أول شرارة
— دي مين؟
خرج السؤال من آيتن بحدة وهي تنظر إلى هنا من أعلى لأسفل وكأنها تقيمها بنظرة واحدة. ساد الصمت داخل المكتب للحظات، أما هنا فكانت واقفة مكانها لا تفهم سبب تلك النظرة العدائية المفاجئة.
قبل أن ترد، رفع آسر عينيه عن الملف الذي أمامه ببطء ونظر إلى آيتن نظرة ثابتة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.
— دي موظفة جديدة.
قالها بهدوء، لكن آيتن لم يعجبها الرد، فعقدت ذراعيها وقالت باستفزاز واضح:
— ومن إمتى الموظفين الجدد بيبقوا موجودين في مكتبك؟
شعرت هنا أن الوضع بدأ يخرج عن إطار الترحيب العادي، بينما خفضت مها عينيها إلى الملفات التي تحملها وكأنها لا تريد التدخل.
رفع آسر القلم من بين أصابعه ووضعه على المكتب بهدوء جعل هنا تشعر بالقلق أكثر من أي صراخ، ثم قال:
— ومن إمتى بتدخلي مكتبي من غير استئذان؟
تجمدت آيتن للحظة، واضح أنها لم تتوقع أن يكون أول رد منه بهذه الحدة.
— آسر… أنا…
قاطعها مباشرة:
— خبطتي؟
ساد الصمت.
لم تجد آيتن ما تقوله، فأكمل وهو يسند ظهره إلى المقعد:
— أنا سألت سؤال واضح.
كانت هنا تتابع المشهد بدهشة، فهذه أول مرة تراهم معًا لكنها شعرت أن العلاقة بينهما ليست كما توقعت.
قالت آيتن أخيرًا بضيق:
— لا… مخبطتش.
هز رأسه ببرود وقال:
— يبقى المرة الجاية خَبّطي.
— آسر!
— دي شركة الحديدي جروب… مكتبي، وموظفيني، وأنا اللي أحدد مين يدخل ومين يخرج.
قالها بنبرة قوية جعلت هنا تنتفض من داخلها، بينما عضت آيتن على شفتيها محاولة السيطرة على غضبها.
وفجأة تحولت نظرات آسر إلى هنا.
ارتبكت فورًا.
— واقفة ليه؟
رفعت عينيها نحوه بسرعة:
— أ… أنا؟
رفع حاجبه وقال:
— لا… بكلم المكتب.
احمر وجهها فورًا وقالت:
— آسفة.
— آسفة على إيه؟
توترت أكثر وهي تجيب:
— أصل… اتفاجئت.
— اتفاجئتي من إيه؟
ابتلعت ريقها وقالت بصوت منخفض:
— من الموقف.بقلم/نسرين نادر
ظل ينظر إليها لثوانٍ جعلتها تشعر وكأنه يقرأ أفكارها، ثم قال:
— وده يخليكي تنسي إنك في وقت شغل؟
— لا طبعًا.
— كويس.
وأشار إلى الملفات أمام مها:
— الأستاذة مها هتفهمك المطلوب منك.
هزت رأسها بسرعة:
— حاضر.
راقبها للحظات قبل أن يعود لعمله وكأن الحديث انتهى. أما هنا فشعرت لأول مرة منذ دخولها الشركة أن قلبها عاد ينبض بشكل طبيعي.
خرجت مع مها من المكتب بسرعة، وما إن أغلق الباب خلفهما حتى أطلقت زفرة طويلة جعلت مها تضحك بخفة.
— أول يوم؟
هزت هنا رأسها.
— واضح أوي؟
— جدًا.
ابتسمت هنا بتوتر ثم سألت:
— هو دايمًا كده؟
رفعت مها حاجبها:
— مين؟ آسر بيه؟
— أيوة.
ابتسمت مها ابتسامة صغيرة وقالت:
— لا… النهارده كان هادي على فكرة.
اتسعت عينا هنا بصدمة:
— هادي؟!
فضحكت مها لأول مرة.
أما داخل المكتب فكانت آيتن ما تزال واقفة مكانها تنظر ناحية الباب الذي خرجت منه هنا، ثم قالت بضيق:
— من إمتى بقى عندك موظفات جديدين جوه مكتبك؟
رفع آسر عينيه إليها وقال بهدوء:
— من وقت ما الشركة احتاجت.
— وأنت شايف إن دي مناسبة؟
أغلق الملف أمامه وقال:
— آيتن.
— نعم؟
— عندك شغل مهم؟
سكتت.
— لا.
— يبقى سيبيني أكمل شغلي.
شعرت بالاختناق من طريقته الباردة، فأخذت حقيبتها بسرعة وغادرت المكتب وهي تكاد تنفجر من الغضب.
وبعد حوالي ساعة كانت سيارة آيتن تدخل إلى فيلا الحديدي. نزلت منها بعصبية واضحة واتجهت إلى الداخل مباشرة. في الصالة الكبيرة كانت سناء تحتسي قهوتها بينما يجلس شريف يراجع بعض الأوراق.
أول ما رأتها سناء ابتسمت قائلة:
— أهلًا يا حبيبتي.
لكن آيتن لم تبتسم، بل ألقت حقيبتها على الأريكة وجلست بضيق وهي تقول:
— بجد أنا مش فاهمة آسر!
رفع شريف رأسه من الأوراق، بينما تبادلت سناء النظرات معه في استغراب.
ويبدو أن آيتن كانت على وشك تفريغ كل غضبها دفعة واحدة…
📖 بقلم /نسرين نادر
— بجد أنا مش فاهمة آسر!
