العريس اللي ما اترفضش
البيت كان هادي… زيادة عن اللزوم.
مش هدوء راحة…
ده هدوء ترقّب.
نجوى قاعدة على طرف الكنبة، إيديها متشابكة في بعض، وعينيها كل شوية تروح ناحية باب الشقة… وترجع بسرعة، كأنها خايفة تشوفهم فعلاً.
نهى، مامتها، كانت واقفة عند الترابيزة، بتظبط كل حاجة بدقة مبالغ فيها…
الكبايات مترتبة، العصير متحطوط في كاسات شيك، والمعالق جنبهم متساوية…
كل تفصيلة محسوبة.
مش تجهيز لخطوبة…
تجهيز لاختبار.
الأب، أستاذ محمود، قاعد في مكانه… ساكت.
وشه ثابت… لكن عينيه فيها تفكير تقيل.
قطع الصمت فجأة وقال: “هم وصلوا؟”
نهى ردت بسرعة: “قربوا… قالوا في الشارع.”
نجوى بلعت ريقها، وقالت بصوت واطي: “بابا… بالله عليك خليك هادي.”
بص لها… نظرة طويلة… فيها قلق صريح: “أنا هادي يا نجوى… بس إنتي متأكدة؟”
نجوى حاولت تبتسم: “آه يا بابا… هو كويس… ومحترم… ومهندس زي ما إنت عايز.”
الأب ما ردش…
بس سكوته كان مليان كلام.
خبط على الباب.
نهى راحت تفتح.
أول ما الباب اتفتح…
دخلت الأم.
ست كبيرة، لابسة عباية سودا واسعة، طرحتها ملفوفة بسرعة، وشها فيه قوة أكتر من الطيبة…
وصوتها سبقها:
“السلام عليكم يا أهل البيت!”
وراها دخلوا الرجالة…
أربعة شباب، لابسين جلاليب بسيطة، نفس الملامح، نفس الطريقة، نفس الثقة الزيادة.
وآخرهم دخل كريم…
لابس لبس عادي، شكله مختلف شوية عنهم…
بس ملامحه شايلة نفس الخلفية.
“وعليكم السلام… اتفضلوا.”
الأم دخلت وبصّت حوالين الشقة بسرعة…
نظرة فاحصة…
كأنها بتقيّم.
وقالت بصوت مسموع: “ما شاء الله… شقة واسعة أهو… ربنا يزيدكم.”
نهى ابتسمت برقي: “اتفضلوا… نورتونا.”
الأم قعدت…
بس قعدتها ما كانتش قعدة ضيفة…
كانت قعدة صاحبة مكان.
بصّت لنجوى من فوق لتحت وقالت: “دي العروسة؟”
نجوى ابتسمت بهدوء: “أيوه… أهلا بحضرتك.”
الأم ضحكت ضحكة خفيفة: “حضرتك إيه يا بنتي… قولي يا أمي على طول.”
نجوى اتلخبطت لحظة: “حاضر يا… طنط.”
الأم بصّت لها بنص عين: “لا يا حبيبتي… إحنا مش بتوع طنط… إحنا ناس بسيطة… فلاحين يعني… قولي يا أمي.”
الأب كان بيتابع كل تفصيلة… من غير ما يتكلم.
الأب قال بهدوء رسمي: “أهلا وسهلا بيكم… إحنا سعداء بزيارتكم.”
واحد من الإخوات رد وهو بيعدل جلبيته: “الشرف لينا يا باشا… إحنا ناس على قدنا… بس ولاد أصول.”
الأم دخلت بسرعة: “وأنا ربيت ولادي على إيدي… واللي يتجوز ابني يبقى دخل بيت رجالة… مش أي كلام.”
نهى قالت بابتسامة هادية: “أكيد… والتربية أهم حاجة.”
الأم بصّت لها: “طبعًا… بس التربية مش بالكلام… التربية بالفعل.
