تحميل رواية «بين أيادي سفيان» PDF
بقلم أميرة خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ بين أيادي سفيان بقلم أميرة خالد.
رواية بين أيادي سفيان الفصل الأول 1 - بقلم أميرة خالد
بيت سفيان ليس مجرد منزل، بل هو “سرايا” يعكس القوة والنفوذ. وإليكِ تفاصيله من الداخل والخارج:
المظهر الخارجي (الهيبة): بوابة حديدية ضخمة سوداء مزخرفة بنقوش قديمة، يحيط بها سور حجري عالٍ جداً مبني من الحجر الفرعوني أو الحجر الجيري المقاوم للزمن. أمام البوابة “دكة” خشبية ضخمة يجلس عليها الحراس والرجال لحماية القصر.
المندرة (ديوان العائلة): هذا أهم جزء في البيت، وهو معزول تماماً عن السكن الداخلي لضمان الخصوصية. قاعة واسعة جداً بسقف مرتفع، مفروشة بسجاد عجمي أحمر فاخر، وتصطف على جوانبها “الكنب” الخشبي المبطن بالقطيفة الثقيلة. في صدر المندرة، يوجد مقعد “كبير العيلة” (سفيان)، وخلفه قد تُعلق أسلحة قديمة كرمز للقوة والمكانة.
الحوش الداخلي بعد عبور البوابة، هناك فناء واسع ومفتوح على السماء، تتوسطه أحياناً شجرة نبق أو نافورة ماء قديمة. هذا الحوش يفصل بين المندرة وبين مدخل السرايا
السرايا مكونة من طابقين أو ثلاثة. الطابق الأرضي فيه المطبخ الضخم (الذي يفوح منه دائماً خبيز الصعيد والسمن البلدي) وغرفة المعيشة الكبيرة التي تجتمع فيها النساء.
جناح الزوجات: لكل زوجة من زوجات سفيان الثلاث “جناح” أو غرفة كبيرة مستقلة بحمامها لضمان عدم الاحتكاك الدائم، لكن الأعين تترقب دائماً من خلال الشرفات الخشبية المطلة على الحوش الداخلي.
وجناح لوالده سفيان الحاجه زهره وجنبيها مكتب سفيان ومعظم الوقت قاعد فيه
وكمان جناح اخوه سليمان ومراته واولاده
وكمان جناح عمو وابنه ومراته
وفي الدور الثالث في جناح لسفيان وده ممنوع حد يخشه غير والدته الحاجه زهره او الست ام حسن اللي شغاله في البيت من سنين وهي اللي ساعدت زهره في تربيه الولاد
في صدر ديوان عائلة “الديب”، كان سفيان جالساً بجسده القوي وهيمنته التي تطبق على أنفاس الحاضرين. فرَد رجولته وثقته كصقرٍ يمتلك الساحة، مسنداً كفيه على عصاه الأبنوسية ذات الرأس الفضي. تطلع إلى عمه “راضي” بنظرات حادة كشفرة السيف، وقال بصوت جهوري رخيم:
– اعمل حسابك يا عمي.. عامر ولدك هو اللي هيتجوز بنت الصاوي، والقول ديه مافيهوش رجوع.
تململ راضي في مقعده بضيق شديد، وابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يقول بنبرة تحمل الاعتراض:
– واه يا سفيان! كيف الحديث ديه بس؟ البنت دي يقولوا عليها مشوهة، وعامر واد متعلم ومعاه شهادة، وهي لا راحت ولا جات.. جاهلة ما تفقه شي في الدنيا!
في لمح البصر، انتصب سفيان واقفاً كالجبل الشامخ، وضرب بعصاه على الأرض ضربةً زلزلت أركان المندرة، ليرتد صباها في قلوب الجالسين. صاح بنبرة آمرة لا تقبل الجدال:
– جرى إيه يا عمي؟! عاد الكلمة اللي تطلع من خشم سفيان الديب ما تِنزلش الأرض واصل! أنا قلت عامر هيتجوزها، يبقى هيتجوزها ورجله فوق رقبته!
تراجع راضي للخلف وهز رأسه بقلة حيلة وخوف:
– بس يا سفيان.. عامر مش رايد الجوازة دي، وراير يهرب من البلد كلها بسببها.