قالتها آيتن بضيق وهي تجلس على الأريكة في صالة الفيلا، بينما تبادلت سناء وشريف النظرات باستغراب.
وضعت سناء فنجان القهوة جانبًا وقالت بهدوء:
— خير يا حبيبتي؟ حصل إيه؟
تنهدت آيتن بعصبية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
— اللي حصل إنه أحرجني قدام الموظفين النهارده.
رفع شريف حاجبه وقال:
— أحرجك إزاي؟
— عشان واحدة جديدة لسه داخلة الشركة من كام ساعة!
سناء عقدت حاجبيها:
— واحدة جديدة؟
— أيوة. موظفة جديدة كانت واقفة في مكتبه، ولما سألت دي مين اتكلم معايا بطريقة ضايقتني جدًا.
وقبل أن تكمل…
نزلت جيجي من على السلم وهي تمسك هاتفها.
— مساء الخير.
ثم جلست على الكرسي المقابل وهي تنظر لآيتن.
— في إيه؟
تنهدت آيتن وكأنها وجدت شخصًا جديدًا تسمعه.
— أخوكي أحرجني النهارده.
رفعت جيجي حاجبها.
— عملتي إيه؟
— هو لازم أكون عملت حاجة؟
— غالبًا آه.
قالتها جيجي ببساطة جعلت آيتن تنظر لها بغيظ.
تدخلت سناء بسرعة:
— يا جيجي اسمعي الأول.
أكملت آيتن حديثها وهي تحاول كتم غضبها:
— دخلت مكتبه ولقيت الموظفة الجديدة واقفة هناك، ولما سألت مين دي اتكلم معايا قدامهم كلهم وكأني غريبة.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم سألت جيجي فجأة:
— خبطتي؟
تجمدت آيتن.
— إيه؟
— خبطتي قبل ما تدخلي؟
سكتت للحظة.
ثم قالت:
— لا.
رفعت جيجي كتفيها ببساطة.
— يبقى عنده حق.
— جيجي!
قالتها آيتن بحدة.
لكن جيجي لم تتراجع.
— إيه؟ أنا بقول الحقيقة. إنتِ عارفة أخويا من سنين وعارفة إنه بيكره حد يدخل عليه من غير استئذان.
— أنا خطيبته.
— وخطيبته دي تلغي الاستئذان؟
اشتعل الغضب داخل آيتن أكثر.
فنظرت إلى سناء وقالت:
— عاجبك الكلام ده يا طنط؟
تنهدت سناء وقالت بهدوء:
— لا عاجبني زعلك… بس برضه إنتِ عارفة شخصية آسر.
عضت آيتن على شفتيها.
— أنا بحبه يا طنط.
ابتسمت سناء بحنان.
— وعارفة ده كويس.
— وبحاول أقرب منه بأي طريقة.
هنا تدخل شريف لأول مرة وقال بهدوء:
— والقرب عمره ما كان بالعند يا آيتن.
خفضت آيتن عينيها للحظات.
أما جيجي فقامت من مكانها وهي تهز رأسها.
— بقولكم إيه… أنا طالعة أوضتي قبل ما أتحط في النص كالعادة.
ثم التفتت لآيتن وأضافت:
— وعلى فكرة… لو عايزة آسر يسمعك، بطلي تعامليه كأنه ملكية خاصة.
رمقتها آيتن بنظرة حادة.
لكن جيجي كانت قد غادرت بالفعل.
في نفس الوقت…
داخل شركة الحديدي جروب.
كانت هنا تسير خلف مها وهي تحاول استيعاب كل شيء حولها.
الشركة أكبر بكثير مما تخيلت، والعمل يبدو أصعب أيضًا.
دخلت مع مها إلى مكتبها الجديد.
وضعت مها مجموعة كبيرة من الملفات فوق المكتب وقالت:
— دي الملفات اللي هتشتغلي عليها النهارده.
اتسعت عينا هنا.
— كل دول؟
ضحكت مها.
— لسه ما شوفتيش الكتير.
جلست هنا بسرعة وبدأت تراجع الملفات واحدًا تلو الآخر، محاولة إثبات نفسها من أول يوم.
مرت ساعة…
ثم ساعتان…
وكانت منهمكة تمامًا في العمل.
حتى دخل عمر المكتب فجأة.
نظر إلى هنا باستغراب.
— الموظفة الجديدة؟
وقفت هنا بسرعة.
— نعم.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.
— متتوترش… أنا مش آسر.
احمر وجهها قليلًا.
فانفجر عمر ضاحكًا.
— واضح إن الراجل عمل شغل جامد معاكي من أول يوم.
لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور.
وفي تلك اللحظة بالذات…
خرج آسر من مكتبه.
وقع بصره على عمر وهنا.
ثم قال بهدوء:
— عمر.
التفت عمر إليه.
— نعم؟
— سيب البنت تشتغل.
ضحك عمر.
— حاضر يا باشا.
أما هنا فعادت تنظر إلى الملفات بسرعة.
بينما لاحظ آسر شيئًا لم يتوقعه…
رغم توترها الواضح…
إلا أنها كانت تعمل بتركيز شديد.
فنظر إليها للحظة أطول من المعتاد…
ثم أكمل طريقه دون أن يقول شيئًا.
لكن هنا لم تلاحظ تلك النظرة.
أما شخص آخر…
فكان يراقب كل شيء من بعيد.
آيتن.
التي كانت قد عادت إلى الشركة.
وما إن رأت آسر يتوقف للحظات أمام مكتب هنا…
حتى شعرت أن غيرتها بدأت تشتعل من جديد