الفصل 6 | من 9 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
8
كلمة
3,573
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18
وقف سيف في منتصف الردهة كجبلٍ شامخ، بوقفته المهيبة التي توحي بالسيطرة رغم حصار المسلحين كان يقبض على سلاحه بثباتٍ ورغم الفوضى المحيطة، كانت عيناه تتحركان بذكاءٍ حاد وهدوءٍ قاتل، يحلل الثغرات بين المسلحين في ثوانٍ، بينما ظلّ تركيزه الأكبر ينصبّ على تلك السكينة الباردة التي تضغط بقسوة على عنق حور.


أما حور ، فكانت تتشبث بالحياة من خلال نظراتها التي تعلقت بـ سيف؛ نظرات استغاثة محبوسة خلف شفتين يرتجفان، وكأنها في صمتها تصرخ باسمه


بملامح جامدة ونبرة هادئة بشكلٍ مستفز، بدأ سيف يتلاعب بأعصابهم :

"ها.. وبعدين؟ هتفضلوا واقفين كدة كتير قولي بقى يا بطل انت وهو.. انتم عايزين إيه بالظبط قصروا المسافة وقولوا طلباتكم"


تحرك سيف ببطءٍ مدروس، يرمقهم بنظراتٍ خاطفة يميناً ويساراً ليشغل عقولهم به، مُبعداً تركيزهم عن حور لعلَّ تلك القبضة الخانقة حول عنقها تضعف قليلاً.


المجرم بتوتر وهو يضغط بالسكينة أكثر: "انت مين؟ ابعد عن طريقنا أحسن لك"


سيف بإبتسامة باردة: "أنا اللي هيخلصكم من الورطة دي لو شغلتوا دماغكم.. الدكتورة دي ملهاش ذنب، والدم مش هيحل مشاكلكم. اتكلموا.. عايزين إيه "


وفي اللحظة التي بدأ فيها المجرم يفتح فمه ليرد، استغل سيف تلك الثغرة الزمنية واندفع كالإعصار؛ وبحركةٍ خاطفة لا تراها العين، قبض على رسغ المجرم ولوى معصمه بقوةٍ سحقت عظامه بعيداً عن عنق حور. وفي أجزاءٍ من الثانية، كانت حور تستقر خلف ظهره العريض، بعدما سحبها ببراعة ليصبح هو حائط الصد المنيع بينها وبين فوهات أسلحتهم


ولكن.. كان هناك من يراقب المشهد

ومن خلف باب الطوارئ، ظهر فرد رابع من العصابة، وبغدر لا يوصف، رفع ماسورة حديدية ثقيلة وهوى بها بكل قوته فوق رأس سيف من الخلف.


"طاااااخ!"


صوت ارتطام المعدن بالجمجمة هز جدران الممر. سيف، الطوفان الذي لا يقهر، ترنح في مكانه، انطفأ بريق عينيه فجأة، وسقط سلاحه من يده قبل أن يهوي بجسده الضخم على الأرض فاقداً للوعي، والدماء بدأت تسيل بغزارة من رأسه لتغطي وجهه الصلب.


حور صرخت صرخة زلزلت أرجاء المستشفى، صرخة هزت القلوب باسمه:

"سييييييييييييييييييييييييييييييف "


اندفعت بجنون لترتمي فوق جسده، لكن يد غليظة جذبتها من شعرها للخلف بعنف. في هذه الأثناء، خرج مدير المستشفى من وراء مكتبه وهو يرتجف، رافعاً يديه بجبن مقزز:


"يا جماعة.. اهدوا.. خدوا اللي إنتم عايزينه، السجين موجود اهو قدامكم والدكتورة عندكم اهى ، بس ارجوك ملكش دعوة بيا أنا عندي عيال "


خالد بصوت يرتعد من الخوف : "سيبوها.. سيبوا الدكتورة حور، هي ملهاش ذنب.."


وضع أحد المسلحين فوهة السلاح في وجه خالد ببرود:

"كلمة كمان وتقول على نفسك يا رحمان يا رحيم فاهم؟"


تراجع خالد للخلف بخزي ورعب، ونظر للأرض بعجز وهو يرى سيف الغارق في دمه وحور التي تُسحب أمام عينيه، دون أن يجرؤ على تحريك ساكن


فجأة، دوت أصوات سارينات الشرطة من بعيد، وبدأت الأضواء الزرقاء والحمراء تقترب من بوابة المستشفى.