مال سفيان بجسده نحو عمه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تهديد باردة، ونطق بنبرة تقطر هيبة:
– براحتك يا عمي.. الأمر شورك، بس اعمل حسابك.. يوم ما يقتلوه عيلة الصاوي ويدفنوه تحت التراب، ما تجيش تبكي وتسالني خيك مات ليه!
دبّ الرعب في أوصال راضي، وتخيل ولده جثة هامدة، فقال بلهفة وخنوع:
– لاه.. لاه يا بني، واصل! الله يخليك.. كل اللي أنت عايزه هيكتب ربي، المهم عامر يكون بخير وما يمسهوش واصل أي سوء.
ابتسم سفيان بانتصار وهدأت عيناه قليلاً، ثم التفت إلى شقيقه الأقرب “سليمان” القابع في زاوية المجلس وسأله:
– عملت إيه في الموضوع اللي كلفتك بيه يا سليمان؟
رد سليمان بنظرة ثقة واعتزاز:
– كل حاجة جاهزة يا خوي وعلى أكمل وجه، ورجالتنا مستنيين إشارتك بس.
هز سفيان رأسه بارتياح:
– تمام قوي.. يلا، تصبحوا على خير.
غادر سفيان المندرة بخطوات رصينة، وصعد الدرج الرخامي العريض متوجهاً إلى جناح زوجته الأولى “حكمت”؛ ابنة عمه راضي. ما إن فُتح الباب وخطت قدماه الغرفة، حتى انتفضت حكمت من مكانها بلهفة واحترام، اقتربت منه بخضوع وعينيها تلمعان ببريق الدلال. تناولَت العصا من يده برفق لتضعها في مكانها المخصص، ثم ساعدته في خلع عباءته الصوفية الثقيلة لتعلقها على الشماعة.
جلس سفيان على مقعده الخشبي الوثير يزفر بتعب، فانحنت حكمت تحت قدميه تبادر بخلع حذائه، ورفعت عينيها إليه قائلة بنبرة تمتلئ بالغنج:
– مالك يا سيد الناس؟ إيه اللي مضايقك ومكدر خاطرك الليلة دي؟
نظر إليها سفيان بعينين صقريتين، وفهم على الفور أن أباها “راضي” قد هاتفها لتستعطفه من أجل عامر. ابتسم بسخرية هادئة وسألها:
– عايزة إيه يا حكمت؟ قولي اللي عندك.
لوت شفتيها بدلال زائف وقالت:
– هكون عايزة إيه غير رضاك عليا يا سيد الناس؟ ديه بالدنيا وما فيها.
رد سفيان بنبرة جادة:
– وأنا هصدقك يا بنت العم.. بس نفسي تعاملي العيال الصغار بـ لُِين وتتقي الله فيهم، بدل ما هم عيخافوا منك وينفروا من طريقك عاد.
تغيرت ملامح حكمت واصطنعت الطيبة:
– أنا يا سيد الناس؟! ده أنا بعمل كده عشان مصلحتهم، دول في مقام ولادي اللي ما خلفتهمش.. وعارفة إن ربنا ما كرمنيش بالخلف، وعيال بدور ورضوى هم عيالي وحتة من قلبي.
نظر إليها بنظرة غامضة وقال:
– وأنا مصدقك يا حكمت.
نهض سفيان من مقعده وفك أزرار جلبابه ليخلعه، باقياً ببنطاله القطني الأبيض وعاري الصدر، لتبرز عضلاته القوية وسمرته الصعيدية الجذابة. انبهرت حكمت من وسمته ورجولته الطاغية التي تجعلها تذوب فيه عشقاً وخوفاً. تمدد على الفراش الواسع، فاقتربت منه وتلمست صدره العاري قائلة بهمس:
– إيه يا سيد الناس.. تعبان الليلة ولا إيه؟
لمح سفيان الرغبة في عينيها، وعرف مقصدها جيداً، فقال باقتضاب:
– لاه يا حكمت.. مش تعبان.
