحبي ومتخصص بجراحات الناظور، بلاش تخافي، إن شاء الله هتقومي بالسلامة.
ثم ابتعد يحيط وجهها بكلتا يديه، يحرك إبهامه عليه بحنان يحاول مؤازرتها وتشجيعها:
_دي عملية بسيطة يا ندى، ليه كل الخوف ده؟
ورغم اقتناعها بحديثه، لكن لسانها نطق بعفوية بما يخشاه قلبها لتوصيه بقلق:
_ولادي...
ليعاود عتابها بحدة:
_أشششش.... إحنا قلنا إيه؟
قبل جبهتها قبلة وداع طويلة قبل أن يجمع كفيه ويقرأ بعض آيات التحصين، ليمسح جسدها تحت نظرات عينيها الدامعة بعشق لحنانه وخوفه عليها:
_استودعكِ الله الذي لا تضيع ودائعه يا قلب طارق.
*****************'' ***
وقف الجميع أمام باب غرفة العمليات، تدفعهم قلوبٌ خائفة يملؤها القلق. جلس زياد بجانب والده الذي انصاع في النهاية لطلبها بعدم مرافقته إلى الداخل. كان يراقب والده القوي وهو يهتز كحبلٍ ضَربه زلزال؛ نال الوهن من شموخه رغم ادعائه عكس ذلك. توتره الواضح، عيناه المحمرّتان رغم خلوهما من الدموع، وتصلُّب عضلاته؛ كل شيء كان يشي بانهياره الداخلي، وإن حاول إظهار الصلابة أمامهم.
رفع زياد نظره نحو خالتيْه؛ كانتا تنتظران بعيون دامعة، وألسنة تلهج بالدعاء. بدا الخوف جلياً عليهما، كطفلتين تنتظران أمهما بقلق، ورغم شيب شعرهما، كان يدرك تماماً مكانة والدته في قلوبهما كأمٍ ثانية.
التفت إلى الجهة الأخرى؛ شاهد شريف يجلس بجانب شقيقته الباكية يواسيها بحنان، بينما جلست شقيقته "ورد" بجانب "قمر" التي كانت تضمها وتؤازرها، تمسح دموعها التي تنهمر رغماً عنها. تنهد زياد هو الآخر، داعياً الله في سرّه أن تعود والدته إليهم بخير.
مرّت الدقائق كدهرٍ من السنين، أرهق القلقُ أعصابهم، حتى فُتح الباب وخرج الطبيب، مقترباً من طارق الذي نهض مسرعاً باتجاهه. ابتسم الطبيب مطمئناً حين سأله طارق بصوتٍ متهدج:
ـ "طمني يا مجدي..".
أجابه الطبيب بابتسامة هادئة:
ـ "الحمد لله، العملية تمت بنجاح يا دكتور".
بادله طارق الابتسامة بارتياح، والتفتت عيناه نحو أولاده الواقفين خلفه بنظرة خاطفة مطمئنة، قبل أن يعود بنظره نحو الطبيب ويقول بامتنان:
ـ "متشكر.. متشكر أوي يا مجدي".
************************
جلس في مكتبه يمسك قلمه، يخطُّ بعض الكلمات ثم يمحوها، قبل أن يمزق الورقة ويجعدها، ساحقاً إياها بين يديه بامتعاض.
دارت عيناه على تلك الأوراق الممزقة باستياء؛ فهي المرة الأولى التي يخفق فيها في كتابة مرافعة لقضية ما، رغم أنها قضية بسيطة ومحسومة. أعاد جسده ليستلقي على ظهر كرسيه الوثير، زافراً أنفاسه بضجر. لا يعلم ما دهاه، ولماذا باله مشوش إلى هذه الدرجة، حتى هربت الأفكار من رأسه وشعر بضياعها رغم سعيه جاهداً للملمتها.
هو "مهاب صادق"، المحامي اللامع، ضليع اللغة العربية، الذي يصدح صوته في المحاكم بمرافعات يشهد لها القاصي والداني، يقف اليوم مشلولاً أمام قضية بهذه البساطة!
تنهد حانقاً؛ فهو يعلم أن معضلته ليست تلك القضية، بل تلك التي بدأت تشغل باله منذ أيام، تتسلل إلى مخيلته لتستقر في عقله، وتلتصق في ذاكرته كأغنية سأم من تكرارها. رمشت أهدابه بحالمية حين لاح طيفها أمامه، ليبتسم ابتسامة هادئة تزامنت مع رفرفة قلبه؛ يتذكر عينيها الخضراوين بشوق، وهو يعترف لنفسه أن غيابها ليومين عن المعرض ضرب أوتاد اتزانه، وهز كيانه الثابت، ورغم تصنعه عدم المبالاة، إلا أنه افتقدها بشدة.
شروده جعله لا يعي دخول صديقه المقرب المكتب، ووقوفه أمامه يطالعه وعيناه تشاهدان تلك الأوراق المتناثرة حوله بدهشة.
ـ "مهاب... مهاب!"
التفت نحوه بعد أن أجفله صوته، ليقول بضيق:
ـ "مالك يا أنس؟ بزعق ليه؟"
قطب صديقه حاجبيه حانقاً، قبل أن يقول باستنكار:
ـ "بزعق؟! دا أنا بقالي ساعة بنادي عليك وأنت في عالم تاني!"
اعتدل في جلسته وعاد يمسك ذلك القلم، هارباً من نظرات صديقه التي امتلأت بالتساؤلات.
ـ "أنا سامعك.. كنت عاوز إيه؟"
ابتسم أنس بمكر وهو يجلس أمامه، يزيح تلك الأوراق الممزقة جانباً، مشيراً له نحوها مشاكساً:
ـ "لا، أنا نسيت الموضوع لما شوفت اللي قدامك ده."