واللي تدخل بيتنا… تبقى مننا وفينا… وتمشي على نظامنا.”
الجملة وقعت في المكان… تقيلة.
نجوى بصّت لكريم بسرعة…
كان ساكت… مبتسم…
كأن الكلام ده طبيعي.
الأب قال بهدوء محسوب: “يعني حضرتك تقصدي إيه بنظامنا؟”
الأم ردت فورًا: “يعني يا أستاذ… إحنا عيلة واحدة… بناكل سوا… نعيش سوا… مفيش حاجة اسمها كل واحد في حاله.”
واحد من الإخوات ضحك وقال: “وأمي معاها مفاتيح كل الشقق… تدخل تطمّن علينا في أي وقت.”
نجوى رفعت عينيها فجأة: “مفاتيح؟”
الأم قالت بثقة: “أيوه طبعًا… دول ولادي… مش غُرب.”
نهى حاولت تهدي: “بس كل بيت لازم يبقى ليه خصوصيته برضو.”
الأم بصّت لها بحدة خفيفة: “خصوصية إيه يا حبيبتي؟ إحنا مش ناس غريبة عن بعض.”
الأب بص لبنته…
النظرة دي كانت واضحة جدًا.
قال: “نجوى… ممكن نتكلم شوية؟”
نجوى فهمت…
بس قالت بسرعة: “بابا بعدين… خلينا نكمل.”
الأب سكت…
لكن ملامحه اتغيرت.
تم الكلام… واتفقوا مبدئيًا،
بس الأب قال بهدوء: “إدونا مهلة نفكر… ونرد عليكم.”
بعد ما العيلة مشيت…
البيت رجع هادي…
بس الهدوء المرة دي… كان تقيل.
الأب قال: “إيه رأيك؟”
نجوى ردت بسرعة: “ناس بسيطة… بس طيبين.”
الأب هز راسه: “لا… مش بس كده.”
نجوى بضيق: “بابا بلاش تحكم بسرعة.”
الأب بص لها: “أنا مش بحكم… أنا شايف.
إنتي مش داخلة على راجل بس…
إنتي داخلة على بيت كامل.”
نجوى بعند: “وأنا اخترته… وهو كويس.”
الأب قرب منها وقال: “أنا مش خايف عليكي منه…
أنا خايف عليكي من البيت اللي وراه.”
نجوى سكتت لحظة…
لكن قالت في الآخر:
“أنا موافقة.”
في أوضة النوم…
نجوى قعدت لوحدها…
بصّت لنفسها في المراية.
ابتسمت…
بس الابتسامة ما كانتش مطمنة.
وقالت بصوت واطي:
“هو يمكن مختلف عنهم…
وأنا هعرف أعيش…”
لكن جواها…
كان في إحساس خفيف…
إنها مش داخلة جواز…
هي داخلة
حكاية أكبر منها بكتير.
البيت كان مليان صوت…
مراتات الإخوة قاعدين على الأرض حوالين السفرة، وكل واحدة فيهم مستنية الباب يتفتح.
واحدة قالت: “يا ترى العروسة عاملة إيه؟”
التانية ردت: “أكيد قمر… ما كريم مش هيرضى بأي حد.”
التالتة ضحكت: “ولا يمكن نكدية كده تقرفنا في عيشتنا ”
الباب اتفتح.
دخلوا الرجالة… صوتهم عالي، وضحكهم سابقهم.
واحد من الإخوة قال: “وسعوا كده يا ولاد… جعانين!”
مراته قالت بسرعة: “ما كلتوا هناك!”
رد وهو بيقعد: “أكل إيه بس… ده أكل شيك كده… ما يملاش عين ”
ضحكوا…
بس نبويه دخلت وسكتت.
قعدت على الكرسي وهي بتتنهد.
مرات ابنها الكبيرة قربت منها: “ها يا أمه؟ طمّنا… العروسة حلوة؟”
نبويه رفعت عينيها وقالت ببرود:
“البِت مش حلوة.”