وقبل أن تنطق، جذبها إليه بقوة وعنفوان رجولي، متنازلاً عن كبريائه في أحضانها، بينما كانت هي مستسلمة تماماً ومستمتعة بجبروته وسلطانه عليها.
وبعد وقت ليس بالقصير، كان سفيان يقف تحت مياه الدش الباردة يغسل عن جسده عناء اليوم. خرج وهو يلف منشفة بيضاء حول خصره، ليرى حكمت قد غطت في نوم عميق. ابتسم بسخرية مريرة، وارتدى بنطالاً قطنياً، ثم خرج إلى الشرفة (البرندة) الواسعة المطلة على الأراضي الخضراء الشاسعة لعائلة “الديب”. أشعل سيجارته، ووقف يتأمل السواد اللامع لليل الصعيد، وعقله ينسج الخطط لكيفية التعامل مع عائلة الصاوي في الفرح المرتقب. ومع أولى نفحات أذان الفجر التي شقت سكون الليل، ألقى بعقب السيجارة ودخل ليدفن رأسه في الفراش وينام.
في الصباح الباكر، كان المطبخ الضخم في الطابق الأرضي يعج بالحركة ورائحة الخبيز والسمن البلدي تملأ الأجواء. وقفت “الحاجة زهرة” (والدة سفيان) بهيبتها ووقارها، تصيح في الخدم بحدة:
– إيه يا أم حسن؟! البنات اتأخروا ليه في تحضير الفطور؟ الكبير لو نزل ولقى الوكل لسه ما جهزش هتحصل مصيبة في السرايا!
ردت أم حسن بلهفة وهي تمسح يديها في مئزرها:
– ما تقوليش كده يا حاجة زهرة، كل شيء جاهز وواصل لأعلى مقام.. حتى الست غرام وافقة مع البنات جوه عيتعلموا عمايل الفطير المشلتت.
قطبت زهرة جبينها باستغراب وسألت:
– وبدور ورضوى منزلوش لحد واصل؟
أم حسن:
– لاه يا حاجة.. الست بدور هي اللي لسه نايمة وفوق في جناحها، أما الست رضوى فنزلت بس عترضع ولدها الصغير ياسين.
هزت زهرة رأسها بوعيد:
– ماشي.. أنا ليا حِديت واصل مع عيلة المليجي دي (تقصد بدور) لما تنزل.
تنهدت أم حسن وقالت بصوت خفيض:
– والله أنا تعبت يا حاجة.. ورأيي إنك تتكلمي مع الكبير سفيان بيه وهو اللي يتصرف مع الحريم دول وعمايلهم، إن كانت بدور ولا حكمت.
ردت زهرة بحسم وقاطعت كلامها:
– قفلي على السيرة دي عاد! ما لوش عازة الكلام ديه دلوق، وأنتِ عارفة المشاكل والملاغية اللي سفيان شايلها فوق كتافه مع عيلة الصاوي. النسوان دول أنا هعرف كيف أربيهم وأوقفهم عند حدهم.
أم حسن بالطاعة:
– ماشي يا حاجة، أمرك.
في تلك الأثناء، استيقظ سفيان ودخل مرحاضه، وعندما خرج وجد حكمت واقفة بانتظاره وعلى وجهها ابتسامة دلال، وحاملة بين يديها العباءة الصعيدية الفاخرة:
– اتفضل يا سيد الناس.. العباية اهي.
بدأ يرتدي ثيابه بهدوء وهيبة، فاقتربت منه حكمت وتمايلت بجسدها قائلة:
– بقولك إيه يا سيد الناس.. في طقم دهب لازوردي عاجبني قوي في الساغة، ده لو ينفع يعني تدهولي يا سيد الرجالة؟
لم ينظر إليها سفيان بل قال بجفاء عملي:
– هاتي اللي يعجبك يا حكمت.. وقولي للصائغ يجيب أطقم تانية تليق ببدور ورضوى وياخدوا نقوتهم هما كمان.
تصلبت ملامح حكمت واشتعلت الغيرة في صدرها، وفتحت فمها لتعترض، لكن سفيان التفت إليها ورمقها بنظرة حادة كادت تقتلع قلبها من الخوف، فابتلعت كلماتها وسكتت تماماً، وخرجت وراءه بخنوع.