أحد المجرمين بذعر:

"الشرطة وصلت يا ريس هنعمل إيه؟ كدة مش هنعرف نخرج بالزعيم "


القائد بغل وهو يشد حور من شعرها:

"هناخد الزفتة دى معانا.. هي دي اللي هتفتح لينا الطريق، البوليس مش هيجرؤ يضرب نار وطول ما هي في إيدنا إحنا في أمان.. يلااااا "


بدأوا بسحب حور نحو الباب الخلفي. كانت تقاوم بشراسة، تضرب بأقدامها وتحاول التملص، وفي لحظة يأس، غرزت أسنانها في يد المجرم الذي يمسكها بكل قوتها.


المجرم بوجع: "آه.. يا بنت الـ.... "

رفع يده ليلطمها على وجهها بقوة أسكتتها للحظة، وأحكم قبضته على خصرها لدرجة شعرت فيها أن أضلاعها ستتحطم.


في تلك اللحظة السوداء، وسط الرعب والدموع وهي تُجر إلى المجهول، رفعت حور يدها المرتجفة نحو رقبتها، وتلمست تلك "السلسلة" الرقيقة المخبأة تحت ملابسها.. تأكدت أنها لا تزال هناك

أغمضت عينيها للحظة وهي تتنفس بصعوبة، وشعرت بوميض ضئيل من الأمل.

نجحت العصابة في التسلل من الباب الخلفي ووضع حور في سيارة دفع رباعي انطلقت بسرعة الصاروخ


وما هى إلا دقائق معدودة داخل ردهات المستشفى، كانت الفوضى هي السيد. وصلت قوات الدعم بقيادة ضباط العمليات الخاصة، ليتفاجأوا بـ سيف ملقى على الأرض، غارقاً في دمائه، فاقداً للوعي تماماً.


اندفع نحوه أحد الضباط وهو يصرخ:

"الإسعاف بسرعة سيادة الرائد سيف مصاب بضربة في الرأس"


بدأ المسعفون في محاولة إفاقته باستخدام المحاليل والمطهرات. وبعد دقائق من الترقب، فتح سيف عينيه ببطء، ملامحه كانت متشنجة بالألم، لكن بمجرد أن استعاد وعيه وتذكر مشهد السكين على رقبة حور، انتفض كأن مساً من الجنون أصابه.


سيف بصراخ هزّ جدران الممر :

"حووووور راحت فين وفين الكلاب اللي كانوا هنا؟"


حاول أحد الضباط تهدئته: "يا فندم حضرتك مصاب، لازم ترتاح.."


سيف بعروق بارزة : "راحة إيه وزفت إيه ورايا على القسم فوراً.. شوية الرعاع دول لو لمسوا شعرة منها أنا هحرق المستشفى باللي فيها "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مديرية الأمن - سباق مع الزمن


رغم الدوار الذي كان يصيب رأسه، رفض سيف الذهاب للمنزل. جلس أمام شاشات المراقبة، وعيناه الحمراوان تتبعان خيوط الهروب. طلب فوراً ملف السجين الذي تم تهريبه، وبدأ يقلب في أوراقه بعنف، محاولاً إيجاد أي ثغرة أو خيط يقوده لمكان اختبائهم.


أخرج موبايل حور الذي سقط منها وجده مغلقاً تماماً. قبض على الموبايل بقوة حتى كادت شاشته تتحطم، ثم اتصل بـ ياسين.


سيف بصوت مخنوق : "ياسين.. حور اتخطفت يا صاحبي. أنا في الطريق لشقتك ، حصلني على هناك حالاً.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت الأجواء داخل الشقة كالجنازة. سمر، بمجرد أن أخبرها سيف بالخبر، انهارت تماماً، جلست على الأرض تلطم خديها وتولول بصوت مسموع:

"يا حبيبتي يا بنتي يا وجع قلبي عليكي يا حور.. يا ترى عملوا فيكي إيه يا قلب أمك "


أما سارة، فكانت في حالة صدمة تامة، دموعها تنهمر بصمت وهي تحتضن وسادة حور، ترتجف من فكرة أن صديقة عمرها فى خطر


في تلك اللحظة، رن جرس الباب. قامت سارة بآلية لتفتح، لتتفاجأ بـ آدم واقفاً بملامح قلقة جداً. هو في الأصل اتصل بسيف ليطمئن على جرحه، ولكن عندما أخبره سيف بالكارثة، لم يستطع البقاء بعيداً.