ثم غمز له مازحاً:
ـ "إيه الحكاية؟"
ادعى مهاب انشغاله بتلك الورقة التي كان يخط عليها كلمات مبهمة:
ـ "حكاية إيه؟"
قهقه أنس ضاحكاً، فاستفزته ضحكته ليرفع رأسه نحوه موبخاً:
ـ "ممكن أعرف بتضحك على إيه؟"
مسح أنس الدموع التي تكونت في عينيه من فرط الضحك وقال ملتقطاً أنفاسه المتسارعة:
ـ "ما بتعرفش تكدب يا متر."
رمقه بتحدٍ وقال بعناد:
ـ "مش بكدب يا أنس."
ـ "عيني في عينك يا صاحبي!"
قالها أنس وهو يفتح عينيه أمام وجهه باستهزاء. أشاح مهاب عينيه بانزعاج، ليعاود أنس الضحك ويقول بانتصار:
ـ "شفت؟ مش قلتلك!"
تنهد مهاب بضيق يحدجه بنظرات جانبية مستهجنة:
ـ "عاوز إيه دلوقتي؟"
ابتسم أنس يطالعه بإصرار:
ـ "تعترف باللي شاغل بالك يا صاحبي.. دا أنت لو خبيت على الدنيا بحالها مش هتخبي عليَّ، دي عشرة عمر يا متر."
زفر مهاب أنفاسه ببطء كأنه يخرج معها اضطرابه، ليخبره بخفوت دون النظر إليه:
ـ "ما جاتش المعرض من يومين."
أصابت أنس الحيرة قبل أن تتسع عيناه بإدراك، ليلفظ لقبها الذي أطلقه مهاب عليها:
ـ "ذات العيون الفيروزيه؟"
أومأ له قبل أن ينهض واقفاً أمام شباك مكتبه الذي يحتل نصف الجدار، يطالع حركة السيارات المتسابقة في الشارع، والتي تشبه دقات قلبه المتسابقة لمجرد ذكرها أمامه. فرك رقبته بإرهاق، ثم تنهد بيأس يبوح له بما يعتليه صدره:
ـ "مش عارف مالي يا أنس! أول مرة يحصلي كدة، مش عارف أخرج صورتها من بالي، بسمع صوتها في كل مكان، بقيت بكرر اسمها كأنه مسكن لقلبي اللي مش عارف بيحصله إيه لما بشوفها."
استدار نحو صاحبه الذي كان ينصت لحديثه بتمعن، وسأله ذلك السؤال الذي يخشى طرحه على نفسه:
ـ "هو أنا معقول أكون حبيتها في الكام يوم اللي شفتها فيها؟ معقولة بالسرعة دي؟"
رفع أنس حاجبيه وأجاب بسرعة:
ـ "وليه لا؟ مش فيه حب من أول نظرة؟"
تحركت حدقتا مهاب باضطراب وكرر حديثه بتعجب:
ـ "حب من أول نظرة.. معقولة؟"
ـ "وليه لا يا مهاب؟ أنت مش بتقول حلوة وطيبة؟"
ذكره لصفاتها الحسنة جعله يكمل بلا وعي:
ـ "أيوه، حلوة وطيبة ولطيفة، وعينيها تجنن."
ابتسم أنس بخبث وقال ساخراً:
ـ "كل ده وبتقول مش بحبها؟ دا أنت بتتغزل فيها!"
نفض مهاب رأسه بعد أن غزت صورتها مخيلته ليستغفر الله:
ـ "هي حد محترم أوي يا أنس، حاسس إنها فعلًا وردة، أي نسمة هوا بتأذيها، وخايف يكون جرى لها حاجة."
تعلقت عيناه بعين أنس لتصله حيرته هو الآخر، حتى اقترح عليه:
ـ "ما تشوف الأكونت بتاعها؟ البنات بيحبوا يقولوا كل حاجة عن حياتهم."
اتجه نحو المكتب بسرعة، والتقط هاتفه يبحث عن حسابها بأمل، حتى لمعت عيناه وهو يرى ذلك الخبر الذي أرفقته بطلب الدعاء لوالدتها بالشفاء، ليتسم؛ فالآن أصبح يعلم ما عليه فعله.
**********"" ******
أمسكت يدها بوهنٍ، تعاتبها بحنانٍ وعينين راجيتين:
_ كدة يا رحمة؟ ما أشوفكيش إلا وأنا على فراش المرض؟
ربتت رحمة على يدها باعتذار، وعيناها تقاومان الدموع التي بدأت تلسع مقلتيها، تنذرها بالهروب من سجن مقاومتها:
_ معلش يا ماما، سامحيني، غصب عني.
غصت الكلمات في جوفها كجمراتٍ تحرق روحها قبل أن تخرج لتبرر لها:
_ أنتِ عارفة الظروف.
شددت ندى على يدها، وخرج صوتها يتوسل بأمل:
_ عارفة يا حبيبتي، بس أنا كان عندي أمل إنك...
قاطعتها رحمة بسرعة قبل أن تسترسل، وعيناها تطالعان "ورد" و"قمر" بحرج:
_ هتخرجي إمتى؟
أسدلت ندى أهدابها بحزن بعد أن فهمت هروبها ورفضها المبطن لأي محاولة منها لاستمالتها:
_ المسا إن شاء الله، أنتِ عارفة طارق "موسس عاوز يطمن أكتر.
مازحتها رحمة محاولة التخفيف من الضيق المرتسم على وجهها:
_ مش بيحبك يا ماما وعاوز يطمن على حبيبته؟
ابتسمت ندى ابتسامة باهتة تدعو له بصدق:
_ ربنا يحفظه.
_ آمين يا رب، ربنا يحفظكم لبعض.
صوت طرقات على الباب جعلهم يلتفتون نحوه، قبل أن تنتفض واقفةً بارتباك ما أن رأته يدخل. التقت عيناها بعينيه لحظاتٍ خفق قلبها لها بشوق، وتسمر جسده، تتفقدها عيناه بلهفة، يراقب نهوضها وارتباكها عند رؤيته.