الستات بصوا لبعض.
واحدة قالت: “إزاي بس؟!”
نبويه: “رفيعة كده زي العود… ما تملاش العين…
وبعدين لبسها… لا عباية ولا حاجة… لبس بنات مدارس.”
واحدة من الستات قالت: “أيوه والله… شكلها مش بتاعت شغل بيت.”
نبويه هزت راسها: “أهو ده اللي أنا بقوله… دي مش بتاعتنا.”
كريم كان واقف ساكت…
قال بهدوء: “هي كويسة يا أمي… ومتعلمة.”
نبويه بصت له بسرعة: “متعلمه إيه بس… التعليم مش هيشيل بيت!
أنا عايزة واحدة تقوم بالبيت… تخدم… تشيل وتحط… مش واحدة تقولك شغل وشغل.”
مرات أخوه قالت: “أيوه… البيت أولى بيها.”
كريم: “بس هي شغالة مهندسة…”
نبويه ضحكت بسخرية: “لا يا حبيبي… من أول يوم تعرف مكانها فين…
بيت جوزها أولى.”
واحدة من الستات قالت: “يعني هتقعد معانا هنا؟”
نبويه بثقة: “طبعًا… هي هتبقى واحدة مننا…
وتتعلم مننا.”
كريم بدأ يتضايق: “بس نجوى مش زيكم…”
سكون.
مرات أخوه بصت له: “مش زيّنا إزاي؟”
كريم اتلخبط: “قصدي… يعني… مستوى حياتها مختلف… أبوها مدير بنك… وأمها مدرسة…”
واحدة قامت وقالت بعصبية: “يعني إحنا إيه؟ جاهلات؟!”
كريم: “لا… مش قصدي…”
هي: “لا قصدك واضح… إنت شايفنا أقل منها!”
واحد من الإخوة دخل: “إيه الكلام ده يا كريم؟ إنت اتغيرت ولا إيه؟”
نبويه خبطت بإيدها: “خلاص! كل واحد يعرف مقامه!
واللي تدخل بيتي… تمشي على نظامي.”
وبصت لكريم نظرة تقيلة:
“وإنت…
لو مش هتعرف تربي مراتك… أنا أعرف.”
كريم سكت…
البيت كله بيتكلم…
بس هو…
كان سامع جملة واحدة بس:
“أنا أعرف أربيها.”
غمض عينه لحظة…
ولأول مرة…
يحس إنه ممكن يكون بيوديها
لحاجة…
مش هتعرف تخرج منها.
الصبح
الشمس كانت داخلة من الشباك…
بس نجوى ما نامتش كويس.
كل كلمة اتقالت امبارح كانت بتلف في دماغها…
خصوصًا جملة:
“مفاتيح كل الشقق…”
لبست وخرجت شغلها…
بس عقلها ما كانش في الشغل.
بعد الشغل
كافيه هادي… بعيد عن الزحمة.
نجوى قاعدة، قدامها فنجان قهوة برد…
وبتلعب بالمعلقة من غير ما تحس.
كريم وصل.
ابتسم أول ما شافها: “وحشتيني.”
هي ابتسمت… بس ابتسامة خفيفة: “وإنت كمان.”
قعد قدامها…
لحظة صمت بينهم.
كريم حاول يكسرها: “فاكرة أول مرة قعدنا هنا؟”
نجوى بصت حواليها: “آه… يوم ما كنت بتحاول تقنعني إنك شاطر في الماث ”
كريم ضحك: “وإنتي كنتي شايفة إني فاشل أصلاً.”
نجوى ابتسمت بصدق: “كنت فاكرة إنك هتسقط… وطلعت أشطر مني.”
كريم: “علشان كنتي بتذاكريلي ”
سكتوا لحظة…
الجو بقى أهدى…
بس جواه توتر خفيف.