سارة بذهول وصوت مبحوح : "انت؟! إيه اللي جابك هنا"


آدم (بتوتر وقلق حقيقي): "سيف قالي اللي حصل.. أنا جيت عشان.."

قاطعه دخول سيف وياسين في تلك اللحظة. تلاقت نظرات آدم وسيف، وفهمت سارة فوراً أنهم أصدقاء. لكنها، ورغم الموقف لم تعره اهتماماً، بل نظرت إليه ببرود وأفسحت له الطريق ليدخل دون كلمة واحدة.


جلس الجميع في الصالة، اليأس بدأ يتسلل لقلب سيف الذي كان يضرب كفاً بكف. فجأة، انتفض ياسين كمن لسعته عقربة


ياسين بصراخ : "أنا غبي إزاي نسيت "


سيف بحدة : "في إيه انطق "


ياسين: "السلسلة اللي حور لابساها يا سيف.. أنا كنت حاطط فيها شريحة GPS دقيقة جداً من مأمورية قديمة، تحسباً لأي ظرف "


سيف قام من مكانه وجذبه من قميصه بعنف:

"ولما إنت عارف يا متخلف مقولتش من بدري ليه؟ إحنا بنضيع وقت في الرغي"


ياسين وهو يخرج اللاب توب بسرعة : "والله من الصدمة نسيت اهدى يا سيف.. ثواني والإشارة هتظهر."


خيم الصمت الثقيل على الغرفة، والكل عينه على الشاشة. سمر توقفت عن البكاء، وسارة حبست أنفاسها. وبعد لحظات من التوتر، ظهرت اخيرا نقطة حمراء تومض ببطء على الخريطة في منطقة نائية ومقطوعة.


ياسين: "لقيتها هي في منطقة صحراوية وطرق جبلية.. الإشارة بتتحرك ببطء، شكلهم واخدين طرق وعرة."


سيف (وهو يعمر سلاحه بنظرة مميتة): "جهز القوات يا ياسين.. النهاردة نهايتهم هتبقى على إيدي."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت حور تجلس على كرسي خشبي قديم في غرفة شبه مهجورة، يفوح منها برودة الرطوبة.في البداية، كانت ملامحها شاحبة، تنظر يميناً ويساراً برعب، وعيناها مغلقتان تدعو الله أن ينجيها.


حور بصوت مهزوز: "لو سمحت.. فكني ووالله مش هقول لحد حاجة، حرام عليكم أنا عندي أهل يسألوا عليا، خدوا فلوس خدوا أي حاجة بس سيبوني."


كان الحارس الضخم يقف أمام الباب، ملامحه كالحجر، لا ينظر إليها حتى. صمته استفز حور، وبدأت ملامح الخوف تتلاشى


حور بلهجة مختلفة تماماً: "يا كابتن يا أستاذ دراكولا انت.. هو أنا بكلم خيال مآتة؟ ما ترد يا أخويا "


الحارس ظل صامتاً، فنفخت حور بضيق وقالت:


"طب بقولك إيه، أنا جعت.. انتم خاطفيني عشان تموتوني من الجوع؟ وبعدين انت واقف كده ليه ما تقعد، ده انت رجلك تورم يا شيخ."


الحارس بجمود: "اسكتي أحسن لك، مش عايز أسمع صوتك."


حور بابتسامة مستفزة: "أوه انت طلعت بتتكلم يا كاظم طب والله صوتك حلو يا جدع.. بس انت ايه اللى رماك على الشغلانة السودة دى انت عارف إن الوقفة دي بتعمل دوالي؟ أنا دكتورة وأدرى منك، بكرة تندم وتقول حور قالت.. وبعدين البدلة اللي إنت لابسها دي ضيقة عليك أوي، مش عارف تتنفس صح"


الحارس (بدأ يجز على أسنانه): "قلت لك اسكتي "


حور ببرود:

"لا مش هسكت، الجو هنا خنقة، والناموس أكلني، وإنت واقف ذي الصنم.. هي العصابة دي مفيهاش حد فرفوش كلهم نكديين زيك كدة يا ساتر يا رب، الواحد يتخطف في مكان عدل حتى، مش في خرابة

ومع واحد وشّه يقطع الخميرة من البيت "


الحارس نفد صبره، فاستدار نحوها بعصبية:

"يا ولية إنتي إيه مابتفصليش؟ أنا لو عليا أضربك طلقة وأخلص، بس للأسف الريس عايزك سليمة."