نزل سفيان السلم بهيبته المعهودة وحكمت تسير خلفه بخطوتين احتراما له. جلس على رأس مائدة الطعام الطويلة (السفرة). في تلك اللحظة، اقترب منه ولداه؛ “فارس” و”شاهين”، وانحنيا بأدب شديد يقبلان يد والدهما سفيان كنوع من الاحترام الصعيدي الأصيل، ثم عادا وجلسا في مقاعدهما بهدوء. وفي نفس الوقت، دخلت رضوى وهي تحمل ولدها الرضيع “ياسين” وجلست في مكانها بهدوء ووقار تشير برأسها لسفيان احتراما.
نظر سفيان إلى الجميع وقال بصوت جهوري مسموع:
– اعملوا حسابكم.. الفرح الأسبوع الجاي، ومش عايز غلطة واحدة تطلع قدام أي حد من برا السرايا، فاهمة يا حاجة زهرة؟
ردت الحاجة زهرة بوقار:
– واه يا بني.. عيب عليك، السرايا سرايتك وكل شيء هيكون كيف ما توعِد وتؤمر.
في هذه الأثناء، اقتربت الفتاة الصغيرة “ليلى” ابنة سليمان، ووقفت بجانب عمها سفيان وقالت بنبرة طفولية باكية:
– يرضيك يا عمو اللي عمله فيا فارس ولدك ديه؟
نظر سفيان لولده فارس بنظرة قوية جعلت الولد يرتجف، ثم سأل ليلى:
– عمل إيه يا بت أخوي؟
ليلى:
– قلتله خدني معاك في طريقك للمدرسة، مارضيش وكسر بخاطري!
التفت سفيان لفارس، فوجد الولد خائفاً ويلتفت برأسه يستنجد بأمه “بدور” التي كانت تتابع المشهد بصمت.
صاح سفيان بصرامة:
– تعالى هنا يا فارس!
اقترب الصبي بخطوات ترتعش، فقال له سفيان بنبرة حاسمة كالسيف:
– بعد كدة.. تاخد بالك من بنت عمك واصل، فاهم ولا لاه؟ تاخدها في يدك وأنت رايح المدرسة وأنت راجع، ليلى لحمنا وعرضنا!
فارس بخوف شديد:
– حاضر يا بوي.. حاضر.
ثم عاد لمقعده مسرعاً، بينما ابتسمت ليلى بانتصار.
تدخل سليمان (والد ليلى) وقال محرجاً من أخيه الكبير:
– جرى إيه يا ليلى؟ عيب الكلام ديه عاد، السواق موجود وهيوديكِ لحد باب المدرسة.
تضايقت ليلى وجلست بجوار “غرام” تبرطم بضيق، لكن سفيان حسم الأمر بنظرة منه وقال لسليمان:
– واه يا سليمان! وإيه المشكلة في كدة؟ بتك لازم تروح وتيجي مع ابن عمها، مش مع حد غريب واصل، فارس سندها من دلوق.
طأطأ سليمان رأسه احتراماً لكلمة الكبير:
– حاضر يا خوي.. اللي تشوفه هو اللي هيكون.
في الجانب الآخر من البلدة، حيث تقف سرايا عائلة “الصاوي” شامخة تشهد على تاريخ طويل من العز والنفوذ، كان الهدوء يلف أرجاء المكان، لكنه كان هدوءاً يسبق العاصفة.
صعد “جلال الصاوي” درج السرايا بخطوات مثقلة بالهموم، وتوقف أمام باب جناح ابنته الأقرب إلى قلبه. طرق الباب برفق ثم دخَل، فوجدها تقف قريباً من النافذة. التفتت إليه “مهرة” فور دخولها، وانفجرت على ثغرها ابتسامة جميلة صافية أضاءت وجهها، وقالت بنبرة عذبة:
– صباح الخير يا بوي.
اقترب جلال منها، وطبع قبلة حانية على جبينها وهو يرى فيها ملامح والدتها الراحلة، ورد بصوت دافئ يحمل بحة حزن مكتومة:
– صباح الخير يا قلب أبوكِ.. يا مهرة السرايا كلها.