استأذنت من ندى متعللةً بوالدتها وقلقها عند تأخرها:
_ عن إذنك يا ماما، أنا اتأخرت وأمي هتقلق.
ندى التي كانت توزع نظرها بإشفاق بين ولدها الذي يتأمل زوجته بشوق، وبين رحمة التي ترى هروبها بخيبة أمل وتلومها:
_ ما تخليكي شوية كمان يا بنتي.
ابتسمت بتوتر وقالت معتذرة:
_ معلش يا ماما، مرة تانية إن شاء الله.
قالتها وهي تنحني لتقبل وجنتها قبل أن تلتفت نحو "ورد" التي حزنت عند رؤيتها لمغادرتها حال وصول شقيقها، وكأنها لا تريد أن يجمعهما مكان واحد:
_ مع السلامة.
ابتسمت لها ورد وودعتها بأسف على حالهم، رغم أنها ترى عيني شقيقها المسلطتين على زوجته بحب -رغم وجود قمر- مما يثبت صدق مشاعره، لكن يبدو أن رحمة لم تتخطَّ بعد جرحها رغم حبها له. ضمتها ورد وهي تقول:
_ مع السلامة يا رحمة.
سارت باتجاه الباب الذي يقف هو أمامه بخطوات مضطربة، تتحاشى النظر إليه؛ فقلبها الخائن كان يخفق بجنون كلما اقتربت منه. وقبل أن تتجاوزه، همس لها بشوق:
_ إزيك يا رحمة؟
استجمعت قواها وأجابته باقتضاب وهي تخطو مبتعدة:
_ الحمد لله.
وما إن خرجت حتى تنهدت بارتياح تلتقط أنفاسها المكتومة بحضوره، سارت ظنًا منها أنها نجت من هذا اللقاء. لكن بعد مدة، فزعت متفاجئة من قبضة يده تحيط معصمها وتجرها خلفه بقوة؛ يبدو أنه تبعها بعد خروجها، لتهتف بانفعال:
_ بتعمل إيه يا زياد؟ أنت اتجننت؟ سيب إيدي!
لكنه لم يلتفت إليها، وظل يسحبها خلفه بخطى مسرعة، وهي تتبعه بخطى متعثرة زادت من غضبها. مدت يدها تحاول إزاحة يده عن معصمها لكنه كان يتمسك بها بقوة آلمتها، لتهتف حانقة وهي تحرك أنظارها يميناً ويساراً:
_ زياد، أنت بتعمل إيه؟ إحنا في المستشفى!
لكنه كان كمن فقد عقله، لم يصغِ لها وظل يجرها حتى وصل إلى الغرفة المخصصة لوالده، فتح الباب ودفعها داخل الغرفة ليختل توازنها. وقبل أن تستعيد توازنها كان يجذبها ويدفعها نحو الجدار خلفها، محتجزاً إياها بين الجدار وجسده، لتصيبها الرهبة عندما وجدت نفسها محاطة بذراعيه، فتسارعت أنفاسها لتهتف بغضب وتوتر:
_ زياد ابعد، أنت بتعمل إيه؟
اتسعت عيناها بذهول عندما وجدته يدفن أنفه بعنقها يخبرها بهيام:
_ وحشتيني أوي.
رفعت يديها المرتعشتين، فقربه زلزل كيانها وكاد يطيح بمقاومتها المزعومة، لتضعهما على صدره تحاول إبعاده عنها وهي تقول بصوت مهزوز:
_ ابعد يا زياد... إحنا هنتطلق، ده غلط.
كان لا يزال هائماً بقربها وبرائحتها التي اشتاقها، ليرفع رأسه محركاً أنفه على وجنتها ليقول بقهر:
_ أطلقك إزاي وأنا روحي فيك؟
دفعته عندها عندما شعرت بأنفاسه الساخنة تضرب وجهها، لكن جسده الصلب لم يتحرك. قالت بصوت مخنوق وراجٍ:
_ أرجوك ابعد.
صوته الذي أحيا جرحها النازف جعل دموعها تنهمر بكسرة رغماً عنها، فتلامس شفتيه التي تقبل وجنتها فتلسعها بحرقة. أبعد وجهه محافظاً على حصارها بعد أن تذوق ملوحة دموعها بألم، يخبرها بصوت صادق:
_ والله بحبك... أحلفلك بإيه عشان تصدقيني؟
هزت رأسها بعنف رافضةً سماعه، تهتف بهستيريا:
_ لا.. لا.. أنت كسرتني!
فك حصاره وأحاط وجهها بيديه، يمسح دموعها بأسف ويقول معتذراً:
_ آسف.. آسف... سامحيني يا روحي أرجوكِ.
ثم أراح رأسها على صدره يضم جسدها بقوة، ولسانه يردد اعتذاره وحبه:
_ آسف... آسف... بحبك والله بحبك... صدقيني.
تركها تنهار داخل أحضانه كأنها تشكو منه إليه، حتى سمعا صوتاً في الخارج. ذلك الصوت أعاد لها وعيها، لتفتح عينيها وتستجمع قواها وتدفعه عنها بقوة في لحظة غفلة منه بعد أن استفاقت كرامتها، لتفلت من حصاره بعد أن ارتدَّ بخطوتين وكاد يسقط من ضربتها القوية.
ينظر لها بحسرة وهو يجدها تهرب نحو الخارج بخطى مسرعة، تصرخ بقهر:
_ ابعد عني... مش هقدر أنسى جرحك ليا!