حور رفعت حاجبها : "تضربني طلقة ده إنت بوق أوي.. طب جرب كدة وشوف انا هعمل فيك ايه ده انا اعملك كفتة مشوية.. وبعدين الطلقة غالية اليومين دول، وفرها لنفسك."


الحارس بزعيق وهو بيفتح الباب: "أنا خارج وسيبهالك خالص إنتي بني آدمة لا تطلق بالمعنى الحرفي"


خرج الحارس ورزع الباب وراه، فابتسمت حور بانتصار وهي تهمس لنفسها: "غور في داهية.. ده انت غلس بشكل"


بمجرد أن تأكدت حور من انصرافه، بدأت تتحرك بالكرسي ببطء وهي تحاول فك يديها، ولحسن حظها أن الحارس لم يحكم الرباط جيداً. فكت قيودها وبدأت تدور في الغرفة كالمجنونة بحثاً عن أي مخرج.


لمحت شباكاً صغيراً في الأعلى. جرت نحوه، كان عبارة عن أسياخ حديدية ثابتة، لكن خلفها ضلف خشبية مقفولة بـ ترباس من الخارج.


حور بهمس: "يا رب.. يا رب ساعدني."

مدت يدها من بين الأسياخ الحديدية بصعوبة، كانت المسافة ضيقة جداً، لكن إصرارها جعلها تصل بآطراف أصابعها إلى حافة الخشب. بدأت تهز الضلفة بقوة حتى انفتح الترباس الخارجي وسقطت الضلفة للخلف، ليظهر لها ضوء القمر الضعيف.


نظرت من الشباك، كانت الأرض بعيدة قليلاً، لكنها رأت طريقاً ترابياً مهجوراً.

حور بصوت واطئ جداً وهي تلتفت خلفها بخوف: "يا ناس حد هنا؟ يا رب أي حد يعدي.. لو سمحتوا "


كانت تنادي وهي تحاول ألا ترفع صوتها حتى لا يسمعها الحراس بالخارج، وفي تلك اللحظة.. لمحت كشافات سيارة تقترب من بعيد وسط الظلام.


وقفت السيارة بهدوء أمام النافذة، نزل منها شاب بملامح جذابة جداً، هادئ كأن المكان ملكه، عيناه توحي بذكاء حاد وهيبة طبيعية. لمح حور وهي تطل برأسها من بين الأسياخ.


حور بهمس مذهول : "يا نهار أبيض.. هو فيه كدة؟ انت حقيقي يا كابتن ولا أنا بدأت أهلوِس من الجوع "


الشاب رفع حاجبه ببرود وهو يقترب : "افندم هو انا جاى علشان اتعاكس "


حور بإحراج ومرح : "يا عم ما تبقاش قفوش كده الواحد مبيصدق يشوف وش يفتح النفس في الغمة دي.. المهم، خرجني من هنا بسرعة الله يسترك قبل ما البغل اللي بره يرجع."


الشاب بثبات: "وانتي إيه اللي جابك هنا أصلاً؟"


حور (بضيق): "هو ده وقته؟ انت شايفنى فى دريم بارك يعنى اخلص يا اسمك إيه خرجني وهحكيلك قصة حياتي كلها لو عايز وإحنا بنشرب عصير قصب، بس انجز "


ابتسم الشاب ابتسامة جانبية غامضة، ثم عاد لسيارته وأخرج مقصاً هيدروليكياً قوياً مخصصاً لقطع المعادن. عاد للشباك وبدأ يقطع الأسياخ الحديدية بمهارة هدوء يحسد عليه، وحور واقفة تراقب يديه وقوته بإعجاب لم تستطع إخفاءه.


بعد دقيقتين من العمل الصامت، انقطعت الأسياخ وفتح المخرج.

الشاب: "هاتي إيدك.. ويلا بسرعة."


بدأت حور تتسلق لتخرج من الفتحة الضيقة، مد يده ليمسكها ويساعدها، وأثناء خروجها بلهفة، اشتبكت السلسلة التي ترتديها في طرف سيخ حديدي مكسور. وبحركتها السريعة، انقطعت السلسلة من رقبتها وسقطت بـ رنة خافتة داخل الغرفة المظلمة، وسط التراب.


حور لم تشعر بشيء من فرط الأدرينالين؛ كل همها كان الهروب. قفزت لأسفل، ليتلقاها الشاب بين يديه لثانية قبل أن تبتعد عنه بخجل وتعدل ملابسها.