تأمل جلال ملامحها لثوانٍ، ثم تنهد وقال:
– في موضوع مهم واصل يا بنتي، وجيت عشان أحدتك فيه وعايزك تسمعيني زين.
انتبهت مهرة وقربت منه قائلة باهتمام:
– خير يا بوي؟ اتفضل أنا سامعاك، وكل آذان صاغية.
أخذ جلال نفساً عميقاً، ونظر إلى عينيها مباشرة وهو يحاول استجماع قوته:
– بصي يا بنتي.. أنتِ طبعاً واعية للي بيننا وبين عيلة “الديب” من سنين، وعارفة المشاكل والدم اللي كان هيسيل بين العيلتين.
ردت مهرة بنبرة هادئة ومتسائلة:
– واه يا بوي.. مش المشاكل دي قعدتوا ليها امبارح وعقدتوا الصلح وخلاص كل شيء انقضى؟
هز جلال رأسه بأسى وقال:
– إيوه يا بنتي.. الصلح اتعقد والدم وقف، بس عاد شروط الصلح حكمت إن النسب هو اللي هيقفل الباب ديه واصل، وأنا عطيتهم كلمة رجال.. وكلمة جلال الصاوي ما تنزلش الأرض واصل.. أنتِ هتتجوزي ولد الديب يا مهرة.
لم تتردد مهرة ولم تكسر كلمة أبيها؛ فرغم المفاجأة، ابتسمت برضا وطاعة وقالت:
– حاضر يا بوي.. اللي تؤمر بيه وتشوفه صالح، كله هيحصل، وأنا واقفت ومستحيل أكسر كلمتك قدام الخلق.
اتسعت ابتسامة جلال وامتلأت عيناه بفخر ممزوج بالوجع، ولمس وجنتها برفق:
– حبيبة أبوكِ يا مهرة.. أصيلة وبت أصول. صحيح.. أخوكِ “عيسى” عيوصل السرايا النهاردة، وأول ما كلمني سأل عليكِ واصل وعايز يشوفك.
تهللت أسارير مهرة وفرحت بشدة:
– بجد يا بوي؟! يوصل بالسلامة يا رب، ده وحشني قوي.
نظر إليها جلال بنظرة فاحصة، وقال بنبرة عتاب حانية:
– إيوه يا حبيبتي، وأنا خابر زين إنك مش طايقة القعدة في السرايا من بعد ما أمك الله يرحمها فارقت دنيتنا.. وخابر كمان إن عمتك عتضايقك بكلامها وتكدر خاطرك في الرايحة والجاية.. صح يا مهرة؟
توترت ملامح مهرة فجأة، وحاولت إخفاء حرجها وخوفها من المشاكل، فابتلعت ريقها وقالت بسرعة:
– لاه.. لاه يا بوي، ما تقولش كدة واصل، مفيش حاجة من ديه حصلت.. عمتي كويسة معايا ومالية عليا السرايا.
لم يقتنع جلال لكنه آثر الصمت حتى لا يضغط عليها، ثم قال بجدية حاسمة:
– طيب يا مهرة.. جهزي حالك عاد، واعملي حسابك إن الفرح هيكون على آخر الأسبوع ديه.
سقطت الكلمات على رأس مهرة كالصاعقة، وتلاشت ابتسامتها وحلت مكانها صدمة حقيقية، وقالت بذهول:
– ليه يا بوي السرعة دي كلها؟! لحقنا إمتى؟!
رد جلال بنبرة واقعية صارمة تعكس عادات بلدته:
– يا بنتي أنتِ مش في البندر ولا في مصر (القاهرة) هنا.. إحنا في الصعيد، وفي بلادنا مفيش خطوبة عتطول واصل، بالذات لو كانت العيلتين كبار ومرتاحين، وكل شيء جاهز.
انطفأت الكلمات في حلق مهرة، ونكست رأسها مستسلمة للأمر الواقع، وسكتت تماماً وهي تشعر بأن قدرها يُكتب سريعاً دون أن تملك من أمرها شيئاً.
استدار جلال وخرج من الجناح، وأغلق الباب خلفه بخطوات ثقيلة، وهو يشعر بقلبه يتألم وينفطر حزناً على ابنته الغالية التي يرمي بها في وكر “الديب” لحقن الدماء.