كلماتها أصابته بصدمة لم يستطع بعدها حتى اللحاق بها، بل ظل واقفاً مكانه يحدق بحسرة بالباب المغلق خلفها، يلهث من تلك المشاعر الجياشة التي اجتاحته بقربها. تذكر بحزن كيف أن عينيه اليوم لم تريا "قمر" التي كانت تجلس بالقرب منها، وقلبه لم يخفق عندما رآها، بل خفق بجنون لرحمة وحدها، كأن المكان قد خلا إلا منها. اليوم يعترف لنفسه: لم تعد قمر سوى ذكرى، والحقيقة الوحيدة أنه يحب رحمة، وأصبح قلبه يعشقها وروحه تتمنى قربها.
تنهد مستهزئاً بحزن من تلك الحقيقة التي عرفها بعد أن فات الأوان، وبعد أن أضاعها من يديه بغبائه وتسرعه.
***************************
كانت تُرافق "ورد" وخالتها، رافضةً المغادرة حتى تطمئن على حالة خالتها الصحية. التفتت إليها "ندى" تشكرها بامتنان:
ـ "تعبتك معايا يا قمورة."
بادلتها الابتسامة بودّ، اقتربت منها وانحنت تقبّل رأسها، بينما تحرك يدها على كتفها بحنان:
ـ "حبيبتي يا خالتو، تعبك راحة، ربنا يحفظك لينا يا رب."
بعد مرور بعض الوقت، كانت تجلس بجانب "ورد" تستعرضان فيديوهات المعرض، وتتناقشان في بعض الصور وأغلفة الروايات. قاطع حديثهما طرقاتٌ خفيفة على الباب، أعقبها دخول "زياد" وبرفقته "حسين".
ابتسمت بتلقائية حين رأت "حسين" يلقي التحية؛ فقد أصبح حضوره يبهجها، وعيناها تترقب خطاه أينما تحرّك. بادر "حسين" بالاطمئنان على خالته بسلامة، مقبلاً رأسها، ومشاركاً "زياد" في مزاحهما؛ حيث كانا يصفان لها قلق والدهما عليها أثناء تواجدها في غرفة العمليات. كانت تبتسم بضعف لمشاكستهما، حتى التقت عيناه بعينيها للحظات، قبل أن ينتبه لوجود "ورد" بجانبها.
ـ "إزيك يا ورد؟"
ـ "أهلاً يا حسين، الحمد لله."
ثم عادت عيناه إليها مجدداً:
ـ "إزيك يا قمر؟"
تسارعت نبضات قلبها، واندهشت من هذا الاضطراب الذي لا تجد له مبرراً، فأجابت بخفوت:
ـ "الحمد لله."
ابتعد "حسين" عن خالته ووقف جانباً. حاولت هي النهوض لتفسح له مكاناً، لكنه أسرع نحوها واضعاً يده على كتفها برفق، مانعاً إياها بحزم لطيف، ثم وقف بجانب الكرسي. ظلت يده في مكانها، فالتفتت تنظر إلى كفه المستقرة على كتفها؛ شعرت بجسدها يرتعش خفية من لمسته، كما ارتجفت ثنايا قلبها. رفعت نظرها بتوتر نحو وجهه، تبصر ابتسامته التي باتت تراها أكثر جمالاً وهو يحاور "زياد".
لمعت عيناها وهي تتذكر ما حدث منذ أيام، وكيف كان يمدحها بفخر أمام إحدى زبائنه:
ـ "الباشمهندسة قمر شاطرة أوي يا مدام ريم، وأنا متأكد إن شغلها هيعجبك؛ لأنها بتعرف تمزج بشكل جميل بين المودرن والكلاسيك، وحضرتك تصميم الفيلا كمان مزج بين الاتنين."
تطلعت إليها "السيدة ريم" بنظرات أصابتها بالتوتر، مما جعل ابتسامتها المفتخرة بإطرائه ترتبك. قالت السيدة:
ـ "باين إن الباشمهندس عنده ثقة فيكي."
خطفت "قمر" نظرة سريعة نحو "حسين" قبل أن تجيب، فمنحتها نظراته الداعمة قوة خفية جعلتها تجيب بثبات:
ـ "باشمهندس حسين بيقدر الناس المجتهدة ومابيعرفش يجامل في شغله، وأنا بشكره على ثقته."
لم ترضَ السيدة عن تلك الإجابة، فانكمشت ملامحها وتفرست فيها بتعالٍ، قائلة باستهجان:
ـ "يعني ثقته دي مش عشان إنتِ مراته؟"
شعرت "قمر" بامتعاض شديد، وقبل أن تهمّ بالرد، سبقها "حسين" بضيق وحدة:
ـ "قمر مراتي صحيح، لكن عمري ما ده أثر على رأيي في شغلها. ولولا إنها شاطرة ماكنتش رشحتها لحضرتك."
ثم أكمل بلهجة تخللها الانفعال:
ـ "الظاهر حضرتك ماعندكيش ثقة فيا وفي اختياراتي، وعشان كده اعتبري المكتب منسحب، تقدري تشوفي مهندس تاني يعمل التصميم."
صدمتها لهجته الغاضبة، وجعلتها تتراجع عن استهجانها، محاولةً تخفيف أسلوبها المتعالي، خاصة وأن تصميمه لفيلتها قد أعجبها وتريد التمسك به، فقالت بابتسامة مصطنعة:
ـ "أنت فهمتني غلط يا باشمهندس، أنا مش قصدي أقلل من المدام، أنا كنت بهزر بس. وأظن كمان من حقي أدقق في خبرة الناس اللي هتشتغل معايا."
لم يزعزع حديثها ثباته، ولم يقلل من استنكاره لكلامها. استند بظهره على الكرسي يطالعها بسخط، محاولاً كبت غضبه والحفاظ على هدوئه:
ـ "بس أنتِ يا مدام شككتِ في اختياري، فكراني بغشك، وأنا أكتر حاجة بكرهها هي انعدام الثقة بيني وبين العميل، فعشان كده بطلب من حضرتك تشوفي مكتب تاني."