حور: "شكرا اوى والله مش عارفة أقولك إيه."


الشاب (وهو يفتح لها باب السيارة): "ماتقوليش.. اركبي يلا."


ركبت حور بجانبه، وانطلقت السيارة بسرعة البرق قبل أن يشعر الحراس بشيء نظرت حور له بفضول وهي تحاول التقاط أنفاسها.

حور: "أومال اسم الكريم إيه؟ أصل مكسوفة أقولك يا منقذي طول الطريق."


نظر إليها الشاب بنظرة مطولة، نظرة جمعت بين الصبر والتعجب، وكأن لسان حاله يقول (هل هذا وقت التعارف؟).


الشاب : "اسمي (يامن).. وياريت تبطلي كلام كتير."


حور بابتسامة واسعة: "يامن؟ عاشت الأسامي يا يامن أهو اسم يليق على الوش المنور ده."


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


دوت صرخة المحركات في المكان المهجور، وانقضت سيارات الشرطة والقوات الخاصة كالصواعق. قبل أن يستوعب الحراس ما يحدث، كان سيف وياسين قد ترجلا من سيارتهما وهما يطلقان النار بدقة غاشمة.


كان سيف يتحرك بآلية مرعبة، الغضب في عينيه جعل منه آلة قتل لا ترحم. لم يكن يضرب النار لمجرد التحجيم، بل كان يضرب بكل غل وكأن كل رصاصة تخرج هي صرخة ثأر لحور. ياسين من الجانب الآخر كان يغطي ظهره ببراعة، يقتحم المداخل ويشل حركة القناصة فوق الأسطح.


لمح سيف الشاب الضخم الذي ضربه على رأسه في المستشفى وهو يحاول الهرب من باب خلفي. لم يتردد ثانية؛ وجه سلاحه وأطلق رصاصة استقرت في ساق الشاب، جعلته يسقط أرضاً وهو يصرخ من الألم.


انقض عليه سيف، وجذبه من قميصه بكل قوته وهو يضغط بجرح رأسه الذي بدأ ينزف مجدداً من الانفعال.

سيف بصوت كالفحيح : "هي فين؟ انطق بدل ما أخلي الطلقة الجاية في نص دماغك.. فين حور"


الشاب برعب وهو يرتجف : "والله فوق.. محبوسة في الأوضة اللي فوق.. والله ما حد لمسها"


ترك سيف الشاب ملقى في دمه وصرخ في ياسين: "ياسين.. ورايا"


اقتحم سيف وياسين الباب العلوي بضربة واحدة، وأسلحتهما موجهة لكل ركن في الغرفة.. ولكن، الصمت كان هو الرد الوحيد. الغرفة كانت خاوية، باردة، ولا أثر لحور فيها.


ياسين بجنون : "حووووور انتي فين "


نظر ياسين باتجاه الشباك، رأى الأسياخ الحديدية المقطوعة بآلة حادة، فاندفع نحوها. انحنى ياسين ببطء ولمحت عيناه شيئاً يلمع وسط التراب تحت الشباك. مد يده والتقط السلسلة.


ياسين بصدمة وغضب مكتوم : "سيف.. السلسلة أهي.. وقعت منها."


سيف نظر للسلسلة في يد ياسين، وشعر كأن الأرض تدور به. السلسلة يعني انقطاع الإشارة، يعني أن حور الآن في مكان لا يعلمه أحد، سواء هربت أو اختطفتها جهة أخرى.


سيف ضرب الحائط بقبضة يده حتى سال دمه: "يااااا رب ضاعت.. ضاعت يا ياسين يعني إيه هربت؟ ولو هربت راحت فين في الصحراء دي؟"


نزل سيف وياسين إلى الساحة مرة أخرى كالأسود الجريحة. القوات كانت قد أحكمت قبضتها على الجميع، بما فيهم السجين الذي هربوه من المستشفى. سيف وقف أمام القائد الملقى على الأرض وضغط بحذائه على جرحه.


سيف: "الدكتورة مش فوق.. وديتها فين؟ انطق بدل ما أدفنك هنا "


القائد بألم وصدق نابع من الرعب : "والله العظيم كانت فوق الحارس قال إنها لسه موجودة.. معرفش راحت فين إحنا كنا محاصرين المكان "


ياسين نظر لسيف بضيق: "الراجل ده مبيكذبش يا سيف، الرعب اللي في عينيه بيقول إنه فعلاً ميعرفش.. فيه حد تاني دخل الخط يا صاحبي، والأسياخ دي مقطوعة بآلة مبيشيلهاش غير محترفين."