لم تكد تمر دقائق على خروج جلال الصاوي، حتى تحرك مقبض الباب بعنف وفُتح على مصراعيه. التفتت مهرة بلهفة وهي تظن أن أباها قد عاد ليخفف عنها، لكن جسدها تصلب فجأة وحلّت الخيبة في عينيها حين رأت عمتها “فوزية” تخطو داخل الجناح بخطوات متهادية كالأفعى، وعيناها تقطران مكراً وشماتة.
وقفت فوزية في منتصف الغرفة، وشبكت يديها أمام صدرها وهي ترمق مهرة بنظرات فاحصة وقالت بنبرة حادة متهكمة:
– واه يا مهرة! شايفاكي عاد مبسوطة قوي ومتهللة عشان عتتجوزي وهتفارقي السرايا! بس اللي عايزة أقولهولك وأوعيكِ ليه زين.. إنك هناك في سراية الديب مش هتروحي ست هانم، لاه يا بت أخوي.. أنتِ هتروحي هناك “خدامة” تحت رجلين عيلة الديب الكبيرة، وساعتها بس.. هتعرفي قيمة ابني “يحيى” اللي رفستِ نعمته ورفضتيه!
شعرت مهرة بغصة في حلقها، واجتمعت الدموع في عينيها من قسوة الكلمات، لكنها تملكت شجاعتها ورفعت رأسها قائلة بنبرة حزينة معاتبة:
– أنتِ ليه عتكرهيني قوي كدة يا عمتي؟! كل الغل ديه في قلبك من ناحيتي عشان رفضت يحيى؟ أنا عمري ما عيبت في ولدك واصل، بس اللي لازم تفهميه.. إن عمري ما شفت يحيى غير أخويا الواصل، ومستحيل كنت أتجوز أخويا!
انفجرت فوزية بضحكة عالية رنانة مليئة بالشماتة والسخرية، ولوحت بيدها في الهواء قائلة بوعيد:
– أخوكِ؟! قولي كيف ما تقولي وعيشي في الأوهام عاد! براحتك واصل يا بت جلال.. بس بكرة الأيام تدور، وترجعيلي هنا السرايا ندمانة وباكية بدل الدموع دم، لما تدوقي الويل في سراية الديب وتعرفي إن الله حق!
ستدارت فوزية وخرجت من الجناح وهي ترتدي ابتسامة النصر، تاركةً خلفها عاصفة من الرعب والقلق تعصف بقلب مهرة الصغير. وقفت الفتاة في وسط غرفتها وتدفق الخوف في أوصالها، وباتت تتساءل بنبضات قلب متسارعة: هل ستكون حياتها القادمة في سرايا الديب جحيماً كما قالت عمتها؟
وفي مكانٍ ناءٍ بعيداً عن صخب السرايا، وتحديداً في وكرٍ مظلم يقع بين ثنايا الجبل الحجرية القاسية، كان يقف شابٌ وعيناه تلمعان بشرٍ مستطير وغِلٍّ دفين. التفت إلى الرجال الأشداء المسلحين الواقفين أمامه، وقال بنبرة أجشة حاسمة:
– جاهزين يا رجالة؟ أنا عايز كل حاجة تترتب وتتم في أقرب وقت واصل.. الفرح ديه مستحيل يكمل، والعريس لازم يكون عندي هنا في الجبل قبل ما يدخل بمرته!
رد أحد الرجال الثقاة وهو يربت على سلاحه الآلي بيقين:
– رقابنا معاك يا كبير.. اعتبر اللي قلته حصل، والعريس هيكون واصل لحد عندك وفي حوزتك في أقرب وقت، ومش هيلحق يتهنى بليلته.
انصرف الرجال بخطوات سريعة ليواريهم ظلام الجبل، بينما وقف ذلك الشاب مكانه، ونظر باتجاه الأراضي الشاسعة التي تقع فيها سرايا الديب، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبث ومكر، وتمتم بصوت خفيض يتوعد:
– وريني بقى هتعمل إيه يا سفيان.. واصل هشوف كيف هتحمي عيلتك وولد عمك من اللعبة دي