نجوى بصت له بجدية: “كريم… إنت شايف إننا مختلفين؟”
كريم استغرب: “مختلفين في إيه؟”
نجوى: “في كل حاجة…
البيت… طريقة الحياة… الناس…
أنا حاسة إن الموضوع مش سهل زي ما إحنا فاكرين.”
كريم قرب شوية وقال: “يا نجوى… إحنا بقالنا سنين مع بعض…
عدينا بكل حاجة… تيجي تقفي عند الفرق ده؟”
نجوى بهدوء: “لأن الفرق ده مش صغير.”
سكتت لحظة… وبعدين كملت:
“أنا مش خايفة منك…
أنا خايفة من اللي حواليك.”
كريم تنهد: “أهلي طيبين… بس طريقتهم بسيطة… وإنتي هتتعودي.”
نجوى هزت راسها: “الموضوع مش تعوّد… الموضوع أسلوب حياة.”
نجوى بصت له مباشرة:
“بابا اشترط حاجة.”
كريم: “إيه؟”
نجوى: “إننا نسكن لوحدنا… بعيد عن بيت العيلة.”
سكون.
كريم بص لها…
كأنه ما كانش متوقع.
“ليه؟”
نجوى: “علشان الخصوصية… علشان حياتنا…
علشان الجواز ينجح.”
كريم سكت شوية…
وبعدين قال: “بس ده صعب.”
نجوى: “ليه صعب؟”
كريم: “علشان أنا طول عمري وسطهم…
وعمر ما حد فينا سكن لوحده.”
نجوى: “طيب وإحنا؟
إحنا هنعيش إزاي وسط كل ده؟”
كريم حاول يهدّي: “أنا هظبط الدنيا… ما تقلقيش.”
نجوى بصت له نظرة عميقة: “أنا واثقة فيك…
بس مش واثقة في الظروف.”
كريم مسك إيدها: “أنا معاكي… ومش هسيب حاجة تضايقك.”
نجوى ابتسمت…
بس المرة دي… كان فيها خوف واضح.
نجوى قامت وهي بتقول: “قول لهم يا كريم…
ولو وافقوا… نكمل.”
كريم: “هيوافقوا…”
بس صوته…
ما كانش واثق.
على بليل…
كريم داخل البيت…
وشه جدي.
نبويه كانت قاعدة،
والكل حواليها.
“في إيه يا واد؟ شكلك مش طبيعي كده ليه؟”
كريم قال بهدوء: “في موضوع لازم نتكلم فيه.”
الكل سكت.
نسرين بلعجيلي
“بابا نجوى اشترط إننا نسكن لوحدنا… بعيد عن هنا.”
سكون…
ثواني…
وبعدين—
نبويه قامت فجأة:
“إيه؟!”
واحد من الإخوة: “يسكن لوحده؟! وإحنا نرميه كده؟!”
مراته قالت: “دي جاية تفرقنا من أولها!”
نبويه قربت منه: “يعني إيه تسكن لوحدك؟!
تسيب بيتك وناسك؟ علشان واحدة لسه داخلة؟!”
كريم حاول يهدّي: “يا أمي… ده علشان حياتنا…”
نبويه قاطعته: “حياتك إيه؟!
حياتك هنا!
وسط أمك وأخواتك!”
واحد من الإخوة قال بعصبية: “دي مش عايزة تعيش معانا من الأول… تبقى مش عايزانا!”
مراته: “دي شايفة نفسها علينا من دلوقتي!”
نبويه بصت لكريم نظرة قاسية:
“اسمع مني…
اللي مش عايزة بيتنا…
ما تلزمناش.”
كريم واقف…
في النص.
بين صوت أمه…
وصوت نجوى…
بين بيت اتربى فيه…
وحياة هو نفسه اختارها.
غمض عينه لحظة…
وحس لأول مرة…
إن القرار ده…
هيكسر حد فيهم.
يا هو…
يا هي.
هل الحب كفاية تعيشي وسط ناس مش شبهك؟
ولا في حاجات أهم من الحب؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!