كانت "قمر" تطالعه بذهول؛ لقد تخلّى عن عمله مقابل الحفاظ على كرامتها! أطرقت رأسها بندم، فما يفعله كل يوم يثبت لها أنها كانت تحكم على شخصيته من مظهره فقط. نخزها قلبها بتساؤل: هل لا يزال يعشقها، أم أن ما فعله كان لكونها زوجته فقط؟
عادت من ذكرياتها عندما سحب يده، فخسرت دفء وجوده بجانبها. سرت قشعريرة في سائر جسدها، لتوقن أنه لم يعد مجرد شخص مؤقت في حياتها، بل أصبح ببعده وقربه يؤثر فيها على حد سواء.
*****************'*' **
عاد من المستشفى إلى المنزل منهكاً بعد يوم طويل؛ فقد اضطره وجود عمه وعائلته اليوم إلى التواجد في المستشفى الخاص خارج ساعات عمله الرسمية، قبل أن يعود لاستكمال مناوبته في المستشفى الحكومي، مما ضاعف من إجهاده.
دلك رقبته المتشنجة وهو يسير بخطوات ثقيلة نحو غرفته، ينشد الراحة. وما إن قطع خطوات قليلة حتى أوقفه صوتها تناديه بلهفة:
سيف!
التفت ليجدها تقف خلفه، تنظر إليه بحرج، وكأنها كانت تنتظر عودته. سألها بدهشة:
نور؟
اقتربت منه بخطوات متوترة، ثم قالت وهي تحاول شرح سبب انتظارها:
الحمد لله على السلامة.. كنت بانتظارك عشان عايزة أزور خالتو ندى في المستشفى. ماما شمس وشريف، وحتى عمو فارس، كلهم هناك.
نظر إليها بعينين غائرتين من التعب، وأجاب بصوت مبحوح:
خليها بكره يا نور.. أنا فعلاً مش قادر.
فوجئ بها تقترب وتُمسك يده، تتوسل إليه بعيون دامعة:
لا، أرجوك.. بكره عندي مذاكرة كتير ومش هعرف أروح.
شدد ضغطه على يدها بلطف، وقال محاولاً إقناعها:
طيب خلاص، بلاش تروحي دلوقتي. لما يرجعوا البيت ابقي زوريها.
هزت رأسها برفضٍ ورجاء، وعادت تتوسل إليه:
لا، هتحرج منهم؛ ماما وخالتو طيبين جداً معايا. أرجوك، خذني أنت عندها.
تنهد بيأس، وزفر أنفاسه بقلة حيلة وهو يقول مستسلماً:
أمري لله يا ستي.. يالا، خليني أوصلك.
لا.
عقد حاجبيه بتعجب، وسألها بحيرة ملوحاً بيده باستنكار ممزوج بالسخرية:
يا بنتي! مش بقالك ساعة بتترجيني عشان تروحي؟ ليه "لا" دلوقتي؟
أسبلت أهدابها بخجل، وقالت بصوت خافت:
تتعشى الأول وبعدين نمشي.. أنا حضرت لك عشا، عارفة إنك مش بتحب أكل المستشفى.
ابتلع ريقه بتوتر، وتسارعت دقات قلبه بسعادة غامرة؛ فهي تهتم لأدق تفاصيله! وبعفوية، ضم كفها التي لا تزال في يده برقة، وقال بصوت متلعثم من فرط اضطرابه:
_حاضر.. فين الغدا اللي "نونوهانم" حضرتُه؟
ابتسمت باستحياء، وأشارت بطرف عينها نحو المطبخ. حاولت سحب يدها من يده، لكنه قبض عليها بقوة أكبر وسحبها خلفه وهو يقول بمرحٍ آمر:
_لو عايزاني أتغدى، يبقى تتغدي معايا!
وصلا إلى المطبخ، تملصت من قبضته لتبدأ بتسخين الطعام، بينما بقيت نظراته تتبع حركاتها بسرور. وضعت أمامه طبقاً من المعكرونة بالصلصة الحمراء وقطعتين من صدور الدجاج المقرمش، وقالت بخجل:
_إن شاء الله يعجبك.
جذب يدها رغم اعتراضها، وأجلسها على الكرسي المجاور له:
_أنا قلت "تتغدي معايا".
توردت وجنتاها بخجل وجلست محرجك، عيناها تهربان من نظراته المحدقة بها، وتفرك يديها بتوتر. فجأة، شعرت به يضع الطعام في فمها، بينما هو يمضغ لقمته ويقول مادحاً صنيعها:
_تسلم إيدك يا "نونو"، طعمها يجنن! دوقي كدة.
رفعت يدها لتمسح أثر الصلصة عن شفتها، وأخذت تمضغ لقمتها بارتباك، تراقب تناوله للطعام بنهم وسعادة. وحين أدركت أنها تطيل النظر إليه، أشاحت ببصرها عنه بسرعة، توبخ قلبها بشدة، وتحاول كبح تلك المشاعر التي بدأت تتسلل إلى أعماقه.
******************
كانت تلملم أغراض والدتها استعداداً لمغادرة المستشفى، تساعدها "قمر"؛ تلتفت بين الحين والآخر نحو والدتها تسألها عن بقية أغراضها، حتى حزمت الحقائب وأغلقتها في انتظار والدها.
فجأة، تناهت إلى مسامعها طرقات متتالية على الباب، لم تنتظر طويلاً حتى فُتح الباب ودخل بابتسامته العريضة، حاملاً باقة ورد فخمة. اتسعت عيناها دهشةً، والتفتت نحو "قمر" التي كانت تبدو مذهولة مثلها تماماً. رمشت "ورد" بعينيها محاولة استيعاب جرأته ووقوفه أمامها.
ـ "مساء الخير."
نظرت له "ندى" باستغراب، وردت التحية بجمود ظناً منها أنه أخطأ الغرفة.
ـ "مساء النور."