انسحبت القوات بالمقبوض عليهم، وبقي سيف وياسين وحدهما أمام المكان المهجور، والظلام يلف كل شيء. سيف كان ينظر للسلسلة في يد ياسين، وعقله يرفض التوقف عن التفكير.


ياسين: "هنعمل إيه دلوقتي يا سيف الإشارة قطعت والمكان ملوش أثر."


سيف بجمود وعينين كالجمر : "مش هنمشي من هنا.. هنمسح المنطقة دي شبر شبر"


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فى شقة حور ؛ خيّم السكون إلا من صوت شهقات مكتومة وصوت سمر وهي ساجدة على سجادة الصلاة، تتضرع إلى الله بقلب محروق:

"يا رب رجعهالي بالسلامة.. يا رب احميها من كل شر، دي غلبانة وملهاش غيرك يا رب."


كان آدم يجلس على الأريكة، يفرك يديه بتوتر وقلق، وعيناه تراقب طيف سارة التي كانت تقف في الشرفة، تنظر لظلام الليل وكأنها تبحث عن حور وسط النجوم. قرر آدم كسر هذا الصمت الثقيل، فنهض واتجه نحو الشرفة بخطوات مترددة.


آدم بنبرة هادئة يحاول بها بث الطمأنينة : "سارة.. اهدي شوية، سيف وياسين مش هيسكتوا، وإن شاء الله هترجع بألف سلامة."


لم تلتفت سارة إليه، بل اكتفت بنظرة جانبية ملؤها الاحتقار والإشمئزاز، وكأنها لا تطيق حتى وجوده في المكان.

حاول آدم الاستمرار في الحديث: "أنا عارف إنك شايلة مني بسبب اللي حصل في المدرسة، بس والله.."


سارة قاطعته بجمود : "لو سمحت يا بشمهندس، أنا مليش دعوة بحياتك العاطفية ولا بحياتك عموماً، اللي بينا كان موقف وانتهى، والوقت ده مش وقت كلام فى تفاهات ."


آدم قاطعها بلهفة وعينيه تلمع بصدق: "لا ليكي.. ليكي يا سارة. مش معقول كل المشاعر اللي جوايا دي، وكل اللي حسيته معاكي في الفترة القصيرة دي، يكون من طرف واحد.. مش معقول قلبك محسش بيا خالص."


سارة التفتت إليه وعيناها تفيض بالعتاب والدموع : "مشاعر؟! مشاعر ايه اللى بتتكلم عنها فوق يا استاذ انت واحد خاطب قولي بأي حق تهتم بيا كدة؟ وليه محترمتش اللي بينك وبين خطيبتك؟ وليه سمحت لنفسك تلعب بيا وبيها"


آدم بسرعة: "سارة، إنتي فاهمة الموضوع غلط خالص.."


سارة بصراخ مكتوم ودموع هبطت أخيراً : "هو ايه اللي غلط؟ هتنكر إنها خطيبتك؟ هتنكر إنها كانت حاضناك قدامي؟"


آدم خفض رأسه ونظر للأرض بخزي: "لا.. هي خطيبتي فعلاً، بس والله أنا من فترة وانا قايلها انى مش قادر اكمل معاه هى اللى متمسكة اوى، مفيش اى تفاهم ما بينا ، والمشاعر والتفاصيل اللي عشتها معاكي كانت هي الحقيقة الوحيدة اللي حسيت بيها في حياتي."


سارة بضحكة وجع ساخرة : "كفاية لعب بقى.. أرجوك بلاش تقل من نظري أكتر من كدة. إنت قاعد بتلعب بقلب بنتين ومبسوط، كفاية قرف بقى!"