لكن الصدمة عقدت لسانها حين رأته يقترب منها، يمد يده بباقة الورد قائلاً:
ـ "ألف حمد الله على سلامتك يا فندم."
التقطت منه الباقة بحيرة، زادت حدتها حين رفع عينيه نحو "ورد" وقال بابتسامة:
ـ "الحمد لله على سلامة الوالدة يا آنسة ورد."
أصاب "ورد" التوتر من نظرات والدتها المستفسرة، فاقتربت منهما باضطراب:
ـ "الله يسلمك، متشكرة."
أشارت نحو والدتها التي كانت توزع نظراتها بينهما بضيق؛ فهي لا تعرف هويته. حاولت "ورد" تعريفه بارتباك:
ـ "ماما، ده الأستاذ مهاب صادق، محامي وكاتب معانا في نفس دار النشر."
تلاشت تقطيبات حاجبي "ندى" المنزعجة تدريجياً، واسترخت ملامحها وهي ترحب به:
ـ "أهلاً يا فندم."
ـ "أهلاً بيكِ."
أجابها، وعيناه لم تفارقا تلك التي كانت تفرك يديها ببعضهما بتوتر. انتبه لنفسه أخيراً، فنظر نحو "ندى" مفسراً سبب حضوره وهو يشير إلى "ورد":
ـ "أنا عرفت إن حضرتك تعبانة من الـ (المنشور) بتاع آنسة ورد.. ألف سلامة عليكِ."
ثم عاد بنظراته نحو "ورد" التي امتعض وجهها من مراقبته لها وجرأته، فقال بتلعثم بعد أن استشعر ضيقها:
ـ "غيابك عن المعرض قلّقني."
احتدت نظراتها التي وبخته رغم صمتها، فحاول الانسحاب منعاً لإحراجها،فيبدو انه قد تهور بتصرفه وضايقها تسرعه لكن ذلك الصوت الذي صدح خلفه جعله يستدير بسرعة:
ـ "مساء الخير."
كان "طارق" الذي رمقه بنظرات مستنكرة، قبل أن يلتفت لزوجته التي فهمت نظراته المستفسرة، فعرفته:
ـ "ده الأستاذ مهاب، زميل ورد يا طارق."
ثم أشارت نحو "طارق" لتعرفه:
ـ "دكتور طارق، والد ورد يا أستاذ."
مد "مهاب" يده له مصافحاً:
ـ "أهلاً يا فندم، تشرفت بحضرتك."
صافحه "طارق" ورد التحية وعيناه تشمله بنظرة متفحصة:
ـ "أهلاً بك."
ثم أشار نحو الكرسي القريب:
ـ "اتفضل."
لكن "مهاب" قرر المغادرة بعد أن أحاطته نظرات والديها المتفحصة التي حملت نوعاً من الأستفهام:
ـ "متشكر يا فندم، بس أنا عندي ميعاد مع موكّل كمان نص ساعة، يادوب ألحقه. عن إذنكم."
هز رأسه مبتسماً: "تشرفت بمعرفتكم.. مع السلامة."
غادر "مهاب" الغرفة، لتتحول نظراتهم جميعاً نحو "ورد" بريبة، فهربت بعينيها منهم بتوتر، تدعو في سرها على ذلك "المهاب" الذي أحرجها بتطفله.
***********************
ثارَت أعصابه مُوبِّخاً ذلك العامل البسيط على خطأٍ تافه، وكأنه يُفرِّغ فيه مخزون غضبه الذي ملأ صدره منذ غيابها. أطرق العامل رأسه بحزن بعد أن انهال عليه سيلٌ من الإهانات، حتى توقَّف "حسن" يلتقط أنفاسه، خارِجاً من موجة انفعاله، ماسحاً على وجهه بقوة قبل أن يهدده بقسوة:
_آخر مرة أسمح بالخطأ ده، أنت عارف إن نتيجة إهمالك كانت ممكن توديك أنت ذات نفسك في داهية، أنا مش مستعد أخسر.. أنت فاهم؟
أومأ الرجل له بكسرةٍ قبل أن يغادر من أمامه.
وصل صوت الشجار إلى مسامع الجد، فهزَّ رأسه بيأسٍ قبل أن يستدعيه. بعد برهة من الزمن، دخل "حسن" مكتب جده، وقف أمامه بعينين تضِجّان غضباً، ووجهٍ شوهه التجهم:
_نعم يا جدو؟ طلبتني؟
أشار له بالجلوس بهدوء:
&اقعد يا حسن، عاوز أتكلم معاك.
جلس حسن ينظر إلى جده بتوتر بعد أن أثارت ريبته نظراته الصامتة.
_أنا مش نبّهتك قبل كده يا حسن بلاش القسوة وإهانة العمال بالشكل ده؟ إحنا ننبّه ونعاقب من غير إهانة، دول عمال مش عبيد عندنا.
ارتبك حسن، محاولاً التبرير بتلعثم:
_يا جدو أنت ما تعرفش هو عمل إيه، ده...
قاطعه الجد مُوبِّخاً بحدّة:
_مهما عمل يا حسن، مش من حقك تهينه! بلاش عصبيتك تُلغي إنسانيتك، ولا فلوسك تنسيك إنك بشر زيهم.. الجملة دي علّمهالي جدك "حسين" الله يرحمه زمان.
ثم استطرد قائلاً بنبرة تغيرت فجأة:
_هي مراتك لسه ما رجعتش من البلد؟
طأطأ حسن رأسه، يهزُّها نافياً:
_لا.
ابتسم الجد ساخراً وقال:
_عشان كده أنت زعلان ومتعصب؟
أجابه بسرعة، رافضاً ارتباط ضعفه ومزاجه السيئ ببعدها:
_لا.