قطع هذه المواجهة الحادة رنين هاتف سارة.. كان ياسين. ردت بلهفة وكأنها تتعلق بقشة


سارة: "أيوة يا ياسين لقيت حور؟ قولي إنك لقيتها والنبي هاتها أكلمها.. طمنى '


تغيرت ملامح سارة من اللهفة إلى الصدمة والرعب وهي تسمع صوت ياسين المتوتر: "إيه؟ يعني إيه مش موجودة؟ إزاي السلسلة هناك وهي مش موجودة؟"


بدأت سارة تصرخ بهستيريا: "يعني إيه يا ياسين هتكون راحت فين؟ معنى كدة إن فيه حد غريب هو اللي قطع الحديد وخدها يا عالم مين ده وعمل فيها إيه "


ياسين (بصوت عصبي ومجهد من الطرف الآخر): "اقفلي يا سارة انتي بتشحني الجو اكتر اهدى شوية.. ومتقوليش أي حاجة لماما، فاهمة؟"


سارة: "أقولها إيه يعني لو سألتني؟ هي قاعدة بتصلي ومستنية خبر"


ياسين بحدة : " ما تقوليلها اى حاجة أنا مش فايق لك دلوقتي خالص"

ثم أغلق الهاتف في وجهها بغضب.

سقطت يد سارة بجانبها، ونظرت لآدم الذي كان يراقبها بقلق، لكنها لم تره، كانت عيناها تتجه نحو سمر التي بدأت تنهي صلاتها وتنظر إليهما بتوجس، والأسئلة تملأ عينيها.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السيارة تنطلق بسرعة في طريق صحراوي مظلم، وحور لم تصمت لثانية واحدة، حكت له قصتها منذ دخولها المستشفى وحتى اللحظة التي رأت فيها وجهه من الشباك، وسط ذهول يامن من قدرتها على الكلام في ظروف كهذه.


حور بفضول وهي تلتفت إليه : "بس قولي يا يامن.. إيه اللي جاب القلعة جنب البحر؟قصدى يعنى إيه اللي رماك في المكان المقطوع ده وأوعى تقولي تايه عشان اللي بيتوه في حتة ذي دي مبيطلعش بوش منور زي وشك كدة "


يامن بتوتر طفيف لم تلحظه، وهو يضغط على عجلة القيادة : "أنا بحب اجى اخيم هنا كل فترة والتانية بحب أفصل دماغي عن العالم وأشم هوا جديد، بعيد عن زحمة القاهرة وقرفها."


حور :" تخيم هنا يعنى انت سبت مصر كلها وجاى المكان ده وبعدين هوا ايه اللى يتشم ده فيه ريحة فار ميت ياجدع ....وبعدين تخيم بإيه؟ ده أنا مش شايفة معاك غير شنطة ورا، هي دي اللي فيها الخيمة أوعى تكون بتنام على الرمل، اصل العقارب هنا بتعمل حفلات بالليل."


يامن اكتفى بإبتسامة خفيفة وحاول التركيز في الطريق، لكن حور استمرت: "بقولك إيه، هات موبايلك أكلم ياسين أخويا، زمانهم قالبين الدنيا عليا."


يامن :" الموبايل عندك اهو بس فاصل شحن حطيه فى الشاحن ولما يلقط ابقى اعملى اللى انتى عايزاه "

حور بتذمر :" انت فقر اوى علفكرة مفيش اى وسيلة تواصل معاك اطلع اصوت طيب "


وفجأة، وبدون مقدمات، بدأت السيارة تكركر وتصدر أصواتاً غريبة، ثم بدأت سرعتها تتناقص حتى توقفت تماماً وسط الطريق المظلم.


يامن ضرب على الدريكسيون بضيق : "لااا.. مش وقتك خالص"


حور بصدمة : "في إيه العربية وقفت ليه؟ لا يا يامن، قولي إنك بتهزر وبتحب تعمل فيا مقلب اوعى يكون اللى فى بالى "


يامن نزل من السيارة وتفقد المحرك، ثم عاد ونظر إليها بغيظ : "انتي وشك نحس العربية دي عمري ما اشتكيت منها، جيتي إنتي ومن أول ربع ساعة يحصل ها كده "


حور نزلت من السيارة وهي تبرطم : "أنا اللي نحس برده دي عربيتك اللي فرفورة وبتتدلع واتلاقيها كمان غارت من جمالى بص لما نوصل القاهرة بالسلامة ابقى بيعها خردة وجيب واحدة جديدة احسن"


يامن بصلها بإبتسامة صفراء : "ممكن تسكتي ثانية عشان أفكر هنعمل إيه"


حور ببراءة مصطنعة : "خلاص يا عم سكت..طيب أنا جعانة أوي، أنا عصافير بطني بتصوت يا يامن وشوية والموضوع صدقنى هيبقى خارج عن السيطرة هات اى حاجة نأكلها "