هزَّ الجد رأسه بقلة حيلة، وتطلّع إليه بضحكه بسيطة يقول له لائماً:
_وهو كونك زعلان عشان مشتاق لمراتك حاجة عيب يا ابن علي؟
لم يُعقّب حسن، بل اكتفى بالتحديق به بصمت، ليستطرد الجد قائلاً:
_هتفضل زي ما أنت يا حسن، بتكابر ومصدر العصبية وسوء الظن لحد ما تخنق مشاعرك جواك وتموّتها.
فرفع الجد سبابته أمامه بوعيد:
_هييجي اليوم اللي تندم فيه يا ابني.
توقف الجد يزفر نفساً طويلاً قبل أن ينصحه بحزم:
_بلاش تخسر اللي بيحبوك وتسيب دماغك لشيطانك؛ شكلك بتعشق مراتك وبعدها فارق معاك، حافظ على المشاعر الجميلة دي، وخلّي بالك من مراتك، بلاش عصبيتك وتهوّرك يضيّعها منك في يوم وتندم بعد فوات الأوان.. اسمع نصيحة جدك.
ظلَّ حسن يُصغي إليه وعقله يقلّب حديثه بتمعن، حتى أضاءت كلماتٌ من بين زحام تلك الأفكار المتصارعة في رأسه: "سيخسرها بعد فوات الأوان".
كلماتٌ كانت كفيلة ببث الرعب داخله من مجرد تخيل حدوث ذلك.
*****************************
على الجانب الآخر، كانت تجلس وسط تلك النباتات الجميلة، تستنشق عبيرها وترتشف كوباً من الشاي الساخن الذي داعبت أبخرته وجهها فانتعشت. أغمضت عينيها مسترخية، تستمتع بذلك الهدوء، لكنها فتحتهما فجأة حين توهمت أنها سمعت صوته يناديها.
التفتت يميناً ويساراً كأنها تبحث عنه بذعر، ثم تنهدت بسخرية من نفسها ومن تلك الخيالات الغريبة. ورغم كل شيء، كان قلبها لا يزال يشتاق إليه. لم تتوقع أن يترك فراقه هذا الأثر العميق في نفسها، لكنها تناست لحظات ألمها، وراحت مخيلتها تتهافت على لحظات اهتمامه بها، وإن كانت قليلة. أصبح عقلها المشتت ضائعاً بين قرار العودة واللاعودة، بينما كان قلبها العاشق يصرخ متمرداً من فرط الشوق.
شعرت بدمعة تنساب على وجنتها، لتلسع بشرتها الباردة محاكية صراع الجليد والنار داخلها؛ فما بين نار غضبه وجليد هدوئه، وقفت حائرة تسأل نفسها: "هل سيمنحها حبها له القوة لتعفو وتغفر دائماً، أم سيحدث ما تخشاه، فيتحول هذا الحب إلى كره وضغينة؟".
أزاحت الدمعة بأناملها، ودعت الله في سرها أن يرشدها ويهديه.
ـ "صباح الخير... إيه المزاج الرايق ده؟"
التفتت نحو صاحب الصوت مبتسمة وبادلته التحية:
ـ "أهلاً يا أصيل، صباح الفل والياسمين."
جلس بجانبها يسألها عن حالها:
ـ "كيفك يا سندس؟ عاملة إيه؟"
ـ "الحمد لله، بخير ما دام أخويا الغالي بخير."
ربت على يدها قائلاً بامتنان:
ـ "إن شاء الله يخليكِ يا غالية... محتاجة حاجة أجبهالك؟"
ابتسمت له شاكرة:
ـ "تسلم يا حبيبي."
لكن ابتسامتها تلاشت تدريجياً، وحلت محلها نظرات متوترة عندما أخبرها:
ـ "أنا مسافر بعد أسبوع، هترجعي معايا ولا هتستني هنا؟"
نظرت إليه بتردد، لا تعلم بما تجيبه، لتقول باضطراب:
ـ "مش عارفة..."
ابتسم لها ابتسامة هادئة، وقبل أن ينهض مغادراً قال:
ـ "براحتك، فكري ولو حابة تسافري معايا بلغيني."
توقف فجأة، والتفت إليها يسألها بتردد:
ـ "هو أخبار حسن وعيلته إيه؟ كويسين؟"
لم يكن سؤاله عن حسن لذاته، بل كان سؤالاً مبطناً عن "تلك" التي سلبت النوم من عينيه؛ فهو يجلد نفسه كل يوم، يلومها على قسوته معها، ويحترق قهراً كلما تذكر دموعها.
ـ "الحمد لله، بخير."
أجابت شقيقته، لتنتشلَه إجابتها من دوامة ندمه، فقال باقتضاب:
ـ "الحمد لله."
********************************
داعبت قطرات المطر الخجولة وجهه، معلنةً بقدوم الشتاء بنسماته الباردة. مسح تلك القطرة التي استقرت على خده، ورفع رأسه ينظر إلى ضوء القمر الخافت الذي حجبته الغيوم، ثم سار بخطوات هادئة نحو المنزل.
ابتسم بتلقائية حين وصل إلى مسامعه صوت ضحكاتهما؛ ظل يطالع زوجته وشقيقته تلهوان بابتهاج تحت المطر كطفلتين صغيرتين. كان مشهداً شهياً دغدغ أوتار قلبه ليعزف لحناً حزيناً، يروي قصة سيختمها الفراق وإن طال الزمن. تنهد بألم، ثم اقترب بخطواته على الأرض الرطبة، وقال بنبرة توبخهما بسخرية:
ـ "بتعملوا إيه يا مجانين؟"
خفق قلبها لسماع صوته الذي طالما أطربها بنبرته الحنون، لتلتفت باستحياء، وتتحرك يدها باضطراب على خصلات شعرها المبللة. انتقلت عيناها بتلقائية نحو ملابسها التي لوثها المطر، ثم عادت تراقب اقترابه منها بخجل.
أضاف محذراً: "هتعيوا (ستمرضان)!"
قاطعته "مليكة" وهي ترفع هاتفها أمامه:
ـ "بنعمل ترند!"
ردد كلمتها مستهزئاً: "ترند؟!"
هز رأسه بقلة حيلة، واقترب يمازحها، فضرب وجنتها بخفة ونهرها بأمر تحت نظرات "قمر" الخجولة:
ـ "جو بارد، هتاخدوا برد!"
أمسكت مليكة بذراعه ودفعته نحو قمر قبل أن تبتعد خطوتين مشيرةً إليهما:
ـ "فاضل لقطة بسيطة، وكويس إنك جيت عشان أصوركم."
قطب حاجبه بدهشة وسأل بتذمر: "تصوري إيه؟"
دفعته مليكة نحو قمر بإصرار: "ارقصوا وأنا هصوركم؛ رقصة تحت المطر هتفضل ذكرى جميلة!"
كاد أن يعترض رافضاً، لكن نظرته الخاطفة نحو قمر التي توزع نظراتها بينهما بترقب جعلته يتراجع. اقترب منها، أمسك يدها، وقال مشيراً نحو مليكة بسخرية:
ـ "الظاهر المجنونة دي مش هتسيبنا في حالنا."
توترت حين أحاطت يده يدها، ولم تعد تسمع إرشادات مليكة؛ فقد كانت مندمجة مع قلبها الذي بدأ يخفق بجنون من لمسة يده وقربه، وعطره الهادئ الذي تسلل ليدغدغ مشاعرها. وما إن خرجت من تيهها حتى اصطدمت بنظرة عينيه التي زادتها ارتباكاً، وبيده التي أحاطت جسدها بتملك، يراقصها تحت ضوء القمر والمطر الذي غلّف خصلات شعره ليمنحه جاذبية ساحرة وهو يلمع عاكساً ضوء القمر.
تهادت بخطوات متناسقة وسط نسمات الهواء المنعشة التي منحت وجنتيها حمرة زادتها فتنة، حتى تمردت عيناه فلم تحيدا عنها، واندمج معها في حركات جعلتها تبتسم بسعادة. رفع يدها، ونظر إليها وهي تدور حول نفسها كراقصة باليه محترفة، قبل أن يمد يده لتلف جسدها بذراعه وتستقر بين أحضانه. كانت أنفاسهما متسارعة، وعيناهما متشابكتان في لحظة رومانسية تلاحمت فيها قلوبهما الخافقة، وإن حاول أصحابها الإنكار، كانت مشاعرهما ترتجف بتشابه غريب.
كانت تحدق في عينيه البنيتين اللتين زاد ضوء القمر جمالهما، وفجأة، أدهشها تصرفه حين ابتعد عنها منتفضاً، وكأنه استفاق من حلم جميل على حقيقة مرة. نهر قلبه "الغبي" الذي تجاوب مع مشاعره وانساق مغيباً، يزيح تعقله وصوت كرامته جانباً؛ هل سيصدق مرة أخرى؟ هل سيعود عاشقاً ليُجرح من جديد؟
لهث بأنفاسه بضيق، وقال متلعثماً:
ـ "كفاية كده.. يلا ادخلوا جوه."
وقفت تطالعه بتعجب من حاله الذي تغير فجأة؛ لقد كان متجاوباً معها منذ لحظات، ورأت في عينيه تلك اللمعة التي افتقدتها منذ بداية زواجهما.
عينها تابعته بترقب، يقترب من شقيقته، يمسح وجهها برقة، يزيل عنها قطرات المطر التي سقطت على وجهها، ويقول بحنان:
_حبيبتي، ادخلي جوة أحسن تاخدي برد.
عين 'مليكة' تعلقت بشقيقها، تبتلع غصة مرة؛ كيف كان لها أن تخذل ثقتهم وأن تلوث سمعتهم وأخلاقهم؟ كيف لها أن تفقد تعقلها وتتهور لتشوه هذه الصورة الجميلة للحب والحنان بينهم؟
صمتها الطويل جعله يعيد طلبه، ويده لا تزال تتحرك على وجهها وشعرها:
_يله يالوكا، يله ياحبيبتي.
'مليكة' التي أسعدها تصرف شقيقها، تحركت عيناها نحو 'قمر' بتلقائية، كأنها تنبهه أنها ليست وحدها هنا. اتجهت عيناه نحو 'قمر' بارتباك، يبتسم بتوتر:
_'قمر'، خذي 'مليكة' وأدخلو جوة.
أومأت له بالإيجاب، واتجهت نحوها، وما إن اقتربت منهم لمح قطرات المطر تلمع على خصلات شعرها الملساء؛ ليرفع يده بعفوية يمسح على رأسها، يزيل قطرات المطر عن شعرها برفق مرددًا:
_هتاخدو برد يامجانين عشان تريند...
تراقص قلبها بين أضلعها بسرور لحركته، لتخبره بحماس وهي تسحب يد 'مليكة' مطيعةً أمره:
_حاضر.
ظل يراقب رحيلهما نحو الداخل، يتنهد بيأس معاتبًا قلبه الخائن على خذلانه بقربها. وقف تحت المطر، علَّ الهواء البارد يطفئ نيران قلبه. أخرج سيجارته يشعلها، وينفث دخان احتراقها كأنه يحرق تلك المشاعر المتأججة في صدره؛ ربما يستطيع إخماد حبه لها فيرتاح من عذاب لعنة هذا الحب.
أما هي فظلت تراقبه من شباك غرفتها، تبصر دخان سيجارته الذي تصاعد يناقض بحرارته برودة ذلك الجو؛ يعتصرها قلبها بندم على حزن يسكن عينيه، وإن حاول هو إخفاءه. زفرت أنفاسها بقلة حيلة، وهي بدأت تشعر بالحزن لألمه، وتتمنى أن تتأكد من تلك المشاعر التي بدأت تسيطر عليها بقربه.
الفصل