يامن تنهد بيأس، ونظر حوله ثم أشار لبعيد: "فيه كوخ صغير هناك نقعد فيه دلوقتى علشان المكان هنا خطر "


حور بتمثيل : "كوخ !؟ يا عيني عليكي يا حور، من دكتورة وليكي وضعك، لرهينة، لمشردة في كوخ مع واحد معرفوش غير من نص ساعة يلا.. أدينا بنجرب مغامرة جديدة، بس لو فيه فار في الكوخ ده، أنا هعتبرك إنت المسئول "


مشى يامن أمامها وهو يحاول كتم ضحكته على هذه الفتاة التي لا تتوقف عن إثارة الجدل حتى وهي في قمة أزمتها، بينما تبعته حور وهي تتلفت حولها بحذر، واضعة يدها على السلسلة المفقودة.. لتكتشف فجأة أنها لم تعد موجودة!


وصلوا للكوخ، مكان صغير جداً، مفيهوش غير كنبة قديمة متهالكة وترابيزة خشب وعفرة مغطية كل حتة. يامن دخل ونفض الكنبة بهدوء، وحور وقفت على الباب بتبص للمكان بقرف.


حور: "يا حلاوة هو ده بقى الفندق الخمس نجوم اللي حجزتهولنا؟ ده لو في فيلم رعب المخرج هيخاف يصور هنا انت متأكد إن مفيش جثة مستخبية تحت الكنبة دي؟"


يامن تجاهلها وقعد : "احمدي ربنا إننا لقينا سقف يدارينا.. اقعدي وبطلي زن."


حور قعدت على طرف الكنبة بحذر : "قعدت أهو.. بس بقولك إيه، أنا حرفياً هموت من الجوع، مفيش فى العربية دي أي بسكوتة، شيبسي، حتة لبانة حتى نسلي بيها صيامنا ده"


يامن طلع من جيب جاكيته شيكولاتة : "خدي دي ومسمعش صوتك لحد الصبح."


حور عينيها لمعت : "شيكولاتة ياااااه.. ده انت طلعت كريم أوي يا يامن، بس دي مش هتعمل حاجة ."


فتحتها وبدأت تأكل بنهم، وفجأة وهي بتبلع، حست بحرقان شديد في رقبتها، وحطت إيدها عليها بتألم: "آه.. رقبتي حرقاني أوي."


يامن انتبه وبص لرقبتها، لقى جرح طولي مكان السكينة اللي كانت العصابة حطاها، والدم كان ناشف عليه بس بدأ يلتهب.


يامن بجدية : "وريني كدة.. الجرح ده لازم يتطهر حالاً."


حور بثقة : "تطهر إيه يا عم، ده حاجة بسيطة سيبها بس تنشف لوحدها."


يامن قام وطلع علبة إسعافات صغيرة من جيبه : "اللى دخلك كلية الطب ده ظلمك والله .... الجرح ده لو اتلوث في الرطوبة دي هيقلب بخراج يا استاذة قاعدة ثابتة بقى ."


بدأ يامن يقرب منها، وحور بدأت تتوتر بس فضلت تداري ده بالكلام:

"ما شاء الله.. ومعاك شنطة إسعافات كمان انت يا ابني طالع تخيم ولا طالع تفتح وحدة صحية وبعدين إنت إيه اللي فهمك في الطب أصلاً أوعى تكون فاكر نفسك دكتور ذيي."


يامن وهو بيطهر الجرح ببرود : "عارف شوية معلومات.. اثبتي بقى."


حور بتأوه : "آآآه.. براحة يا يامن إيدك تقيلة اوى علفكرة وبعدين إيه الريحة دي؟ ده كحول ولا مية نار؟"


يامن بابتسامة خبيثة : "كحول.. بس بيحرق الناس اللي لسانها طويل بس."


حور بصت في عينيه للحظة : "ماشي يا يامن.. مقبولة منك عشان أنقذتني بس. بس قولي بجد، إنت بتعرف تعمل كل ده إزاي؟ هدوءك ده مش طبيعي، كأنك متعود على اللى بيحصل ده ."


يامن سكت لحظة وهو بيلزق البلاستر : "قلت لك بخيم كتير.. وبتحصل مواقف. خلصنا، ارتاحي بقى عشان موبايلي قرب يفتح ونشوف هنعمل إيه."


حور سكتت لأول مرة من التعب والنوم غلبها ونامت وهى قاعدة مكانها من غير ما تحس ويامن قعد برة قدام الكوخ

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...